النص المفهرس

صفحات 661-680

ـه
على شيء ، فجاز أن يخلق العلمَ والإدراك فيما ليس بحيٍّ ؛ لأنه لو لم يصحّ
منه خلقُهما إلا في الحيّ .. لكان محتاجاً في خلق العلم والإدراك إلى
الحياة ، ومستعيناً بخلق الحياة على خلق العلم والإدراك(١)
فيقالُ له : انفصلْ ممَّنْ أجاز حدوثَ الأعراض كلُّها لا في محلِّ بمثل
اعتلالك هذا ؛ فقال(٢): لمَّا لم يكن محتاجاً إلى شيء، ولم يكن مستعيناً
بشيء على شيء .. جاز أن يخلق الأعراضَ من غير أن يخلق الجواهرَ ، ولو
لم يصحَّ منه خلْقُ الأعراض من غير أن يخلق الجواهرَ .. لكان مستعيناً بخلْقِ
الجواهر على خلْقِ الأعراض ، محتاجاً إلى خلق الجواهرِ في خلق
الأعراض .
فإذا لم يصحَّ منه خلْقُ الأعراض إلا مع خلق الجواهر ؛ لا بحاجتِهِ
إليها ، ولا من أجل استعانته بشيء على شيء ، ولكن من أجل استحالة
وجود الأعراض لا في محلٌّ .. كذلك يستحيلُ خلق الإدراك والعلم في غير
الحيّ ؛ لا من أجل حاجة في الفاعل ، ولا استعانةٍ منه بشيء على شيء .
000
ويقالُ له(٣) : انفصلْ ممَّن قال: إذا لم يكن البارئُ تعالى محتاجاً في
خلق إحدى المماسّينِ في أحد الجوهرينِ المتماسَّينِ إلى خلْقِ المماسَّةِ
(١) وهذا منه مبني على عدم التفريق بين الشروط العادية والشروط العقلية؛ فالتلازم بين
الشرط العقلي ومشروطه لا ينفكان ، فلا تتعلق القدرة أصلاً بإيجاد المشروط العقلي دون
شرطه ، لا لعجزها ، بل لقصور المشروط عن تحمُّل الوجود بغير شرطه . انظر
((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٢٢٣).
(٢) يعني : هذا المجيزَ لههذا الفرض المستحيل عقلاً .
(٣) تدعيم للردِّ، وإلا فكلُّ صورة فيها متلازمان شرطيان عقليان تصلح مثلاً لمطالبته
بالانفصال .
00000 17.00000

000
الأخرى في الجوهر الآخر .. جاز منه إحداثُ إحداهما في أحد الجسمينِ من
غير أن يخلق المماسَّةَ الأخرى في الجسم الآخر .
فإن أجازَ ذلك : لزمَهُ أن يماسَّ أحدُ الجسمين جسماً لا يماسُهُ
المحسوس ، وذلك خلافُ المعقول بالضرورة .
فإن منع منه : نقضَ اعتلالَهُ .
ويقال للكرامية : إذا جاز وجود العلم والإدراك في الميت .. فهلا جازَ
وجودُ القدرة فيه .
0000000
وانفَصِلوا ممَّنْ عكسَ عليكم قولكم ، فأجاز وجودَ القدرة معه ، ومنع
وجودَ العلم والإدراك فيه .
0000000
فإن قالوا : إن القدرة شرطٌ في صحة الفعل ، والميتُ لا يكون فاعلاً ،
فلا يجوز أن يكون قادراً
oo
قيل : والعلمُ شرط في صحة إحكام الفعل وإتقانه ، والميتُ لا يجوزُ أن
يكون مُحْكِماً متقناً ، فلا يجوز أن يكون عالماً .
ويقال للصالحيِّ : إذا جاز أن يكون الميتُ عالماً قادراً مدرِكاً سميعاً
بصيراً .. فما يؤمنُكَ أن جميع المتصرِّفين من الناس وغيرِهم في أفعالهم
موتى مع ظهور الأفعالِ المحكمة منهم بقُدَرِهم وعلومهم ، وأن يكون جميعُ
المتناظرينَ في دقائق العلوم موتى ؟
فإن ادَّعى : أنه يعلمُ كون المتصرِّفين أحياءً بالضرورة .
و
قيل : إذا كان كونَهم علماءَ قادرين غير معلوم بالضرورة ، وإنما يعلم
00000 71 000

بالاستدلال .. فكيف صار العلمُ بأنهم أحياءٌ ضروريّاً ؟! وإن ساغَتْ هذه
الدعوى مع مفارقتِكَ أكثرَ الفِرَقِ فيها .. فيِمَ تنفصلُ ممن قال: ( أنا أعلمُ
بالضرورة أن الميت لا يكون عالماً قادراً مدركاً ) مع مخالفتِكَ في ذلك
ودعواك جوازه ؟!
ويقالُ له : انفصلْ من المانوية إذا اذَّعَتْ علمَها بأن الأجسام كلَّها أحياءٌ
بالضرورة(١).
وقيل له : أليس المغمى عليه قد يُشكّ في حياته ، وربَّما دُفِنَ على ظنِّ
الموت به ؟! فكيف يكون العلمُ بحياة الحيِّ ضرورةً مع جواز وقوع الشكّ
في حياةٍ من هو حيٌّ على الحقيقة ؟!
ويقالُ له : إذا جاز أن يعلمَ ويَقدِر ويدركَ ويسمع ويبصرَ ما هو ميتٌ أو
مَوَاتٌ .. فما دليلُكم على أن صانعَ العالم حيٍّ وإن كان عالماً قادراً مدركاً
سميعاً بصيراً؛ إذ قد أخَّرْتَ حصولَ هذه الأوصاف لما ليس بحيٍّ ؟(٢)
00000
(١) نقله العلامة الصفار في ((تلخيص الأدلة)) (ص٢٤١) وقال: (اعتبروا جميعَ العالم
أحياء ، قالوا : وإنما الموت حاصلٌ في الحيوان سكونُ حواسِّهِ مع بقاء الحياة والعلم
فيه ) .
(٢) تنبيهٌ: ظاهر سياق المصنف هنا يدلُّ على أنه ليس للميت إدراك ولا قدرة ولا علم ولا سمع
ولا بصر ، ولا شك أن الموت يقضي بنفي هذه المعاني ، غير أن الشريعة نطقت بأن
الإنسان موتُهُ طورٌ من أطواره، وما كان عليه من صفات المعاني يتعطّل في عالم الملك
والحسِّ على الأغلب بمشاهدة ذلك ، وللكنه باقٍ عليه هذا كلُّهُ في عالم البرزخ .
قال حجة الإسلام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٤١): (ظنُّهم - يعني:
العوامَّ - أن الموت عدمٌ .. غلطٌ، وظنُّهم أن الإيجاد الثاني مثلُ الإيجاد الأول أيضاً
غلط ) ، إلى أن قال: ( والمشاهدة الباطنة دلَّتْ أرباب البصائر على أن الإنسان خلق
للأبد ، وأنه لا سبيل عليه للعدم ) .
000 ٦٦٢ 00000

وأخبرنا : أليس مَنْ جوَّزَ وجودَ كتابة لا من كاتب ، ووجودَ فعلٍ لا من
فاعل .. لزمَهُ ألا يأمن أن تكون كلُّ كتابة وفعلٍ لا من كاتبٍ ولا من فاعل ؟
فإذا قال : بلى .
قيل له : فما أنكرتَ أنك إذا جوَّزْتَ كونَ عالم قادر مدرِكٍ ميتاً أو
مَوَاتاً .. لزمَكَ ألا تأمنَ أن يكون كلُّ عالم قادر مدرك مَوَاتاً أو ميتاً !
وإذا فسدَ هذا كان الأصلُ المؤدِّي إليه فاسداً مثلَهُ .
فهذه وجوهُ الكلام في معنى ( البصر ) وما يتعلَّقُ به من المسائل ، وبالله
التوفيق (١)
000000
N
(١) تتمَّة: قال حجة الإسلام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص١٧٦): (ومهما نزَّهت
السميع عن تغيُّرٍ يعتريه عند حدوث المسموعات ، وقدَّسته عن أن يسمع بأُذُن أو آلة
وأداة .. علمت أن السمع في حقِّهِ عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات
المسموعات ، ومن لم يدقّق نظره فيه وقعَ بالضرورة في محض التشبيه ، فخذ منه
حِذْرَكَ ، ودقّق فيه نظرك )
٥٠000 - ٦٦٣

ذكر معنى (الباطن)
من أسماء الله عزوجل وتفسيره
قال الله عزَّ وجلَّ في إخباره عن أسمائه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالأَخِرُ وَاَلَِّرُ
وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣].
فالأوَّلُ والآخرُ : اسمان مُقترِنان ، وقد ذكرنا معناهما قبل هذا(١)
والظاهرُ والباطنُ : أيضاً مُقترِنان(٢)
وقد قيل فيهما إن معناهما أنه سبحانه العالمُ بظواهر الأمور
وبواطنِها(٣)
وقيل : إن الباطنَ مأخوذٌ من قولهم: فلان يُبطِنُ أمرَهُ ؛ أي: يعلمُ سرَّهُ،
والله عزَّ وجلَّ عالمٌ بالبواطن كما هو عالم بالظواهر ، فهو الظاهرُ الباطنُ(٤).
وقيل : هو الظاهرُ بالدلائل الدَّالة عليه ، والباطنُ باحتجابِهِ عن العيون
انظر (٥٣٩/١).
(١)
(٢) انظر وجوب الاقتران في مثل هذين الاسمين (٣٥٩/٢)، وقال الإمام الغزالي في
((المقصد الأسنى)) (ص ٢٧٠): ( هئذان الوصفانِ أيضاً من المضافات ؛ فإن الظاهرَ
يكون ظاهراً لشيء ، وباطناً لشيء ، ولا يكون من وجهٍ واحد ظاهراً وباطناً ، بل يكون
ظاهراً من وجهٍ بالإضافة إلى إدراكٍ، وباطناً من وجهٍ آخرَ ؛ فإن الظهور والبطون إنما
يكون بالإضافة إلى الإدراكات ) .
(٣) انظر ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص ٦١).
(٤) انظر ((اشتقاق أسماء الله)) للزجاجي (ص ١٣٧) .

الناظرة إليه (١)، وليس احتجابُهُ عنها بالسواتر، ولكنْ بأن منعَها عن إدراكها
له ، ولم يخلقْ فيها رؤيتَهُ(٢)
وقيل : الظاهرُ في وجودِهِ ، ومجدِهِ وجودِهِ ، والباطنُ بنفي التحديد
والكميَّة ، وإبطال التصوير والكيفيَّة(٣)
وأصحُ ما قيل في تفسير هذين الاسمينِ : ما جاءَ في الحديث عن النبيِّ
صلى الله عليه وسلم: ((وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ ، وأنتَ الباطنُ
فليسَ دونَكَ شيءٌ))، وهذا الحديثُ في صحاح الدعواتِ المأثورة التي
أخرجها محمَّدُ بن إسحاق بن خزيمةَ (٤).
on
وقال المفسرونَ في معنى هذين الاسمينِ : إن الإشارةَ فيهما إلى إنعامه
على عباده بأنواع النِّعَم ، ما ظهر منها وما بطنَ ؛ بدليل قوله عزَّ وجلَّ :
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، فهو الظاهرُ: بابتداع النِّعمِ
الظاهرة ، والباطنُ : باختراع النِّعم الباطنة (٥)
oo
(١) وهو أحد قولي الشيخ أبي الحسن الأشعري في معنى الظاهر والباطن. انظر ((مجرد
مقالات الأشعري )) (ص ٤٣ - ٤٤) .
(٢) قال الإمام الحكيم ابن عطاء الله في ((حكمه)) كما في ((شرحها)) لابن عباد (ص٢٧٢):
( الحقُّ ليس بمحجوب ، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه ؛ إذ لو حجبه شيء لستره
ما حجبه ، ولو كان له ساتر .. لكان لوجوده قاهر ، وكلُّ حاصر لشيء فهو له قاهر ؛
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقٌ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]).
(٣) انظر ((شأن الدعاء)) (ص٨٨).
(٤) رواه مسلم ( ٢٧١٣)، وابن خزيمة في كتابه ( التوحيد)) (٢٦٥/١) من حديث سيدنا
أبي هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم (٥٤٣/١) .
(٥) روى الواحدي في (( التفسير الوسيط)) (٤٤٥/٣) عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله
DO000 70 3
00

وقال أهلُ اللغة : إن الظاهر والباطنَ مأخوذان من قولهم : ظهرتُ على
فلان ؛ إذا غلبتُهُ، وظهرتُ على السطح ؛ إذا عَلوتُهُ ، وفلانٌ يُبطنُ أمرَ
فلان؛ أي : يطَّلعُ على سرّهِ(١)
[ بيانُ الصفاتِ التي يرجعُ إليها هذانِ الاسمانِ ]
قال عبدُ القاهر :
إن حملنا الظاهرَ والباطنَ : على معنى أنه عالمٌ بظواهر الأمور
وبواطنِها .. فهما من أسمائه المشتقَّةِ من صفات الذاتِ(٢)
وهما على هذا القول من الأسماء التي استحقَّها في الأزل ؛ لأنه لم يزل
عالماً بكلِّ معلوم ، وعلمُهُ صفةٌ أزليَّةٌ .
000
وإن قلنا : معناهما : أنه ليس فوقَهُ أحدٌ، ولا دونَهُ إلهٌ .. فهما من
صفات الذاتِ التي استحقَّها لنفسه(٣)، لا لمعنىّ.
00000
وإن حملناهما : على معنى الإنعام بالنِّعم الظاهرةِ والباطنةِ .. فهما من
عنهما : أنه سئل عن هذه الآية ، فقال : هذه من مخزوني الذي سألتُ عنها النبيَّ
=
صلى الله عليه وسلم ؛ قلت : يا رسول الله ؛ ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة ؟ فقال :
((يا بن عباس؛ أما ما ظهر: فالإسلامُ، وما سوَّى الله من خلقك ، وما فضل عليك من
الرزق ، وأما ما بطن : فستر مساويّ عملك ، ولم يفضحك به )) .
(١)
انظر ((تهذيب اللغة)) (١٣٧/٦)، و( ١٣ /٢٥٠).
(٢) لرجوعهما إلى صفة العلم ، وهي من المعاني القائمة بالذات.
(٣) لرجوعهما إلى صفة القيام بالنفس ، والمخالفة للحوادث ، وهما من صفات التنزيه
السلبية .
00000 77700000

a
صفاتِ الفعلِ(١) ؛ لأن النِّعمَ كلَّها من فعله .
فهما إذاً من الأسماء التي تحتملُ معنيينٍ ؛ فتكون على أحدهما من
صفات الذات ، وعلى الآخر من الأوصاف التي استحقَّها لفعله ، والله
أعلم (٢)
Do
R
فيرجعان لصفة القدرة عند الأشاعرة ، ولصفة التكوين عند الماتريدية .
(١)
(٢) تتمةٌ: قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص ٢٧٠): ( والله تعالى باطنٌ إن
طُلبَ من إدراك الحسِّ وخزانة الخيال ، ظاهرٌ إن طُلبَ من خزانة العقل بطريق
الاستدلال ) .
(66000:1 1V 200000

من أسمانه
ذكر معنى (الباعث) من أسمان عزوجل
اعلمْ : أن ( الباعثَ ) اسمٌ مشتقٌّ من البعث ، والبعثُ على وجوه :
أحدُها : البعثُ بمعنى الإرسال : ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ بُعَثْنَا فِى
كُلّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]، وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُّلًا﴾
[يونس : ٧٤] .
والوجهُ الثاني : البعثُ بمعنى الإنهاض : يقال منه: بعث فلانٌ بعيرَهُ
فانبعث ؛ أي : أثارُهُ فثارَ ونهضر ، قال الشاعر (١):
[من البسيط]
أنيخُها ما بدا لي ثمَّ أبعثُها كأنّها كاسرٌ في الجوِّ فتخاءُ
شبَّه ناقتَهُ عند إثارته إيَّاها - وقد ركبها - في سرعتها : بعُقَابٍ كاسر
[بغمزِها] ليِّنة الجناح في طيرانها (٢)، وذلك أسرعُ لانقضاضها (٣)، وفي
هذا المعنى نزل قولُهُ: ﴿قَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا﴾ [المائدة: ٣١]؛ يعني : أنهضه.
(١) البيت في ((الزهرة)) (٢/ ٧٧٢) ضمن خبر نُسب إلى جرير وإلى الفرزدق ، مع تباين
في الشطر الثاني، وانظر ((الأغاني)) (٣١٥/٨).
(٢) ما بين المعقوفين في (أ): (بعرها) دون نقط، وفي (ب): ( يغيرها)، وفي
(ج) : ( بغيرها ) ، والمثبت مستفاد من كتب اللغة .
(٣) في الأصل الفتخاء : اللينة الجناح ؛ ومنه قيل للعقاب : فتخاء ؛ لأنها إذا انحطت
كسرت جناحيها وغمزتهما، وهذا لا يكون إلا من اللين. انظر ((تهذيب اللغة))
(١٣٥/٧ ) .
00000

0000
والوجهُ الثالثُ : البعثُ بمعنى النشرِ والإحياءِ بعد الموت(١): ومنه قولُهُ
عزَّ وجلَّ: ﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠]؛ أي: يحييكم، ومنه قولُهُ عزَّ
وجلَّ: ﴿قَالُواْ يَوَيِّلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَفَ
الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]، ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ
بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمّ بَعَثْنَنَكُم مِّرُ بَعْدٍ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة : ٥٦].
وكذلك البعثُ من النوم ، وفيه نزل قولُهُ عزَّ وجلّ في أصحاب الكهف :
﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَاءَ لُواْ بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: ١٩].
DO
وجميعُ هذه الوجوه صحيحٌ إضافتها إلى الله عزَّ وجلَّ ؛ لأنه أرسل
الرسلّ مبشِّرينَ ومنذرينَ ، وبعثَ قوماً في الدنيا بعد موتِهم ، ويحيي الموتى
عند قيام الساعة ، وهو الباعثُ لأهل النوم عن نومهم بردِّ أرواحِهم إليهم ،
ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَتِى لَمْ تَمُتْ فِى
مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ، وهو المُنهِضُ لكلِّ ناهض؛ لأن حركاتٍ الحيوانِ
عندنا مخلوقةٌ لله عزَّ وجلَّ ، وذلك معنى قول المسلمينَ : لا حولَ ولا قوَّةً
إلا بالله .
وفي تحقيق هذا الاسم الله عزَّ وجلَّ إشارةٌ إلى خمس مسائلَ من علم
الكلام :
(١) واختاره حجة الإسلام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص ٢٤١)، وقال: ( معرفة
هذا الاسم موقوفّ على معرفة حقيقة البعث ، وذلك من أغمض المعارف، وأكثر
الخلق منه على توهمات مجملة وتخيُّلات مبهمة ) .
٥٥٥ ٦٦٩

إحداها : إبطالُ قول البراهمةِ في إنكارهم بعثةَ الرسلِ من الله عزَّ وجلَّ
إلى الخلق(١)
والثانيةُ : إبطالُ قول من أنكر البعثَ بعد الموت .
والثالثةُ : إبطالُ قول القدريَّةِ الذين زعموا : أن الله عزَّ وجلَّ لم يَخلقْ
شيئاً من نهوض الحيوان ، وأن بعثَ الغراب لم يكن من فِعل الله عزَّ
وجلَّ (٢)
0000000
والرابعةُ : قولُ من قال من أهل الطبائع : إن النومَ من فعلِ الطَّيْع ،
والانتباه من النوم من فعل بعض الطباع أيضاً ، على ضربٍ من المزاج(٣)،
وقد بيَّنَ الله عزَّ وجلَّ في القرآن أنه هو الباعثُ للخلق عن نومهم ، وهو
الباعثُ لهم بعد موتهم ، كما بيَّناه قبلَ هذا .
والخامسةُ : أن تحقيقَ الوصف لله عزَّ وجلَّ بأنه باعثُ على جميع وجوهِ
معانيه .. من صفاتِ الفعل ، وليس ذلك من الأوصاف التي استحقَّها في
الأزل ، فهو كوصفنا له : بأنه الخالقُ الرازقُ والغافرُ والمنعمُ ، ونحوِ ذلك
من أوصافه المشتقَّة من أفعاله ، خلافَ قولِ الكرامِيَّةِ المجسِّمة : إنه كان في
(١) انظر ما تقدم تعليقاً (٦٥٩/١)، وهذا قول عامتهم، وقال فريق منهم بنبوة سيدنا آدم
عليه السلام ، وقال ثالث بنبوة سيدنا إبراهيم عليه السلام ، وأنكروا نبوة سائر الأنبياء .
انظر ((تمهيد الأوائل)) ( ص١٢٧ ).
(٢) تقدم تعليقاً أنهم ذهبوا إلى القول بأن أفعال جميع الحيوانات الاختيارية ولو في الظاهر
ليست من خلق الله تعالى .
(٣) فأفعال العباد عند الطبائعيين راجعة لتباينات بين العناصر الأربعة في جسم الحيوان ،
وغلبة بعضها ينشأ عنه مزاجٌ يحمل على فعل من الأفعال .
٦٧٠٦

0000
الأزل باعثاً بباعثيَّةٍ ؛ هي قدرتُهُ على البعث قبلَ حدوث البعث !
وقد وافقونا على أنه لا يجوزُ أن يقالَ : كان باعثاً للخلق قبلَ وجودهم ،
وقبلَ ذواتهم ، فلذلك لا يجوزُ أن يقالَ : كان باعثاً على الإطلاق قبلَ وجود
البعث ، وبالله التوفيق (١)
o
200
(١) قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٤٥): ( من لم يعرف النشأة
والبعث .. لم يعرف معنى اسم الباعث ) .
وقال فيه أيضاً ( ص ٢٤٢): ( وللإنسان نشآت كثيرة ، وليست نشأتين فقط ، ولذلك
قال تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]).

ذكر معنى (الباقي)
من أسمان عزوجل وتفسيره ومسائله
اعلمْ : أن الكلامَ في تفسير هذا الاسمِ يقتضي فصولاً لا بدَّ من
تفصيلها ؛ هذه ترجمتُها :
فصلٌ : في معنى البقاءِ والباقي والإبقاءِ والبقيّةِ من طريق اللغة .
فصلٌ : في ذكر معنى ( الباقي ) عند المتكلِّمينَ ، وبيانِ حقيقتِهِ .
فصلٌ : في الدَّلالة على أن ( الباقي ) يقتضي بقاءً يكونُ به باقياً .
فصلٌ : في أن ( البقاءَ ) هل له ضدٌّ أو لا ضدَّ له .
فصلٌ : في بيان ما يصحُّ بقاؤه ، وذكرِ ما لا يصحُ بقاؤه .
فصلٌ : في صحَّةٍ وصف الله عزَّ وجلَّ بأنه ( باقٍ ) ، وهل هو من صفاتٍ
ذاتِهِ أو من صفات فعلِهِ .
فصلٌ : في إطلاق صفةِ ( البقاء ) على صفاته الأزليّة ، وهل يجوزُ ذلك
أو لا يجوز .
وسنذكرُ في كلِّ فصلٍ من هذه الفصول السبعة ما يقتضيه شرطُهُ إن
شاء الله عزَّ وجلَّ .

الفصل الأول
في بيان معنى البقاء والباقي والإبقاء والبقية في اللغة
اعلمْ : أن البقاءَ معناه : الدوامُ ، والباقيَ : الدائمُ ، وهو على ضربينٍ :
أحدُهما : بقاءٌ يدومُ بلا نهاية ؛ كبقاء البارئ عزَّ وجلَّ .
والثاني : بقاءٌ إلى مدَّةٍ يدومُ إليها ، ولا يبقى الموصوفُ به بعدها ؛
كبقاء المُحدَثات .
والمُبقِي للأشياء : هو الله عزَّ وجلَّ .
والمصدرُ : الإبقاء .
وقد اختلفوا في تفسير معنى قولِهِ: ﴿أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى
الْأَرْضِ﴾ [هود : ١١٦] :
0000
فقال ابن عرفة : معناه : أولو تمييزٍ وأولو طاعةٍ ؛ من قولهم : فلانٌ ذو
بقيّةٍ ؛ إذا كان فيه خيرٌ (١).
ومعنى الآية على هذا القول : فهلَّا كان من القرون مِنْ قبلكم مَنْ فيه خيرٌ
ينهى عن الفساد ؟!(٢)
(١) انظر ((الغريبين)) (ص٢٠٣)، وبه قال الزجاج في ((معاني القرآن)) (٨٣/٣)، وابن
عرفة : هو المعروف بنفطويه كما تقدم التعريف به تعليقاً (٦١٣/١).
(٢) قال ابن قتيبة في ((تأويل مشكل القرآن)) ( ص٢٨٩): ( لولا : تكون في بعض
الأحوال بمعنى ((هلَّا))؛ وذلك إذا رأيتها بغير جواب)، والآية بتمامها: ﴿فَلَوْلَا كَانَ =
٦٧٣٥ 0000

وقال آخرون : البقيَّةُ : الاسم من الإبقاء ، كأنه أراد : أولو إبقاءٍ على
أنفسهم ، والعربُ تقول للعدوِّ إذا غلب: البقيَّةَ البقيّةَ؛ أي : أبْقُوا علينا،
ولا تستأصلونا(١)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [هود: ٨٦]؛ قال مجاهدٌ :
طاعةُ الله خيرٌ لكم(٢)
وقال غيرُهُ: ما أبقى اللهُ من الحلال خيرٌ لكم (٣)
وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]،
قد قيل فيه : إنه أراد : ما بقي من رُضاضٍ الألواح التي أنزل فيها التوراةَ(٤).
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾ [الكهف: ٤٦] ، قد قيل فيه: إنه
أريدَ بها الأعمالُ التي يبقى ثوابُها(٥)
مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَفِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمُّ وَأَتَّبَعَ
=
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
وهو قول أبي منصور الأزهري. انظر ( تهذيب اللغة)) (٢٦٠/٩)
(١)
(٢)
رواه الطبري في « تفسيره)) (٤٤٨/١٥).
(٣) قاله الفرَّاء. انظر ((معاني القرآن)) له (٢٥/٢)، وأورده الطبري في ((تفسيره))
( ٤٤٧/١٥) عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ( ٥٦٨٥) عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، وروى عنه
أنه قال : ( البقية : رُضاض الألواح ، وعصا موسى، وعِمامة هارون ، وقَباء هارون
الذي كانت عليه علامات الأسباط ، وكان فيه طست من ذهب فيه صاع من مَنُّ الجنة ) ،
وفي هذا إشارة إلى جواز التبرّك، والرُضاض: كُسار الشيء وفتاته ، وكل شيء كسرته
فقد رضرضته . انظر (( لسان العرب )) ( رض ض ) .
(٥) هو قول قتادة كما في ((التفسير الوسيط )) (١٥١/٣)، وقول ابن زيد كما في ((النكت
والعيون)) (٣١٠/٣)، واختاره الزجاج في (( معاني القرآن)) (٢٩٢/٣) فقال:
( والباقيات الصالحات والله أعلم : كلُّ عمل صالح يبقى ثوابُهُ)
٥٥ ٦٧٤ ٥٥٥٥

وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنُ بَاقِيَتٍِ﴾ [الحاقة ٨]، فقد تجيء
( فاعِلَةُ) بمعنى المصدر ؛ مثل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَّمَا ثَمُودُ فَأُهْلِحِكُواْ
بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]؛ أي: بطغيانهم، كذلك الباقيةُ بمعنى: البقاءِ(١)
وقيل : إنه أراد بالباقيةِ : الباقيَ ، والهاءُ فيه للمبالغة ، والمعنى : أنه
لم يبقَ منه بقيَّةٌ ، كما بقي من سائر الأممِ بقيّةٌ (٢).
وفي الحديث : ( أَبْقَينا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم)(٣) ؛ أي :
انتظرناه؛ يقالُ منه: بَقَيتُهُ أَبْقِيه بَقْياً (٤)
وفي الحديث أيضاً: (( تبقَّهْ وتوقَّهْ))(٥)؛ أي : اسْتَبَقِ النفسَ
ولا تعرِّضْها للهلاك ، وتوقَّهْ ؛ أي : تحرَّز من الآفات .
(١) هو قول الفرَّاء. انظر كتابه ((معاني القرآن)) (١٨٠/٣)، وقال ابن منظور في (( لسان
العرب)) ( ك ذب): ( وكاذبة مصدر ؛ كقولك : عافاه الله عافية ، وعاقبه عاقبة ، وكذلك
كذب كاذبة ، وهذه أسماءٌ وُضِعَت مواضع المصادر ؛ كالعاقبة والعافية والباقية ) .
(٢) قال الفراء في ((معاني القرآن)) (١٨٠/٣): (قوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ﴾ من
بقاء ، ويقال : هل ترى منهم باقياً ؟ وكلُّ ذلك في العربية جائز حسن ) .
(٣) في (أ): ( برسول) بدل (رسول)، والحديث رواه أبو داود (٤٢١) من حديث
سيدنا معاذ بن جبل ، ولفظه : ( أبْقَينا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في صلاة العَتَمَةِ ،
فَأَخَّرَ حتى ظنَّ الظانُّ أنه ليس بخارج ... ) الخبر .
(٤) ومنه قول العرب: نشدتك الله والبُقْيا. انظر ((العين)) (٢٣٠/٥).
(٥) رواه الإمام الخطابي في ((غريب الحديث)) (٦٩٩/١)، من حديث سيدنا عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما مرفوعاً، وقد رواه الطبراني في (( المعجم الصغير)) ( ٧٥٤) ،
وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢٦٧/٧) بلفظ: (( تَنَقَّهْ، وَتَوَقَّهُ )) من حديث سيدنا
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أيضاً ، قال الطبراني عقب روايته : ( ومعنى الحديث
عندنا والله أعلم: أنه قال: (( تنقَّ الصديق واحذره ))، وبلغني عن بعض أهل العلم أنه
فسَّره بمعنى آخر؛ قال: ((اتقِ الذنوب، واحذر عقوبتها)).
٦٧٥

00000
الفصل الثاني
في ذكرمعنى (الباقي) وحقيقية عند المتكلمين
10
[ معنى الباقي عندَ متكلِّمي أهلِ السنَّةِ ]
اختلف أصحابُنا في معنى ( الباقي ) وحقيقتِهِ :
فمنهم من قال : ( الباقي: ما قامَ به البقاءُ)(١) ، وبه قال عبدُ الله بن
سعيد وأبو العباس القلانسيُّ ومن تبعَهما(٢)
وهؤلاء يقولون : إن الصفاتِ القائمةَ بذات الله عزَّ وجلَّ لا يقال لها :
باقيةٌ ؛ لاستحالةِ قيام البقاء بها(٣) ، ولا فانيةٌ ؛ لاستحالة العدم عليها(٤)،
فكذلك بقاؤه عندهم صفةٌ أزليَّةٌ لا يصحُ وصفُها بأنها : باقيةٌ ؛ لاستحالة قيام
البقاء بها ، ولا فانيةٌ ؛ لاستحالة عدمها .
0000
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله : ( الباقي : ما له بقاءٌ ، وليس من
(١) هذا النمطُ من الحدود يكاد يكون غيرَ مُجْدٍ ؛ لأنه من باب حدِّ الشيء بما هو مساوٍ له أو
فرعٌ عنه ، ففيه نوعُ دور ؛ وهو كقولك : العلمُ : ما تكون الذات به عالمة ! انظر
((محك النظر)) ( ص١٩٤، ٢١٠)، غير أنه في سياق المصنف هنا ونقله له جدوى ؛
إذ المراد : إثبات البقاء صفة معنى قائمة بذاته سبحانه ، وأن البقاء ليس من السلوب .
(٢) والبقاء عندهم على هذا صفة أزلية زائدة على الذات ، كما تقدم بيانه تعليقاً (٣٩٩/١ -
٤٠٠)، وانظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٣٧) .
(٣)
إذ المعنى لا يقوم بالمعنى .
(٤) إذ لو اتصفت بالعدم للزم فناؤها ، مع تقرير قدمها وقدم الذات الموصوفة بها .
00000 00000

COO
O
شرطه قيامُ البقاء به من حيث كان باقياً )(١)
وعلى هذا القول يقال : إن الله عزَّ وجلَّ باقٍ ببقاء قائم به ، وبقاؤه باقٍ
لنفسه؛ لأن نفسَهُ بقاءٌ له، وصفاتُهُ الباقيةُ باقيةٌ من غير قيام بقائه بها(٢).
[ الكلامُ على بقاءِ الجواهرِ والأجسام والأعراضٍ ]
وأما الجواهرُ والأجسامُ :
فقد أجمعَ أصحابنا: على أنه لا يكونُ شيءٌ منها باقياً إلا ببقاء يقومُ به (٣).
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٨)، و((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٣)،
وقد ذكر الإمام ابن فورك في المصدر نفسه ( ص ٢٣٧) علة اختيار الإمام الأشعري لههذا
الحدِّ فقال : ( لأن ذلك يشمل ذات البارئ وصفاته ونفس البقاء ) ، وقال المصنف في
((أصول الدين)) ( ص١٠٩): ( وهو المشهور من قول أصحابنا) ، وقوله : ( وليس
من شرطه قيام البقاء به ... ) لا ينفي كون البقاء صفة معنىّ عند الإمام الأشعري ،
وللكنه لما لاحظ استحالة قيام المعنى بالمعنى .. نبّهَ على أن بقاء الصفات ببقاء الذات،
لا ببقاء يقوم بها، وعلى ذلك : فهي لها بقاء ، ولا يقوم بها بقاء، وانظر (٤٠٠/١).
00
(٢) وعبارة الإمام ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٣): ( ليس من شرط البقاء
عنده أن يقوم بالباقي ، ولذلك قال : إن صفات الله تعالى باقية ببقاء يقوم بالبارئ ، وإن بقاء
البارئ تعالى باقٍ ، وله بقاء ، وهو نفسه ، وهذا هو حقيقة الباقي عنده في القديم
والمحدث ، ويمنع أن يقوم بقاء الباقي بغيره ، كما يمنع أن يقوم علم العالم بغيره ) .
وقال الإمام ابن فورك أيضاً في « مجرد مقالات الأشعري » ( ص٢٣٧) : ( و کان یحیل
أن تبقى أعراض الجسم ببقاء قائم بالجسم ، ويجيز أن تكون صفات البارئ تعالى باقية
ببقاء قائم بالبارئ تعالى ، ويفرق بين الأمرين : بأنه لو كانت أعراض الجسم باقيةٌ ببقاء
قائم بالجسم استحال أن تتبدل مع بقاء الجسم ، فلما وجدنا أعراض الجسم تتبدل وتتغير
مع بقاء الجسم .. دلَّ ذلك على أن بقاء الجسم لا يكون بقاءً لأعراضه ، ولما كانت
صفات البارئ تعالى باقيةً ببقاء واجباً وجودُها بوجوده ، ولم يجز أن تتبدل وتتغير مع
بقاء البارئ تعالى .. جاز أن تكون باقية ببقائه ) .
(٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٣٨).

dr oV.
وأجمعوا أيضاً: على أنه لا يصحُّ بقاءُ شيءٍ من الأعراض(١)
[ معنى الباقي عندَ المعتزلة ]
واختلفت القدريةُ في هذه المسألة :
فزعم الجبائيُّ : أن البقاءَ هو الوجودُ عن وجود ، وليس هو معنىّ غيرَ
الباقي (٢)
وقال أصحابُ أبي هاشم : ( الباقي : هو الموجودُ الذي قد أتى عليه
وقتانِ ) ، وحُكيَ مثلُ هذا القولِ عن أبي الحسين الخياط(٣)
Coo
وقال بعضُ أصحاب أبي هاشم : ( الباقي : هو الموجودُ الذي لم
000000
000
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٣٨)، وفيه أنه كان يقول: ( إن البقاء عرض ،
ولا يصحُّ عليه البقاء ، وإن الجسم يبقى دائماً بتجدد البقاء له حالاً فحالاً ).
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٧)، قال ابن متويه في (( التذكرة في أحكام
الجواهر والأعراض )» ( ص١٥٣): ( أما الشيخ أبو علي فقد حد الباقي : بأنه الموجود
بغير حدوث ، واقتضى هذا أن غير القديم جل وعز لا يسمى باقياً على الحقيقة ، بل
يكون مجازاً)، وانظر (( المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (٣٣٧/٥).
(٣) وبه قال الإسكافي من معتزلة بغداد ؛ إلا أنه قيده في الباقي المحدث دون القديم .
انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص٣٨٦)، والخياط : هو أبو الحسين عبد الرحيم بن
محمد بن عثمان ؛ من معتزلة بغداد ، تلمذ لجعفر بن حرب ، وعنه أخذ أبو القاسم
الكعبي ؛ ومذهب الكعبي بعينه مذهب شيخه الخياط كما نص على ذلك
، الشهرستاني، له كتاب (( الانتصار)) في الرد على ابن الراوندي، توفي الخياط نحو سنة
(٣٠٠هـ). انظر ((طبقات المعتزلة)) (ص٢٩٦-٢٩٧)، و((الملل والنحل))
(٣٠/١) .
(60000 A 00000
CON

يحدثْ في حال الإخبارِ عنه بالوجود )(١)
واتفق الجبائيُّ وابنه : على أن الباقيَ لا يكون باقياً لمعنىّ، ونَفَيَا كونَ
(٢)
البقاء معنى (٢)
وقال الكعبيُّ منهم : ( الباقي من الحوادث : يكونُ باقياً ببقاءٍ يقوم به ،
والقديمُ سبحانه : باقٍ لنفسه بلا بقاءٍ)(٣)
وكلُّ من حكينا قولَهُ في معنى ( الباقي ) مجمعونَ : على أن الشيءَ في
حال حدوثه لا يكون باقياً (٤)
[ معنى الباقي عندَ الكراميةِ ]
وخرجت الكرامية المُجسِّمةُ عن هذا الإجماع(٥) ؛ فزعمت : أن معنى
00
000
(١) قال قاضي المعتزلة عبد الجبار في ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (ص٣٣٦):
( ويوصف الله جل وعز بأنه باقٍ ، ويراد به : أنه موجود ، وأن وجوده غير متجدد ) ،
وانظر (التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض)) (ص١٥٢-١٥٣).
(٢) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (ص٣٣٧)، و(( المسائل في الخلاف بين
البصريين والبغداديين )) ( ص٧٤ ) .
(٣) انظر ((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص٧٤)، و((التذكرة في
أحكام الجواهر والأعراض)» ( ص١٥٦) .
(٤) قال الإمام ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٣٨): ( وكان يقول : إن
شيئاً من الأعراض لا يجوز عليها البقاء بحال ، وإن الجواهر والأجسام كلها يصح عليها
البقاء ، وإنها إنما يصح وصفُها بالبقاء في الحالة الثانية من حال حدوثها ، وإنها في
الحالة الأولى لا يصح أن يقال : إنها باقية ) .
(٥) قال الإمام الأشعري كما في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٣٣٨): (إن إجماع
المتكلمين قديماً وحديثاً : أن الجسم في حال حدوثه لا يصح أن يكون باقياً ) .
CLON
0000 119 00000