النص المفهرس
صفحات 21-40
DOo عدو وهذا الوصفُ مشتقٌّ من الحِفظ الذي هو فعلُهُ . والوجهُ الثاني : أن يكونَ الحفظُ في الآدميينَ ضدَّ النسيان ، وذلك راجعٌ إلى معنى العلم النافي للنسيان ، ولهذا يقالُ للعلماء بالأسانيد والمتون : الحفّاظُ ، والله عزَّ وجلَّ أعلمُ العلماء . فإن أريد بـ ( الحافظِ ) فيه معنى ( العالِم ) فالمعنى صحيحٌ(١) ، ولكن لا يُطلَقُ عليه اسمُ الحافظِ بمعنى العالِم ؛ لأنه لا یقال فيه : ( حفظ ) بمعنى (عَلِمَ )، وإنما يقالُ: حفظَ الله فلاناً؛ بمعنى: حرسَهُ وصانَهُ ، ومنعَ عنه الآفاتِ . ويقالُ من هذا الوجه : استحفظتُ فلاناً؛ إذا كلَّفتُهُ حِفظَ شيءٍ ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]. فأما معنى الحِفْظَةِ والحَفِيظَةِ (٢): فهو التذمُّرُ لحِفظ الذِّمار. ويقال : حافظتُ على الشيء ؛ إذا واظبتُ عليه ؛ قال الله عزَّ وجلَّ : ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أي: واظبوا على إقامتها(٣) (١) قال سبحانه ذاكراً للحوار بين فرعون وسيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام : ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُوْلَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبٍ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنَى﴾ [طه: ٥١ - ٥٢]، ففي مقابلة النسيان مع العلم دليلٌ على أن المراد بالعلم هنا الحفظ ، جلَّ ربنا وعزَّ . (٢) الحِفْظَةُ والحفيظة: كلاهما بمعنىّ ؛ وهما كما ذكر المصنف التذمُّر لحفظ الذمار ؛ يقال : أحْفَظَهُ حفظةً ؛ إذا أغضبه، وهما بمعنى الحمية والغضب لحرمةٍ تنتهكُ . انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٦٥/٤)، و((الصحاح)) (ح ف ظ ). (٣) يعني: في مواقيتها. انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٦٥/٤). ٢٠ 00000 والإحفاظُ : الغضبُ ؛ يقال : أحفظْتُهُ ؛ أي : أغضبتُهُ . وفي بعض الحديث : ( فبدرَتْ منِّي كلمةٌ أحفظَتْهُ)(١) ؛ أي : أغضَبتْهُ ؛ قال الراجز (٢): [من مشطور الرجز] وحِفْظَةٍ أَكنَّها ضميرِي(٣) (١) انظر ((الغريبين)) (٢/ ٤٦٥)، والحديث رواه البخاري ( ٢٧٠٨) من حديث سيدنا الزبير بن العوام في شراج الحرة ، ولفظه هذه العبارة : ( فلمَّا أحفظَ الأنصاريُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ... ) الحديث . (٢) الرجز للعجاج بن رؤبة. انظر ((ديوانه)) (١/ ٣٣٤). (٣) قال ابن قتيبة في ((المعاني الكبير)) (١٢١٦/٣): (الحِفْظَةُ: الغضب ؛ أي: صرت أغضب مما لم أكن أغضب منه ) . ٢١ TOOK CON ٢ ذكر معنى (الحق) من أسمان عزوجل (١) اعلمْ : أن هذه الكلمةَ في اللغة على وجوه : [ الوجهُ الأوَّلُ في بيانِ معنى (الحقِّ ) مِنْ طريقِ اللغةِ ] أحدُها : أن يكونَ الحقُّ بمعنى : الموجودِ الكائنِ الثابتِ الذاتِ (٢) ؛ من قولهم : الجنَّةُ حقٌّ ، والنارُ حقٌّ ؛ أي : هما موجودتانِ كائنتان . [ أحقيَّةُ الجنةِ والنارِ بمعنى وجودِهما وبقائِهما ] خلافَ قول ضرارٍ : إنهما لم تُخلقا ، وإن آدمَ كان في بستانٍ من البساتينِ سوى جنَّةِ المأوى(٣) (١) قال العلامة ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (٢٩٢/١): (هو اسمٌ بديعٌ من أسمائه الحسنى، ووصفٌ من أوصافه العُلا، اختصَّ به المتعبِّدونَ من هذه الأمّة ، فلا يُخبِرون عنه إلا به ، لِمَا عاينوا من كثرة الباطل، وشاهدوا من غلبة المُحال، عظُمَ قدرُهُ في الملَّة ، وعمّ ذكرُهُ في الشريعة ) . وحكى الحجة الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٥٠) أن هذا الاسم هو الغالبُ على أهل التصوف ذكرُهُ ؛ لرؤيتهم فناءَ أنفسهم وهلاك ذواتهم ، وبقاء الحق سبحانه الواجب الوجود ، أما أهل الكلام فالجاري على ألسنتهم اسم ( البارئ ) ؛ لأنهم يستدلُّون بالأفعال على فاعلها . (٢) وهو أحد قولي الأشعري. انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٦ - ٤٧). (٣) انظر (١/ ٥٤٤). حدة 2 وخلافَ من قال من القدريَّة: إنهما خُلقتا ، ولكنهما تفنيان(١) وخلافَ قولٍ من قال منهم : إنه يجوزُ أن تكونا مخلوقتين ، وإن كانتا مخلوقتينٍ فإنهما تفنيان لا محالةَ ، ثم تعادان بعد الفناء ، كما ذهبَ إليه الكعبئُ(٢) والصحيحُ عند أهل السنَّة والجماعة : أنهما مخلوقتانِ ، وباقيتانِ أبداً لا تفنيان ، وإنما امتنعَ الفناءُ عليهما من جهة الخبر . وأما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] .. فالمرادُ به: فناءُ الناسِ والجنِّ والملائكةِ ، ولم يقل : ( كلُّ ما عليها فان ) ، واسم ( من ) : إنما يقعُ على ما يُوصَفُ بالتمييز ، دون ما لا يُوصَفُ به(٣) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]: معناه: أن كلَّ عمل أريدَ به غيرُ وجهِ الله والتقرُّبِ به إليه .. فثوابُهُ باطلٌ (٤) فإذا تأؤَلنا ( الحقَّ ) على هذا الوجه ؛ وهو الموجودُ الكائن ، والله عزَّ (١) وهو قول بعض من أصحاب ضرار، وجماعة من النجاريَّة. انظر (٥٤٤/١). (٢) انظر (١ / ٥٤٤ ) . أو عاد الضمير في ( عليها ) إلى الأرض ، فلا تدخل الجنة والنار في الآية أصلاً ، فإن (٣) قيل : لم تذكر حتى يعود الضمير إليها .. فالجواب: هي كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَّوَارَتْ بِاَلِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] في عود الضمير إلى الشمس. (٤) قال إمامنا الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٤٧): ( الممتنع بذاته : هو الباطل مطلقاً ، والواجب بذاته : هو الحق مطلقاً ، والممكن بذاته الواجب بغيره : هو حقٌّ من وجه ، باطلٌ من وجه ؛ فهو من حيث ذاته لا وجود له ، فهو باطل ، وهو من جهة غيره مستفيد للوجود ، فهو من هذا الوجه الذي يلي مفيدَ الوجود .. موجودٌ ، فهو من ذلك الوجه حق ، ومن جهة نفسه باطل، فلذلك قال تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ) . COOOD ٢٣ وجلَّ موجودٌ كائنٌ .. فهو الحقُّ، ووجودُهُ واجبٌ، والفناءُ عليه مستحيلٌ ، فكان باسم الحقِّ أولى . وعلى هذا الوجهِ : يكونُ هذا الاسمُ من جملة أوصافٍ ذاتِهِ ؛ لأنه موجودٌ لنفسه . [ ليسَ الوجودُ في نفسِهِ صفةٌ ] خلافَ قول سليمانَ بن جرير : إنه موجودٌ لمعنىّ . وهذا باطلٌ ؛ لأنه لو كان موجوداً لمعنىّ لكان ذلك المعنى أيضاً موجوداً لمعنىّ سواه ، وتعلّقَ كلُّ معنىَ بمعنىّ لا إلى نهايةٍ ، وذلك يوجبُ وجودَ ما لا نهايةَ له من المعاني ، وذلك محال . 0000000 فإن قال : ما أنكرتُم أن يكونَ موجوداً لمعنى، وذلك المعنى لا يُوصَفُ بأنه موجودٌ ولا بأنه معدومٌ ؟(١) 0000 قيل : هذا محالٌ؛ لأن المذكورَ لا يخلو من أن يكونَ موجوداً أو معدوماً، ولا واسطة بين الوجود والعدم ، فبطل بذلك أن يكون موجوداً لمعنىّ . [ الوجهُ الثاني في بيانٍ معنى (الحقِّ ) مِنْ طريقِ اللغةِ ] والوجهُ الثاني في معنى ( الحقِّ ) : أن يكونَ بمعنى الكائن الحادثِ في الثاني لا محالةَ ، وإن لم يكن موجوداً في الوقت ؛ كقولنا : إن القيامةَ (١) وهذا المعنى يعبّرُ عنه بالحال النفسية، والمؤلف لا يقول بالأحوال أصلاً، لا نفسية ولا معنوية . 2000 حقٌّ ، والبعثَ من القبور حقٌّ ، والحسابَ حقٌّ ؛ أي : إن ذلك كلَّهُ كائنٌ واقعٌ في المستقبل لا محالةً(١) خلافَ قولٍ منكري القيامةِ والنشورِ ؛ من الدهريَّةِ والفلاسفةِ والثنويَّةِ ، ومن جرى مَجْراهم . وتحقيقاً لقولنا : إن عذاب القبر كائنٌ لقوم ، وسؤالَ منكرٍ ونكيرٍ في القبر كائنٌ حقٌّ على هذا المعنى . خلافَ قول من أنكرَ ذلك من القدريّة والضراريَّة(٢) (١) وبه فسر الإمام الخطابي معنى (الحاقة)، فقال في ((شأن الدعاء)) (ص٧٦): (معناه - والله أعلم - : الكائنةُ حقاً ، لا شكَّ في كونها ، ولا مدفعَ لوقوعها ) . 000 OC (٢) ووافق ضرارٌ على ذلك الخوارج. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٣٠)؛ قال قاضي المعتزلة عبد الجبار في (( شرح الأصول الخمسة)) (ص ٧٣٠) في عذاب القبر: ( وجملة ذلك : أنه لا خلافَ فيه بين الأمة ، إلا شيء يحكى عن ضرار بن عمرو ، وكان من أصحاب المعتزلة ، ثم التحق بالمجبرة ، ولهذا ترى ابن الراوندي يشنِّعُ علينا ويقول : إن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يقرُّون به ) . 00 وقال ابن حزم في « الفصل بين الملل والنحل)) (٥٥/٤_٥٦): (ذهب ضرار بن عمرو الغطفانيُّ ؛ أحد شيوخ المعتزلة .. إلى إنكار عذاب القبر ، وهو قول من لقينا من الخوارج ، وذهب أهل السنة وبشرُ بن المُعتَمِر والجبائيُّ وسائرُ المعتزلة إلى القول به ) . وقد فشا في زماننا بين صفوف المتصفِّحين لكتب الشريعة وبعض العامة .. اعتقادُ نفي عذاب القبر ؛ بناءً على بعض عمومات القرآن الكريم ، وأحسبُ أن الدافع لهؤلاء للأخذ بهذا النفي هو الخوفُ من صفة هذا العذاب ، أو اعتقاد أن الموت محض عدم ، فيلجؤون لأيسر الشُّبُل ؛ فيظنُّون أن مجرَّد اعتقاد عدم وجوده يخلّصهم منه ! كالنعامة التي تدفن رأسها خوفَ عدوِّها كما يشاع ويقال . وخيرٌ لهم من ذلك : أن يعلموا أن ثَمَّ نعيم القبر كما أن عذابه موجود ، وأن الخلاص منه= ٢٥ وخلافَ قول من زعم ذلك : إن ذلك إنما يكونُ بين النفختين ، كما أشار إليه الكعبيُّ وأتباعُ الضلالة . وهذا التأويلُ لا يجوزُ في وصف الله عزَّ وجلَّ بأنه حقٌّ ؛ لأن وجودَهُ واجبٌ حاصلٌ غيرُ حادثٍ ولا مُتوقَّعٍ . [ الوجهُ الثالثُ في بيانِ معنى ( الحقِّ ) مِنْ طريقِ اللغةِ ] والوجهُ الثالثُ في معنى ( الحقِّ ) : إذا استُعمِلَ في الخبر كان بمعنى الصدق ، وإذا قيل في الخبر : إنه باطل ؛ فمعناه : أنه كذب . 2000 OC والعبارةُ عن الصدق بالحقِّ [مشهورةٌ] بالعرف والعادة (١)، وقد وَصفَ الله عزَّ وجلَّ قولَهُ بالحقِّ فقال: ﴿مَا خَلَقْتَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِ﴾ [الدخان: ٣٩]؟ أي : خلقَهما بقوله لهما : ( كونا ) ؛ تحقيقُ ذلك وبيانُهُ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. ووصَفَ خبرَهُ الصدقَ بالحقِّ فقال: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَنَّيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وقولُهُ: ﴿حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّى﴾؛ أي : صار خبري عن امتلاء جهنّمَ حقّاً وصدقاً لا يجوزُ الخلافُ فيه . بحُسْن الاعتقاد والعمل ، وما أيسرّ ذلك ! بل لو كان عذاب القبر ظنّاً لكان يجدر بنا أن نجتهد لدفعه ، كيف وهو ثابتٌ بصحاح الأخبار ؟! ولا يدري هؤلاء النفاة كم يهدمون أصولاً من الدين لو أنهم سلَّموا بهجر العمل بصحيح السنة ، ولكنَّها الفتن تحصد وترصد ، وإلى الله المرجع والمآب . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( مشهور ) . OOOOD" ٦ ٢ 00000 [ الوجهُ الرابعُ في بيانِ معنى (الحقِّ ) مِنْ طريقِ اللغةِ ] والوجهُ الرابعُ في معنى ( الحقِّ ) : أن يكونَ بمعنى الصواب ، وهذا ينقسمُ قسمینِ : أحدُهما : الصوابُ الذي يكونُ طاعةً . والثاني : الصوابُ الذي هو إصابةُ مرادِ القاصد ، وإن كان في نفسه معصيةً ؛ كقولنا لمن رمى إلى إنسانٍ فأصابه : إنه أصابَ في رميه ، وإن كان عاصياً برميه إليه وقتلِهِ إِيَّاه . وعلى هذا المعنى ورد الشرع بـ ((أنَّ العينَ حقٌّ))(١)؛ أي: أن إصابةً العائن معيونَهُ بعينه حقٌّ ، وكونَ هذه الإصابةِ دلالةٌ على نكبةٍ تُصيبُ المعيونَ حقٌّ ، وإن لم يكن مُطيعاً في هذه الإصابة . Oo [ الوجهُ الخامسُ في بيانٍ معنى (الحقِّ ) مِنْ طريقِ اللغةِ ] والوجهُ الخامسُ في معنى (الحقِّ ) : أن يكونَ بمعنى الواجب اللازم ؛ مِنْ قولهم : لفلانٍ على فلانٍ حقٌّ؛ أي : دينٌ واجبٌ لازمٌ (٢) وفي هذا المعنى نزل قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦]؛ يعني: وجب عليها الوعيدُ، وقولُهُ: ﴿حَقًّا عَلَى [المُحْسِنِينَ]﴾ [البقرة: ٢٣٦] (٢)؛ (١) رواه بنحوه البخاري (٥٧٤٠)، ومسلم (٢١٨٧) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . (٢) وبه قال المبرد. انظر ((التفسير البسيط)) (١٢٩/٢٢). (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( المؤمنين ) بدل ( المحسنين ) . OxCx أي : إيجاباً عليهم ؛ يقال : حقَّقتُ عليه القضاءَ وأحققتُهُ ؛ أي : أوجبتُهُ ، ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَسْتَحَقًّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]؛ أي: استوجباه . 40 [ الوجهُ السادسُ في بيانِ معنى (الحقِّ) مِنْ طريقِ اللغةِ ] والوجهُ السادسُ في معنى ( الحقِّ ) : أن يكون عبارةً عن كلِّ ما يَحسُنُ فِعلُهُ أو يَحسُنُ اعتقادُهُ . وعلى هذا الوجه يدورُ كلامُ الفقهاء في قولهم : هذا الحكمُ حقٌّ ؛ أي : اعتقادُهُ حسنٌ ، وفعلُهُ حسنٌ . وإذا قالوا في عكسه : إن هذا الشيءَ باطلٌ .. فالمرادُ به : أن فعلَهُ معصيةٌ أو مكروهٌ، وأن اعتقادَهُ قبيحٌ أو مكروهٌ؛ كقولهم: إن المسحَ على الخفَّينِ والقصرَ في السفر حقٌّ ؛ أي : إن اعتقادَهُ بجوازهما حسنٌ حقٌّ ، وفعلَهما حسنٌ . oo وإذا قالوا : إن هذا العقدَ باطلٌ .. أرادوا به : اعتقادُ جوازه معصيةٌ وقبيحٌ ، ونحو ذلك كثير . ٢٨٠٠ [ وجوهُ (الحقِّ ) في القرآنِ ] والحقُّ في القرآنِ على وجوه : أحدُها : ( الحقُّ) هو ( الله ) عزَّ وجلَّ ؛ وذلك قولُهُ في سورة ( المؤمنين): ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الآية: ٧١] ؛ يعني: لو اتبع اللّهُ أهواءَهم . 00000 ٢٨ [وقولُهُ] في سورة (العصر)(١): ﴿وَتَوَاصَوْ بِالْحَقِّ﴾ [الآية: ٣]، قال مقاتل : ( معناه : وتواصوا بالله ؛ يعني: في علمهم بأنه واحدٌ )(٢) وكذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينٌ﴾ [النور: ٢٥]. والوجهُ الثاني : ( الحقُّ ) بمعنى ( القرآن ) ؛ وذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ في سورة ( الزخرف): ﴿حَتَّى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ﴾ [الآية: ٢٩] (٣). وكذلك قولُهُ: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِخْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ ﴾ [الزخرف: ٣٠] (٤). وكذلك قولُهُ في سورة ( قَ): ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِأَلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ [الآية: ٥] (٥). والوجهُ الثالثُ : ( الحقُّ ) بمعنى ( الإسلام ) ؛ وذلك في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] (٦). 5 وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُطِلَ اُلْبَطِلَ ﴾ [الأنفال : ٨] ، فالحقُّ : الإسلام ، والباطلُ : الشرك وعبادة الشيطان (٧) والوجهُ الرابعُ : ( الحقُّ) بمعنى ( العدلِ) ؛ كقوله عزَّ وجلَّ في سورة (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( والثاني قوله ) بدل ( وقوله ) . (٢) انظر ((الكشف والبيان)) (٢٨٣/١٠)، و((الوسيط)) للواحدي (٤/ ٥٥١). (٣) انظر (الوجيز)) للواحدي (٩٧٣/٢)، وفي (ب، ج) زيادة: (يعني: القرآن ورسول مبين ) ، كذا برفع ( رسول مبين ) . (٤) انظر ((تفسير الطبري)) (٢١/ ٥٩١). انظر ( الوسيط)) للواحدي (٤ / ١٦٣ ). (٥) (٦) انظر ((الوجيز)) للواحدي (٦٤٥/٢). (٧) انظر ((تفسير الطبري)) (٤٠٨/١٣). 100000 700000 ٢٩ ( النور): ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِّهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [الآية: ٢٥]؛ يعني: حسابَهم العدلَ(١) وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ يعني : بالعدل (٢) وكقوله في سورة ( صّ): ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [الآية: ٢٢]؛ يعني: بالعدل (٣) والوجهُ الخامسُ : ( الحقُّ ) بمعنى ( التوحيد) ؛ كقوله في (الصافات): ﴿بَّ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧]؛ يعني: بالتوحيد (٤) والوجهُ السادسُ : ( الحقُّ ) بمعنى ( الصدق ) ؛ كقوله في سورة ( يونس): ﴿ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [الآية: ٤]؛ يعني: صِدقاً (٥) وكذلك قوله في ( الأنعام ): ﴿قَوْلُهُ أَلْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] ؛ يعني : الصِّدقَ(٦)؛ قال الله عزَّ وجلَّ في سورة (يونس): ﴿وَيَسْتَنَِّئُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ [الآية: ٥٣]؛ أي: صِدقٌ(٧) (١) انظر ((الدر المنثور)) (٦ /١٥٤). (٢) انظر ( تفسير الطبري)) (٥٦٣/١٢). انظر ((تفسير الطبري)) ( ٥٥/٢٠ ) . (٣) (٥) إذ تمام الآية: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. انظر (تفسير الطبري)) (٢٢٧/٩). (٤) انظر « الوسيط )) للواحدي ( ٥٢٥/٣) . (٦) انظر (( الوسيط)) للواحدي (٢٨٨/٢). (٧) انظر ((الكشف والبيان)) (٢٦٥/١). 2 والوجهُ السابعُ : بمعنى (وجب )؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿حَقَّ[عَلَيْهِمُ] اَلْقَوْلُ فِيَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم﴾ [فصلت: ٢٥] (١)؛ يعني: وجب عليهم كلمةُ العذاب(٢) وكذلك قوله في ( حمّ المؤمن ): ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ [غافر: ٦]؛ يعني: [وجبَتْ] كلمةُ العذاب من ربك على الكافرين(٣) والوجهُ الثامنُ : ( الحقُّ) بمعنى (ضدِّ الباطل)؛ وهو قولُهُ: ﴿جَآءَ اُلْحَقُ وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، وقولُهُ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالِّْ عَلَى الْبَطِيلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]. والوجهُ التاسعُ : ( الحقُّ): ( الدَّينُ وحقوقُ الأموال ) ؛ كقوله عزَّ وجلَّ في سورة ( البقرة): ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، وقولِهِ: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْضَعِيفًا﴾ [الآية: ٢٨٢] (٤) . O والوجهُ العاشرُ : ( الحقُّ) بمعنى (الحظّ)؛ كقوله في (سألَ سائلٌ): ﴿﴿ وَلَّذِينَ] فِىَ أَمْوَهِمْ حَقٌ مَّعْلُومٌ * لِلِسَّأَبِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤-٢٥](٥)؛ يعني: حظّ (٦) (١) قوله : (عليهم ) ليست في جميع النسخ . (٢) انظر ((الوجيز)) للواحدي (٢ /٩٩٦). (٣) انظر ((الكشاف)) (٣٣٠/٥) . انظر (( الوسيط)) للواحدي ( ٤٠٣/١). (٤) قوله : ( والذين ) في جميع النسخ : ( و) . (٥) (٦) كذا على تقدير حكايتها في سياق الآية . ٣١,٥ 2 [ بيانُ معنى ( الحاقة ) في القرآن و( الحق ) في السنة ] وأما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿الْحَقَّةُ﴾ [الحاقة: ١]؛ يعني: القيامةَ. واختلفوا في معنى تسميتها بهذا الاسم : فقال الفرَّاءُ: لأن فيها حقائقَ الأمور(١) وقال غيرُهُ: سُمِّيت حاقَّةً لأنها تَحُقُّ كلَّ إنسان بعمله ؛ من خير أو شر (٢) وقال آخرونَ : سُمِّيت حاقَّةٌ لأنها تَحُقُّ الكفَّارَ الذين حاقُّوا الأنبياءَ عليهم مو(٣) السلام ؛ يقال : حاقَقْتُهُ فحقَقْتُهُ؛ أي : خاصمتُهُ فخصمتُهُ( وفي الحديث : ( فجاء رجلان يحتقَّانِ ويختصمانِ )(٤) وفي حديث عليٍّ: ( إذا بلغ النساءُ نَصَّ الحِقاقِ فالعَصَبةُ أولى إذا بلغت حذَّ المُحاصَّةِ، والعَصَبةُ أولى بتحصينها من أمِّها )(٥) وقد جاء ( الحقُّ ) في السنَّة بمعنى ( الحزم ) ؛ ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : (( ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ أنْ يبيتَ ليلتينٍ إلا ووصيَتُهُ عندَهُ))(٦)؛ (١) وبه قال الكلبي. انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٤٣/٣)، و((التفسير البسيط)) (١٢٨/٢٢). (٢) وهو قول الزجاج. انظر كتابه ((معاني القرآن)) (٢١٣/٥). (٣) حكاه الأزهري فى « تهذيب اللغة)) ( ٢٤٣/٣) عن بعضهم . CO (٤) رواه مسلم ( ١١٦٧) من حديث سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . (٥) رواه مختصراً البيهقي في (( السنن الكبرى)) (١٢١/٧)، ونَصُّ الحقاق : هو الإدراك؛ يقول : إذا بلغ النساء ذلك فالعصبة أولى بالمرأة من أمِّها - إذا كانوا مَحْرَماً ؛ مثل الإخوة والأعمام - بتزويجها إن أرادوا. انظر ((غريب الحديث)) لابن سلام ( ٣/ ٤٥٧). (٦) رواه بنحوه البخاري (٢٧٣٨) ومسلم ( ١٦٢٧) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . ٣٢٨٠٠٠٠٥ Y أي : ما الحزمُ له إلا في ذلك . وأما الحقيقةُ : فهي ما يصيرُ إليه حقُّ الأمرِ ؛ يقالُ : فلانٌ حاقَّ الحقيقةَ ؛ إذا حمى ما يجبُ عليه أن يحميَهُ . وفي الحديث : ( لا يبلغُ المؤمنُ حقيقةَ الإسلام حتى لا يعيبَ مسلماً بعيبٍ هو فيهٍ )(١) وأما الحِقَّةُ المأخوذةُ في الصدقة : فهي التي استكملت السنةَ الثالثةَ ، والذكرُ : حِقٌّ، وإنما سُمَِّ بذلك: لأنه استحقَّ الركوبَ والحملَ ، وفي حديث عمرَ : ( من وراءِ حِقاقِ العُرْفُطِ )(٢) ؛ يعني: صغارَها وشوائَّها؛ شُبِّهت بحِقاقِ الإبل . وفي حديث عمرو بن العاص أنه قال لمعاويةً : ( أتيتُكَ من العراقِ ، وإنَّ أمرَكَ كحُقِّ الْكَهُولِ )(٣)، وحُقُّ الكَهُولِ: بيتُ العنكبوتِ (٤) والحُقُّ : جمعُ الحُقَّةِ ، أراد : أن أمرَهُ كان واهياً . (١) هو قول الحسن البصري كما في ((شرح البخاري)) لابن بطال (١٨٦/١٠)، وقد روى الطبراني في « المعجم الصغير)) (٩٦٤) عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً قال : ((لا يبلغُ عبدٌ حقيقة الإيمانِ حتى يَخْزُنَّ مِنْ لسانِهِ)). (٢) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٦٣/٢٢) من كلام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والعرفطُ : شجرٌ من العضاءِ ينضح المغفور، إذا أكلته النحل حصل في عسلها ريحُهُ . (٣) أورده بنحوه ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (٣٧٦/٢) بلفظ: ( الكهدل ) بدل (الكهول)، وتعقبه الخطابي في ((غريب الحديث)) (٢/ ٤٩٠) وذكر أنه تصحيف ، والكَهُول : العنكبوت . (٤) أورده الهروي في ((الغريبين)) (٤٧٣/٢) من كلام العاص بن وائل ، وعزاه الخطابي في ((غريب الحديث)) (٢/ ٤٩٠) إلى عمرو بن أبي عمرو الشياني. وأما قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَالْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ : لَأَمْلَأَنَّ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥]: مَن نصبَهما : فعلى معنى: فالحقَّ أقولُ، والحقَّ لأملأنَّ جهنمَ حقّاً (١) ومن رفعَهما : فعلى وجهين ؛ أحدهما : فأنا الحقُّ ، والثاني : فالحقُّ منى (٢) فهذه وجوه الحقِّ ، وما يتصرّفُ منه في اللغة ، فمعناه : وجوبُ وجوده ، ووجوبُ اعتقادٍ توحيده وإلاهيَّته، كما بيَّناه قبلَ هذا، والله أعلم . 0000 (١) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر والكسائي ، وعامة قراء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين. انظر (( السبعة في القراءات)) (٥٥٧)، و ((تفسير الطبري)) (٢٤٢/٢١)، وقرأ عاصم وحمزة وخلف برفع الأول ونصب الثاني . انظر ((النشر في القراءات العشر)) (٣٦٢/٢). C والنصب في قوله : ( والحقَّ لأملأن) على أنه مقسمٌ به حُذف منه حرف القسم فانتصب. انظر (( الدر المصون)) (٣٩٩/٩ - ٤٠٠). (٢) وهي قراءة ابن عباس ومجاهد والأعمش. انظر ((الدر المصون)) (٤٠٢/٩)، قال الطبري في (( تفسيره)) (٢٤٢/٢١): (وأما (( الحق)) الثاني فلا اختلاف في نصبه بين قرَّاء الأمصار كلهم ؛ بمعنى : وأقول الحق ) . CON ٣٤ FOood 2 ذكر معنى (الحميد) من أسمان عزوجل اعلمْ : أن الكلامَ في معنى هذا الاسم من وجهين : أحدُهما : في معناه . والثاني : في معنى ( الحمدِ ) الذي اشتُقَّ منه هذا الاسمُ . [ بيانُ معنى (الحميدِ ) ] فأما الكلامُ في معناه : فهو أن ( الحميدَ ) في صفاتِ الله عزَّ وجلَّ يَحتمِلُ أن يكونَ بمعنى ( المحمودِ)؛ (فعيلٌ ) بمعنى ( مفعولٍ ) ، والله سبحانَهُ المحمودُ ؛ كما قيل في مدح النبيِّ صلى الله عليه وسلم(١): [من الطويل] فذُو العرشِ محمودٌ وهذا محمَّدُ وشَقَّ لَهُ مِنِ اسمِهِ کيْ یُجِلَّهُ ويَحتمِلُ أن يكونَ ( الحميدُ) في صفات الله عزَّ وجلَّ بمعنى ( الحامدِ ) ؛ ( فعيلٌ) بمعنى ( فاعلٍ )؛ مثلُ: شهيدٍ بمعنى شاهدٍ(٢) (١) البيت لسيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه. انظر ((ديوانه)) (١/ ٣٠٦)، وفيه : (شق) بدل (وشق)، قال العلامة عبد القادر البغدادي في ((خزانة الأدب)) (٢٢٤/١): (والصواب في روايته: ((شقَّ له من اسمه)) بدون واو ؛ فإنها للعطف، ولم يتقدم شيء يعطف عليه ، لكن يبقى الشعر مخروماً ، والخرم جائز عندهم ) ، ثم قال في قوله : ( اسمه): ( وسمعت بعضهم يقرؤه بهمزة القطع ، وهو لحنٌ ) . (٢) انظر (٢ / ٢٩٣). CONS TO وقد يكون ( الفَعُولُ) بمعنى ( الفاعل ) ؛ مثلُ : شكورٍ بمعنى الشاكرِ(١) والله جلَّ ثناؤه محمودٌ بجميع محامدِهِ ، وحامدٌ عبادَهُ ومثنٍ عليهم بما يكون منهم من خصالِ الخيرِ . فإذا قلنا: إن ( الحميدَ ) في صفاته بمعنى ( المحمودِ) الذي حَمِدَهُ عبادُهُ .. كان من الأوصافِ التي استحقَّها عند وجود حَمْدِ الحامدينَ له ، ولم يكن من أوصافه الأزليّة . وإذا قلنا فيه : إنه ( حميدٌ) بمعنى أنه ( حامدٌ ) لعباده على خصالهم المحمودة .. كان الحميدُ من أوصافه الأزليّة على مذهبنا ؛ لأن حمدَهُ لعباده إنما هو ثناؤه عليهم، وإخبارُهُ عن كونهم محمودينَ ، وذلك راجعٌ إلى قوله ، وقولُهُ عندنا صفةٌ له أزليَّةٌ . فأما من قال : (إنَّ كلامَهُ حادثٌ ) كما ذهبت إليه القدريَّةُ والنجاريَّةُ والجهميّةُ(٢) .. فإنهم لا يثبتونَهُ في الأزل حميداً؛ لا على معنى المحمودِ ، ولا على معنى الحامدِ . [ بيانُ معنى (الحمدِ ) ] وأما الكلامُ في اشتقاق ( الحميدِ ) من ( الحمدِ ) ومعنى الحمد : فإن الحمدَ في اللغة: بمعنى الرضا ؛ يقال منه: حمدتُ الشيءَ؛ إذا (١) لأن (فَعُولاً) في باب الصفات موضوعٌ للمبالغة. انظر (٥٠٥/٢). (٢) انظر (١/ ٢٢٧، ٥١٦). ٣٦ 00000 700000 AMON رضيتُهُ، وأحمدُهُ ؛ إذا وجدتُهُ مرضيّاً . وقد جاء في الحديث : ( أحمدُ إليكُم غسلَ الإحليلِ)(١) ؛ أي : أرضاه لكم ، فأقام ( [إلى])(٢) مُقَامَ (اللام الزائدة)، كما أقام اللهُ عزَّ وجلَّ (اللامَ الزائدةَ ) مُقَامَ ( إلى): ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] ؛ أي : إليها . وفي الحديث أيضاً : ( حُماديَّاتُ النساءِ: غَضُّ الطَّرْفِ)(٣)؛ ومعناه : غايةُ ما يُرضى منهنَّ ويُحمدنَ عليه .. غَضُّ الطرف ؛ يقال : قُصاراكَ أن تفعلَ كذا ، وحُماداك أن تفعل كذا ؛ أي : غايةُ ما تُحمَدُ عليه كذا . وعلى هذا التأويل : يكونُ (الحميدُ ) في صفات الله عزَّ وجلَّ بمعنى ( المحمودِ المرضيِّ)، وقد رضيَ به المؤمنونَ ربّاً ، وبالإسلام الذي يُعبَدُ به ديناً ، وبعبده مُحمَّدٍ نبيّاً ، وبالكعبةِ التي نصبَها للناس قبلةً ، وبالقرآن الذي هو كلامُهُ إماماً ، وهذا الرضا : أصلُ الإيمان وعمادُهُ . وقد يكون ( الحمدُ) بمعنى ( الشكرِ) الذي لا يكونُ إلا جزاءً ، ومنه قولُ أميّةَ بنِ [أبي] الصَّلتِ (٤): [من الطويل] لكَ [الحمدُ] والنعماءُ والفضلُ ربَّنا ولا شيءَ أعلى منكَ جَدّاً [وأمجدُ] (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦٠٠) موقوفاً على سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما . (٢) في (أ، ج): ( لكم ) بدل ( إلى ) ، وسقط من ( ب ) . (٣) أورده ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (٤٨٦/٢) موقوفاً على أم المؤمنين السيدة أم سلمة رضي الله عنها . (٤) في جميع النسخ: (بن الصلت)، وانظر (( ديوانه)) ( ص٣٨)، وقوله : ( الحمد ) في جميع النسخ : ( الفضل )، وقوله: ( أمجد ) : في جميع النسخ : ( أمجدا ) ، والمثبت من (( الديوان)) والمصادر . CON O ـوحد ومنه قولُ علقمةٌ (١) : [من البسيط] والحمدُ لا يُشترَى إلا لهُ ثمنٌ مِمَّا يَضِنُّ به الأقوامُ معلومٌ ومنه قولُ الأعشى (٢): [من المتقارب] ولكنْ على الحمدِ إنفاقُهُ وقدْ يشتريهِ بأغلى الثمنْ وعلى هذا التأويل : يكون ( الحميدُ ) في أوصاف الله عزَّ وجلَّ بمعنى ( المحمودِ المشكورِ ) . وقد يكونُ ( الحمدُ ) أيضاً بمعنى ( الثناءِ ) على الابتداء ، من غير أن يكونَ جزاءً ولا شكراً ؛ كقول الشاعر(٣): [من المسرح] الحمدُ للهِ لا شريكَ لهُ مَنْ لم يقُلْها فنفسَهُ ظَلَما وكقول الآخر (٤): [من البسيط] ولا تَذُقَنَّهُ مِنْ غيرِ تجريبٍ لا تَحْمَدَنَّ امراً حتَّى تُجَرِّبَهُ وذمُّكَ المرءَ ما لمْ تبلُ تذريبُ فحملُكَ المرءَ ما لمْ تبلُهُ صَلَفٌ والله عزَّ وجلَّ حميدٌ على جميع هذه الوجوه ؛ فهو : حميدٌ مرضيٍّ ، C (١) هو علقمة بن عَبَدَةَ الفحلُ. انظر ((ديوانه)) (ص٦٦)، وفيه: ( تضن به النفوس ) بدل ( يضن به الأقوام ) . (٢) هو الأعشى الكبير. انظر ((ديوانه)) (ص٢٣). (٣) البيت للنابغة الجعدي . انظر (( ديوانه)) ( ص ١٤٧ ) . (٤) البيتان لأبي الأسود الدؤلي. انظر ( ديوانه)) (ص ٣٨٧)، وفي البيت الثاني إقواءً على رأي ، ووقع عجز البيت الثاني في ((الديوان)): وذقُّكَ المرءَ بعد الحمدِ تكذيبُ MON OO bo00 وحميدٌ مشكورٌ، وحميدٌ حامدٌ شاكرٌ، وحميدٌ مستحِقُّ للثناء عليه بما هو أهلُهُ ، ومثنٍ على عباده الصالحينَ ، فهو الحميدُ على الحقيقة من الوجوه التي ذكر ناها(١) ومعنى ( الحمد ) أعمُّ من معنى ( الشكر)؛ لأن كلَّ شكرِ حمدٌ ، وليس كلُّ حمدٍ شكراً (٢)، ولهذا المعنى افتتحَ العلماء كتبَهم بـ (الحمدُ لله ) ، ولم يقولوا في أوائلِ الكتب : الشكرُ لله ؛ لأنهم وجدوا الحمدَ أعمَّ من الشكر ، كما بيَّناه ، والله أعلم. O (١) قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٥٦): (الحميد : هو المحمود المُثنئ عليه، والله تعالى هو الحميد بحمده لنفسه أزلاً ، وبحمد عباده له أبداً ، ويرجع هذا إلى صفات الجلال والعلو والكمال منسوباً إلى ذكر الذاكرين ؛ فإن الحمد هو ذكر أوصاف الكمال من حيث هو كمال ) . (٢) إذ الشكر مخصوص بمقابلة النعمة . CON