النص المفهرس

صفحات 641-660

٢٠١
وإن أراد بقوله: إنه من خاصيَّة الحيِّ .. أن الإدراكَ لا يكونُ إلا من
حيّ(١)
فإن قالوا : قد يخلو الحيُّ منهما في حالٍ نومه وإغمائه .
قيل : وقد يخلو من الإدراك في حال إغمائه .
ويقالُ له : لِمَ قلت : إن الحيَّ لا يكون إلا حسَّاساً مُدرِكاً ؟
فإن قال : لأنه لو جاز وجودُ حيِّ غيرِ حسَّاس .. لجاز وجودُ حسَّاس غيرِ
حيٌّ .
قيل : إن لزمَ هذا العكسُ .. فانفصلْ ممَّن قال : لو جاز وجودُ حيٍّ غیرِ
عارفٍ بالله عزَّ وجلَّ .. لجاز وجودُ عارفٍ به غيرِ حيٍّ، ولو جاز موجودٌ غيرُ
مُحدَث .. لصحَّ مُحدَثٌ غيرُ موجودٍ ، فإن لم تُجِبْ هذا .. لم نُجِبْ
ما قلتَهُ(٢) .
فأمَّا الكلامُ على من قال منهم : بتولّد الإدراكاتِ - من السمع والبصر
وغيرهما _ مِنْ فعلِ مَنْ فَعلَ أسبابَها .. فمبنيٌّ على إبطال القول بالتولَّد، وقد
أفردنا لذلك كتاباً .
وممَّا يدلُّ على فساد كون الإنسانِ فاعلاً لإدراكه سائرَ المحسوساتِ : أنه
لو كان فاعلاً لإدراكه سائرَ المحسوساتِ .. لوجب أن يكونَ فعلُهُ لها مقصوراً
على إرادته وبحسَبٍ مشيئته ، كما أن قيامَهُ وجلوسَهُ وسائرَ أكسابه كذلك .
(١) كذا العبارة في (أ، ب)، وفي (ج): ( إنه من خاصية الحي التي أن ... ) والظاهر
أن هناك سقطاً في العبارة بدليل الضمير ( منهما) في السطر الآتي .
(٢) وهذا من باب الانفصال عن دعوى فاسدة بمثلها. انظر ((عيار النظر)) (ص٥٠٢).
00000 8.00000

a
ـر
وإذا كنا نجدُ الإنسانَ يكره وجودَ الألم، ووجودَ العلم به ، ويتمنَّى
الخلاصَ منه ، فلا يجدُ إلى دفعِهِ عن نفسه سبيلاً، ويرى من المُدرَكات
ما يودّ [ألا] يكونَ قد رآه(١)، ويسمعُ مِنْ شَتم نفسِهِ وأسلافِهِ ما يكرهُهُ ..
بانَ لذلك: أن الإدراكَ ليس من فعل المُدرِك ، ولو كان ذلك من فعله مع
كونِ الحال فيه كما وصفناه .. لأمكنَ أن يكون المرضُ والزمانةُ من فعلِهِ وإن
کره وجودهما فیه
6
واستدلالُهم على أن الإدراكَ من فعلِ المُدرِك : بأنه إذا فتحَ عينَهُ أو أذنَهُ
عند حضور المرئيِّ والمسموع وجبّ حصولُ إدراكه لهما مع الفتح إذا كانت
الموانعُ والسواترُ مرتفعةً ، وإذا لم يُردِ المُدرِكُ وجودَ الإدراك قصدَ التغميضَ
وسدّ الآذان ، فصار إدراكُهُ مفقوداً .. خطأٌ .
ويقالُ لهم فيه : لِمَ زعمتُمْ أن حدوثَ الإدراكِ عند هذه الأسباب دليلٌ
على أنه فِعلٌ لمن فَعل هذه الأسبابَ ؟
00000
200000
فإن قالوا : لأن هذا هو الدليلُ على أن الحركةَ كسبٌ لنا .
قيل : لو لم يكن في الحركةِ دليلٌ على كونها كسباً لنا إلا هذا الذي
ذكر تموه ؛ من وجودِها عند قصدِنا وإرادتِنا، وفقدِها عند كراهتنا .. لم يكن
فيها دليلٌ على كونها كسباً لنا .
ثم يقالُ لمن أبى منهم أن يكونَ الموتُ فِعلاً للإنسان : أليس الإنسانُ إذا
أراد موتَ غيرِهِ ، وقصدَ حصولَ الموت له بضرْبٍ عنقه ، فضربَ عنقَهُ ..
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (أن)، والتصحيح من ((تلخيص الأدلة)»
( ص ٢٩٢ ) .
100000 8 00000
O
YO

AYO
حصلَ الموتُ كما قصد ، وإذا أراد ألا يموتَ امتنع عن فعل ما يؤدِّي إلى
الموت ، ولم يدلَّ ذلك على أن الموتَ من فعله ؟!
وقد ركبَ بعضُ القدرية قياسَهُ في الموت وقال : إن الإنسانَ يكونُ فاعلاً
لِمَا تعذَّرَ عليه الانفصالُ منه .. عند إلزامنا إيَّاه ذلك على اعتلاله .
فيقال له : أنتم تزعمون أن القادرَ على فعلِ الشيء لا بدَّ من أن يكونَ
قادراً على جنس ضدِّهٍ(١) ، فإن قدرَ عندك على الموت لزمَك أن يكونَ قادراً
على فعل الحياة !(٢)
وقيل لهم : أليس الإنسانُ متى أراد نموَّ الزرع سقاه وراعاه (٣)، ومتى
أراد خلافَهُ أهمله ، وإذا راعاه بما ذكرناه ، وارتفعَتِ الموانعُ السماويَّةُ
والموانعُ البشريَّةُ من الناس .. وجد نموَّهُ؟! فيلزمكم : أن يكونَ نمؤُ
الزرع ، وبلوغُ الحبّة سبعَ سنابلَ في كلِّ سنبلةٍ منَةُ حبَّةٍ أو أكثرُ .. من فعل
هذا الزرَّاع الحرَّاث! وذلك مما يأباه الدهريُّ والموحِّدُ .
وممَّا يُفسِدُ هذا الاعتلالَ عليهم : أنه غيرُ ممتنع في قدرة الله عزَّ وجلَّ
إجراءُ العادة بفعل البصرِ للضرير عند إرادةِ الإدراك، وإعدامِهِ إذا كرهَهُ(٤)،
وفعلِ القدرةِ فيه إذا أراد البطشَ أو المشيَ بالرِّجْلِ الشلّاء كلَّما أراد ذلك ،
وأن يخلقَ العجزَ عن ذلك إذا أراد العجزَ عنه ، ولو أجرى العادةَ بذلك .. لم
(١) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٤١٦ - ٤١٧ )
انظر (« أبكار الأفكار)) (٤٥١/٢ - ٤٥٢) .
(٢)
(٣) راعاه: لاحظه بالعناية. انظر ((مختار الصحاح)) (رع ى).
(٤) قوله: ( كرهه) يعني: لم يرده، وانظر ما تقدم تعليقاً (٥١٣/١).
DO٦٤٢ ٠٠٠, 00000

ETors
0000
يكن فيه دليلٌ على أن القدرةَ والعجزَ والبصرَ من فِعلِ مَنْ كان يقعُ ذلك [منه]
بحسب قصده وإرادته .
وكذلك لو أجرى العادةَ بأن زيداً لو أراد وجودَ جسم مثلِهِ أوجدَهُ الله عزَّ
وجلَّ، وإن أراد فقدَهُ أعدمَهُ .. لم يدلَّ ذلك على أنه فاعلٌ للأجسام .
0
كذلك وقوعُ الإدراك عند قصدِهِ على الوجه الذي قالوه .. لا يدلُّ على
كونه فعلاً للمُدرِك .
ثُمَّ يقالُ : إن هذا الاعتلالَ منكم يوجبُ أن يكونَ الإدراكُ والسمعُ
والبصرُ من فعلٍ غيرِ المُدرِك ؛ وذاك أن الإنسانَ إذا أراد أن يدركَهُ بعضُ
البصراء ، وكانت الموانعُ مرتفعةً .. تمثّلَ بحضرته وقَرُبَ منه حتى يدركَهُ،
فيحصلُ إدراكُ الغير له بحسَب قصده ، ولو كره إدراكَ غيرِهِ له ، وهرب من
محاذاته وبَعُدَ عنه .. لم يدركه .
فيلزمكم على اعتلالكم : أن يكونَ إدراكُ غيره له من فعلِهِ ؛ لوقوعِهِ على
حسب قصدِهِ عَقيبَ أسبابٍ هي فعلُهُ ، وفقدُهُ عند اكتسابه ضدَّ تلك
الأسباب ، فلِمَ جعلتم فِعلاً للمدرِكِ دون أن يكون فعلاً للمدرَكِ مع
حصولهما على حسب قصده ؟! وما أنكرتم أن يكونَ فعلاً لهما على
اعتلالكم ، أو لا يكونَ فعلاً لأحدهما فيُنقَضَ به اعتلالكم ؟!
فإن قيل : قد يريدُ الإنسانُ أن يُدرِكَهُ غيرُهُ ، فيفعلُ الكونَ في مقابلته ،
ولا يريد البصيرُ أن يُدرِكَهُ، فيُغْمِضُ عينَهُ فلا يدركُهُ، ولا يرتفعُ مرادُ الآخر
فيه .
قيل : وقد يريد الإنسانُ إدراكَ غيرِهِ ، فيفتحُ بصرَهُ نحوَ المرئيِّ ، فيزولُ
لا

المنظورُ إليه عن جهةٍ مقابلته فلا يراه ، وقضيةُ هذه المساواة : تقتضي ألا
يكونَ الإدراكُ فِعلاً لواحد منهما .
فإن قالوا : قد يحصلُ من جنسٍ كونِ المرئيٍّ في مقابلة الرائي ما لا
يُوجب إدراكَ الرائي له ، فبطل أن يكون ذلك سبباً للإدراك .
قيل : وقد يحصلُ من جنس فتح العين مع مقارنة العمى والموانع عن
الإدراك فلا يحصل الإدراك ، فبطلَ أن يكونَ ذلك الفتحُ مع رفع الموانع سبباً
له .
فإن قيل : قد يُدرِكُ المُدرِكُ ما لا يصحُ منه فِعلُ الكون في محاذاة
الرائي ؛ كالجمادات والأموات .
0000000
قيل : وقد يُدرِكُ ما لم يُفتح لأجله البصرُ ؛ إذا كانت جفونُهُ قصيرةً
لا يطيق إطباقَها، فيُدرِكُ ما يقابلُهُ، وإن لم يفعل سبباً لإدراكه إيّاه .
فبطل بذلك أن يكونَ الإدراك فعلاً للمُدرِك ، وبالله التوفيق .
000000
00000 -٦٤٤
00000
CON

الفصل الرابع
في أن (البصر) من صفات اللهعز وجل
حل هومن صفات الذات أو من صفات الفعل
[ خلافُهم في المرئيِّ بصفةِ البصرِ الأزليّةِ ]
اعلمْ : أن أصحابَنا أجمعوا : على أن الله عزَّ وجلَّ لم يزل بصيراً رائياً
برؤيةٍ أزليّةٍ ، وإنما اختلفوا فيما رأى بها :
O
فقال شيخنا أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله : ( كان يرى بها في الأزل
نفسَهُ وصفاتِهِ الأزليَّةَ) ، وبناه على أصله : في أن كلَّ موجود تجوز رؤيتُهُ ،
وكلَّ ما جاز رؤيتُهُ فواجبٌ أن يكونَ الله عزَّ وجلَّ له رائياً(١)
وقال عبدُ الله بن سعيد وأبو العباس القلانسيُّ: ( إنه كان يرى بها نفسَهُ
(١) قال الإمام الأشعري في (( الإبانة عن أصول الديانة)) (ص٥٣): (ممَّا يدلُّ على
رؤية الله سبحانه بالأبصار : أن الله تعالى يرى الأشياء ، وإذا كان للأشياء رائياً فلا يرى
الأشياء من لا يرى نفسه ، وإذا كان لنفسه رائياً فجائز أن يرينا نفسه ؛ وذلك أن من لم
يعلم نفسه لا يعلمُ الأشياء ، فلما كان الله تعالى عالماً بالأشياء كان عالماً بنفسه ،
فكذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء ، ولما كان الله عز وجل رائياً للأشياء كان رائياً
لنفسه، وإذا كان رائياً لها فجائز أن يرينا نفسه)، وانظر ((مجرد مقالات الأشعري »
(ص ٨٠، ٣٣٣).
CON
00000
00000 /٦٤٥
ra

دون صفاتِهِ ) ؛ لأن من أصلهما : أنه لا تجوز رؤيةُ الصفاتِ والأعراضِ ،
وإنما تجوزُ رؤيةُ ما قام هو بنفسِهِ(١)
[ خلافُهم في تعلُّقِ السمعِ بالمسموعاتِ أوِ الموجوداتِ ]
وكذلك أجمع أصحابنا : على أنه لم يزل سميعاً بسَمْع أزليٍّ ؛ هو صفةٌ
قائمٌ به .
واتفقَ أبو الحسن الأشعريُّ وأبو العباس القلانسيُّ : على أنه في الأزل
كان سامعاً لكلامه ؛ لوجود كلامِهِ في الأزل(٢)
وقال عبدُ الله بن سعيد: ( كان في الأزل سامعاً لنفسه متكلِّماً)(٣)
فهذا قولُ أصحابنا في سمعِ البارئ وبصرِهِ(٤)
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٣٣٣).
قال الإمام الصفار فى (( تلخيص الأدلة)) (ص٤١٦): ( وقول الأشعري والقلانسي في
(٢)
هذا أقرب إلى الصواب ؛ لأن السمع يختص بالكلام ، لا بالنفس ) .
وقال العلامة الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (٣٦٧/١): ( أصل شيخنا - يعني: الإمام
الأشعري - رحمه الله : أنه يجوز تعلُّق كل إدراك بكل موجود ، وعلى هذا ؛ فلا يمتنع
سماع كلام الله القديم بحاسة الأذن .
وذهب عبد الله بن سعيد : إلى أن إدراك السمع لا يتعلَّق بغير الأصوات ) .
وقال المصنف في ((أصول الدين)) ( ص٩٧): ( قال أبو الحسن الأشعري : كل
موجود يجوز كونه مسموعاً مرئياً ، وقال القلانسي : لا يسمع إلا ما كان كلاماً أو
صوتاً ، وهو الصحيح ) .
(٣) قال المصنف في ((أصول الدين)) (ص٩٧): ( وقال عبد الله بن سعيد : المسموع هو
التكلُّم وما له صوت ، وبناه على أصل في أن الأعراض لا تدرك بالحواس ، والذي
يصحُّ عندنا في هذه المسألة : قولُ القلانسي ، وعليه أكثر الأمة ) .
(٤) قال الإمام ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١١) يحكي اختلاف رأي =
٣٨
٦٤٦ 100000/

TO!
[ الأصلانِ الفاسدانِ اللذانِ منعا المعتزلة
مِنْ إثباتِ صفتَيِ السمعِ والبصرِ الأزليتينِ ]
فأمَّا المعتزلةُ : فإنها اضطربَتْ في هذا الباب ، وناقضَ قولُ بعضها
قولَ الباقينَ منها ، والعلَّةُ في اضطرابها في ذلك شيئان :
أحدُهما : أنهم لا يثبتون لله عزَّ وجلَّ صفةً قائمةٌ به بحالٍ ، فلم يمكنها
أن تقولَ : بإثبات سَمْعٍ وبصرٍ أزليَّينِ ولا حادثينٍ ؛ لأنه ليس بمحلٌ
للحوادث عندنا وعندهم ، ولا يجوزُ عندهم ثبوتُ صفةٍ أزليّةٍ(١)
والثاني: قولُهم : إن ذاتَهُ يستحيلُ رؤيتُها (٢) ، فلم يمكنهم أن يقولوا :
إنه كان في الأزل رائياً لنفسه ، ولم يكن معه في الأزل غيرُهُ فيراه ، وقالوا
جميعاً: بحدوث كلامِهِ (٣) ، فلم يمكنهم أن يثبتوه في الأزل سامعاً لشيء
بحالٍ .
OO
000
فلمَّا وقع منهم هذا الاضطرابُ اختلفوا فيما بينهم :
الإمام الأشعري في السمع والبصر؛ قال: ( وذكر في ((الموجز)) وكتاب (( الرؤية
=
الکبیر » : أن الرؤيةً علمٌ بالمرئي و کذلك السمعُ علمٌ بالمسموع على وجه مخصوص ،
وذكر في ((العمد)) و((النقض على الخالدي)) خلافَ هذا القول، وأنكر على الخالدي
قوله : إن وصف الله بأنه راءٍ وسامعٌ ؛ على معنى: أنه عالم بالمرئي والمسموع ، وهذا
الأولى بالحق عندي ، والأقربُ من أصوله وقواعده ، وكذلك القولُ في الإدراك ، وهو
الذي نصرَهُ في كتاب (( الإدراك)»، وأنكر قول من قال من المعتزلة : إن الإدراك هو
العلم بالمُدرَك ) .
(١) وقد تقدم الكلام على ذلك (١٤٧/١ -١٤٨).
(٢) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٢٣٢) وما بعدها .
(٣) انظر (شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٢٩) وما بعدها .
O

2
[ اختلافُ المعتزلةِ في صفتي السمع والبصرِ ]
[ مذهبُ أبي هذيلِ العلَّافِ ]
فقال جعفر بن حرب : ( كان أبو الهذيل يقول : لم يزل الله عزَّ وجلَّ
سميعاً بصيراً ؛ على معنى: أنه سيسمعُ وسيبصرُ ؛ لأن السمعَ والبصرّ
لا يكونان في اللغة إلا والمسموعُ والمُبصَرُ موجودان)(١)، وأنكرَ أن يكون
معنى ( سمعتُ) و(أبصرتُ ) في اللغة معنى ( علمتُ) .
وحكى ابنُ الراونديِّ عن أبي الهذيل : أنه أبى أن يقال : إن الله لم يزل
سميعاً بصيراً؛ لأن المعدومَ لا يُسمعُ ولا يُرى(٢)
فيلزمُهُ على الرواية الأولى : أن يقول : إن الله عزَّ وجلَّ لم يزل خالقاً
رازقاً ؛ على معنى: أنه سيخلقُ وسيرزقُ ، وأنه لم يزل مُثيباً مُعاقِباً ؛ على
معنى : أنه سيفعل ثواباً وعقاباً .
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٧٣)، وقال الإمام الأشعري بعد حكايته لههذا
القول : ( وأظن الحاكي هذا عن أبي الهذيل كان غالطاً ) .
(٢) باتفاق العقلاء ، وما جوَّز رؤية المعدوم إلا السالمية ؛ فإنهم قالوا : كان الله رائياً للعالم
قبل وجوده ؛ بمعنى : أن بصره تعالى تعلَّق تعلقاً تنجيزياً قديماً برؤية العالم معدوماً .
انظر ((الشامل في أصول الدين)) (ص٥٣٧)، و((أبكار الأفكار)) (٤٨٤/١)، ومن
أثبت من الصوفية رؤيته تعالى للعالم قبل وجوده .. فهو على مذهب بعضهم من إثبات
الأعيان الثابتة ، وهي عندهم لها رتبة الوجود المطلق ، وإنما ظهورها عندهم هو
الوجود المقيد ، فرؤيتها قبل وجودها حسّاً مؤسس على رؤية الوجود المطلق ، وفي
الاشتغال بمثل هذه المصطلحات قبل إتقان علوم الاعتقاد ، وصيانتها بما دوَّن الأئمة
الأعلام من البراهين والدلائل ، والانكباب على كثرة الذكر والعبادة .. خطرٌ كبير،
ولا سيما عند من يحسن الظنّ بالأولياء وهو ليس على مستوى فهم كلامهم .

فإن التزم ذلك .. قيل: يلزمُكَ أن تقولَ : إنه لم يزل معبوداً؛ على
معنى : أنه سُيعبَدُ ، وهذا خلافُ قوله .
[ مذهبُ جعفرِ بنِ حربٍ والكعبيِّ وأكثرِ المعتزلةِ ]
وقال جعفرُ بن حرب وأكثرُ المعتزلة: ( إنه لم يزل سميعاً بصيراً)؛ على معنى:
أنه لم يزل لا يخفى عليه شيءٌ ممَّا سيكونُ؛ من صوتٍ وشخصٍ وغيرهما (١).
ولم يجيزوا أن يقالَ : لم يزل خالقاً غفوراً راحماً ؛ على معنى : سيخلقُ
وسيرزقُ ويغفرُ ويرحمُ، كما أجاز جميعَ ذلك أبو الهذيل ، وهذا اختبارُ الكعبيِّ.
ومعنى هذا القولِ يرجعُ : إلى أن يكونَ السمعُ والبصرُ بمعنى العلمِ
بالمسموع والمرئيّ(٢)
ويلزمُ من قال بهذا القول : أن يكونَ الأعمى رائياً ، والأصُّ سامعاً ؛
إذا علما مرئياً مسموعاً بإخبار صادقٍ أخبرهما عن مرئيٍّ ومسموع !
[ مذهبُ الجبائيينِ ]
وقال الجبائيُّ وابنُهُ أبو هاشم : ( إن السميعَ والبصيرَ معناهما : أنه حيٌّ
يصحُ أن يَسمعَ ويُصِرَ إذا وُجِدَ المسموعُ والمُبصَرُ ، والسامعَ والمُبصِرَ :
هما المُدرِكان للمسموع والمُبصَرِ )(٣)
وعلى هذا الوجه : يجوز أن يقال : إن الله عزَّ وجلَّ لم يزل سميعاً
(١) وتبع جعفرَ بن حرب على ذلك تلميذُهُ الإسكافيُّ والبغداديون من المعتزلة . انظر
((مقالات الإسلاميين)) ( ص١٧٥ ).
(٢) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص١٦٨).
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٧٥ - ١٧٦)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص ١٦٧).
00000,٦٤٩
00000

بصيراً ، ولا يقال : لم يزل سامعاً مُبصِراً ؛ على معنى : أنه حيٌّ يصحُّ أن
يُدرِكَ المرئيَّ والمسموعَ إذا وُجِدا ، ولم يكن سميعاً بصيراً إلا عند وجودٍ
المسموع والمرئيِّ وإدراكِهِ لهما .
وفي أيِّ لغة وجدوا الفرقَ بين السميع والسامع ؟! وهل ذلك في لغة
عدنانَ ، أو في لغة قحطانَ ، أم في لغة شيطانهم الذي أغواهم ؟!
[ مذهبُ الكراميةِ في صفتي السمع والبصرِ ]
وقد اضطربت الكراميَّةُ أيضاً في هذا الباب اضطراباً فاحشاً ؛ وذلك
لقولهم : إن قولَ الله عزَّ وجلَّ عَرَضٌ حادثٌ في ذاته ، وإنه مستحيلٌ وجودُ
مسموع في الأزل .
DO
فقالت من أجل ذلك : إن الله عزَّ وجلَّ لم يزل سميعاً بصيراً بسميعيَّةٍ
وبصيريَّةٍ ، والسميعيَّةُ : قدرتُهُ على إحداث تَسمُّع في ذاته ، والبصيريَّةُ:
قدرتُهُ على إحداث تبصُّرٍ في ذاته .
وقالت : إذا خلقَ الله تعالى في العالم مرئياً حدثَ في ذاته تبصُّرٌ به ،
وإذا أحدث مسموعاً في العالم حدثَ فيه تسمُّعٌ له .
والكلامُ عليهم في ذلك مبنيٌّ على إبطال قولهم بحلول الحوادث في ذات
البارئ عزَّ وجلَّ، وقد دلَّلنا على فساد ذلك قبلَ هذا، والله أعلم(١)
(١) انظر (١ /٤٣٥).
٦٥٠ 00000

DO
G
الفصل الخامس
في بيان يجوز رؤيته ويح إدراكه بالبصر
اختلفوا في حقيقةِ ما يجوزُ أن يُرى ، وحدِّهِ :
فقال القدماءُ من أصحابنا(١): حقيقةُ ما تجوز رؤيتُهُ : القائمُ بنفسه ،
فكلُّ قائم بنفسه جائزٌ أن يُرى ، وما لم يقمْ بنفسه لا تجوز رؤيتُهُ(٢)
وأنكروا رؤيةَ الأعراض وقالوا : لو كانت الأعراضُ مرئيَّةً لسقطت
المناظرةُ مع نفاتها ؛ لأن من أنكرَ شيئاً من المحسوسات صار معانداً ؛
كالشُّوفَسْطائيَّة في إنكارها وجودَ الأجسام المحسوسة ، فلمَّا لم يكن حكمُ
نفاة الأعراض حكمَ السُّوفَسْطائيّةِ .. دلَّ على أنهم لم ينكروا شيئاً محسوساً
بشيء من الحواسِّ .
000000000
وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن سعيد وأبو العباس القلانسيُ(٣)
(١) سيذكر أنه قول الإمام ابن كُلَاب والقلانسي. انظر (( أصول الدين)) (ص٩٧).
(٢) قد يقال : هذا القول يهدم أشهر دليل قال به الأشاعرة في إثبات حدوث العالم ؛ إذ
قالوا : الأعراض حادثة بالمشاهدة ، والجواهر حادثة بالملازمة للأعراض !
والجواب : لا ينازع الإمامان بجواز رؤية الأكوان ؛ كالحركة والانفصال مثلاً ، ورؤيتها
كافية في إثبات حدوث الجواهر بالملازمة لها ، على أن قول القدماء لم يعوَّل عليه .
(٣) فعلى قولهما : الأعراض لا تقوم بنفسها ، وما كان كذلك لا يدرك إلا بعد إدراك ما يقوم
به ويقوِّمُهُ ، فتحصَّل أن إدراك الأعراض إنما هو إدراك ما تقوم به حال كونه منَّصفاً بها
₪10

0000
وقال شيخنا أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله : حقيقةُ ما يجوز أن يُرى :
الموجودُ ؛ فكل موجود تصح رؤيته ، ولا تصحُ رؤية المعدوم ، وكلُّ
موجود لا نراه فليس فَقْدُ رؤيتنا له من أجل استحالة رؤيته ، ولكن من أجل
فقدٍ رؤيتنا له ووجودٍ ضدِّ رؤيته في محلِّ الرؤية منًّا(١)
٥
وقال النظَّام : ( حدُّ ما يجوز أن يرى : الجسمُ ، وما ليس بجسمٍ فلا
تجوز رؤيتُهُ )، واللونُ عنده جسمٌ ، فلذلك صحَّت رؤيتُهُ(٢)
وقالت النجَّاريّةُ : ( الجسمُ أعراضٌ مجتمعةٌ ، وكلُّ جسم تجوز رؤيته ،
وتجوز رؤيةُ عرض آخر ليس من أبعاض الجسم ؛ وهو الحركة )(٣)،
فأجازوا رؤية الأجسام والحركات دون غيرهما .
x
وزعم أبو هاشم صاحبُ الذَّمِّيّة : أن الذي تجوز رؤيتُهُ شيئان ؛ وهما :
الألوان والجواهر .
وزعم أبوه الجبائيُّ : أن الذي تجوز رؤيتُهُ ثلاثةُ أشياءَ : الجواهرُ
والألوانُ والكونُ ، دون غيرها (٤)
(١) قال الإمام ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٨١) نقلاً عنه: (وحكى في
كتاب ((العمد)): أن من أصحابنا من أجاز رؤية المعدوم ، فأما هو فقد أنكر ذلك
وقال : علَّةُ جواز رؤية الشيء : وجودُهُ ، والمعدومُ ليس بموجود ، فيستحيل رؤيته ) ،
وانظر المصدر نفسه ( ص ٨٣ ) .
(٢) وعبارة الشيخ الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٢): ( قال النظام :
الأعراضُ محالٌ أن ترى ، وإنه لا عرضَ إلا الحركةُ، ومحالٌ أن يرى الإنانُ إلا
الألوانَ ، والألوانُ أجسامٌ ، ولا جسمَ يراه الرائي إلا لونٌ ) .
(٣) انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص ٣١٧).
(٤) انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٢).
٥0000 ٦٥٢

وقال قوم من الفلاسفة : لا يُرى إلا اللونُ(١).
وقال آخرونَ منهم : لا يُرى إلا المتلوّنُ(٢)
وهذان الفريقان قد ناقضا في قوليهما ؛ لأن الهواءَ عندهما مرئيٍّ ،
ولا لونَ له عندهما .
٥
ولا وجهَ لقول من نفى رؤيةً الأعراض من أجل إنكار نفاة الأعراض
لها (٣)، مع ثبوتها من أهل النظر من غير دخولٍ في طريقه ؛ لأن نفاةً
الأعراض قد شاهدوا الألوانَ والحركاتِ وغيرَهما من الأعراض ، وإنما
ذهب عليهم مغايرتُها للأجسام ، وقد يرى الإنسانُ شيئينٍ من بعيد يظنُّهما
شيئاً واحداً ، ولا يكون حكمُهُ حكمَ من نفى المحسوساتِ جملةً .
00000
كذلك القولُ في نفاة الأعراض ؛ لأنهم لم ينكروا رؤيةَ اللون والمتلوّن ،
وإنما ظلُّوا أنهما شيءٌ واحد ، وليس كذلك السُّوفَسْطائيَّةُ ؛ فإنها أنكرت
جميع ما شاهدتهُ وعاندت فيه .
ثم يقالُ للقلانسيِّ : إذا جاز عندك أن يكونَ الكلامُ محسوساً بحاسَّة
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٣)، ونسبه لأبي الحسين الصالحي، وفي
((أبكار الأفكار)) (١ / ٤٨٤) أنه قولٌ لبعض المعتزلة ولكثير من الكرامية .
(٢) يعني: يرى الجسمُ حال كونه متلوناً، ونقل القولَ الصفارُ في ((تلخيص الأدلة))
( ص٢٩٥ ) .
(٣) كلامُ المصنف هنا يبيِّن فيه عدم ارتضائه لمسلك الإمام ابن كلاب والقلانسي مِنْ نفي
رؤية الأعراض مع إثباتها ؛ بدعوى عدم الضرورة ؛ لكون جماعة قد نفوا الأعراض .
واعلم : أن نفاة الأعراض يدَّعون أن ما نسميه أعراضاً ونقول بأنه زائد على مفهوم
الجوهر .. هو عين الجوهر، لا أنها لا تُرى مطلقاً. انظر « شرح الأصول الخمسة »
(ص٩٦ ) .
00000 ,٦٥٣ 00000

السمع .. فما أنكرتَ من قولنا : إن الأعراضَ كلَّها محسوسةٌ بحاسَّة
البصر ؟! ولا يسقطُ بذلك الكلامُ مع نفاة الأعراض وإن نفوا بعضَ
المحسوسات(١).
والكلامُ فيه على النظّام أن يقال له : إذا صحَّ عندنا وعندك رؤيةُ اللون ،
وقد قامت الدَّلالة عندنا : على أن اللونَ عرضٌ وليس بجسم .. بطلَ أن
يكونَ حدُّ المرئيّ : الجسمَ .
ثم يقال له : لِمَ أجزْتَ رؤيةً اللون ؟
فإن قال : لأن الرائيَ الأسود والأبيض يُميِّز بينهما من جهةٍ حاسَّةٍ
البصرِ .
00
قيل : كذلك الرائي للمتحرّك والساكن يميِّرُ بينهما من جهةٍ حاسَّة
البصرِ ، فقل : إن الحركةَ والسكونَ مرئيانِ مُدرَكانٍ بالبصر ، وإلا نقضتَ
اعتلالك .
وكذلك من قال : ( لا يُرى إلا اللونُ) إن استدلَّ على ذلك بالتمييز بين
الألوان بالبصر .. لزمه إجازةُ رؤية الحركة والسكون والطول والقصر ؛
للتمييز بين الطويل والقصير والمتحرِّك والساكن بالبصر
ويقال لمن زعم أن المتلوّنَ هو المرئيُّ دون لونه : لو كان كذلك لَمَا وقع
التمييز بين الأسود والأبيض في لونيهما إذا كان جسماهما من جنس واحد ،
(١) قال الإمام الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (٤٨٦/١): (ولعله لم يرد ما هو الظاهر من
كلامه ؛ بل لعله أراد به أن الصفات لا تدرك على حيالها عند فرض قيامها بالمحل ؛ بل
المحل يدرك على سواده وبياضه ) .
CLON
00000 ٤ ٦٥ 00000

فلمَّا صحَّ التمييز بين لونيهما دلَّ على وقوع الرؤية على اللون .
واستدلَّ أبو هاشم على أن الحركاتِ غيرُ مرئية : بأنها لو كانت مرئيةً
لرأيناها على كلِّ حال ، فلمّا كان راكبُ السفينة يظنُّها واقفةً وهي تسيرُ .. لم
يكن رائياً لحركتها ، وفي ذلك دليلٌ على أن الحركة غيرُ مرئية .
فيقال له : إن السُّوفَسْطائية قد اعترضَتْ بمثل هذه الشبهة على رؤية
الأجسام ؛ فقالت : لو كانت الأجسام مرئيةً لوجب رؤيتها على أوصافها ،
فلمَّا كان الرائي للسراب يظنُّهُ ماء وليس بماء ؛ فإن كان رائياً للسراب على
الحقيقة مخطئاً في ظنه أنه ماء .. فما أنكرت أن راكب السفينة السائرة راءٍ
لحركتها على الحقيقة وإن ظنَّ سكونَها ؟!
ويقال له : يلزمك ألا تجيزَ رؤية الألوان بمثل هذا الاستدلال ؛ لأن
السهم إذا كان مصبوغاً بألوان كثيرةٍ فإن الناظر إليه في حال ذهابه في الجوِّ
لا يميّرُ بين ألوانه .
فإن قلت : إنه رأى الألوان المختلفةَ عليه، وللكنَّهُ ظنَّها لوناً واحداً ..
فما أنكرت أن راكبَ السفينة رأى حركتَها وللكنَّهُ ظنَّها سكوناً ؟!
وأما الجبائيُّ : فإنه قد وافقنا على رؤية الجوهر والكون واللون ،
وخالفَنا في رؤية الطعم والرائحة وسائر الأعراض ، فيسأل : عن إحالة رؤية
ما امتنعَ من إجازة رؤيته .
فإن استدلَّ على ذلك : بأنا لا نراها الآن .
قيل : أرأيت لو خلق اللهُ عزَّ وجلَّ الأجسام كلَّها على لون واحد
٦٥٥٥٥
CON

0000
كالسواد ، فلم تُرَ الذواتُ حينئذٍ لوناً إلا سواداً .. أكان يجوز القضاءُ على أنه
لا تجوزُ رؤيةُ لونٍ آخرَ سواه ؟
فإذا قال : لا
قيل فكذلك فَقْدُ رؤية الطعوم والأرابيح الآن لا يدلُّ على استحالة
رؤيتها ، وبالله التوفيق .
o
0000000000000000
00000767700000
حـ

O
الفصل السادس
في ذكر ما هو شرط في حصول البصر
أجمع أصحابُنا مع أكثر المعتزلة : على أن الإدراك من شرطه وجودُ
الحياة في الموصوف به ، وأن ما ليس بحيٍّ لا يصحُّ أن يكون مدركاً
ولا سميعاً ولا بصيراً ، وكذلك قالوا في العلم والقدرة والإرادة ؛ أن من
شرطٍ وجود ذلك كلِّهِ وجودَ الحياة في الموصوف به .
وذهب أبو الحسين صالح بن أبي صالح المعروف بالصالحي(١) : إلى
إجازة وجود الإدراك والعلم والقدرة والسمع والبصر مع فَقْدِ الحياة ، وأجاز
أن يكون الميت عالماً قادراً سميعاً بصيراً (٢).
وأجازَتِ الكراميةُ : كون الميت عالماً مدركاً ، ولم يجيزوا كونه
قادراً (٣).
0000
واستدلَّ الصالحيُّ بأن قال : البصرُ ضدُّ العمى ، والقدرةُ على الشيء
ضدُّ العجز عنه، والحياة ضدُّ الموت، ولمَّا لم يكن العلم والإدراكُ ضدَّينِ
للحياة التي هي ضدُّ الموت .. وجب ألا يكونا ضدَّينِ للموت الذي هو ضدُّ
(١) في (أ): ( الحسن ) بدل ( الحسين ).
(٢)
انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٣١٠).
(٣) وعبارته في ((أصول الدين)) (ص٢٩): ( وأجازت الكرامية وجود العلم والإرادة
والإدراكات في الأموات ) .
و
COO00 10 V00000
CON

الحياة ، ولو كانا ضدَّين للموت لكانا ضدَّين للحياة التي هي ضدُّ الموت ؛
لأن كلَّ ما ضادَّ شيئاً ضادَّ ضدَّهُ المنافيَ له ؛ ألا ترى أن السواد لمَّا كان ضدّاً
للبياض كان ضدّاً للحمرة التي هي ضدُّ البياض؟! فلمَّا لم يكن العلم
والإدراكُ ضدَّينِ للحياة .. لم يكونا ضدَّينِ للموت الذي هو ضدُّ الحياة.
واستدلَّ أيضاً بأن قال كما أن الحياة والعجز لا يتضادَّانِ .. كذلك
الموت والقدرة لا يتضادَّان .
فيقال له : لِمَ قايست العلم والإدراكَ مع الموت والحياة بالألوان ؟
ثم يقال له : دُلَّ على أن الحياة ضدُّ الموت مع امتناعك من القول
بمضادّة العلم والإدراك للموت .
00
فإن قال : أعلمُ بالضرورة أن الموت والحياةَ متضادّان .
قيل : بِمَ تنفصل ممن قال : أعلمُ بالضرورة أن العلم والموتَ
متضادَّانِ ؟
وقد كان أبو الحسين الصالحيُّ : يجيزُ اجتماع الحيوانية والمَوَاتية!(١)
وكذلك أكثرُ الفلاسفة : أجازوا اجتماعَهما في أنواع من النبات .
فيقال لهم : إذا كانت الحيوانية والمَوَاتية غيرَ متضادتينٍ .. فما أنكرتم أن
الحياة والموت غيرُ متضادّينٍ ؟ ويقال له في قوله : ( إن ما جاز وجودُهُ مع
شيء جاز وجودُهُ مع ضده ، فكما جازَ وجودُ الإدراك والعلم مع الحياة جازَ
[وجودُهما] مع الموت)(٢) : أليس العلمُ بأن الجسم أسودُ يوجدُ مع سواده
(١) انظر (( مقالات الإسلاميين)) (٣١٢/١)، و((أبكار الأفكار)) (٤٦/٥).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وجودها )
00000 0 A 00000
ــ
CONT

O
مقارناً له ؟ فهل يجوزُ أن يكون هذا العلم مقارناً لبياض الجسم حتى يكونُ
الجسم أبيضَ مع علم العالم بأنه أسودُ ؟
فلا بدَّ له من : لا ، وفيه نقضُ اعتلاله .
وكذلك يوجد تصديقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اعتقادٍ
وحدانية الله عزَّ وجلَّ، ولا يجوزُ وجودُهُ مع اعتقاد أهل الدهر ومع كلِّ
اعتقاد يضادُّ اعتقاد التوحيد ، وفي هذا بطلانُ قوله : ( إن ما وجد مع شيء
جاز وجودُهُ مع أضداده ) .
x
وإن لم يجب هذا فما أنكرتَ من جواز وجود العلم والقدرةِ والإدراك
مع الحياة ؟! وإن لم يجب بذلك جوازُ وجود هذه الأعراض مع الموت ،
ولم تكن مضادَّةُ بعض الأعراض للموت دليلاً على مضادته للحياة .
وأما قولُهُ : لما جاز وجود العجز والحياة معاً جاز وجودُ القدرة والموت
عاً .
فيقالُ له : أليس يجوز وجودُ اعتقاد التوحيد مع التكذيب بالنبوة كما
ذهبَتِ البراهمةُ إليه(١) ، ولا يجوز اعتقادُ قدم العالم وما يضادُّ التوحيدَ مع
تصديق الرسل عليهم السلام ؟! كذلك وجودُ العمى والعجز والجهل مع
الحياة .. لا يدلُّ على جواز وجود البصر والقدرة والعلم مع الموت .
واستدلَّ الصالحيُّ أيضاً: بأن الله عزَّ وجلَّ هو الفاعلُ للإدراك والعلم ،
وهو سبحانه غيرُ محتاج في خلقهما إلى خلق الحياة ، ولا هو مستعينٌ بشيء
(١) فالنبوة عندهم غير مستحيلة ، ولكن لا حاجة إليها ، وهو غلط منهم نشأ عن قاعدة
التحسين والتقبيح العقليين. انظر ((شرح المقاصد)) (١٣١/١).
CO0000 0 9 000
CON