النص المفهرس

صفحات 1-20

الأَسْجَاءُ
2
وَالصَّ
تَألِيفُ
الإِمَامِ الْأُصُوْلِيّ المُتَكَِّالأُسْتَادِ أبِيْ مَنْصُوْرِ عَبْدِ القَّاهِ بْنِ طَاهِرٍ
البَغْدَادِيّ الأَشْعَرِيّ الشَّافِعِيّ
(ت ٤٢٩ هـ)
يُطبَعَ أوّل مرّةٍ
شَرُفَ بِخِدْمَتِهِ
أنس محمد عدنان الشرقاوي
الُجُزءُ الثّاني
دَارُ السَُّعُ
مشق الشام
3

Ox
OLY
of
أَاسِيَاءُ وَالصَّفَّارُ

Tratorara
ravorarr
0000
O

الأَسْمَّاءُ وَالصَّفَّارُ
تَألِيفُ
الإِمَامِ الْأُصُوْلِيّ المُتَكَلِ الأُسْتَاذِ أَبِيْ مَنْصُوْرٍ عَبْدِ القَاهِبْنِ طَاهِرٍ
البَغْدَادِيّ الأَشْعَرِيّ الشَّافِعِيّ
( ت ٤٢٩ ھـ )
اضغط على الشعار ينقلك إلى قناتي
يُطبَعَ أوّل مرّةٍ
شَرُفَ اخِذْمَتِهِ
أنس محمد عدنان الشر قاوي
الجُزءُ الثَّاني
اضغط على الشعار ينقلك إلى قناتي
دَارُالتَّقْوَى
دمشق الشام
00

00
COoOo
O
الله الرحمن الرحيم
الأَسْمَاءُ وَالصَّفَُّ
الكتاب:
عَبْدُ القَاهِرِ البَغْدَادِيُّ
المؤلّف:
الطبعة الأولى: ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠م
978-9933-610-14-2
الترقيم الدولي:
9 789933 610142
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه ، وبأي شكل من
الأشكال ، أو نسخه ، أو حفظه
في أي نظام إلكتروني أو
ميكانيكي يمكن من استرجاع
الكتاب أو أي جزء منه ، وكذلك
ترجمته إلى أي لغة أخرى دون
الحصول على إذن خطي مسبق
من الناشر.
دَارُالتَّقْوَى
دمشق الشام
هاتف : ٢٢١٥٤٦٤ ١١ ٩٦٣ + / ص - ب : ٣٠٧٢١
جوال : ٩٣٣٢٠٦٠٠٧ ٩٦٣+ / ٩٤١٩٤٤٣٨٧ ٩٦٣+
daraltaqwa.pu@gmail.com

00
CoCo
٢٠٦
ذكر ما جاء من أسمائه عزوجل
مفتتحاً بحرف الحساء
0
٥
00000
0000000

O
D
o
000000
DO
O

ذكر ما جاء من أسمان عز وجل
ـ الحاء
مفتتحاً بحرف
قد جاءت السنَّةُ بثمانية أسماءٍ لله عزَّ وجلَّ في أوَّلِها الحاءُ ؛ وهي :
الحسيبُ، والحفيظُ، والحقُّ، والحَكَمُ ، والحكيمُ ، والحليمُ ،
والحيُّ ، والحميدُ .
وجاء القرآنُ بذكر : الحيِّ، والحقِّ، والحكيمِ ، والحميدِ ، والحسيبِ،
والحافظِ ؛ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، وقد
قُرِئْ: ﴿فَاَللَّهُ خَيْرٌ حَفِظًا﴾، و﴿خَيْرُ حِفْظًا﴾ [يوسف: ٦٤] كلاهما (١)
0000
و
وذَكرَ في بعض الروايات من أسماء الله عزَّ وجلّ : ( الحَنَّنُ ) ، وليس
ذلك في الأخبار الصحاح (٢)
000
(١) قرأ بالأولى (حافظاً): حمزة والكسائي وحفص وخلف ، وبالثانية ( حِفْظاً):
الباقون. انظر ((النشر في القراءات العشر)) (٢٩٥/٢-٢٩٦).
(٢) روى ابن حبان في ((صحيحه)) (٨٩٣)، والضياء في (( الأحاديث المختارة ))
(١٨٨٤) من حديث سيدنا أنس رضي الله عنه قال: ( كنت مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم جالساً في الحلقة ورجل قائم يصلي ، فلما ركع وسجد وتشهد .. دعا ، فقال
في دعائه : اللهم ؛ إني أسألك بأن لك الحمد ، لا إله إلا أنت الحنان المنان ، بديع
السماوات والأرض ... ) الحديث .
وقد عدَّ الحافظ البيهقي هذا الاسم من أسمائه تعالى في كتابه: (( الأسماء والصفات
( ص ٢٠٨ ) .
=
CON
Cooto
٧

ـرة
وسنذكرُ تفسيرَ كلِّ واحد من هذه الأسماء على التفصيل إن شاء الله عزَّ
وجلَّ .
CO
o
00000
وقال الإمام الخطابي في ((شأن الدعاء)) ( ص١٠٥): الحنَّان : معناه : ذو الرحمة
والعطف، والحَنَّان - مخفف - : الرحمة ، قال طرفة :
[من الطويل]
أبا منذرٍ أفنيتّ فاستبقِ بعضنا حنانيكَ بعضُ الشرّ أهونُ من بعضٍ
وقال العلامة الحليمي في ((المنهاج)) (٢٠٧/١): ( هو الواسع الرحمة ، وقد يكون
المبالغَ في إكرام أهل طاعته إذا وافوا دارَ القرار ؛ لأن من حنَّ إلى غيره من الناس أكرمه
عند لقائه ، وكَلِفَ به عند قدومه ) .
=
٨

ذكر معنى (الحسيب) من أسماءالله عز وجل
اعلمْ : أن الحسيبَ له في اللغة معنيان :
أحدُهما : الحسيبُ بمعنى الكافي ؛ من قولهم : أعطاني ما أحسَبَني ؛
أي : ما كفاني ، حتى قلتُ له: حَسْبي .
ويقالُ : سقيتُهُ على حسَبٍ رِيِّهِ ؛ أي : على كفايةِ رِيِّهِ ؛ محرَّكَ السين ،
ومنه قولُ الشاعر (١):
[من الطويل]
إذا كانَتِ الهيجاءُ وانشقَّتِ العَصا فحسْبُكَ والضخَّاكَ سيفٌ مهنَّدُ
معناه : يكفيكَ ويكفي الضخَّاكَ سيفٌ مهنَّدٌ(٢)
ومنه قولُ امرئ القيس بن حُجر (٣) :
[من الوافر]
فتمْلأُ بيتَا أَقِطاً وسَمْناً وحَسْبُكَ مِنْ غِنىّ شِبَعٌ ورِيُّ
أي : يكفيك الشبعُ والريُّ .
ويقال في هذا الوجه : أحسَبَي الشيءُ يُحسِبُني إحساباً فهو مُحْسِبٌ ؛
(١) البيت في ((ذيل الأمالي والنوادر)) (ص١٥٦) لجرير، وليس في ((ديوانه))، وهو في
(( أمالي القالي)) (٢٩١/٢) بغير نسبة .
(٢) انظر ((شرح الكتاب)) للسيرافي (٢/ ٢٠٣) .
(٣) البيت في ((ديوانه)) (ص١٣٧)، وجاء فيه: ( فتوسع أهلها ) بدل ( فتملأ بيتنا ) .
٩

أي : كفاني فهو كافٍ ؛ قال الشاعر(١):
[من الطويل]
وإذْ لا ترَى في الناسِ حُسْناً يفوقُها وفيهنَّ حُسْنٌ لو تأمَّلْتَ مُحْسِبُ
ومعناه: حُسْنٌ كافٍ(٢)
وقال الآخر (٣) :
[من الطويل]
ونَقْفِي وليدَ الحِيِّ إنْ كانَ جائعاً ونُحْسِبُهُ إنْ كانَ ليسَ بجائعِ
فقولُهُ: ( نُقْفِيه ) يعني: نعطيه قَفِيَّةً طعامنا ؛ أي: خيارَهُ، وقولُهُ :
(نُخْسِبُهُ) ؛ أي: نكفيه، وقالت الخنساء(٤) :
[من الوافر]
يَكُتُونَ العِشارَ لمَنْ أتاهُم إذا لم تُحسِبِ المئةُ الوليدَا
أي : لم تَكْفِ .
والحسيبُ على هذا الوجه : بمعنى المُحْسِبِ ؛ فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ ،
مثلُ أليمٍ بمعنى المُؤْلِم(٥)
(١) البيت لكُثيِّرِ عزَّة. انظر ((ديوانه)) (ص١٥٧)، وفيه: (مَجْنَبُ) بدل ( مُخْسِبُ ) ،
والمَجْنَب : الشيء الكثير .
(٢) انظر ((أمالي القالي)) (٢٩١/٢)، ورواية البيت عنده كما أورده المصنف هنا،
والسياق له .
(٣) البيت لأبي يزيد العقيلي كما في ((سمط اللآلي)) (١/ ٨٨٥)، ونسبه ابن منظور في
((لسان العرب)) (ح س ب) لامرأة قشيرية، وهو في ((أمالي القالي)) (٢٩١/٢) بغير
نسبة .
(٤) انظر ((ديوانها)) (ص٣٢)، و( أمالي القالي)) (٢٩٢/٢).
(٥) قال الإمام الخطابي في ((شأن الدعاء)) (ص٦٩): (الحسيبُ: هو المكافئ ؛ فعيلٌ
بمعنى مُفعِل ، كقولك : أليم بمعنى مؤلم ) .
CHON

COOK
وعلى هذا التأويل يكون قوله : ( حسْبُنا الله ) ؛ أي : كافينا الله (١)
وقولُهُ عزّ وجلَّ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الأنفال: ٦٤] .. معناه: الله حَسْبُكَ وحسبُ مَنِ اتبعكَ ؛ أي : هو كافيكَ
وكافيهم .
و( مَنْ ) في هذا الموضع : في موضع الخفض بالإضافة(٢)
ويجوز أن يكونَ في معنى النصب ؛ أي : أن الله تعالى يكفيك ويكفي
من اتبعك من المؤمنينَ (٣)
000000000
ومن ظنَّ أنه في موضع الرفع بإسناد الفعل إليه .. فقد أخطأ(٤) ؛ لأن
المُحْسِبَ الكافِيَ هو اللهُ تعالى ، ولا يجوز على النبيِّ صلى الله عليه وسلم
أن يعتقدَ أن غيرَ الله كافٍ له(٥)
Oo
po
0000
(١) انظر ((الزاهر)) للأنباري (٤/١)، وفي (ج): (حسيبنا) بدل (حسبنا).
(٢) على أن الخفض هنا مذهب مرجوح؛ قال الزجاجي في (( اشتقاق أسماء الله)) (ص١٢٩ -
١٣٠) بعد ذكره وجهي النصب والرفع : ( وفيه وجه ثالث : على مذهب من أجاز من
الكوفيين: (( مررت به وزيدٍ)) و((دخلت إليك وعمرٍو))، فأجاز العطفَ على المُضمَر
المخفوض بغير إعادة الخافض، وعلى مذهب حمزة في قراءته: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِى تَسَاءَ لُونَ
بِهِ، وَآلْأَرْحَامِ﴾ [النساء: ١] بالخفض أن تكونَ ((من)) في موضع خفض عطفاً على الكاف
في قوله (( حسبك))) .
(٣) فيكون المعنى على ما مرَّ من قول الشاعر :
فحسبك والضحاكَ سيفٌ مهندُ
وهو أقوى من مذهب الخفض ؛ لضعف العطف على المجرور المضمر من غير إعادة الجار.
(٤)
من حيث المعنى ، لا من حيث الصنعة النحوية ، وسيأتى التعليق على ذلك .
(٥) قال الفرّاء في ((معاني القرآن)) (ص٤١٧) بعد ذكر وجه النصب: (وإن شئت جعلت
((مَنْ » في موضع رفع، وهو أحبُّ الوجهين إليَّ؛ لأن التلاوة تدلُّ على معنى الرفع ) ، =
000000
00000 11 00000

OOO
وفي هذا المعنى قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿عَطَآءَ حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦]؛ أي:
كافياً(١)
والوجه الثاني : أن يكونُ الحسيبُ بمعنى المُحاسبِ ؛ مثلُ : نديم
بمعنى مُنادمٍ ، وأكيلٍ وشريبٍ بمعنى مُؤاكِلٍ ومُشارِبٍ ، وجليسٍ بمعنى
مُجالِسٍ ، ومِنْ هذا قولُهم : حَسيبُّكَ الله ؛ أي : مُحاسِبُكَ ، وقال
المجنون (٢) :
[من الطويل]
بمكةَ يوماً أن تُمخَّى ذنوبُها
دعا المُحْرمونَ اللهَ يستغفرونَهُ(٣)
لنفسيَ ليلَى ثمَّ أنتَ حَسِيبُها
وناديتُ يا ربَّاهُ أوَّلُ سُؤْلِتِي
A
ثم قال: (وقد قال هذا القول الكسائي، ورفع ((مَنْ))) .
=
فقوله : ( لأن التلاوة تدل على معنى الرفع ) إذ نزلت الآية في الأنصار ، أو سيدنا
عمر بن الخطاب ، أو في أربعين آمنوا أوَّل البعثة بينهم امرأة واحدة أو ست نسوة ،
فالمراد التأييد الخاص، فهو كقوله تعالى: ﴿هُوَّ الَّذِىَ أَيََّكَ بِنَصْرِهِ، وَيِالْمُؤْمِنِينَ﴾
[الأنفال: ٦٢] كما قال الزجاج في (( معاني القرآن)) (٤٢٣/٢)، وانظر (( الدر
المنثور)» (١٠١/٤)، فالتأييد بالمؤمنين وبكفايتهم إنما هو مظهرٌ من مظاهر التأييد
الإلهي ، وإلیه سبحانه يرجع الأمر كله .
0000000
فقولُ الإمام المصنف : ( ولا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتقد أن غير الله
كافٍ له ) .. صحيحٌ إن حُمِلَ على إثبات مؤثِّرٍ غيرِهِ سبحانه ، أما على اعتقاد أن ذلك من
صور تأييده تعالى .. فلا ضيرَ .
(١) انظر (( معاني القرآن)) للزجاج (٨٧/٢)، وقال: (وإنما سُمِّيَ الحساب في
المعاملات حساباً لأنه يعلم ما فيه كفاية ليس فيها زيادة على المقدار ولا نقصان ) ،
واختار الإمام أبو طالب المكي في ((قوت القلوب)) (١٣٤١/٣) أنه بمعنى المجازاة.
(٢) البيتان لمجنون ليلى؛ قيس بن الملوح. انظر ((ديوانه)) (ص٣١)، وفيه: (بمكة
شعثاً كي ) بدل ( بمكة يوماً أن ) ، و( ناديت يا رحمان ) بدل ( وناديت يا رباه ) .
(٣)
في ( ب، ج): (المجرمون ) بدل ( المحرمون ) .
عدة
VAC

1
AYO
AXYMAY OOOOOOOO
أي : محاسبُها على ظلمها .
وأنشد الفرَّاء في الشَّرِيب بمعنى المُشارِب(١):
[من الوافر]
فلا أُسْقِي ولا يُسْقِي شَرِيِي ويُزْوِيهِ إذا أوردتُ مائِي
وقال الراجز (٢):
[من مشطور الرجز]
ربَّ شَرِيبٍ لكَ ذِي [حُساسٍ)(٣)
شِرابُهُ كالحَلْقِ بالمَواسِي(٤)
ليسَ بمحمودٍ ولا مُواسِي
يمشِي رُويداً مِشيَةَ النَّاسِ
أراد بالشريب : المُشاربَ ، والحُسَاسُ : المُشارَّةُ وسوءُ الخلق (٥)
فإذا ثبت : أن ( الحسيبَ ) في صفات الله يكونُ على معنى ( الكافي ) ،
وعلى معنى ( المُحاسِب ) ، وكلاهما جائزٌ في صفة الله عزَّ وجلَّ .. فاعلمْ:
أنه على الوجهينِ جميعاً من الصفات التي يستحقُّها لفعله ؛ لأن المحاسبة
(١) البيت لسيدنا النمر بن تولب رضي الله عنه. انظر ((المعاني الكبير)) لابن قتيبة
(١٢٦٤/٣_١٢٦٥)، وفيه: (وأمنعه) بدل (ويرويه)، وانظر ((أمالي القالي))
(٢/ ٢٩٢) .
(٢) أورده أبو بكر الأنباري في ((الزاهر)) (٧/١) من غير نسبة، وبعضه في ((النوادر))
لأبي زيد (ص٤٧٩) من غير نسبة أيضاً، وانظر ((أمالي القالي)) (٢/ ٢٩٢).
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( حساسي ) ، والمثبت من المصادر .
(٤)
في هامش (أ): ( كالجز ) بدل ( كالحلق ) .
(٥) المشارة: المخاصمة. انظر ((مختار الصحاح)) ( ش ر ر)، والنفاس - بكسر النون
وضمها - : جمع نفساء ؛ المرأة عقب الولادة .

TO
فعلُهُ ، وإعطاءَ العبادِ ما يكفيهم فعلُهُ أيضاً .
وقد يكونُ ( الحسيبُ ) في غير صفات الله عزَّ وجلَّ بمعنى ( النسيب ) ؛
كقولهم : رجلٌ حسيبٌ ؛ أي : ذو حسَبٍ ومأثرةٍ ومكرمةٍ ، من رجالٍ ذوي
أحسابٍ .
و
واختلفوا في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿[ إِنَّ اللَّهَ كَانَ ] عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾
(١).
[النساء: ٨٦]
فمنهم من قال : أراد به كافياً (٢)
ومنهم من قال: أراد به مُحاسِباً(٣)، واستشهد بقوله عزَّ وجلّ: ﴿ وَإِن
تُبْدُ وامَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
وكلُّ واحدٍ من التأويلينِ صحيحٌ .
وأما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:
١٤] .. فقد أجمعوا : على أن المرادَ بالحسيب هو المُحاسِب .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( وكان الله)، وهو بذلك تبعٌ للقالي ؛ قال
أبو بكر بن الأنباري كما في (( أمالي القالي)) (٢٦٢/٢): ( في قوله عزَّ وجلَّ :
((وكان الله على كل شيء حسيباً)) أربعةُ أقوال؛ يقال : عالماً، ويقال : مقتدراً،
ويقال : كافياً ، ويقال : محاسباً ) .
(٢) وبه قال الزجاج. انظر ((معاني القرآن)) (٨٧/٢)، قال الإمام الطبري في ((تفسيره)
(٥٩١/٨): (وقد زعم بعض أهل البصرة من أهل اللغة: أن معنى ((الحسيب)) في
هذا الموضع ((الكافي)))، ثم قال: ( وهذا غلطٌ من القول وخطأ) .
(٣) وهو قول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما ، والحسن البصري رحمه الله . انظر
(التفسير البسيط)) (٢٤/٧).
N

قال عبدُ القاهر :
في إثبات اسم ( الحسيب ) لله عزَّ وجلَّ بالقرآن والسنة فوائدُ :
منها : وجوبُ الاعتمادِ والتوكُّل عليه في كلُّ الأمور ؛ لأنه هو الكافي
دون غيره ، على قول من قال : إن الحسيبَ بمعنى الكافي .
ومنها : إثباتُ المُحاسبة منه للخلق ، على قول من قال : إن الحسيبَ
بمعنى المُحاسِب ، وفي هذا :
إبطالُ قول من أنكر محاسبةَ الصانع عبادَهُ ، كما ذهب إليه الغلطيَّةُ من
الجهميّة .
وإيطالُ قول من قال : إن الحسابَ يكونُ مع المؤمنينَ دون الكافرينَ ،
كما ذهب إليه ابن سالم البصريُّ(١)، مع إنكارهم فائدةَ قوله عزَّ وجلَّ في
0000
00
(١) انظر ((أصول الدين)) (ص ٢٤٥-٢٤٦)، وأبو عبد الله بن سالم البصري إمامٌ من أئمة
الهدى، وكان شيخاً للإمام أبي طالب المكي صاحب ((القوت))، ووالده من أعيان
تلاميذ الإمام سهل التستري ، والإمام ابن سالم ممن ذهب إلى أن الكفار لا يحاسبون ،
لا أنهم لا يسألون ، ففرَّق بين المحاسبة والسؤال ؛ فأثبت السؤال لهم بقوله تعالى :
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآَمِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]، وقوله سبحانه :
﴿ وَيَوْمَ يُنَادِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ، فسؤالهم إنما هو عن
التوحيد وعن تكذيب المرسلين ، ونفى عنهم الحساب بقوله عز وجل: ﴿ وَلَا يُسْئَلُ عَن
ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَيِذٍ لَّا يُستَّلُ عَنَ ذَلَيْهِ، إِسْ وَلَا
جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وقوله سبحانه: ﴿يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْ خَذُ بِالنَّوَسِى وَالْأَقْدَاعِ﴾
[الرحمن : ٤١] .
قال الإمام أبو طالب المكي تلميذ ابن سالم البصري في ((قوت القلوب)) (١٣٣٩/٣)
بعد إيراده للخلاف : ( إنهم لا يسألون عن الأعمال ، وإنما يُحاسب على العمل من
كانت بينه وبينه معاملة، ومن ثبتت له حسنات يقع بها ترجيح وموازنة )، وكما أن هناك=
١٥ 100000

oc
الكفار: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦] (١).
ومنها : إيطالُ قول هشام الفُوْطيِّ وصاحبِهِ عبَّادِ بن سليمانَ الصيمريِّ ؛
وهما من زعماء القدريَّة ؛ لأن هشاماً حرَّم على الناس أن يقولوا :
( حسبنا الله ونعمَ الوكيلُ)(٢)، وقد أفردنا لفضائحه فصولاً في كتابنا
=
من يدخل الجنة بغير حساب ؛ وهم السابقون الأولون .. فكذلك هناك طائفة من الكفار
تدخل النار بغير حساب ؛ وهم من عتاة الكفار وعبدة الأوثان .
ثم الأسلمُ والأحسن : السيرُ على مشهور أقوال أهل السنة ؛ فهو القول المحقَّق ؛ قال
تعالى: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، وهذه الآية ليست حجة على ابن
سالم؛ لأنه أثبت السؤال، وكذا قوله تعالى: ﴿وَقِفُوُطْ لِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤].
(١) قال الإمام أبو طالب المكي في ((قوت القلوب)) (١٣٤٠/٣): ( فأما قوله تعالى :
﴿﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ** ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦] .. ففيه وجهان:
أحد الوجهين : أن يكون هذا كلاماً منفصلاً عما قبله ، يراد به المسلمون ؛ لأنه ذكر
خبر الكفار فختمه بالعذاب ؛ فقال في أول الكلام: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اَللَّهُ
اُلْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣ -٢٤]، هذا آخر خبرهم، ثم استأنف مخبراً عن غيرهم
فقال: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦].
والوجه الآخر: أن يكون قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ أي: جزاءهم، فالحساب أينما
ذكر للكفار يكون بمعنى المجازاة على أعمالهم السيئة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ
◌ِندَهُ فَوَقَّنَهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] يعني: جزاءه ) .
ثم ذكر خلاف الفراء والزجاج ومقاتل بن سليمان لهذا القول ، وكان قد ذكر في طالعة
حديثه عن هذه المسألة في ((قوت القلوب)) (١٣٣٨/٣) أنها مما يحتمل الخلاف .
تنبيه : من الفِرَقِ الإسلامية المبتدعة : فرقةٌ يقال لها : السالمية ؛ وهي فرقةٌ تقول
بالتشبيه ، وتقف على ظواهر النصوص المتشابهة دون اعتبار وتبصُّرٍ ، وانتسابُهم إلى
ابن سالم البصري كانتساب مبتدعة الحنابلة إلى الإمام أحمد بن حنبل .
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٩٦، ٤٨٨)، وقال الإمام الأشعري فيه
(ص٥٢١): (ولا يقول: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) إلا أن يقرأ القرآن، فأما أن
يطلق ذلك إطلاقاً فلا ) .
=
00000

الموسوم بـ (( فضائح المعتزلة))، فلا حاجةَ بنا إلى ردِّها في هذا الموضع ،
والله أعلم(١)
00
00
000000
=
وقد بين ابن الخياط المعتزلي في (( الانتصار)) (ص٥٧ ) أن منزع منع هشام من لفظ
( الوكيل) يرجع إلى توهُّم أن هناك من هو فوقه فوكَّله، وأنه لم يمنع من
( حسبنا الله )، ثم بيَّنَ أنه قد غلطَ في هذا المنع ، وأنه احتاط لنفسه .
(١) تنبيهٌ: قال حجة الإسلام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٢١): (ولا تظنَّنَّ أنك
إذا احتجت إلى طعام وشراب ، وأرض وسماء وشمس ، وغير ذلك .. فقد احتجت إلى
غيره ، ولم يكن هو حسبّك؛ فإنه الذي كفاك بخلق الشراب والطعام ، والأرض
والسماء والشمس ، فهو حسبُكَ .
ولا تظنَّنَّ أن الطفل الذي يحتاج إلى أمُّ ترضعه وتتعهّدُهُ فليس الله حسبَهُ وكافيَهُ ، بل الله
حسيبُهُ وكافيه ؛ إذ خلق أمه ، وخلق اللبن في ثديها ، وخلق له الهداية إلى التقامه ،
وخلق الشفقة والمودّة في قلب الأم حتى مكَّنته من الالتقام ، ودعته إليه وحملته عليه ،
فالكفاية إنما حصلت بهذه الأسباب ، والله تعالى وحده هو المتفرِّد بخلقها وإيجادها ) .

ذكر معنى (الحفيظ) و(الحافظ) من أسمان عز وجل
اعلمْ : أن الحفيظَ والحافظَ مأخوذان من ( الحفظ ) ، وللحفظ
معنيانِ :
أحدُهما : ضدُّ التضييع ، وعلى هذا المعنى يجوزُ أن يقال: إن الله عزَّ
وجلَّ حافظٌ لخلقه ، وحفيظٌ لهم .
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي: لا يُثقلُهُ
و
حفظهما
100000
وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا زَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِينَةِ الْكَوَكِبِ * وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطٍَ
مَّارِدٍ ﴾ [الصافات: ٦ - ٧]؛ أي: جعلنا الكواكبَ حِفْظاً من كلِّ شيطان مارد .
وقال الأخفش : ( معناه : حفظناها من كلِّ شيطانٍ ماردٍ ، وذلك بدلٌ من
الفعل )(١)؛ يعني: أن المصدرَ بدلٌ من الفعل(٢)
وقال الفرَّاءُ: ( إنما هو من صلةِ التزيين؛ كقوله: (( إنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ
(١) انظر ((معاني القرآن)) للأخفش (٤٩٠/٢، ٥٠٥)، وبه قال الزجاج . انظر كتابه
((معاني القرآن)) (٣٨٢/٤) .
(٢) لأنه ليس من المواضع التي يكون المصدر فيها بدلاً من الفعل . انظر (( ارتشاف
الضَّرَب)) (٢٢٥٣/٥).

حِفْظاً لها )) وإنما أدخلَ الواو على تكريرِ ((وزينَّاها حفظاً))، فيكونُ من صلة
التزيين )(١)
وقولُهُ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]؛ أي: بأمرِ الله وإذنِهِ ؛ أي :
ذلك الحفظُ بأمره وإذنه (٢)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قَاَللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًا﴾: ﴿حِفْظًا﴾ [يوسف: ٦٤]؛ أي :
حِفْظُ الله عزَّ وجلَّ خيرُ حِفظ، ومن قرأها : ﴿حَفِظًا﴾ أراد : خيرَ
الحافظينَ(٣)
والحفيظُ والحافظُ على هذا الوجه : مأخوذان من ( الحفظِ ) الذي هو
بمعنى الحراسة، والله عزَّ وجلَّ هو الحافظُ السماوات والأرض أن تزولا(٤)،
والحافظُ لخلقه عن الآفات كلِّها .
0
(١) وقال أيضاً: (لو لم تكن ((الواو)) كان الحفظ منصوباً بـ ((زينا))). انظر كتابه ((معاني
القرآن)) (١١٣/١)، (٩٧/٢).
(٢) وهو قول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما. انظر ((تفسير الطبري)) (١٦/ ٣٧٥).
تقدم بيان وجوه القراءات فيها ( ٧/٢)، وقال الإمام الطبري في تفسيره )
(٣)
(١٦/ ١٦٠): (والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا
المعنى ، قد قرأ بكلِّ واحدة منهما أهلُ علمٍ بالقرآن ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ؛
وذلك أن من وصفَ الله بأنه خيرُهم حِفْظاً : فقد وصفَهُ بأنه خيرُهم حافظاً، ومن وصفَهُ
بأنه خيرهم حافظاً : فقد وصفَهُ بأنه خيرُهم حِفْظاً ) .
(٤) إذ قال جلَّ من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِلُكِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولًا وَلَيْنِ زَالَتَاَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ
مِنْ بَعْدِهِّة إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، قال الإمام الغزالي في (( المقصد الأسنى))
(ص٢١٥) وهو يتحدث عن معاني الحفظ: ( أحدهما : إدامة وجود الموجودات
وإبقاؤها ، ويضاده الإعدام ، والله تعالى هو الحافظ السماوات والأرضين والملائكة
والموجودات التي يطول أمد بقائها ، والتي لا يطول ؛ مثل الحيوانات والنبات
وغيرها ) .
00000 9 00000