النص المفهرس
صفحات 681-700
X 00000 ( الباقي ) : هو الموجودُ فقط ، وزعمت : أن الشيء في حال حدوثه يكون باقياً ؛ لوجوده فيها . ولم يسبقُهم أحدٌ إلى هذه البدعة . [ الردُّ على الكراميةِ في تعريفِهم للباقي ] فيقال لهم : لو كان معنى الباقي والموجودِ واحداً .. لكان يجوزُ إطلاقُ كلِّ واحد منهما مكانَ الآخر ، ولو جازَ ذلك لجاز أن يقالَ في الدعاء بدلَ قولنا لغيرنا : أبقاكَ الله : ( أوجدكَ الله ) . ألا ترى أنه لمَّا كان معنى ( مُحدَثٍ) و(مفعولٍ) سواءً .. قيل: قد أُحدِثَ ، وقيل : قد فُعِلَ، وقيل لكلِّ مُحدَثٍ : مفعولٌ، ولكلِّ مفعول : مُحدَثٌ ؟ 000 فلمَّا لم يجزْ أن يقال : ( أوجدكَ الله ) للموجود ، وجاز أن يقال : ( أبقاكَ الله ) .. عُلم أن معنى الباقي غيرُ معنى الموجود . ويقالُ لهم : إذا أجزتم وصفَ الشيء في حال حدوثه بأنه ( باقٍ ) .. فأجيزوا وصفَهُ بأنه ( دائمٌ) ؛ لأن معنى الدائمِ والباقي في اللغة واحدٌ . [ الردُّ على أصحابٍ أبي هاشم وعلى الخياطِ في تعريفِهم للباقي ] وأما من زعم : أن الباقيّ : هو الذي أتى عليه وقتانِ فصاعداً .. فيلزمُهُ على [قوله](١): استحالةُ وصف البارئ عزَّ وجلَّ في الأزل بأنه كان باقياً ؛ (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( قولهم) . 00000 ٦٨٠ لاستحالة مرور الأوقات في الأزلِ (١) [ الردُّ على الجبائيِّ في تعريفِهِ للباقي ] وأما من قال الباقي: هو الكائنُ لا بحدوثٍ(٢) .. فإن أرادَ به: ألا يكونَ الباقي حادثاً .. لزمه ألا تكونَ الأجسامُ باقيةً؛ لأنها مُحدَثةٌ . وإن أراد : أنه الكائنُ لا بحدوثٍ هو غيرُهُ .. لزمَهُ شيئانٍ كلاهما فاسدٌ : أحدُهما : أنه يلزمُهُ أن تكونَ الأعراضُ كلُّها باقيةً ، فإن قال بذلك لزمَهُ بقاءُ الحركة ؛ لأنه ليس لها حدوثٌ هو غيرُها ، بل حدوثُها نفسُها ، وكذلك حدوثُ كلِّ مُحدَثٍ نفسُهُ(٣) والثاني : أنه يلزمُهُ عليه أن يكونَ الشيءُ في حال حدوثه باقياً ؛ لأنه ليس له في تلك الحالة حدوثٌ هو غيرُهُ ، وإنما حدوثُهُ فيها نفسُهُ . وإذا بطلت أقوالُ مخالفينا في معنى (الباقي ) .. صحَّ أن معناه ما قاله أصحابُنا ؛ من كون الباقي باقياً ببقاءٍ قائم به (٤) ، أو بما لا يقال (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٣٨). (٢) وهو قول الجبائي. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٢٩). (٤) فاختيار المصنف موافقٌ لما كان عليه قدماء الأشاعرة من كون البقاء صفة معنىّ . (٣) إذ الحدوث صفةٌ نفسية للحادث ، كما أن الوجود صفةٌ نفسية للقديم . وقد ادَّعى بعض الجهلة : أن اختلاف الأشاعرة في صفة البقاء أمعنىّ هي أم سلبٌ ، وانقراض قدمائهم على القول الأول ، واعتماد متأخّريهم على القول الثاني .. دالٌّ على عدم الانضباط في الاعتقاد الذي عليه مدار الإيمان ! ولم يتنبَّه المسكينُ : أن لا خلافَ أصلاً في كون البقاء صفةً له عز وجل ، إذ الكلُّ منَّفْقٌ على أنه تعالى باقٍ ، وبعد ذلك الخلافُ في تصوّر ماهية هذه الصفة ؛ أمعنىّ هي = 00000 فيه : إنه غيرُهُ ، على ما نبيِّنُهُ بعد هذا إن شاء الله عزَّ وجلَّ . 00 = أم سلبٌ .. لا يضرُّ في الاعتقاد ؛ إذ الواجبُ اعتقادُ بقائه سبحانه ، وما وراء ذلك لو عاش المرء ولم يُخطره في باله فلا يضرُّ، ومنشأُ هذه الشبهة : عدم التفريق بين أصول الاعتقاد المنجية عند الله تعالى، وبين توابع ذلك ، وهذه التوابع لها درجات كثيرةٌ ، وقد علَّق العلامة ابن العربي المالكي في (( الأمد الأقصى)) (٤٨٩/١) على هذا الخلاف بقوله : ( هو أمرٌ قريب ، لا يضرُّ في الاعتقاد ) . AON الفصل الثالث في بيان الدلالةعلى أن (الباقي) يقتضي بقاء لأجله يكون باقياً أجمعَ أصحابنا : على أن الباقيَ لا يكون باقياً إلا ببقاءٍ هو صفةٌ . واختلفوا في قيامها بـ ( الباقي ) : فقال القدماءُ من أصحابنا : ( من شرطها : أن تقومَ بالباقي ) ، كما ذهب إليه عبد الله بن سعيد وأبو العباس القلانسيُ(١). 1000 ولم يُجزْ هؤلاء وصفَ صفاتِ الله عزَّ وجلَّ بأنها باقيةٌ ولا فانيةٌ ، كما بيَّنَاه في الفصل الذي قبلَهُ(٢) 000 وقال أبو الحسن الأشعريُّ : ( من شرط البقاء : قيامُهُ بالباقي ، أو بما لا يقال : إنه غيرُ الباقي )(٣) وأجاز إطلاقَ القولِ بأن يقالَ : البارئُ وصفاتُهُ الأزليَّةُ باقيةٌ ببقاءِ البارئ . وزعم الجبائيُّ وابنُهُ : أن الباقيَ لا يقتضي معنىّ يكونُ به باقياً ، لا شاهداً ولا غائباً ، وبه قال أبو الهذيل(٤) 0 (١) انظر (١ /٦٧٦). (٢) انظر (١ / ٦٧٦ ) . (٣) انظر (١ / ٦٧٦ - ٦٧٧ ) . (٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٣٦٦ - ٣٦٧). 00000 ,٦٨٣ 00000 10 po وأجاز هؤلاء بقاءَ أنواعٍ كثيرةٍ من الأعراضِ(١). وقال الكعبيُّ : ( إن البارئَّ عزَّ وجلَّ باقٍ لنفسه، والأجسامَ باقيةٌ ببقاءٍ يقومُ بها ) ، وأحالَ بقاء الأعراض كما أحال أصحابُنا بقاءها(٢) [ دليلُ مَنْ ذهبَ إلى أنَّ البقاءَ صفةُ معنىّ ] والدليلُ على أن ( الباقي ) يقتضي معنىً لأجله يكونُ به باقياً : اتفاقُنا مع المعتزلة : على أن الشيءَ في حال حدوثِهِ لا يكونُ باقياً(٣)، وإذا وُجِدَ في الثاني في حال حدوثِهِ كان باقياً ، وتغيُّرُ الوصف على الموجودِ مع وجودِهِ في الحالتينِ على الاتصال .. دليلٌ على ثبوت معنىّ لأجله كان باقياً (٤). فإن قيل : يلزمُكم على هذا الاعتلال : أن يكونَ حدوثُ المُحدَثِ 000000 (١) كسكون المَوَات، والألوان، والطعوم، والروائح ، والحياة ، والقدرة، والصحة ، والكلام. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٥٩) . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٥٨). وهذا مما أجمعوا عليه، وما خالف فيه إلا الكرامية كما تقدم (٦٧٩/١) . (٣) (٤) لا يقال : فناء الأعراض يلزم منه بالضرورة فناء محلُّها ؛ لاستحالة قيام الجسم أو الجوهر بغير عرض . لأن صاحب هذا المذهب يقول : البقاءُ هو العرضُ الذي يصحّحُ بقاء هذا الجسم أو الجوهر ؛ فانتفى وجودهما بغير عرض . إلا أن التحقيق في هذه المسألة : ما ذهب إليه المتأخّرُون من كون البقاء صفةً سلب ، لا صفةَ معنى ، ولا صفةً نفسية ، وعليه : تكون الحوادث في عدم دائمٍ لا ينقطع ؛ وذلك لانعدام شرط بقائها، قال الإمام الغزالي في ((الاقتصاد في الاعتقاد » ( ص ١٤٧): (وأما الجواهر : فانعدامها بألا تُخلق فيها الحركة والسكون ، فينقطع شرط وجودها ، ولا يعقل بقاؤها)، فبقاؤها إنما هو بإبقاء الله تعالى لها بخلق أعراضها ، فإفناءَاتُها وإبقاءاتُها شبهُ متكافئة ؛ لزيادة العدم الأصيل عليها . 00000 ٦٨ ٠٥٥٥٥ GOVATEGY 0000 o لمعنىَ؛ لأنه وَصْفِ له اكتسبَهُ بعد أن لم يكن موصوفاً به قبلَ حدوثه(١). قيل : لم يكن قبلَ حدوثه موجوداً ، وحدوثُهُ حدوثُ عينِهِ ، وليس بقاؤه حدوثَ عينه؛ لأن عينَهُ لم تَحدُثْ في حال البقاء(٢) ، ولم يكن في حال الحدوث باقياً ، وقد اشترطنا في الدليل : اتصالَ الوجودِ مع تغيُّرِ الوصف في أحد الحالينِ . فإن قيل : فإن الجسمَ يكون مُحدَثاً غيرَ معادٍ ، ويُعدَمُ ويُعاد ، فقد تغيَّرَ الوصفُ عليه بالإعادة ، فيلزمُكم : أن يكونَ المُعادُ مُعاداً لمعنىّ . قيل : الإعادةُ حدوثٌ ثانٍ ، وليس مخالفاً للحدوث الأوَّل ؛ بل هو بعينِهِ (٣) ، إلا أنه سُمِّيَ إعادةٌ لِيُعلَمَ أن عينَهُ قد خُلِقَت مرتينٍ . oo على أنا قد اشترطنا في الدليل : اتصالَ الوجود مع التغيُّرِ في الوصف ، وبين الابتداءِ والإعادةِ عدمٌ متوسِّطْ ، وعلى أن من أصحابنا من قال : ( إن (١) أراد المصنف بهذه التحريجة: بيان الفرق بين البقاء والوجود؛ إذ الوجود عين الذات، والبقاء - على ما اختارهنا - هو معنىّ زائدٌ على الذات، فوجود الذات إذاً لم يكن لمعنى. (٢) وإنما خلق الله في الحالة الثانية معنىّ هو البقاء ، وهي في هذه الحالة باقية ، لا محدثة ، أما عند من رأى أن البقاء صفةٌ عدميَّةٌ اعتباريةٌ سلبيةٌ .. فبقاؤها: هو تجدُّد حدوثها تجدُّداً متتابعاً ، لا يفصل بين آحاد هذا التجدُّد إلا أجزاءٌ زمانية فردة لا تقبل التجزُّؤَ ، كما أن الجوهر الفرد المكاني لا يقبله . 0 (٣) لأن الحدوثَ هو عين المحدَث، وطالما أن المحدَث وُجدً بعينه فإن الحدوث الثاني هو عين الحدوث الأول ؛ قال الإمام ابن فورك في (( مجرد مقالات الأشعري ] (ص٢٤٢) : ( والصحيح على مذهبه : أن الإعادة هي نفس المعاد ، وأن معنى قولنا : إعادة ومعاد .. يرجع إلى حدوث بعد حدوث تخللهما عدم)، ولم ينشأ لمعنىّ ، وهذا القول يفيدُ منه القائلون بسلبية البقاء ؛ إذ دوام حدوث المحدث لا يلزم منه الاحتياج إلى معنىّ هو البقاء، بل إنما يعبَّرُ عن هذا الدوام في الإحداث بالبقاء . ـو 00000 ٦٨٥ 00000 o a المُعادَ معادٌ لمعنىّ)، وبه قال القلانسيُ(١)، وعلى هذا الأصل سقط السؤالُ، وعلى الفصل الأوَّل قد مضى الانفصالُ عنه(٢) واستدلَّ من نفى أن يكونَ ( البقاء ) معنىّ بأن قال: لو كان البقاءُ غيرَ الباقي لصحَّ وجودُهُ في حالِ حدوثِ الباقي ، حتى يكونَ في حال حدوثه باقياً ؛ كالعلم والقدرة والإرادةِ واللونِ والحركةِ(٣) قيل : أليس قولُكُم : ( إن الباقيَ باقٍ ) غيرَ الباقي ، ولا يصحُّ وجودُهُ في حال حدوثِ الباقي ؟! (٤) ، كذلك البقاءُ معنىّ غيرُهُ ، ولا يصحُ وجودُهُ في حال حدوث الباقي . وتمامُ أدلَّةً هذه المسألة يأتي في الفصل الذي نذكرُ فيه استحالةً بقاء الأعراض بعد هذا ، إن شاء الله عزَّ وجلّ (٥) 00000 (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (٢٤٢). (٢) قوله : (الفصل) كذا في جميع النسخ ، ولعلها : ( الأصل ) . (٣) والخصم يسلّمُ وجودها حال حدوثها ، وهي مشاركةٌ للبقاء في جنس المعاني أو الأعراض . (٤) قوله : ( وجوده) الضمير راجع لـ (قولكم). (٥) وقد بيَّن الإمام السنوسي أن في صفة البقاء ثلاثةَ مذاهبَ مقررة؛ حيث قال في ((شرح العقيدة الكبرى)) (ص٢٤٢): ( قيل : هو نفسيٍّ؛ أي : عبارة عن الوجود المستمر فيما لا يزال . وقيل : صفة معنيّ ؛ أي : موجودٌ زائد على وجود الذات ؛ كالعلم ونحوه . وقيل : صفة سلب ؛ أي عبارة عن نفي العدم اللاحق بعد الوجود ، وهو التحقيق ) . 00000 ٦٨٦ TO الفصل الرابع في أن البقاء هل لهضه من غير جنسه أو لا ضدله اختلفوا في البقاء والفناءِ على خمسة مذاهبَ : أحدُها : قولُ من قال: ( إن البقاءَ معنىّ، وليس الفناءُ معنىّ ) ، وبه قال أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله وأكثرُ أصحابنا ، وبه قال الكعبيُّ من المعتزلة(١) والقولُ الثاني : ( أن الفناءَ معنىٌ، والبقاءَ ليس بمعنىّ غيرِ الباقي ) ، وبه قال الجبائيُّ وابنه أبو هاشم (٢) 00 والقولُ الثالثُ : ( أن البقاءَ معنىّ به يبقى الباقي ، وكذلك الفناءُ معنىً به يفنى الفاني ) ، وهو قول القلانسيِّ من أصحابنا(٣) (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٨)، و((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٤٤)، و(( التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض)) (ص١٥٦)، و((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) ( ص٨٣)، وبهذا القول قال القاضي الباقلاني في (( تمهيد الأوائل)) ( ص٢٩٩)، وهو خلاف اختياره انتهاءً . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٨)، و((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) ( ص٧٤، ٨٣). (٣) فالفناء عنده عرضٌ يقوم بالجوهر الذي يفنى، فيفنى به في الحالة الثانية من وقت حدوث الفناء فيه. انظر (( الأمد الأقصى)) (٣٣٩/٢)، و((تلخيص الأدلة )» (ص٢٣٩ ) . VATa 00000 A V 00000 والقولُ الرابعُ : نفيُ البقاءِ والفناءِ [كليهما](١) ، وبه قال نفاةُ الأعراض. والقولُ الخامسُ في هذا الباب : مذهبُ المجسِّمة الكراميَّة ؛ وذلك أنهم نفوا أن يكونَ البقاءُ معنىَ غيرَ الباقي ، [وزعموا](٢): أن معنى الباقي والموجودِ واحدُ . وزعموا : أن الشيءَ يُعدَمُ بإعدام الله عزَّ وجلَّ إِيَّاهُ ؛ بأن يقول له : كن معدوماً ؛ كقوله إذا أوجده : كن موجوداً ، وهذان القولان حادثانٍ في ذاته . 0000 وزعموا : أن كلَّ شيء حدث في العالم من جسم أو عرضٍ فلا بدَّ من أن يَحدُثَ من أجله عرضانِ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ؛ أحدهما : إرادةٌ لحدوثه ، والثاني: قولُهُ: كُنْ موجوداً ، وكلَّ شيء يُعدَمُ فلا بدَّ من حدوث عرضينٍ في ذات البارئ ؛ أحدهما : إرادةُ عدمه ، والثاني : قوله : كُنْ معدوماً . والكلامُ عليهم في هذا الأصل مبنيٌّ على حدوث الحوادث في ذات البارئ عزَّ وجلَّ ، وقد مضى ذلك قبل هذا(٣) (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( كلاهما) . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( وزعم ) . انظر (٤٣٥/١)، وثَمَّ مذهب سادس ؛ وهو أن البقاء والفناء ليسا بمعنى ، وإنما هما (٣) من صفات السلب ، وبه قال قاضي السنة الباقلاني كما في (( رسالة الحرة )) المطبوع باسم (( الإنصاف)) (ص١٠)، ونقله عنه المصنف في ((أصول الدين)) (ص٤٥) ، وارتضاه إمام الحرمين في ((الإرشاد)) (ص٧٨)، والحجة الغزالي في (( المقصد الأسنى)) (ص٢٩٧) حيث قال: (ولقد أبعد من قال: (( البقاء : صفة زائدة على ذات الباقي ))) ، وهذا المذهب هو ما استقرَّ عليه رأي أهل السنة . ٦٨٨/٥٥ [ اختلافُهم في معنى الفناءِ على أنَّهُ معنىٌ ] واختلف الذين أثبتوا الفناءَ معنىّ غيرَ الفاني في محلِّهِ : فقال أبو العباس القلانسيُّ : إن الله عزَّ وجلَّ يُحدِثُ في الجسم إذا أراد أن يفنيه فناءً، فيفنى به الجسمُ في الحالة الثانية من حال حدوثٍ الفناءِ (١) وقال الجبائيُّ وابنه أبو هاشم : إن الله يُحدِثُ الفناءَ لا في محلٌّ ، فتفنى به جميعُ الأجسام ، لا يقوم ببعضها فتختصَّ به ، وليس بعضُها بأن يفنى به أولى من بعض ، فلذلك وجبَ أن تفنى به جميعُ الأجسام (٢) وزعما : أن الله عزَّ وجلَّ لا يوصفُ بالقدرة على إفناءِ بعضٍ أجسام العالم مع بقاء بعضها ، وقد قَدَرَ على التفريق بينها في إحداثها ، ولا يَقدِرُ على التفريق بينها في الفناء ، وإنما هو أحد أمرين : إما أن يبقيها كلَّها ، وإما أن يفنيها كلَّها بفناء واحد ؛ هو عرضٌ يخلقُهُ لا في محلِّ ، وإما أن يفني بعضها مع بقاء بعضِها ، فلا يُوصف بالقدرةِ عليه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً . A [ دليلُ أَنَّ الفناءَ ليسَ معنىَّ ] فالدليلُ على أنه ليس الفناءُ معنىٌ موجوداً: أنه لو كان عرضاً لم يخلُ : (١) إذ الفناء عنده صفة معنىّ كما تقدم قريباً (١ / ٦٨٧). (٢) وكان أبو علي الجبائي يجوز في أول الأمر فناء بعض الأجسام دون بعضها ، ثم صار إلى ما نقله الإمام المصنف. انظر (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) ( ص٨٣ ) . LON 100000 1900000 THEYO من أن يوجدَ في الفاني ؛ كما ذهب إليه القلانسيُّ رحمه الله ، أو يوجدَ لا في محلٌّ ؛ كما ذهب إليه الجبائيُّ وابنُهُ أبو هاشم . ومحالٌ وجودُهُ في الفاني : لأنه لو وُجِدَ في الفاني لوجب أن يفنى به في حالٍ وجودِ الفناء(١)؛ كما أن السوادَ لمَّا كان معنىّ يَسْوَدُ به الجوهرُ صار الجوهرُ أسودَ به في حال وجودِ السوادِ ، ولو صار الجسمُ فانياً في حال وجودِ الفناء .. استحالَ قيامُ الفناء به في تلك الحال؛ لأن العرضَ لا يقومُ بالفاني . 0000 ومحالٌ أيضاً وجودُهُ لا في محلّ : لأنه لو جاز وجودُ عرضٍ لا في محلٌّ .. لصحَّ وجودُ سائر الأعراضِ لا في محلٌّ ، كما أنه لمَّا صحَّ وجودُ جوهر لا في محلٍّ .. صحَّ وجودُ كلِّ جوهر لا في محلٌّ (٢) فإن قيل (٣): ما أنكرتم أن يكونَ الفناءُ معنىّ يخالفُ سائرَ المعاني، فيختصَّ بكونه لا في محلٌّ دون سائر المعاني ؛ لمخالفته لسائرها ؟! O 000 قيل : كلُّ جنس من الأعراض القائمةِ بالإنسان مخالفٌ لسائرها ، وهي مع مخالفةِ بعضِها بعضاً متفقةٌ في استحالة وجودِها لا في محلِّ (٤) ، فلو كان (١) لا في الحالة الثانية كما قال الإمام القلانسي؛ وذلك لوجود معنى الفناء في الحالة الأولى ، فما معنى تأخير الاتصاف إلى الحالة الثانية ؟! (٢) إذ الجوهر لا محلَّ له، بل له مكانٌ؛ وهو الفراغ المتوهَّم في حال خلو الجوهر منه ، وهو الحيز نفسه ، أما العرض فافتقاره إلى المحلِّ ذاتيٍّ كما تعلم . (٣) كأن صاحب هذه التحريجة أراد إثبات موجود بين الجوهر والعرض ! (٤) إذ هذا أول حُكم من أحكامها ، وكذلك امتناع قيام العرضِ في محلّين ، وأن حكمه ثابت لمحله فقط، واستحالة قيامها بمعنىّ. انظر (( شرح لمع الأدلة)) (ص٥٣ ) . 00000 190000 CON a الفناءُ أيضاً عرضاً من الأعراض .. لاحتاجَ إلى المحلِّ مع مخالفتِهِ سائرَ الأعراض(١). ويقال لهم : إرادةُ الله عزَّ وجلَّ عندكم مخالفةٌ للفناءِ ، وكلاهما لا في محلِّ ؛ فما أنكرتم ممَّن قال : الفناءُ مخالِفٌ للأعراض الباقية وجميعُها في محلٌّ ؟! ويقال لهم : أليس لو قال قائل : بإثبات عرضٍ واحدٍ حدثَ لا من مُحدِثٍ ؛ كما ذهب إليه ثُمامةُ في الأعراض المتولِّدة .. لزمَهَ أن يقولَ : بجواز حدوثٍ كلِّ الأعراض لا من مُحدِثٍ ؟ فلا بدَّ لهم من : بلى . قيل : فكذلك من أجاز وجودَ عرضٍ لا في محلِّ لزمَهُ إجازةٌ وجود جميع الأعراضِ لا في محلِّ . O Q ٥ وهذا ما لا فصلَ لهم فيه . [ الردُ على الكراميةِ في معنويَّةِ الفناءِ ] وأما قول الكراميّة : إن الشيءَ إنما يفنى بإفناءٍ يَحدُثُ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ .. فقد دلَّلنا على استحالة كونِ ذاتِهِ محلاً للحوادث(٢)، وإذا استحالَ ذلك بطلَ بناؤهم عليه . (١) إذ وجوهُ المخالفة بين الأعراض لا ترجعُ إلى تمام الماهية، والفناءُ والأعراض كلُّها مشتركة في استحالة القيام بنفسها ، وافتقارها إلى محل تقوم به ، فكيف يُدَّعى وجود عرض لا في محلٌّ ؟! (٢) انظر (٤٣٥/١) 79 1700000 T.rGYO ويقال لهم : إذا صحَّ وجودُ ذلك [الإفناء] مع ما يُفنيه في حالةٍ واحدةٍ(١) .. فهلَا جاز وجودُهُ معه أبداً؟! لأن كلَّ عرضينٍ صحَّ وجودُهما معاً في حال حدوثٍ أحدِهما .. لم يكن أحدُهما ضدّاً للآخر ولا منافياً له ، وإذا لم يكن أحدُهما منافياً له لم يكن عدمُ أحدهما بوجود الآخر(٢)، وبالله التوفيق . 00000 0 ٥ (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( للإفناء ) (٢) في ( ب، ج): ( يجب ) بدل ( يكن ) . ٥٥٥٠٠ ٦٩٢ الفصل الخامس في بيان ما يصح بقاؤه وذكر مالا يجوز بقاؤه [ الأعراضُ عندَ الكراميةِ باقيةٌ في جميعِ أحوالِها ] زعمت الكراميَّةُ المجسِّمةُ: أن كلَّ موجود باقٍ في جميع أحواله(١) ، وعلى هذا الأصل: تكونُ الأعراضُ كلُّها باقيةً في جميع أحوالها(٢) DO وقالوا : لا عرضَ إلا ويصحُ وجودُهُ وقتينٍ وثلاثةَ أوقاتٍ وأكثرَ من ذلك(٣)، ويستوي في ذلك الأصواتُ والحركاتُ، والعلومُ والإراداتُ، وسائرٌ الأعراض (٤) 000 000 (١) وقد تقدم إيراد كلامهم ورد الإمام المصنف عليهم (٦٧٩/١ - ٦٨٠). (٢) قال المصنف في ((أصول الدين)) (ص٥٠): (وأجازت الكراميَّةُ بقاءَ جميع الأعراض ، وقالوا : إن حدوثَ كلِّ حادث في العالم إنما هو بقول الله تعالى: (( كن » وإرادتِهِ لحدوثه ، وعدمَهُ بقوله له: (( افنَ )) وإرادتِهِ لعدمه، فإذا خلقَ جسماً أو عرضاً وجب بقاؤه إلى أن يقول له : (( افنَ )) ويريدَ عدمَهُ ) . (٣) وهو المعبّر عنه بجواز بقائه زمانين؛ إذ لم يُرَدْ بههذه العبارة عينُ العددية ، واعلم : أن البقاء بههذا المعنى مستحيل على الله تعالى قطعاً؛ لاستحالة تسلُّط الزمان عليه سبحانه ، بل بقاؤه معناه : سلبُ الآخرية لوجوده ، فلا يلحق ذاتَهُ وصفاتِهِ عدمٌ . انظر ((شرح العقيدة الوسطى )) (ص ٢٣٩ ). (٤) يعني : يستوي في ذلك الأعراض المشروطة بالحياة كما مَثَّلَ ، والأعراض غير المشروطة بها ؛ كالأكوان والألوان والطعوم والروائح . انظر ( شرح لمع الأدلة )» ( ص٥٢ ) . 00000 ٦٩٣ 00000 ولذلك زعموا : أن القولَ الذي وُجِدَ من الإنسان في الذرِّ الأوَّل عندَ إقراره بالله عزَّ وجلَّ .. موجودٌ باقٍ فيه لا يرتفعُ بموته ، وإنما يرتفعُ بارتداده . وزعموا أيضاً : أن لفظَ النكاح يكونُ باقياً في الزوج الناكح ما بقيّ النكاح بينَهُ وبينَ امرأته التي تزوَّجها ، لا يرتفعُ بسكوته ولا بخَرَسِهِ ، وإنما يبطلُ عند طلاقه لها ، أو عند موته عنها في الحالةِ التي يرتفعُ [فيها] النكاحُ بینھما(١) [ حكمُ بقاءِ الأعراضِ عندَ المعتزلةِ ] واختلفت المعتزلةُ في هذا الباب : فمنهم : من نفى بقاءَ جميع الأعراض ، وقال : لا يبقى شيءٌ منها وقتينٍ ، وبه قال الكعبيُّ(٢)، وإلى هذا القول ذهب جميعُ أصحابنا (٣) ومنهم : من قسّمَ الأعراضَ إلى باقٍ وغيرِ باقٍ ؛ فما يصُ بقاؤه : (١) وكذا قرَّر المصنف مذهبهم في ((أصول الدين)) ( ص٥٠). (٢) ووافق الكعبيَّ أحمدُ بن علي الشطوي، ومحمدُ بن عبد الله بن مملَّك الأصفهاني . انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٥٨)، و((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) ( ص١٢٢) . (٣) وعبارة الإمام الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (١٦٤/٣): ( مذهب أهل الحق من الأشاعرة : أن الأعراض جملتها غيرُ باقية ، بل هي على التقضِّي والتجدُّد ، وأن الله تعالی قادر على خلْقِ كل واحد من آحادها في أي وقت شاء من غير تخصيص بوقت دون وقت ، وأن ما خلقه منها في وقت كان يمكن خلقه بعد ذلك الوقت أو قبله ، ووافقهم على ذلك النظام والكعبي من المعتزلة ) . 00000 ,٦٩٤ 00000 O كاللونِ والطعم والرائحةِ ونحوها، وما لا يصحُّ بقاؤه : كالإراداتِ والحياةِ والتأليفِ والأصواتِ والحركاتِ ، والفناءِ عند من أثبتَهُ منهم عَرَضاً . وإلى هذا التقسيم ذهبَ أبو الهذيل والجبائيُّ وابنه أبو هاشم(١) واختلفَ هؤلاء في العلوم والاعتقادات : فأجاز أبو الهذيل بقاءها ، وأنكرَ الجبائيُّ وأبو هاشم بقاءها . واختلفوا في السكون : فحكى الإسكافيُّ عن أبي الهذيل أنه قال : ( إن سكونَ الحيِّ لا يبقى، وسكونَ المَيِّتِ والمَوَاتِ يبقى)(٢) وحُكيَ عن بشر بن المُعْتمِر أنه قال : ( إن السكونَ كلَّهُ يبقى)(٣). وزعم إبراهيمُ النظّام : أنه يستحيل بقاءُ الأعراض ، إلا أنه زعم : أنه لا عرضَ إلا الحركاتُ والسكون ، وقال : لا يجوزُ البقاء عليهما، فأما اللونُ والأصواتُ والخواطرُ وما أشبهها .. فهي عندَهُ أجسامٌ باقيةٌ (٤). (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٥٩٣٥٨)، و((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص١٢٢)، وهو على أصلهم في أن البقاء ليس بمعنىّ ، وأما من ذهب إلى أن الباقي يبقى ببقاء .. فقد منع من بقاء شيء من الأعراض ؛ لئلا يلزم قيام المعنى بالمعنى. انظر (( التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض)) ( ص٢٨٨) . (٢) وكان يزعم: أن سكون أهل الجنة سكون باق. انظر ((مقالات الإسلاميين )) (ص٣٥٨)، وانظر ما تقدم (٦٨٤/١) تعليقاً . (٣) انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٠). (٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٥٨، ٣٦٢)، وتقدم أن النظام يرى تركُّب الجوهر من مجموعة من الأعراض ، فأجزاء الجوهر عنده تنتهي إلى أعراضٍ . 40 [ دليلُ أهلِ السنَّةِ على استحالةِ بقاءِ الأعراضِ ] ودليلُ أصحابنا على استحالة بقاءِ الأعراض : ما قدَّمنا ذكرَهُ ؛ من كون الباقي باقياً ببقاءٍ يقومُ به، أو بما لا يقالُ: إنه غيرُهُ(١) وإذا صحَّ هذا الأصل بما ذكرناه فيه قبل هذا .. استحالَ بقاءُ الأعراض ؛ لاستحالة قيام العرضٍ بالعرضٍ (٢) وممَّا يدلُّ على استحالة بقاءِ الأعراض : أنه لو صحَّ بقاءُ شيء منها لوجب استحالةُ عدمِها ، وأدَّى ذلك إلى استحالة حدوثِها ، ووجوبِ القول بقدمِها ، ووجبَ من ذلك : وجوبُ قِدَم [الأعراض](٣) ، وإبطالُ حاجتها إلى صانع صنعَها . وبيانُ ذلك : أنه إذا جاز بقاءُ [العرض] أوقاتاً كثيرةً لنفسه (٤) ، أو لا لمعنىّ أكثرَ من ذاته .. كان وجودُهُ بعد حدوثه واجباً ما لم يَحدُثْ ضدٌّ له ينافيه ، وما وجبَ وجودُهُ إلى أن ينفيَهُ ضدٌّ ينافيه .. لم يَجُزْ أن يَحدُثَ له ضدّ ينافيه، ولم يَجُزْ أن يكونَ له ضدٌّ أصلاً؛ كالقديم لمَّا وجب وجودُهُ في (١) انظر (٦٨٣/١). (٢) خلافاً للفلاسفة المجوِّزين لذلك، وظنُّوا أن السرعةً مثلاً عرضٌ يقوم بالحركة. انظر ((أبكار الأفكار)) (١٦٠/٣)، ولو جاز قيام العرض بالعرض، والعرض من ماهيته أنه لا يقوم بنفسه .. لتسلسل ذلك القيام تسلسلاً ممتنعاً، لا يقطعه إلى تصور جوهرٍ يصحّح قيام تلك الأعراض المفروضة به . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( الإدراك) . (٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( الأعراض ). كلِّ حال لا ينفيه فيه ضدٍّ .. لم يكن له ضدٌّ، ولم يَجُزْ له حدوثُ ضدٍّ ينافيه(١) فإن قيل : إنما لم يَستحلْ عدمُ القديم لوجود ضدٍّ ينافيه لاستحالة أن یکونَ له ضدٌّ . قيل : إنما استحالَ أن يكونَ له ضدٌّ لوجوب بقائه إلى أن ينفيَةُ ضدٌّ . وممّا يدلُّ على استحالةِ بقاءِ الأعراض ، واستحالةِ انتفاءِ الشيء بضدِّهِ : أن ما وجب وجودُهُ إلى أن يُوجدَ له ضدٌّ ينافيه، وكان حدوثُ ضدِّهِ مُوجِباً عدمَهُ .. لم يكن حدوثُ ضدِّهِ في محلِّهِ بأن يُوجِبَ عدمَهُ أولى من أن يكونَ وجودُهُ في محلَّهِ مانعاً من حدوث ضدِّهِ فيه ، بل كان امتناعُ حدوثِ الضدِّ المنافي له بوجوده لحصول وجوده .. أولى من عدمه بحدوث ضدٍّ ينافيه إذا وُجِدَ (٢) 000 (١) دليل بقاء الشيء عند قدماء الأشاعرة مبنيٌّ على دليل فيه طولٌ وتقسيم كما يقول الإمام السنوسي في (( شرح العقيدة الكبرى)) ( ص٢٤٥)؛ إذ لا يعدمُ الموجودُ إلا بمقتضٍ ، وهو إما بالاختيار أو لا ، والمقتضي المختارُ لا يفعل العدمَ ؛ إذ ليس بفعل ، وغيرُ المختار: إما عدم شرط، أو طريان ضدٍّ، وكلاهما في حقُّ القديم محالٌ. انظر ((شرح لمع الأدلة )) ( ص١٠٤ - ١٠٦). (٢) وقد صاغ إمام الحرمين هذا الدليل في ((الإرشاد)) (ص ١٤٠) فقال: ( قلنا : الأعراض يستحيل بقاؤها ؛ فإنها لو بقيت لاستحال عدمها ؛ فإنا إذا قدرنا بقاء بياض ودوام وجوده .. لم يتصور انتفاؤه فيعقبَهُ سواد ؛ إذ ليس الواد بنفي البياض ومضاداته .. أولى من البياض بدفع السواد ومنعه من الطروء) . وعبَّرَ عن هذه الاستحالة العلامة ابن التلمساني بقوله في (( شرح لمع الأدلة)) (ص ٥٥ ): ( لو كان المقتضي ضدّاً فمعقولُ التضاد من الجانبين معقول واحد ، فليس إعدام الطارئ للحاصل بأولئ من منع الحاصل من طروء الطارئ ) . 100000 79V 00000 فإن قيل : إن الحدوثَ أولى من البقاء ، فكان أولى بإيجابه عدمَ هذا النافي من أن يكونَ النافي مُوجِباً عدمَهُ . قيل : لا فصلَ بين قول من قال : إن الحدوثَ في الحال أقوى من الوجودِ السابقِ ، فيُوجِبُ عدمَ السابق ، وبين قول من يقولُ : بل الوجودُ السابقُ أقوى من الحدوث المنتظرِ ، فيمنعه من حدوثٍ . فإن قيل : الحدوثُ أقوى ؛ لتعلُّقِهِ بالقدرةِ والقصدِ من مُحدثِهِ إليه . قيل : بل الوجودُ الباقي أقوى ؛ لاستغنائه عن قدرةٍ وقصدٍ وإرادةٍ . على أن الدليلَ الذي فرضنا يمنعُ أن يكونَ حدوثُ ضدِّهِ مقدوراً لقادرِ بحالٍ لو كان بقاءُ هذا الباقي واجباً إلى أن يَحدُثَ ضدٌّ ينافيه . فإن قيل : يَلزمُكم هذا الذي ألزمتمونا في قولكم بنفي أحدِ الضدّينِ للآخر . 00000 قيل: إنَّا لا نقولُ: إن عدمَ العرض عن محلُّهِ يكونُ بضدِّهِ(١)، بل نقولُ : إن العرضَ يُعدَمُ في الثاني من حال حدوثِهِ ؛ لأنه يستحيلُ بقاؤه ، وإنما يَحدثُ ضدُّهُ أو مثلُهُ عَقيبَهُ؛ لاستحالة تعرِّي محلِّهِ عمَّا يقومُ به (٢)، وضدِّهِ إن كان له ضدٌّ من غير جنسه(٣) (١) وإنما هو قول بعض المعتزلة؛ لأنهم جوّزوا بقاء العرض زمانين. انظر ((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) ( ص١٢٢ ) . (٢) لأن الجواهر شاغلة للأحياز ، فلا بد من اجتماعها أو افتراقها ، ولا بد من حركتها أو سكونها ، وبالبديهة يعلم استحالة خلوِّ الجواهر عن هذه الأكوان. انظر ((لمع الأدلة ) (ص٦٧ ) . (٣) المعتمد عند المتكلمين : أن الضدِّيَّة لا تكون إلا بين نوعين تحت جنس واحد، ولذلك= oc فبانَ بذلك : أنه لا يلزمُنا ما ألزمناهم ، وأنه يَلزمُهم على القول بإجازة بقاءِ الأعراض لأنفسها أو لا لمعنىّ .. إحالةُ عدمِها ، وذلك يوجبُ قِدمَها ؛ لأن ما استحال عدمُهُ وجب وجودُهُ وكان قديماً (١)، والقولُ بقِدم الأعراض يوجبُ القولَ بقِدم محلٌّها ، وذلك هو القولُ بقِدم الأجسام . فإن قيل : لِمَ لا يجوزُ حدوثُ الأعراض وإن وجب وجودُها بعد الحدوث ؟ (٢) قيل : لأن المُحدَثَ عندنا وعندكم لا يجبُ بقاؤه ، بل يجوزُ عدمُهُ ، وقد أريناكم أن قولَكُم يوجبُ استحالةَ عدمها ، فلزمكم : قِدمُها ، وقِدمُ الأجسام معها ، وإبطالُ صانعها ، أيَّتُها الفِرْقُ المَدَّعيةُ للعدل والتوحيد ؛ كدعوى زيادٍ في أميَّةَ(٣)، حتى قيل في معاويةَ لمَّا ادَّعى زياداً (٤): [من الوافر] 000 لم يحكموا بالضدية بين العلم والموت ، ولكن لما كان الموت والحياة جنساً واحداً ، = وكان من شرط العلم وجود الحياة .. لم يجتمع العلم مع الموت ؛ لأن ضد الموت - وهو الحياة - شرط في وجود العلم . ٢٠ ثم اعلم : أن الضدية في الحوادث فقط ، فلا ضدَّ لذات القديم ولا لصفاته ، وهي في الحوادث : في الأعراض فقط ؛ إذ الجواهر لا تضادّ بينها ؛ إذ لا يمتنع جوار جوهر لجوهر، بخلاف الأعراض. انظر (( بغية الطالب)) لابن زكري (ص٢٩٤) . (١) قال الإمام ابن التلمساني في ((شرح لمع الأدلة)) ( ص١٠٦): ( قيل : إن العقلاء لم يتفقوا على مسألة نظرية إلا هذه المسألة ؛ وهي أن القديم لا ينعدم ) . (٢) مفهوم هذه التحريجة ومطلوبها: العرض حادثٌ، وبقاؤه واجب . (٣) أمية : هو أبو سفيان بن حرب ، وزياد : هو المشهور بزياد ابن أبيه . (٤) صدر هذا البيت هو مما كتبه ابن المفرِّغ لسيدنا معاوية رضي الله عنه ، وعجزه : كلِّ الفيل من ولد الأتان وعجزه هو مما قاله سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه ، وصدره : 000 19 9 400000 C10