النص المفهرس
صفحات 741-760
وأما في العُقْبِى: فقولُهُ عزَّ وجلَّ في أعدائه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَأْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]، فجمعَ بين أوليائه في دار السلام(١)، وجمعَ بين أعدائه في دار الهوان ، ونعوذُ بالله من الخذلانِ والحرمانِ . OC 000000 رضي الله عنه ، وقوله : ( ولا أبالي ) بيان لصفة القهر ، وحاشا أن يفهم منها العبث ؛ = إذ أفعاله تعالى ليست معللة حتى يتصوَّر فيها العبث ، وهي مصحوبة بالحكمة وإن لم تدرك . (١) إذ قال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْرَبَّهُمْ إِلىَ الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣]. ٨ ٧٤٠٠ 10 al ذكر (الجميل) ومعناه قد جاء في الأسماء التسعة والتسعينَ ذكرُ ( الجميل ) ، وجاء في حديث آخرَ: ((إن الله جميلٌ يحبُّ الجمالَ))(١) والجميلُ في اللغة له معنيانِ : أحدُهما : مأخوذٌ من الجمال . والثاني : الجميلُ : بمعنى الصُّهارة ؛ وهي : ما أُذِيبَ من الشحم (٢)، والحَمُّ : ما أُذِيبَ من الأَلْيَةِ(٣)، وفي الحديث: ((لعنَ اللهُ اليهودَ؛ حُرِّمَتْ عليهمُ الشحومُ، فجَمَلُوها، وباعُوها وأكلُوا ثمنَها))(٤)، فقولُهُ عليه السلام : ( جملوها ) ؛ أي : أذابوها . وفي حديث المُلاعَنة أنه قال في ولدها : ((إن أتَتْ به أورقَ جَعْداً جُمَالِيّاً ))(٥)، والجُمَاليُّ: الضخمُ الأعضاء، التامُّ الأوصال، وناقةٌ جُماليّةٌ ؛ إذا كانت عظيمةً ، وهذا يرجعُ إلى معنى الجمال والوسامة . (١) رواه مسلم (٩١) من حديث سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (٢) انظر ((الغريب المصنف)) لابن سلام (٤٦٠/٢). (٣) انظر (( الصحاح)) (ح م م)، و((الغريبين)) (٣٦٨/١). (٤) رواه البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم ( ١٥٨٢) من حديث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه . (٥) رواه أبو داود (٢٢٥٦) بنحوه من حديث سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما . COODO٧٤١٥٥ ٥ OO 0 [ معنى الجمالِ في حقِّهِ سبحانَهُ ] فإذا صحَّ هذا؛ فمتى وصفنا اللهَ سبحانَهُ بأنه جميلٌ .. فليس المرادُ به جَمالاً من طريق الخِلْقة والصورة ؛ لأنه سبحانَهُ ليس بذي أبعاضٍ ولا بذي صورةٍ ، وإنما يفيدُ وصفُهُ بذلك معنیینِ : أحدُهما : أن يكونَ جميلاً على معنى نفي النقائص عنه(١) والثاني: أن يكون جميلاً بمعنى: أنه مُجْمِلٌ ؛ كقولنا له : ( إنه نورٌ) بمعنى أنه منوِّرٌ ، و( لطيفٌ) بمعنى أنه مُلطِفٌ، ونحوُ ذلك كثير (٢) وإنما يذهبُ إلى تأويل جماله على معنى الصورةِ الجميلةِ فِرْقتانِ : إحداهما : المشبّهةُ : القائلونَ بإثبات الأعضاء والصورة لمعبودهم ، كما ذهب إليه داود الجواربيُّ وهشامُ بن سالم ، ومن قال بقولهما من اليهودِ وغلاةِ الإماميَّة من المشبّةِ (٣) 00000 والفِرْقةُ الثانيةُ: هي الحلوليَّةُ : الذين إذا رأوا صورةً جميلةٌ سجدوا (١) قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٢٤): ( ثمَّ صفاتُ الجلال إذا نُسَبَتْ إلى البصيرة المُدرِكة لها .. سُمِّيت جمالاً، وسُمِّيَ المتصفُ بها جميلاً، واسم الجميل في الأصل : وُضِعَ للصورة الظاهرة المُدرَكة بالبصر ؛ مهما كانت بحيث تلائمُ البصرَ وتوافقه، ثمَّ نُقِلَ إلى الصورة الباطنة التي تُدركُ بالبصائر ؛ حتى يقالُ : سيرة حسنة جميلة ، ويقالُ : خُلُقٌ جميل ، وذلك يدرك بالبصائر ، لا بالأبصار ) . (٢) وهو اختيار الإمام الخطابي في ((شأن الدعاء)) (ص١٠٢)، فيكون من أسماء الأفعال، وذكر الإمام القشيري في (( شرح أسماء الله الحسنى)) (ص٤٦ ): ( والجميل : المُجْمِل ، فعيل بمعنى مفعل ؛ كأليم ووجيع ) . (٣) انظر (٣٢٢/١ -٣٢٨). 00000 ٧٤٢ لها ، وأوهموا حلولَ معبودِهم فيها ، كما ذهب إليه أبو حَلْمانَ الدمشقيُّ ومن تبعه من الحلوليَّةِ ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً (١) وقد مضى الكلامُ في إبطال التشبيه بين الصانع وصُنعِهِ قبلَ هذا بما فيه کفایةٌ . ولكن المشبِّهةَ استدلَّوا على إثبات الصورة بهذا الخبر ، وقالوا : إن الجمالَ لا يكونُ إلا بمعنى الصورة الحسنة(٢) وقالوا أيضاً: رُويَ أنه قال: ((رأيتُ ربِّي في أحسنِ صورةٍ))(٣)، ورُويَ أنه قال: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورتِهِ))(٤) ، وفي ذلك دليلٌ على إثبات الصورة له . فيُقالُ لهم : أما ما رُوِيَ أنه قال: ((إنَّ اللهَ تعالى جميلٌ)) .. فقد بيًّا أن معناه : أنه مُجْمِلٌ . 0000 وأما قولُهُ: (( رأيتُ ربِّي في أحسنِ صورةٍ)): فإن صحَّ الخبرُ فيه (١) انظر (١/ ٣٢٤). كيف وقد وصفت المعاني بالجمال؟! قال سبحانه: ﴿فَضْيِرْ صَبْرً جَمِيلًا﴾ [المعارج: (٢) ٥]، وقال حكايةً عن سيدنا يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]، وقال عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّمَكُنَّ وَأُسَرِّمْكُنَّ سَرَاحًا جميلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. (٣) رواه الترمذي (٣٢٣٤) من حديث سيدنا ابن عباس وسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنهم ، وقال : ( هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ) . YO (٤) رواه بنحوه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٦١٢) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . CON ٧٤٣٥ ٠٥٥٥٥ فمعناهُ: رأيتُهُ وأنا حينئذٍ في أحسن صورةٍ (١). وأما قولُهُ: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدَمَ على صورتِهِ )) : فالكنایُ فیه راجعةٌ إلى ((٢) آدمَ عليه السلامُ(٢) وفائدته : بيانُ أنه لم يغيِّرْ صورةَ آدمَ من أجل المعصية(٣) ؛ وذلك أنه لمّا أهبطَ آدَمَ وحواءَ عليهما السلامُ مع الطاوسِ والحيَّةِ والشيطانِ من السماء إلى الأرض ، فغيَّرَ خِلْقَةَ إبليسَ وقبَّحَ صورتَهُ وصورةَ أولاده ، وقبَّحَ رِجلي الطاوس ، وقبَّحَ صورةَ أنثى الطاوس ، وقبَّحَ صورةً الحيّةِ ؛ بأن مسخَ قوائمَها ، وردَّ مشيها على بطنِها ، وشقَّ لسانَها بنصفينِ ، وسؤَّدَ لسانَها ، (١) فالجار والمجرور حال من الفاعل ، لا من المفعول به ، فإن قيل: هذا تأويل بعيد .. فالجواب : انتفاء الصورة الحسية عن الله تعالى ثابتٌ بالدلائل العقلية القطعية ، ثم الخلاف بعد ذلك في التوجيه والتأويل ، قال الحافظ المناوي في (( فيض القدير ) (٦/٤): (وهذا إن حمل على رؤية المنام فلا إشكال، أو اليقظة فقد سُئلَ عنه الكمال بن الهمام ، فأجاب بأن هذا حجاب الصورة ) . (٢) أراد بالكتابة : الضمير في قوله: ( صورته)، ومن حملها على الله تعالى تأوَّل الصورة بما يليق بجلاله سبحانه ، فهي صورة معنوية لا حسيّة ، قال الأستاذ ابن فورك في ((مشكل الحديث وبيانه)) (ص٤٦): (وقد رُوِيّ أيضاً: (( إن الله خلق آدم على صورة الرحمان)) ، وأهل النقل أكثرهم على إنكار ذلك، وعلى أنه غلط وقع من طريق التأويل لبعض النقلة ، فتوهم أن الهاء يرجع إلى الله تعالى ، فنقل على المعنى على ما كان عنده في أن الكناية ترجع إلى الله تعالى ) . (٣) وكان ذلك قبل الاجتباء والنبوة ، أو أن المعتبر هو صورة المعصية ، لا حقيقتها، قال الإمام السنوسي في (( شرح صغرى الصغرى)) (ص٢١٥): (وأما قوله تعالى : ﴿وَعَصَ ءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] : فالتحقيق أن المراد : المعصية والغِواية اللغويتان ؛ وهما وقوع صورة المخالفة والغواية التي هي ترك المراشد ، سواء وقعا عمداً أو نسياناً أو تأويلاً ، لا الشرعيتان ؛ وهما المخالفة عمداً مع العلم بالتحريم ) . ٥٥٥ ٧٤٤ فلا تكادُ تجد حيَّةً إلا ولسانُها أسودُ مشقوقٌ بنصفين ، ومسخ فرجَها ؛ لأن ما يخرجُ منها إنما يخرجُ من فمها ، ومن فمها تبيضُ ، ومن فمها يتسافدُ الذكر والأنثى من الحيَّات(١). وبقوله عليه السلامُ: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورتِهِ)) .. علمنا : أنه لم يُعاقِب آدمَ عليه السلامُ بتغيير صورته ، وأنه حين خَلقَهُ ربُّهُ كان على الصورة التي كان عليها في الدنيا ، لم يتغيَّر منها شيءٌ(٢). وقد استقصينا تأويلَ الأخبار التي يُوهِم ظاهرُها التشبية في كتاب (٣) مفردٍ(٣). O O (١) انظر ((مشكل الحديث وبيانه)) (ص٥٢)، وما ذكره الإمام المصنف هو حسب ما خَبِرَهُ، وإلا فالأفعى قد تبتلع بيضها أو بيض غيرها من الحيوانات ، ثم تتقايؤه بعد حين ، فيظنُّ من يشاهدها أنها تبيض . (٢) انظر « مشکل الحدیث وبيانه )) ( ص٥٢ ) . (٣) وهو كتاب ((تأويل المتشابهات في الأخبار والآيات)). CoccOo ذكر معنى (الجليل) من أسمان عزوجل الجليلُ : مأخوذٌ من الجلالة والجلال ، والجلالةُ : العظَمةُ، والله سبحانَهُ جليلٌ على معنى : أنه سبحانَهُ قد عَظُمَ عن التشبيه والتعطيل(١) وعلى هذا التأويل : يكونُ الجليلُ من الصفات الذاتيّة التي استحقّها لنفسه ، ولذلك يقالُ في وصفه: ( عزَّ وجلَّ)؛ أي : عزَّ عن التشبيه والتعطيل ، وجلَّ عنهما . COoC والجليلُ من الخَلْقِ : يقالُ فيه: جلَّ يَجِلُّ ؛ بكسر الجيم في المستقبَلِ . فأما جلَّ يَجُلُّ ؛ بضمِّ الجيم من مستقبله : فإنما يقال ذلك في احتلالٍ من البعر(٢) ؛ يقال منه: خرج الإماءُ يَجْتَلِلنَ؛ أي: يلتقطنَ البعرَ(٣) والجَلَّالةُ ؛ بتشديد اللام الأولى : هي التي تأكلُ العَذِرةَ من الإبل وغيرها (٤) (١) قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٢٤): ( نعوت الجلال : هي الغنى ، والملك ، والتقدُّس ، والعلم ، والقدرة ، وغيرها من الصفات التي ذكرناها) . (٢) البَعْرُ: بسكون العين ويحرَّكُ، وهو رجيع الخُفِّ والظُّلْف. (٣) انظر «غريب الحديث)) لابن سلام (٧٨/١). (٤) وهو قول الأصمعي. انظر (( غريب الحديث)) لابن سلام (٧٨/١). ٤٥ 100000/٢ CK وفي الحديث : ( أنه نهى عن أكل الجَلَّالةِ)(١)، وذلك على معنى التنزيه دونَ التحريم(٢) . والجَلَّةُ ؛ بفتح الجيم واللام وتشديدِها : البعر ، ويقالُ في التقاط البعر : جلَّ يَجُلُّ، واجتلَّ يَجتَلُّ (٣) وفي الحديث: ((أَجِلُوا اللهَ يغفر لكم)) (٤) ؛ أي : أسلموا ، والتفسير في الحديث . وقيل : معناه : اعتقدوا جلالَهُ وعظمتَهُ . وقيل : معناه : قولوا : يا ذا الجلالِ والإكرام(٥) وقد يكون الإجلالُ بمعنى الإعطاءِ ؛ قال يعقوبُ بن السكِّيت : ( يقال منه : أتيتُهُ، فما أجلَّني ولا أحشاني؛ أي: ما أعطاني كبيراً ولا صغيراً)(٦) O O 0000 (١) رواه أبو دواد (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . (٢) اختلف الفقهاء في أكل لحم الجلالة : فأباحها : المالكيةُ، وقال بالكراهة : الحنفية والشافعية وأحمد في رواية عنه ، وحرَّمها : الحنابلة ؛ أخذاً بظاهر النهي . انظر ((مواهب الجليل)) (٢٢٩/٣)، و((بدائع الصنائع)) (٣٩/٥_٤٠)، و((المجموع)) (٢٨/٩)، و((المغني)) (٧١/١١-٧٣). (٣) قال الزبيدي في ((تاج العروس)) (ج ل ل): ( الجلَّةُ: مُثلَّثة، والمشهورُ الكسر ثمّ الفتح : البعر أو البعرة ) . (٤) رواه أحمد في (( مسنده)) (١٩٩/٥) من حديث سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه ، قال ابن ثوبان أحد رجال السند : ( يعني : أسلموا ) . (٥) قال الإمام الخطابي في ((غريب الحديث)) (٦٨٩/١): ( وقال بعض أصحابنا: يريد بقوله: ((أجلوا الله))؛ أي: قولوا: يا ذا الجلال ، أو آمنوا بالله ذي الجلال، وهذا كما روي: ((ألفُّوا بيا ذا الجلال))) . (٦) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٦١/١٠). VEV O0000 POooo CO OOOO00 فالجليلُ على هذا التأويل : يكون بمعنى المُعْطِئ، فعيلٌ بمعنى مَفعولٍ(١) ، وعلى هذا التأويل: وَصْفُ الله عزَّ وجلَّ بأنه جليلٌ .. من صفات الفعل(٢). والوجهُ الأوَّلُ أصحُ ؛ وهو أن يكون من صفات الذات . وقد يكون الجليلُ في اللغة : مأخوذاً من الجلال في السنِّ . وفي الحديث : ((فجاءَ إبليسُ على صورةٍ شيخ جليلٍ))(٣)؛ أي : مُسنٌّ . وقد أنشد بعضُهم قولَ كُثَيْرٍ : [من الطويل] أصابَ الرَّدَى مَنْ كانَ يهوَى لكِ الرَّدَى وَجُنَّ اللواتِي قُلْنَ عِزَّةُ جَلَّتِ هكذا باللام ؛ أي : أسنَّتْ(٤) والله عزَّ وجلَّ لا يُوصَفُ بالسنِّ ، ولكن يُوصَفُ بالقِدَمِ ؛ فيكونُ جليلاً : على معنى : أنه قديمٌ، وعلى معنى: أنه منزَّةٌ عن التشبيه والتعطيل ، وعلى معنى : أنه معطٍ ومُجِلٌّ بالعطاء غيرَهُ . (١) يعني : في المعنى، وإلا فهو في الصيغة الصرفية ( مُفعَلٌ). (٢) لأنه يرجع إلى أنه خلقَ على ألسنة عباده وجوارحهم وفي قلوبهم معانيَ إجلاله . رواه الطبري في (( تفسيره)) ( ١٥٩٦٥)، وانظر (( سيرة ابن هشام) (١/ ٤٨٠)، (٣) و(( النهاية في غريب الحديث)) (٢٨٨/١). (٤) والبيت كما في ((ديوانه)) (ص١٠٧) وأغلب المصادر: ( جُنَّتِ) بدل ( جَلَّتِ )، وقد روى الإمام الخطابي في ((غريب الحديث)) (٥٥٧/١) أن الرياشي كان يروي البيت ( جلت ) باللام لا بالنون . ٨ وفي الحديث: ( إنَّ لي فرساً أُجِلُّها كلَّ يومٍ فَرَقاً)(١) ؛ أي : أعطيها وأَعِلِفُها كلَّ يومٍ فَرَقاً من شعير أو ذُرَةٍ(٢) وإذا تأؤَلناه على معنى القِدَم ، أو على معنى نفي التشبيه والتعطيل .. كان من صفات الذات . .LY وإذا تأوّلناه على معنى الإعطاء .. كان من صفاتِ الفعل . والمعنى الأوَّلُ أصُ ، والله أعلم(٣) DO 00 (١) رواه الواقدي في ((مغازيه)) (٢٥١/١) من قول أَبَيِّ بن خلف الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فمات كافراً . (٢) الفَرَقُ: إناء مقداره ثلاثة آصُع أهل الحجاز، قال الأزهري في (( تهذيب اللغة)) (٩٩/٩): (والمحدِّثون يقولون: الفَرْقُ، وكلامُ العرب: الفَرَقُ)، وانظر ((تاج العروس )» ( ف رق ) . (٣) قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٢٤): ( الجليل المطلق: هو الله سبحانه وتعالى فقط ، فكأن الكبيرَ يرجع إلى كمال الذات ، والجليلَ يرجع إلى كمال الصفات ، والعظيمَ يرجع إلى كمال الذات والصفات جميعاً منسوباً إلى إدراك البصيرة إذا كان بحيث يستغرق البصيرة ، ولا تستغرقه البصيرة ) . WORD ٧٤٩ ذكر معنى (الجواد) من أسمائه عزوجل اعلمْ : أن ( الجوادَ ) في اللغة على وجوهٍ : أحدُها : الجوادُ بمعنى الكريم ، وهو ذو الجودِ . [ اختلافُهم في معنى الجودِ ] وقد اختلفوا في معنى ( الجود ) : فمنهم من قال : هو العطاءُ والفضلُ ، وعلى هذا المذهب : يكونُ وَصْفُ الله عزَّ وجلَّ به من صفات الفعل ، ولا يكونُ ذلك من صفاته الأزليّة(١) (١) وهو أحد قولي الإمام الأشعري؛ قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري )) (ص٤٦) : ( فأما وصفه بأنه جواد : فإن شيخنا أبا الحسن رضي الله عنه كان يقسم الكلام فيه ويقول : إنه يحتمل معنيين ؛ أحدهما : أن يكون بمعنى معطٍ ، والثاني : أن يكون ممن لا يستصعب عليه الإعطاء ، ولا يمتنع عليه ، ولا يستكثر ما يعطي ) ، ثم قال : ( وعلى هذا المعنى يقال: لم يزل جواداً، دون المعنى الثاني) يعني: الآخر ؛ وهو في العدِّ الأول، وبالقول : إن الجود صفة فعل .. قالت المعتزلة وطوائف من غيرهم . انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٨٢ ) . ومن حقَّق النظرَ علمَ أن لا جوادَ إلا الله سبحانه ، حتى قال حجة الإسلام في (( إحياء علوم الدين)) ( ٨/ ٣٩٢): ( لفظُ الجود والإحسان في حقِّ غير الله كذبٌ أو مجاز ، ومعناه في حق غيره محالٌ وممتنع امتناعَ الجمع بين السواد والبياض ، فهو المنفرد= 0 ومنهم من قال : الجودُ ليس هو العطاءَ فحسْبُ ، وللكنه ألا يستكثرَ الموصوفُ به العطاءَ ولا يصعبَ عليه، والجوادُ : من لا يصعبُ عليه العطاءُ ولا يستكثرُهُ، وإن أكثرَ منه(١) . وعلى هذا المذهب : يكونُ الله عزَّ وجلَّ في الأزل جواداً ، ويكونُ هذا الوصفُ له من صفاته الذاتية . [ استدلالُ الدهريةِ على قدم العالم بصفةٍ الجودِ والردُّ عليهم ] وقد استدلَّ بعضُ الدهريَّة من الفلاسفة على قوله بقدم العالم بهذا الاسم فقال : ( لمّا كان الصانعُ جواداً في الأزل ، وكان الجوادُ مقتضياً جوداً .. دلَّ بالجود والإحسان ، والطَّوْل والامتنان ، فإن كان في الطبع حبُّ المحسن فينبغي ألا = يحبَّ العارفُ إلا الله تعالى ؛ إذ الإحسان من غيره محال ، فهو المستحق لههذه المحبة وحده ، وأما غيره فيستحقُّ المحبة على الإحسان بشرط الجهل بمعنى الإحسان وحقيقته ) . (١) قال الإمام ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (٣٩٠/٢ - ٣٩١) حاكياً لأقوال المتكلمين في معنى ( الجواد ) : ( ولهم فيه ثلاثة أقوال : الأول : أنه لم يزل جواداً بجود قديم ، وجوده صفةٌ له كان بها جواداً ؛ كالعلم والقدرة ، قاله الثقات من أهل السنة . الثاني : أنه لم يزل جواداً بجود قديم ، وجوده صفةٌ له بها كان جواداً ، وهو الشيء الذي إذا حصل لم يصعب عليه العطاء ولم يستكثره ، وتُسمِّي العربُ ذلك المعنى سماحةً . الثالث : أن وصفَهُ بأنه جوادٌ ثابتٌ في الأزل ، والبارى لم يزل جواداً ، لا على معنى: أن له جوداً ، ولكن ذلك بمعنى: أنه لا يصعبُ عليه العطاءُ ولا يكثر ، قاله أبو الحسن الأشعري إمام السنة، والنجَّار من المبتدعة)، وانظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ١٨٢ ) . ١ ١ ١ على وجودِ جوده في الأزل ) ، قال : ( وفي ذلك دليلٌ على أن الصانعَ وصنعَهُ كلاهما أزليٌّ قديمٌ)، وهذا استدلالُ أبرقلسَ على قدم العالم(١) فيقال له : أما من قال : إن الجوادَ مأخوذٌ من الجود الذي هو العطاء .. فإنه لا يصفُ الله عزَّ وجلَّ بأنه كان في الأزل جواداً، وللكنه يقول: لمَّا خلقَ الجودَ صار جواداً ، كما أنه لمَّا خلقَ الخلقَ والرزقَ صار خالقاً ورازقاً ، ولم يكن فى الأزل خالقاً ولا رازقاً (٢) ، فعلى هذا المذهب يسقط استدلالُك عليه . وأما من قال من أصحابنا : إن الجوادَ من لا يستكثرُ العطاءَ ولا يصعبُ عليه ، كما ذهب إليه شيخنا أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه ورحمه .. فإنه يقول : إن الله عزَّ وجلَّ كان في الأزل جواداً ؛ على معنى : أنه كان لا يصعبُ عليه العطاءُ ، لا على معنى خلق الجود وفعلِهِ ؛ إذ لم يكن في الأزل فعلٌ . (١) قوله: (أبرقلسَ) في (أ، ب): (ابن قلس)، وفي ((الفرق بين الفرق)) (ص٣٥٤): (أبيذقلس)، وفي ((الشامل في أصول الدين)) (ص٢٢٦): ( أبرقلس ) ، وهو الأقرب لاسم هذا الدهري ، فكأنه تصحّف هنا ، أو أنهم عرَّبوه على الصورة المثبتة ، وصوابه : ( برقلس ) . وقد ردَّ على هذا الدهريِّ الإمامُ الأشعري ؛ فقد نقل عنه الأستاذ ابن فورك - كما في (تبيين كذب المفتري)» ( ص ٢٨٧) - أنه قال: ( وألَّفنا كتاباً في الرد على الفلاسفة ، يشتمل ثلاث مقالات ، ذكرنا فيه نقض علل ابن قلس الدهري ) . وقال الشهر ستاني في (( الملل والنحل)) (٢٠٨/٢) وهو يتحدث عن شبهة قدم العالم : ( وصنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتاباً ) . (٢) يعني : عند الأشاعرة ، وأسمه ( الخالق ) مثلاً في الأزل فيه خلاف عند أهل السنة : أهو حقيقة أم مجاز . 100000 V O Y200000 واستدلَّ الفريقانِ على مناقضة قول أبرقلسَ في قوله بأن قالوا (١) : إن قولَهُ: ( العالَمُ فعلٌ لله ) يقتضي أن يكونَ حادثاً غيرَ موجود في الأزل ، وأن يكونَ فاعلُهُ سابقاً له ، وقولَهُ : ( إن الفعلَ أزليّ) يقتضي ألا يكونَ فعلاً، وألا يكون فاعلُهُ سابقاً له ، وبعضُ هذا القول ينقضُ بعضاً، والجمعُ بين المتناقضينِ في العقول محالٌ (٢) والوجهُ الثاني في معنى (الجواد ) : أن الجوادّ في اللغة : بمعنى الطريق ، وفي الحديث : النهي عن الصلاة في الجوادِ(٣) ، وذلك أيضاً نهيُ تنزيهٍ ، لا نهيُ تحريمٍ . O 00000 (١) قوله: ( أبرقلس ) هو برقلس كما سبق التنبيه قريباً. (٢) تنبيهً: عبارة ( الجود الإللهي ) تدور على ألسنة المحققين من السادة الصوفية ، وقد أبعدَ النُّجْعةَ من ظنَّ مذهبَهم فيه مذهبَ الفلاسفة ! وأين من حنَّكَ فمَهُ بكلمات الحكمة ممَّنْ طالعَها وكوشفَ بها ؟! ٥ واعلم : أن الجود الإلهي فائضٌ على جميع الممكنات ، وحكمةُ الله تعالى وتجلياتُ اسمه ( العدل ) ۔ و کل ذلك راجع لإرادته سبحانه وقدرته ۔ یُقسمُ بها للممكن على قدره وسعته؛ حتى قال الحجة الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص ٢٨٠): ( العالم كله كشخص واحد ، وأجزاء العالم كأعضائه ، وهي متعاونة على مقصود واحد ؛ وهو إتمام غاية الخير الممكنِ وجودُهُ على ما اقتضاه الجود الإللهي ، ولأجل انتظامها على ترتيب متسق ، وارتباطها برابطة واحدة .. كانت مملكة واحدة ، والله تعالى مالكها فقط ) ، وليس في الإمكان أبدعُ مما كان . (٣) رواه ابن ماجه (٣٢٩) من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، ولفظه : (( إياكم والتعريسَ على جوادِّ الطريق والصلاةَ عليها؛ فإنها مأوى الحيات والسباع ، وقضاءَ الحاجة عليها؛ فإنها من الملاعن))، وظاهر صنيع الإمام المصنف أنه أراد (الجواد ) مفرداً لا جمعاً، فتأمل، وانظر ((تهذيب اللغة)) (٢٤٧/١٠)، وفي (ج): (أي: في وسط الطريق) بدل ( في الجواد وذلك ) . CON 00000 والوجهُ الثالثُ : الجوادُ : الفرسُ الكريمُ ، والعربُ تقول : رجلٌ مُجِيدٌ ؛ أي: صاحبُ جوادٍ(١) ، كما يقال: رجلٌ مُقْوٍ ؛ إذا كانت داَتُهُ قويَّةً، ومُضْعِفٌ؛ إذا كانت دابَتُهُ ضعيفةً (٢) . والجَوْدُ ؛ بفتح الجيم : الواسعُ الغزير ؛ ومنه قوله: مَطَرٌ جَوْءٌ (٣). وفي الحديث : ( تركتُهم - يعني: أهلَ مكة - وقد جِيدُوا) (٤)؛ أي : مُطِروا مطراً جَوْداً ، وهذا واضحٌ ، والله أعلم . bOOOO 00 انظر ((النهاية في غريب الحديث)) (١/ ٣١٢). (١) (٢) انظر (( غريب الحديث)) لابن سلام (٢/ ١٩٢). (٣) انظر (( تهذيب اللغة)) (١٠٧/١١). (٤) رواه ابن الأعرابي في ((معجمه)) (١١١٦/٣) من حديث الحسن البصري مرسلاً. ذكر معنى (الجمار) من أسمان عز وجل XY قال الزجَّاج : ( الجبَّارُ: معناه: الذي جبرَ الخلقَ على ما أرادَ من أمره )(١) قال : العربُ تقولُ : جبرتُهُ على الأمر وأجبرتُهُ عليه ؛ إذا أكرهتُهُ عليه ، و( أجبرتُهُ) في معنى الإكراه أكثرُ من ( جبرتُهُ)، و(جبرتُهُ) من جَبْرٍ الكسيرِ والفقيرِ أكثرُ من ( أجبرتُهُ)(٢) وقال الفرّاء : ( لغةُ الحجاز : أجبرتُ فلاناً على الشيء ، ولغةُ تميم : جبرتُ فلاناً على الشيء؛ إذا أكرهتُهُ عليه )(٣) والله سبحانَهُ جابرُ كلِّ كسيرٍ ، وهو جابرُ الدِّينِ أيضاً(٤) وقد يكونُ ( جبرَ ) لازماً ومتعدِّياً؛ كما قال العجَّاجُ(٥): [من مشطور الرجز] قد جبرَ الدِّينَ الإلهُ فَجَبَرْ (١) انظر ((معاني القرآن)) (١٥١/٥). (٣) انظر ((معاني القرآن)) للفراء (٨١/٣)، قال الأزهري في (تهذيب اللغة)) (٤٣/١١) (٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٤٣/١١). بعد أن نقل لغة تميم : ( وهي لغةٌ معروفةٌ، وكثيرٌ من الحجازيينَ يقولونها ، وكان الشافعي يقول : جبرَهُ السلطانُ ، بغير ألف ، وهو حجازيٌّ فصيحٌ) . (٤) انظر ( تهذيب اللغة)) (٤٣/١١). انظر ((ديوانه)) (٢/١)، ومن عجائب أرجوزته هذه: أنك لو أظهرت حركة آخر كل (٥) شطرٍ منها .. لرأيته مفتوحاً . لا235 ٧٥٥ بودرة box ويقال : جَبَرْتُ اليتيمَ والفقيرَ أَجْبُرُهُ جَبْراً وجُبُوراً، وجَبَرَ الفقيرُ جَبْراً وجُبُوراً(١)، وانجَبَرَ انجباراً، واجتَبَرَ اجتاراً، وجَبَرتُ اليدَ الكسيرَ أجْبُرُها جَبْراً وجُبُوراً وجِبارةً، ويقالُ للخشب الموضوع على [العظم] المكسور(٢): جَبائرُ؛ واحدتُها جِبارةٌ، وجَبَّرتُ اليدَ أُجبِّرُها تجبيراً، فأنا مُجبِّرٌ، واليدُ مجبَّرةٌ ؛ بالتشديد(٣) وإذا صحَّ ما قلناهُ : فالله الجبَّارُ ؛ بمعنى: أنه جابرُ الدِّين ، وجابرُ كلِّ كسيرٍ، وفي الدعاء المأثورِ: ( يا جابرَ كلِّ كسيرٍ) (٤)، والله الجبَّارُ ؛ بمعنى : الإجبار ؛ لأنه هو الذي أجبرَ الخلقَ على ما أرادَ . فإن قيل : إن العربَ لا تقول من ( أفعلتُ ) : فعَّالٌ ، فكيف أجزتم أن يكونَ الجبَّارُ مأخوذاً من ( أجبرتُ ) ؟ قيل : عن هذا جوابان : أحدُهما : أنه قد جاء عن العرب ( أجبرَ ) و( جَبَرَ ) بمعنى واحد ؛ وهو الإكراه على ما بيَّناه ، فعلى هذا: يكونُ الجبّارُ مأخوذاً من ( جبَرَ ) في معنى الإكراه . والجواب الثاني : أن العربَ قد قالت: أَرشَدَ فهو رشَّاد(٥)، وأَمسَكَ في ((تهذيب اللغة)) (٤٣/١١): (فجَبَرَ) بدل (وجبر )، وهو أليق بالسياق . (١) (٢) ما بين المعقوفين مثبت من ((الزاهر في معاني كلمات الناس)). (٣) انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٨١/١)، و((تهذيب اللغة)) (٤٣/١١). (٤) في ((مفردات الراغب)) (ص١٨٣) : (نحو قول علي رضي الله عنه : يا جابر كل كسير ، ويا مسهِّل كلِّ عسير ) . (٥) وقد قرئ شاذاً: ( وما أهديكم إلا سبيل الرَّشَّاد ) ؛ بتشديد الشين ، وهي قراءة سيدنا معاذ بن جبل، والحسن البصري. انظر (( معرفة اشتقاق الأسماء)) ( ص٥٩) ، = فهو مسَّاك ؛ بتشديد الشين والسين من رشَّاد ومسّاك ، وقد قُرئ : ( وأما السفينة فكانت لمّاكين ) بتشديد السين(١) وكذلك قالوا : أدرك فهو درَّاكٌ؛ بتشديد الراء من درَّاك . فلا يُنكَرُ أيضاً أن يقال : أجبرَ فهو جبَّار(٢). وقيل : الجبّارُ: هو القاصمُ الجبابرةِ والطغاةِ، والمبيدُ للظَّلَمَةِ والعُتَاةِ. وقد يكون الجبَّارُ بمعنى: ذي الجبروت ؛ قال أبو عبيد: قال الأحمر : [من الطويل] يُقالُ : فيه جَبَرِيَّةٌ وجَبَرُوَةٌ وجُبُّورةٌ وجَبُّورةٌ ، وأنشد (٣): فإِنَّكَ إنْ عاديتَي غَضِبَ الحصى عليكَ وذو الجَبُّورةِ المُتَغْطْرِفُ أراد بذي الجَبُّورة : الربَّ ، والتغترفُ والتغطرفُ : الكِبْرُ . والجبَّارُ أيضاً في اللغة : الذي يتعظّمُ ولا يتواضعُ . ورُويَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه وعظ امرأةً ، فلم تَمِلْ إلى عِظَتِهِ، فقال عليه السلام: ((دعوها؛ فإنَّها جبَّارةٌ)) (٤)؛ أراد: أنها تتكبَّرُ عن قبول الحقِّ . = و(( الدر المصون)) (٤٧٦/٩). (١) قرأ بها سيدنا علي رضي الله عنه. انظر ((الدر المصون)) (٥٣٦/٧). (٢) نقل الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٤٢/١١) عن الفراء أنه قال: ( لم أسمع فَعَّالاً من أَفْعَل إلا في حرفينٍ ؛ وهما : جبَّار من أَجْبَرْتُ، ودرَّاك من أدركتُ )، وانظر (( معاني القرآن)» للفراء ( ٨١/٣). (٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (٤٢/١١)، والبيت للمُغلِّس بن لقيط الأسديِّ، كما في (( لسان العرب )) (ج ب ر)، ويروى: ( المتغطرف) و(المتغترف)، وهما بمعنى. (٤) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٣١٥) من حديث سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه . FAN والله عزَّ وجلَّ هو الذي لا يصحُّ منه التواضعُ، فلذلك قال: ﴿ اُلْعَزِيزُ اَلْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُ﴾ [الحشر: ٢٣]. وقال ابنُ الأنباريِّ: (الجبّارُ في صفةِ الله عزَّ وجلَّ ؛ معناه : الذي لا يُنالُ)(١) ؛ أي : هو المتعالي عن أن يُدرَكَ بحدٍّ أو تشبيه ؛ مأخوذٌ من النخلةِ [من الخفيف] الجَبَّارِ (٢)؛ وهي التي تفوتُ يدَ المُتناوِل لطولها؛ قال لبيد(٣): وأَنْيضَ العَيْدانُ والجبَّارُ ومنه قولهم : فرسٌ جبَّارٌ؛ إذا كان طويلاً مُشرفاً وقيل: الجبّار: القهَّارُ، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ﴾ [قَ: ٤٥]؛ أي: قهَّارِ، بمنزلة قوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: ٢٢] (٤)، وهذا قبلَ أن يؤمر بالقتال. ٨ وقال عبدُ القاهر رحمه الله : 00 إن أخذنا ( الجبَّارَ) من معنى: الامتناع عن أن يُنالَ بحدٍّ أو تشبيهٍ .. فهو إذاً من الصفات الذاتية التي استحقَّها لنفسه . وإن أخذناه من معنى : الإجبارِ الذي هو الإكراهُ على ما انظر (( تهذيب اللغة)) (١١ /٤١) . (١) (٢) انظر (( شرح كتاب سيبويه)) للسيرافي (١٤٦/٥)، و((لسان العرب)) (ج ب ر). انظر (( ديوانه)) (ص٤٢ )، والبيت فيه بتمامه : (٣) وأناضَ العَيْدانُ والجبَّارُ فاخراتٌ ضروعُها في ذُراها وأناض: أثمر، وانظر ((تهذيب اللغة )) (٨٤/٣). (٤) وهي قراءة هشام عن ابن عامر الشامي ، والعامة بالصاد الخالصة ، وخلف بإشمام الصاد زاياً. انظر ((الدر المصون)) (٧٧١/١٠)، و((البدور الزاهرة)) (ص٣٤١). COCCC Vo A CECCO أرادَ(١)، [أو ] من معنى: جَبَرَ الدِّينَ وجَبَرَ الكسيرَ ، أو من معنى : القهرِ والغلبةِ .. فهو إذاً من أوصافِهِ التي استحقَّها لفعله دونَ ذاته، والله أعلم . 100000 (١) وبهذا المعنى أخذ الإمام الغزالي؛ حيث قال في ((المقصد الأسنى)) (ص ١٤٤): ( هو الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل أحد ، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد ، الذي لا يخرج أحدٌ عن قبضته، وتقصر الأيدي دون حمى حضرته ، فالجبَّار المطلق : هو الله تعالى ؛ فإنه يجبر كلَّ أحد ، ولا يجبره أحد ، ولا مثنوية في حقه في الطرفين ) .