النص المفهرس

صفحات 541-560

٨TO
زائدةٌ(١)، وكلُّ واوَينِ اجتمعتا في أوَّل الكلمة .. قُلِبَتِ الأولى منهما
همزةٌ(٢)، [فلذلك](٣) قيل: (أوَّل)، وهو تذكيرٌ - وتأنيثُهُ: (أُولَى).
على وزن ( أَفْعَلَ ) .
وقال آخرون : ( أوَّل ) على وزن ( فَعْلَل) ، وهمزتُها بدلٌ من واو ،
وتأنيثها : ( أُولَى) على وزن (فُعْلَى) (٤)
وهذا القولُ أقربُ إلى الصواب ؛ لأن إلحاقَ الزيادة بآخر الكلمةِ أولى
من إلحاقها بأوَّلها ، فلَأنْ تزيدَ اللامَ في آخره فتقولَ: ( فَعْلَل ) .. أولى من
أن تزيدَ الهمزةَ في أوَّله فتقول: ( أَفْعَل ) ؛ لأن أواخرَ الكلمات بالتعليل
أولی من أوائلها
0000
وقال جماعةٌ من النحويينَ : كان ( الأوَّلُ) في الأصل (أَأْوَل )(٥)،
فقُلِبت إحدى الهمزتَينِ لمَّا اجتمعتا وثقلتا .. واواً، ثمَّ أَدغِمَت إحدى
و
الواوَينِ في الأخرى فقيل : ( أوَّل ) ، واستدلُّوا على ذلك بقولهم في تأنيثه:
(أُولَى)(٦)، وقالوا: إن الهمزةَ في ( الأوَّل) فاءُ الفعل .
وأمَّا (آخِرٌ ) : فهو على وزن ( فاعِلٍ )، وتأنيثه: (آخِرَةٌ ) عند أكثر
النحويينَ من الفريقَينِ .
00
(١) قال الإمام السيوطي في ((المزهر في علوم اللغة)) (٦٥/٢): ( ليس في الكلام كلمة
صُدِّرت بثلاث واوات إلا (( أوَّل))) يعني : قبل الإبدال.
(٢) انظر ما تقدم (١/ ٥٣٠).
(٣)
في جميع النسخ : ( فذلك ) .
(٥) رسمت هذه الكلمة في جميع النسخ: ( أؤول ) .
(٤)
انظر ما تقدم (٥٣٠/١) .
(٦) فهي كما تقول في مؤنث ( أفضل ) : فُضْلى .
٥٤٠
جدا

٠٧
G
والوجهُ الثاني من الكلام فيهما : بيانُ مأخذِهما
فقد قيل : إن ( أوَّل) مأخوذٌ من قولهم : ( آلَ يؤولَ أوْلاً ) ؛ أي : عادَ
ورجَع، فعلى هذا التأويل: يكون ( الأوَّلُ) بمعنى: ( العائدِ ) ، والله
سبحانه يعودُ على عباده بإنعامه، فهو الأوَّلُ على الحقيقة(١)
وقد قيل : إن هذا الاسمَ موضوعٌ للسابق المتقدِّم ، ليس بمأخوذ من
( آلَ يؤولُ أَوْلاً)، وهذا القولُ أصُ ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ لم يزل أوَّلاً ،
ولا يصحُّ وصفُهُ بالعَود في الأزل .
وأمَّا ( الآخِرُ ) : فهو مأخوذٌ من: ( أَخَرَ يَأْخُرُ فهو آخِرٌ) ؛ لأن هذا
الفعلَ قد أُميتَ فلم يُتَكلَّم به، كأنهم استغنوا بقولهم : ( تأخّرَ ) عن
قولهم: (أَخَرَ يَأْخُرُ) ، كما استغنوا بقولهم : افْتَقَرَ ، عن قولهم : فَقُرَ
وفَقِرَ(٢)، وهو القياسُ؛ لأن الاسمَ منه: فَقِيرٌ، مثل: بَعُدَ فهو بَعِيدٌ ،
وسَعِدَ فهو سَعِيدٌ، كما قالوا: يَدَعُ ويَذَرُ ويَترُكُ ، وتركوا في الماضي
( ودَعَ) و(وذَرَ) استغناءً [عنهما] بـ (ترك)(٣)
ويقال : جاء فلان آخِرِيّاً(٤)؛ إذا جاء آخِرَ الناس.
(١) ويكون على هذا : من أسماء الأفعال، لا الذات ولا الصفات.
(٢) قال سيبويه: وقالوا: (افْتُقَرَ) كما قالوا: (اشتدَّ)، ولم يقولوا: (فَقُرَ ) ، كما لم
يقولوا: ( شَدُدّ)، ولا يستعمل بغير زيادة. انظر ((المحكم والمحيط الأعظم))
(٣٧٩/٦)، و((شرح كتاب سيبويه)) للسيرافي (٣٠٣/٥).
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( عنه ) .
(٤) ويقال أيضاً: أُخْريّاً، وإخْريّاً. انظر ((تاج العروس)) (أخ ر).
00000 0 8 1 00000

وأما قولهم : ( أبعدَ اللهُ الأَخِرَ )(١): فإن الألف فيه مقصورةٌ على مثال
( العَجِز)؛ بكسر الجيم ؛ وهو اسمٌ قد وُضِعَ موضعَ الذَّمُّ والسبُ
والتأنيبِ ، ولا يُوضَعُ (الأَخِرُ ) المقصورُ الألف موضعَ المدح .
ويقال : بعتُهُ الشيءَ بأَخِرَةٍ ؛ مقصورةَ الهمزة مكسورةَ الخاء ؛ أي :
بنَظِرَةٍ (٢)
ويقال : رأيتُ فلاناً بأَخَرَةِ ؛ بفتح الخاء مقصورةَ الهمزة .
ويقال : نظر إليَّ بمُؤْخِرٍ عينه ومُقْدِم عينه؛ بكسر الخاء والدَّال(٣)
ويقال: أخَّرتُهُ تأخيراً فهو مؤخّرٌ، كما يقال: قدَّمتُهُ تقديماً فهو
مقدَّم .
وأمَّا (الآخَرُ) بفتح الخاء : فتأنيثه: أُخْرَى، وجمعه: أُخَرُ؛ بضمِّ
الهمزة وفتح الخاء ، وكذلك جمع ( الأوَّل): أُوَّلٌ ؛ بضمِّ الهمزة وتشديد
الواو (٤)
000
(١) انظر ((شرح الفصيح)) للَّخمي (ص٢٥٧)، قال: ( وحكى بعضهم: ((أبعدَ الله
الآخر )) بالمدُ ) .
(٢) كما قال سبحانه: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
(٣) قال العلامة الفيومي في ((المصباح المنير)) (أخ ر): (قال الأزهري: ((مؤخر العين
ومقدمها .. بالتخفيف لا غير))، وقال أبو عبيدة: (( مؤخر العين الأجود فيه
التخفيف )) ، فأفهم جواز التثقيل على قلة ) .
(٤) أما ( أُوَل) بتخفيف الواو فهو جمع ( أولى) ، غير أنه سُمِعَ أيضاً أنه جمع ( أوَّل ) ،
مثل أكبر وكُبْر. انظر (( المصباح المنير)) ( أول) .
٥٤٢ ٥٥٠٠٥

a
والوجهُ الثالثُ مِنَ الكلامِ فيهما : بيانُ قولِ العلماءِ
في معنى وصفِ اللهِ عزَّ وجلَّ بـ (الأوَلِ) و(الآخِرِ )
وقد قال المتكلُّمون : الأوَّلُ : قبلَ كلِّ شيء، والآخِرُ : بعدَ كلِّ
شيء(١)
وهذا القولُ منهم في معنى ( الأوَّل ) صحيحٌ ، وفي معنى ( الآخِر )
خطأٌ ؛ لأنه يقتضي فَناءَ الجنَّةِ والنارِ والخَلْقِ كلِّهم(٢)
كما ذهب إليه قومٌ من الضِّراريّة ؛ زعموا : أن الله عزَّ وجلَّ يَبقى،
ويُفِي كلَّ شيء، واستدلُّوا بقوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]،
و﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٦ -٢٧] (٣).
OC
000
وزعم هؤلاء : أن الله ( آخِرٌ ) ؛ بمعنى : أنه هو الباقي بعد فناء الخَلْقِ
كلِّهِ(٤)
(١) روى مسلم (٢٧١٣) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه يحكي دعاء النوم
مرفوعاً، وذكر منه: ((اللهمَّ ؛ أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك
شيء)) .
(٢) على اعتبار صفة البقاء من المعاني ، والتحقيق أنها من صفات السلوب ، وعليه فما
ذكره المتكلمون يكون صحيحاً ؛ للفناء الآني لكل حادث ، فلا يقتضي فناء الجنة والنار
على المعنى الذي يُحكى عن الضرارية .
(٣) وإلى ذلك ذهب الجهم بن صفوان. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٤٢).
(٤)
انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ٥٤٣ ).
٥
تنبيهٌ : هلاكُ ما سواه تعالى وفناؤه عند المحققين معنىّ لا ينفك عنه حادثٌ ؛ قال حجة
الإسلام الغزالي في ((مشكاة الأنوار)) (ص١٤): (لا بمعنى أن كل شيء=
00000 -٥٤٣

20
وكان ضرارٌ يزعم : أن الجنَّةَ والنارَ ما خُلِقَتا ، وأن آدمَ إنما كان في
بستانٍ من البساتين(١)
وقالت طائفةٌ من أصحابه : إنْ كانتا قد خُلِقَتا فإنهما يفنيان لا محالةَ ،
وإلى هذا القول ذهب جماعة من النجَّاريّة .
وقال الكعبيُّ : يجوز أن تكونَ الجنَّةُ والنارُ مخلوقتَينِ ، ويجوز ألا تكونا
مخلوقتَينِ ، وإن [كانتا] مخلوقَتَيْنِ جاز فناؤهما قبلَ حشرِ الناس وإعادتُهما
بعد ذلك ، ولا يجوز فناؤهما بعد دخول أهلِهما فيهما(٢)
وقال أصحابنا : كان جائزاً في العقل فناءُ الجنَّةِ والنارِ ، إلا أن الشرعَ قد
ورد ببقائهما على التأبيد (٣)
O
سوى الله يصير هالكاً في وقت من الأوقات ، بل بمعنى أن كل شيء سوى الله هالك
=
أزلاً وأبداً، ولا يتصور إلا كذلك)، وانظر ما سيأتي (١/ ٥٤٤).
(١) انظر رد إمام الحرمين على هذا القول في ((الإرشاد)) (ص٣٩٨)، وقال الإمام
الشهرستاني في (( الملل والنحل)) ( ص ٧٣) في معرض بيانه لمقالات هشام بن عمرو
الفوطي : ( ومن بدعه : أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن ؛ إذ لا فائدة في
وجودهما ، وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما ، وبقيت هذه المسألة منه
اعتقاداً للمعتزلة)، ونسب الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٤٧٥) هذا
القول إلى كثير من أهل البدع .
(٢) قال الإمام الآمدي في (( أبكار الأفكار)) (٣٢٧/٤): ( مذهب الأشاعرة وأكثرٍ
المتكلمين : أن الجنة والنار - اللتان هما دارُ الثواب والعقاب - مخلوقتان في وقتنا
هذا ، ووافقهم على ذلك من المعتزلة : الجبائيُّ ، وبشرُ بن المعتمر ، وأبو الحسين
البصريُّ)، ثم قال: ( وذهب عباد الصيمرُّ، وضرار بن عمرو ، وأبو هاشم ،
وعبد الجبار : إلى أنهما غير مخلوقتينٍ في وقتنا هذا) ، وما بين المعقوفين في جميع
النسخ : ( كانا ) .
(٣) قال الإمام ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (٥٠٩/١): (لا يمتنع في =

COOOC
والصوابُ على هذا المذهب أن يقال: إن الله عزَّ وجلَّ [أوَلٌ قبلَ] كلٌ
شيء سواه(١) ، وآخِرٌ بعدَ كلِّ شيء يفنى(٢)، فهو الأزليُّ الذي ليس له
ابتداءٌ ، والباقي الذي ليس له انتهاءٌ .
وقال آخرون من أصحابنا : إن الله ( أوَّلُ ) بمعنى : أنه سابقٌ للحوادث
بلا ابتداء ، و( آخِرٌ) بمعنى: أنه ليس له نهايةٌ ، ولا يجوز أن يكونَ له
غايةٌ(٣)، واستدلُّوا على صحّة هذا التأويل: بما رُويَ عن ابن عباس
رضي الله عنه أنه قال في تفسير قوله عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ [الحديد: ٣]:
( يقول : أنا الأوّلُ فلم يكن لي سابق، وأنا الآخِرُ فليس لي غايةٌ
ولا نهايةٌ)(٤)
وقال آخرون : معنى هذَينِ الاسمَينِ في الله عزَّ وجلَّ : أنه عالِمٌ بأوائل
=
مقتضى العقل موجوداتٌ لا نهاية لها - يعني : من حيث البقاء ، لا المكان - ؛ للكن
تجوز عليها النهاية ، والبارئ تعالى موجودٌ لا تجوز عليه النهاية، ولا يدركه فناءٌ،
فيكون انفرادُهُ في الآخريَّة باستحالة الفناء ، ويكون انفراده في الأوليّة باستحالة الابتداء ،
ودوامُ وجود الموجودات بإدامته ، فلو شاء لقطعها ففنيت ، وأنه شاء إدامتها فدامت ،
وأخبرنا بذلك فصدَّقنا به ؛ لجوازه وتحقيق المعنى فيه ) .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( قبل أول ) .
(٢) كما تقدم في الحديث تعليقاً (٥٤٣/١).
(٣) قال الإمام الحليمي في (( المنهاج في شعب الإيمان)) (١٨٨/١): ( الأوّلُ: هو الذي
لا قبلَ له ، والآخِرُ : هو الذي لا بعدَ له، قَبْلٌ وبعدٌ نهايتان ؛ فقَبْلٌ : نهايةُ الوجود من
قَبْل ابتدائه ، وبعدٌ : غايتُهُ من قَبْل انتهائه ، فإذا لم يكن له ابتداء ولا انتهاء .. لم يكن
للوجود قبلٌ ولا بعدٌ ، فكان هو الأوَّلَ والآخِر ) .
(٤) أورده العزيريُّ في ((معرفة اشتقاق الأسماء)) (ص٥٢)، وبنحوه في ((الأمد الأقصى))
(١/ ٤٧٥ ) .
0800 0 8 0 2C0000

الأمور وأواخرها ، ومدبّرٌ لها على قَدْرِها (١) ؛ من قولهم : فلانٌ أوَّلُ هذا
الأمر وآخِرُهُ(٢)؛ إذا كان عالِماً به، متولِّياً لخيره وشرِّهِ.
وقالت الصوفيّةُ: هو الأوَلُ بيرُه، والآخِرُ بعفوه(٣)
وقيل : هو الأوَّلُ بابتداء الخَلْقِ ، والآخِرُ بإعادة الخَلْقِ .
وقيل : هو الأوّلُ بخواطر أوليائه ، والآخِرُ بخواطر أوليائه ، فلا يخطرُ
ببالهم إلا أمرُهُ وحُكْمُهُ (٤)
والوجهُ الرابعُ مِنَ الكلام في هذَينِ الاسمَينِ : بيانُ استحالةٍ
وصفِ اللهِ عزَّ وجلَّ بهما مِنْ طريقِ الجنسِ والعددِ
لأنه ليس كالأوَّل العدديِّ من قولهم : إنَّ الواحدَ أوَّلٌ في كلِّ عدد .
ولا يقال : إنه أوَّلٌ بالجنسِ ، كما يقال : أوَّلُ الناس آدم عليه السلام ،
00
(١) قال سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، وقال عز
وجل: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وفي (ج): (على ما قَدَّرَها).
(٢) بمعنى: أنه محيطٌ به ، وخبيرٌ بما فيه .
(٣) وهو قول الإمام محمد بن الفضل الواسطي. انظر ((حقائق التفسير)) للسلمي (٣٠٥/٢).
(٤) وقد سرد الإمام أبوبكر ابن العربي في ((الأمد الأقصى)) (٤٧٤/١، ٤٨٤) خمس
عبارات للعلماء في معنى ( الأوّل )، وستّاً في معنى ( الآخِر ) ، وقال الحجة الغزالي
في (( المقصد الأسنى)) (ص٢٦٩): (إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ، ولاحظت
سلسلة الموجودات المترتبة .. فالله تعالى بالإضافة إليها أوَلٌ ؛ إذ الموجودات كلُّها
استفادت الوجود منه ، وأما هو فموجودٌ بذاته ، وما استفاد الوجود من غيره .
ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ، ولاحظت مراتب منازل السائرين إليه .. فهو آخر ؛
إذ هو آخرُ ما ترتقي إليه درجات العارفين ، وكلُّ معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرقاة
إلى معرفته ، والمنزل الأقصى هو معرفة الله تعالى ، فهو آخرٌ بالإضافة إلى السلوك ،
أوَّلٌ بالإضافة إلى الوجود ) .
ACON.

وكما يقال: آخِرُ الأنبياء محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ، وهو من جنسهم ،
وإنما يقول : إن الله عزَّ وجلَّ أوَلٌ ؛ بمعنى : أنه سابقٌ لجملة الحوادث ،
وآخِرٌ ؛ بمعنى: أنه واجبُ البقاء، ولا يجوز عدمُهُ بحالٍ (١)
[الافتخار بالأوليَّاتِ، وذكْرُ ما اشتَهرَ منها ]
واعلمْ أن التسميةَ بالأوَّل والآخِرِ ممَّا يقعُ به الافتخارُ في الخير ،
ويُضرَبُ بهما المثلُ ، ولذلك افتخرت المخزوميةُ بالوليد بن المغيرة
فقالت : ( إنه أوَّلُ من خَلعَ نعليه لدخول الكعبةِ)(٢) ، والوحيُ قد سبق ذلك
في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَخْلَعُ نَعْلَيْكَ إِنََّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى﴾ [طه: ١٢] ، فصار
ذلك سنَّةً في خلع النعل عند الدخول الذي له حُزْمةٌ .
وأوَّلُ من سنَّ الزنيمَ من الإبل عبدُ المطّلب جدُّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم(٣)، وهو أوَّلُ من خضبَ بالسواد(٤)
(١) وإلى هذه المعاني أشار الأستاذ القشيري في طالعة ((رسالته)) (ص٧٩) حيث قال :
( فسبحانه من عزيز لا حدَّ ينالُهُ، ولا عِدَّ يحتالُهُ ، ولا أمد يحصرُهُ، ولا أحد ينصرُهُ ،
ولا ولد يشفعه ، ولا عَدَدَ يجمعه ، ولا مكان يمسكه، ولا زمان يدركه ، ولا فهْمَ
يقدِّره ، ولا وهْمَ يصوِّره ) .
(٢) انظر ((الأوائل)) للعسكري (ص٤٨)، وافتخارها لكون الوليد مخزوميَّ الأصل.
الزنيم : من الزنمة ؛ وهي : شيء يقطع من أذن البعير فيترك معلّقاً، وإنَّما يفعل ذلك
(٣)
بالكِرام من الإبل . انظر (( تاج العروس)» (زن م ) .
(٤) حكى العسكري في ((الأوائل)) (ص٣١) أن عبد المطلب لما اختضب أول مرة بالأسود
قال :
( من الطويل )
وكانَ بديلاً من حبيبٍ قدِ انصرمْ
فلو دامَ لي هذا الشبابُ حمدتهُ
ولا بدَّ مِنْ موتٍ يليهِ أو هرمْ
تمتَّعتُ منهُ والحياةُ قصيرةٌ

وقالت المخزوميّة : إن الوليد بن المغيرة مع كفره أوَّلُ من قضى بالقسامة
في الجاهليّة(١) ، فأقرَّها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ، وهو
أوَّلُ من حرَّم الخمر على نفسه في الجاهليّة ، وأوَّلُ من قطع في السرقة ،
فجاء الإسلامُ بموافقته فيهما(٢)
وأوَّلُ من قضى في الخنثى بمَبالِهِ عامرُ بن الظَّرِبِ العَدْوانيُّ ، فجاء
الإسلام بموافقته(٣).
وقالوا في إدريسَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : إنه أوَّلُ من خطّ بالقلم ،
وأوَّلُ من خاط الثيابَ ولبسها ، وكان الناس قبلَهُ يلبسون الجلود(٤)
وأوَّلُ من ركب الخيلَ إسماعيلُ بن إبراهيم عليهما السلام ، وكانت
الخيلُ قبلَهُ وحوشاً ، فراضَها ثمَّ ركبَها ، وهو أوَّلُ من رمى بسهمٍ ، وأصلح
القِسِيَّ، وأصلح النبالَ(٥)
وأوَلُ من كتبَ الكتابةَ بالعربيَّة [مرامرُ بن مرَّة] من أهل الأنبار(٦)، ثم
انظر ((الأوائل)) للعسكري (ص٤٨).
(١)
(٢) انظر (( الأوائل)) للعسكري (ص٤٩).
6
(٣) نقل العسكري في ((الأوائل)) (ص ٧٠) عن الواقدي قال: ( لم يكن في العرب عُضْلَةٌ
إلا أسندت إلى عامر بن الظرب ؛ سئل عن الخنثى: أتعطى حظّ الذكر أم حظ الأنثئ ؟
فلم يدرِ ما يُقضى فيه ، فقالت جاريته : اجعله ليقم فليبل ؛ فإن خرج البول مما يكون
للرجال فهو رجل ، وإن خرج مما يكون للنساء فهي امرأة ، فقضى به ، فاستمر ، ثم
ثبت في الإسلام ) .
انظر ((الأوائل)) لأبي عروبة (ص٥١)، و((الأوائل)) للعسكري (ص٤٢٣) .
(٤)
(٥)
تقدم (٣٦٢/١) .
(٦) ما بين المعقوفين في (أ، ب): (مراومر بن مروة)، وفي (ج): ( مرومر بن
مرة ) .

صارَتِ الكتابة من أهل الأنبار إلى قريشٍ بمكةَ ، ثم منهم إلى الناس (١)
وأوَّلُ من اتخذ المقصورةَ في المسجد معاويةُ رحمة الله عليه (٢)
وأؤَلُ من اتخذ المحاملَ وحمل فيها الناسَ الحجَّاجُ(٣)، فافتخرت ثقيفٌ
بذلك .
وافتخرَتْ أيضاً بالمغيرة بن شعبة ؛ لأنه آخرُ الناس عهداً برسول الله
صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك أنه كان مع النفر الذين باشروا دفنَ رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا خرجوا من قبره عليه السلامُ ألقى المغيرةُ خاتَمَهُ
في القبر ، ثم نزل وأخذ خاتَمَهُ ، وافتخر بذلك على الصحابة ، وقال :
( أنا آخرُكم عهداً به)(٤)، وهو أولُ من سُلَّمَ بالإمارة عليه(٥)
وأوَّلُ من نقشَ على الدراهم بالعربيَّةَ عبدُ الملك بن مروانَ (٦)
وأوَلُ من رَدَّ عيارَ الدرهم إلى وزن العشرة سبعةً مثاقيل عبدُ الله بن الزبير(٧).
(١) انظر ((الأوائل)" للعسكري (ص٨٤)، ونقل الراغب الأصفهاني في ((محاضرات
الأدباء)) (١٢٦/١) عن الكلبي أنه قال: (وضع الخطَّ ثلاثةُ نفر : مرامر بن مرة بن
ذروة ، وأسلم بن شدوة ، وعامر ابن حدرة ؛ فمرامرُ : وضع الصورة ، وأسلمُ : فصل
ووصل ، وعامرُ : أعجم وأشكل ) .
(٢) وقيل: أول من اتخذها مروان بن الحكم. انظر ((الأوائل)) للعسكري (ص ٢٤٠).
(٣) انظر ((الأوائل)) لأبي عروبة (ص ١٧٠)، و((الأوائل)) للعسكري (ص٣١٦).
(٤) رواه بنحوه ابن أبي عاصم في (( الآحاد والمثاني)) ( ١٥٤٧) ؛ إلا أنه ذكر فيه أنه ألقى
فأسه بدل خاتمه .
(٥) انظر ((الأوائل)) لأبي عروبة (ص ١٦٥).
(٦) وكان ذلك سنة خمس وسبعين للهجرة، ونقش عليها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ انظر
(( تاريخ الطبري)) (٢٥٦/٦)، و((الأوائل)) للعسكري (ص٢٥٤).
(٧) كذا العبارة في (أ، ب)، غير أنه في ( ب، ج): ( بسبعة ) بدل ( سبعة )، قال =
CON

وأوَلُ من أَرَّخَ الكتابَ وخَتمَ على الطين عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه ،
وهو أولُ من قيل له : أمير المؤمنين(١)
وأوّلُ من لبس الدَّراريعَ السودَ المختارُ بن أبي عبيد (٢)
وأوَّلُ من لبس الخزَّ الأدكن عبدُ الله بن عامر بن كريز بالبصرة(٣)
وقال أصحابُ السير : أوَلُ من عمل الصابونَ سليمانُ بن داود عليهما
السلام ، وهو أوَّلُ من عُملَ له الحمّامُ والثُّورَةُ(٣)
وأوَلُ من عمل القراطيسَ يوسفُ بن يعقوبَ عليهما السلام(٣)
وأوَّلُ من عمل خبزَ الرقاق نمروذُ بن كنعانَ(٣)
وأوَّلُ من حذا النعال جَذِيمةُ بن مالك الأبرشُ ، وهو أوَّلُ من وضع
المنجنيقَ من العرب (٣)، وقيل: إن أوَّلَ من وضعه نمروذُ بن كنعانَ، وبه
رمى الخليل عليه السلام إلى النار (٤)
المقريزي في رسالة (( النقود الإسلامية)) ضمن مجموع ((رسائله)) (ص ١٦٠): ( فلما
قام عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بمكة ضرب دراهمَ مدوَّرة ، وكان أوَّلَ من ضرب
الدراهم المستديرة ، وكان ما ضرب منها قبل ذلك ممسوحاً غليظاً قصيراً ، فدوّرها
عبدُ الله )، ثم قال : ( وضرب أخوه مصعب بن الزبير دراهمَ بالعراق ، وجعل كلَّ
عشرة منها سبعةَ مثاقيل ) .
(١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٢٠٩/٤)، و(( الأوائل)) (ص١٥٠).
(٢) انظر ((المعارف)) (ص٥٥٤)، والدراريع: جمع دُرَّاعة؛ وهي جبَّةٌ مشقوقة
المقدَّم .
(٣)
انظر ((المعارف)) (ص٥٥٤) .
(٤) انظر ((تاريخ اليعقوبي)) (١/ ١٧).
xra
00 00000
60000

حـ
وافتخرَتْ بنو زُهْرَةَ بسعد بن أبي وقَّاص ؛ لأنه أؤَلُ مسلم رمى بسهم في
سبيل الله عزَّ وجلَّ (١)
وافتخرت تميمُ بواقدٍ بن عبد الله التميميِّ ؛ لأنه أوَّلُ مسلم قَتلَ مشركاً ،
وهو الذي أخرجَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيَّةِ عبد الله بن
جحش ، فقتل عمرو بن الحضرميِّ، واستاق عِيرَهُ إلى النبيِّ صلى الله عليه
وسلم ، وكان ذلك قبل وقعة بدر (٢)
وافتخرت كندةٌ بالمقداد بن الأسودِ الكنديِّ ؛ وقالوا : إنه أوَّلُ فارس في
الإسلام ، ولم يكن مع النبيِّ عليه السلام يوم بدر فارسٌ غيرُهُ(٣)
وافتخرت بنو أميَّةَ بسعيد بن عثمانَ بن عفانَ ؛ وقالوا : إنه أوَّلُ من قطع
نهرَ بلخَ من المسلمين ، وغزا بخارى وسَمَرْقَنْدَ (٤)
00
0
وافتخرت بنو عامر بن صعصعةَ بعبد الله بن طُلَيب ؛ لأنه أؤَلُ من ضرب
باب قسطنطينيةً بالسيف ، وأَذَّنَ فيه أذانَ المسلمينَ ، فأراد صاحبُ الروم
قتلَهُ ، فقال : إن قتلتني لم يبقَ في دار الإسلام بِيعةٌ إلا تهدم ، فأطلق
عنه (٥)
(١) انظر ((الأوائل)) لابن أبي عاصم (٤٣).
(٢) انظر ((سيرة ابن هشام)) (٦٠٣/١).
(٣) انظر ((الأوائل)) للطبراني (٨٦)، وذكر ابن هشام في (( سيرته)) (١/ ٦٦٦) أن أفراس
جيش المسلمين يوم بدر ثلاثة : بَعْزَجَةُ أو سَبْحَةُ ؛ فرس سيدنا المقداد بن الأسود ،
والسَّبَلُ ؛ فرس سيدنا مرثد بن أبي مرثد الغنوي ، واليعسوبُ ؛ فرس سيدنا الزبير بن
العوام ، رضي الله عنهم جميعاً .
(٤) انظر ((الأوائل)) للعسكري (ص ٣٣٠).
(٥) انظر ( الأوائل)) للعسكري (ص ٣٣٠).
00060 0 0 1 700000

وأوَّلُ من سُمِّيَ بيحيى : ابنُ زكريا عليهما السلام ، ولذلك قال الله عزَّ
وجلَّ فيه: ﴿لَمْ تَّجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧].
وأوَّلُ من سُمَِّ في الإسلامِ عبدَ الملك : إنما هو عبدُ الملك بن
مروان(١)
وعبدُ الله بن الزبير أوَّلُ مولود وُلِدَ لمسلم بعد الهجرة(٢)
10
وأوَّلُ من كُنِيَ بأبي عليٍّ قيسُ بن عاصم المِنْقَرُّ التميميُّ(٣) ، وعامرُ بن
الطفيل ، ولم [يُكْنَ] في الجاهليَّة بأبي عليٍّ غيرُهما(٤)
وأوَّلُ من [قصَّ] بمكةَ عبيدُ الله بن عميرِ الليثيُّ(٥)
وأوَّلُ من قصَّ بالبصرة الأسودُ بن سريع التميميُّ ، وكان من الصحابة ،
وشهد وقعة الجمل(٦)
وأوّلُ من جَمَّعَ في الإسلامِ مصعب بن عمير ؛ جَمَّعَ بالمسلمين يومَ
الجمعة بالمدينة (٧)
واختلفوا في أوَّل من أسلم من هذه الأمَّة : والأولى أن يقال : أوَّلُ من
(١) انظر ((المعارف)) (ص٥٥٦).
(٢) انظر (( الأوائل)) لابن أبي عاصم (٩٣).
(٣) وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم حين وفد عليه مسلماً كما رواه الحاكم في
((المستدرك)) (٦١٢/٣) من حديثه رضي الله عنه: ((هذا سيدُ أهلِ الوبر)).
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( يكنئ ) .
(٥) انظر ((الأوائل)) للعسكري (ص٣٧٠)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ:
( قصر ) بدل ( قصَّ ) .
(٦) انظر ((الأوائل)) لأبي عروبة (ص١٧٥)، و(( الأوائل)) للعسكري (ص ٣٧٠).
(٧) انظر ((الأوائل)) لابن أبي عاصم (٤٧).
ura
00000 0 0 . 00000

أسلم من رجال قريش : أبو بكر ، ومن أطفالهم : عليٍّ ، ومن نسائهم :
خديجةُ ، ومن الموالي : زيدُ بن خارجةَ ، ومن الحبشة : بلالٌ ، ومن
العجم : سلمانُ ، ومن سَبْي الروم : صهيبٌ .
وقالوا في الافتخار :
آخرُ من مات من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة : جابرُ بن
عبد الله (١)، وبالبصرة: أنسُ بن مالك(٢) ، وبالكوفةِ: عبدُ الله بن
أبي أوفى(٣)، وبمصر: عبدُ الله بن الحارث بن جَزْءٍ(٤)
R
وقالوا في الذمِّ :
أوَّلُ أميرٍ ارتشئ في الإسلام المغيرةُ بن شعبة (٥)
وأوَلُ من غيَّرَ الحكمَ في (( الولدُ للفراشِ)) معاويةُ؛ حين ألحقَ زياداً
بأبيه(٦)
(١) نقل ابن قتيبة في ((المعارف)) (ص٣٤١) عن الواقدي : أن آخر الصحابة موتاً في
المدينة هو سيدنا سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما سنة (٩١ هـ)، أما سيدنا
جابر رضي الله عنه فقد توفي سنة ( ٧٨هـ) .
(٢) توفي على أرجح الأقوال سنة (٩٣هـ).
(٣)
توفي سنة ( ٨٦هـ ) .
توفي على أصح الأقوال سنة ( ٨٦هـ)، وآخر من مات بمكة : سيدنا عبد الله بن عمر
(٤)
رضي الله عنهما سنة ( ٧٣هـ)، وبالشام : سيدنا عبد الله بن بسر رضي الله عنهما سنة
(٨٨هـ). انظر ((المعارف)) (ص١٨٦، ٣٠٩، ٣٤١).
(٥) قال العسكري في ((الأوائل)) (ص١٧٤): ( أوَّل من ارتشئ: يرفأُ حاجبُ عمر ؛ قال
المغيرة بن شعبة : ربما عَرِقَ الدرهمُ بيدي لأدفعه إلى يرفاً غلامٍ عمر ليسهِّلَ إذني ) ،
وعليه فهو أول من رشئ ، لا من ارتشئ ، ولو غاب مثل هذا الخبر لكان أفضلَ .
(٦) انظر ((الأوائل)) للعسكري (ص٢٤٤)، وخبر (( الولد للفراش)) رواه البخاري=
٥٥٣

وأوَّلُ من حمل الأصنامَ إلى الحجاز عمرُو بن لُحَيٍّ ، وهو الذي رآه
رسول الله صلى الله عليه وسلم في النار ليلة المعراج(١)
وأوَّلُ من تكبِّرَ بغير حقِّ إبليسُ اللعين(٢)
وأوَّلُ من حسدَ وقتلَ لأجل الحسد قابيلُ قتل هابيلَ(٣)
وهذا بابٌ يطول الكتابُ باستقصائه ، وقد أفردنا فيه كتاباً سمَّيناه كتاب
((المفاخر في الأوائل والأواخر))، وإنما ذكرنا طَرَفاً منه في هذا الكتاب
ليُعلَمَ أن التسميةَ بالأوَّل والآخر تدخلُ غالباً في المفاخر ، وإن دخلت نادراً
في موضع الذمّ .
وكلُّ ما قيل فيه أوَّلُ وآخِرٌ فإنما يقالُ فيه ذلك بالإضافة دونَ الإطلاق ؛
إلا اللهَ عزَّ وجلَّ ؛ فإنه الأوَّلُ والآخِرُ على الإطلاق من غير إضافةٍ إلى جنسٍ
أو عددٍ أو غيرهما ، وبالله التوفيق .
(٢٠٥٣)، ومسلم ( ١٤٥٧) من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها .
=
(١) روى النسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٠٩١) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله
عنه مرفوعاً: (( رأيت عمرَو بن لُحَيِّ الخزاعيَّ يجرُ قصبَهُ في النار ، وكان أوَّل من سيَّبَ
السيوب )).
(٢) حيث قال فيما أخبر عنه الحق تعالى: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِ مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾
[الأعراف : ١٢] .
(٣) وقد حكى الله خبرهما في قوله سبحانه: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقٍ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا
فَتُقُيِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾، إلى أن
قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَثْلَ أَخِيهِ فَقَثَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [المائدة:
٢٧-٣٠] .

AXY.YS
ذكر تفسيروصفنا من عز وجل
بـ (الأكرم) و(الأرحسم) و(الأعلى)
اعلمْ : أن ( الأكرمَ ) مبالغةٌ من الوصف بالكريم ، وكذلك ( الأرحمُ )
و(الأعلى) و(الأعلمُ) و(الأحكمُ) كلُّ ذلك مبالغاتٌ من الرحيمِ والعليّ
والعليمِ والحكيمٍ ، ولذلك جاز أن يقال: إن الله أعلمُ العالِمِينَ، وأرحمُ
الراحمينَ ، وأحكمُ الحاكمينَ .
وقد نطق القرآن بـ ( أحكم الحاكمينَ) و(أرحم الراحمينَ)(١)، والكلامُ
في معنى الكريمِ والعليمِ والرحيمِ والحكيمِ يأتي بعد هذا(٢) ، فيكونُ معنى
الأرحمِ والأكرم والأعلم والأحكم داخلاً فيه ، إلا أنَّا نذكرُ شروطَ المبالغة
بلفظ التعبُّبِ ، وبلفظ ( أَفْعَل) [الموضوع] للمبالغة(٣) ؛ فنقول:
[ شروطُ التعجُبِ والمبالغةِ عندَ النحاةِ ]
إن النحويينَ قالوا : إن التعُّبَ لا يدخل في الأفعال كلِّها ، بل يكونُ
(١) في قوله تعالى: ﴿وَنَادَىْ نُوُ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبٍ إِنَّ أَبِّى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ وَأَنْتَ أَتَكَمُ
اُلْحَكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكٌ
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١].
(٢) انظر (٤٥/٢، ٢٣٠، ٤٣٤، ٥٧٩).
(٣) ما بين المعقوفين في (أ): (الموضع)، وفي (ج): ( موضع )، وسقط من ( ب).
٥٥٥
TOO

YO
ببعضها دون بعض ، والأفعالُ التي يكون بها التعجّبُ إنما هي
( فَعَل) بفتح الفاء والعين ، و( فَعِل) بفتح الفاء وكسرٍ العين ،
و( فَعُل ) بفتح الفاء وضمِّ العين ، كلُّ ذلك إذا لم يكن لوناً ولا خِلْقَةً .
على هذا قياسُ التعجُّبِ في الأكثر .
ثمَّ قد يدخلُ التعجُّبُ على ( أَفْعَل) أيضاً (١)؛ لأنهم قد قالوا: ما أعطاه
للمال ! وما أولاه للمعروف! وما أكرمَهُ لي! وليس ذلك بمطّرد في
( أَفْعَل ) ، ولا يكونُ في شيء من الأفعال سوى ذلك(٢) ؛ إلا أن يقال في
شاذٌّ لا يقاسُ عليه ؛ كقولهم في المجنون : ما أجنَّهُ ! ولم يقولوا في
المضروب : ما أضربَهُ، وقالوا : ما أعمى قلبَهُ! لأن عمى القلب حُمْقٌ ،
ولم يقولوا : ما أعمى عينَهُ، ولا ما أصمَّهُ؛ لأن الصممَ وعمى العين
خِلْقَةٌ .
(١) قال المبرِّد في ((المقتضب)) (١٧٨/٤): (واعلم: أن بناء فعل التعجُّبِ إنما يكون
من بنات الثلاثة؛ نحو : ضَرَب وعَلِمٍ ومَكُث ؛ وذلك أنك تقول : دخل زيد وأدخلتُهُ ،
وخرج وأخرجتُهُ، فتلحقُهُ الهمزةُ إذا جعلتَهُ محمولاً على (( فَعَل )) ، وكذلك تقول :
حَسُنَ زيدٌ ، ثم تقول: ما أحسنَهُ ؛ لأنك تريد: شيءٌ أحسنَهُ .
فإن قيل : فقد قلت : ما أعطاه للدراهم ! وأولاه بالمعروف ! وإنما هو من أعطى
وأولى؛ فهذا وإن كان قد خرج إلى الأربعة فإنما أصلُهُ الثلاثةُ، والهمزةُ في أوَّلِهِ زائدةٌ ).
وقال سيبويه في ((الكتاب)) (٧٣/١): ( وبناؤه أبداً من: فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ وأَفْعَل ،
هذا لأنهم لم يريدوا أن يتصرّف ، فجعلوا له مثالاً واحداً يجري عليه ) .
(٢) وهذا على مذهب البصريينَ بأن ( أفعل) في التعجب من الأفعال ؛ قال العلامة
الأنباري في (( الإنصاف في مسائل الخلاف)) (١٠٤/١): ( ذهب الكوفيون: إلى أن
((أفعل)» في التعجُّب نحو: (( ما أَحْسَنَ زِيدًا)) اسمٌ، وذهب البصريون: إلى أنه فعلٌ
ماضٍ ، وإليه ذهب أبو الحسن عليٍّ بن حمزة الكسائيُّ من الكوفيينَ ) .
Co٦ ٥ ٥ ٠٠٠

Oo
ـة
واستغنوا عن قولهم : ما أسودَهُ، بقولهم : ما أشدَّ سوادَهُ ، وكذلك
قولهم : هو أكرمُ الرجلَينِ ، وأحسنُ الناس وأعقلُهم ، وكذلك : هو أفعلُ
من كذا .
إنما يقال ذلك : فيما كان من الأفعال على الأمثلة الثلاثة التي ذكرناها ،
ولم يكن لوناً ولا خِلْقَةٌ ، هذا قولُ الجَرْميِّ، وتحديدُهُ لبابِ التعجُّبِ
وألفاظِ المبالغةِ بلفظ ( أَفْعَل ) .
000
وقال المازنيُّ في كتاب ((المسائل)): ( قد جاءت أحرفٌ شاذَّةٌ ممَّا زاد
فعلُهُ على ثلاثة أحرف ، وقد أدخلت العربُ عليها التعجُّبَ فقالت :
ما أظلمَها ! وما أضوأها!(١) ، وقالوا للمقيم: ما أقومَهُ! وفي المتمكِّن :
ما أمكنَهُ! وللفقير: ما أفقرَهُ! وإن كان الفعل منه ((افتقر))(٢)، وقالوا:
ما أصوبَهُ! وذا على لغة من يقول: ((صاب)) (٣)، وقالوا: ما أخطأه !
على لغة من يقول: ((خَطِئْتَ)) في معنى أخطأت(٤)، وقالوا: ما أشغلَهُ !
وما أزهاه ! وإنما يقال في الفعل : شُغِلَ وزُهِيَ ؛ بضمِّ الفاء وكسر العين ،
(١) يعني : الليالي والنُّهَر .
(٢) واستعمال (فَقُر) بمعنى ( افتقر) لغة شاذة ، ولذلك جعل سيبويه قولهم: ( ما أفقره )
شاذاً، قال أبو حيان في (( التذييل والتكميل)) (٢٣٨/١٠): ( لأن سيبويه إنما ينقل فصيح
اللغة ومستعملها ، لا شاذَّها)، ثم قال : ( وإن شيئاً غابت معرفته عن سيبويه لجدير بأن
يطرح ، وقال فتىّ لأبي الأسود : إنه قد وقع إليَّ حرف من اللغة لم يصل إليك ولا عرفته ،
أو كلاماً ههذا معناه ، فقال له أبو الأسود : لا خير فيما لا يعرفه أبو الأسود ) .
(٣) يقال : صابَ السهمُ الرمِيَّة يَصوبها وأصابها؛ إِذا قَصدها. انظر ((تهذيب اللغة))
( ١٢ /١٧٧ ) .
(٤) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٠٧/٧).
00000 , ٥٧ ٥
00000

وقالوا : ما آبلَهُ! يريدون: ما أكثرَ إِبلَهُ، وقالوا : ما أحبَّهُ إليَّ! وما أبغضَهُ
إليَّ ! وما أعجبَهُ برأيه! وفي لغة بعض العرب : ما أملاً القِرْبةَ ! ).
وفي هذا الذي حكاه المازنيُّ إطلاقُ بعض ما حظرَهُ الجَزْميُّ .
ونحن نقيسُ على قياسهم ما جازَتِ المبالغةُ فيه من أوصاف الله عزَّ وجلَّ
فنقول : إنه أقدرُ القادرينَ، وأعلمُ العالِمِينَ ، وأرحم الراحمينَ ، وأحكمُ
الحاكمينَ ، وهو أملكُ للأشياء كلِّها من غيره ؛ لأن ملكَهُ على الإطلاق ،
ومُلكَ غيره على بعض الوجوه دون بعضٍ .
ولا يجوز أن يقالَ من قولنا فيه : ( خَلَقَ ) : إنه أخلقُ من غيره ؛ لأن
غيرَهُ ليس بخالق ، وكذلك في ( الرزق )(١)
وأما قولُنا : إنه صوَّرَ الصورَ .. فلا يجوز إطلاقُ لفظ (أَفْعَل) من هذا
الباب ؛ لأنه ليس هذا الفعلُ على وزن الأمثلة الثلاثة التي ذكرناها
فإن قيل : فهل تقولون : إنه أسمعُ من غيره ، وأبصرُ من غيره ؟
00000075
قيل : كذلك نقول ؛ لأن هذه المبالغةَ ممَّا يُستعمَلُ في مواضع المدح ،
وقد استعملت العربُ المَثَلَ على هذا اللفظ في الذمِّ أيضاً .
فقالت في المدح : أوفى من الحارثِ بن ظالم (٢)، وأوفى من
(١) وقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] على طريق الاتساع، أو
بمعنى أحسن المقدِّرين ، أو على زعمهم أن معه غيره ، أو أن ( أفعل ) على غير بابه ؛
بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ فَأَنَّى
تُؤْفَّكُونَ﴾ [فاطر: ٣] .
(٢) انظر خبره في ((مجمع الأمثال)) (٣٧٦/٢)، ووفاءه مع عياض بن ديهث.

ATPAY
X4.1
ء
السَّمَوْءَل(١)، وأوفى من عَوْفِ بن مُحلِّمٍ (٢)، وأنورُ من صُبحِ(٣)، وأنضرُ
من روضةٍ(٤)، وأندى من البحر(٥)، وأنطقُ من سَحبانَ(٦)، وأنطقُ من
قُسرِّ(٧)، وأنجبُ من البتول(٨)، وأمضى من السيف(٩)، وأمضى من
الأَجَل(١٠)، وأمضى من القَدَرِ المُتاح(١١)، وأفرسُ من مُلاعب الأسنَّة(١٢)،
(١) انظر خبره في ((جمهرة الأمثال)) (٣٤٥/٢)، ووفاءه مع امرئ القيس.
(٢) انظر خبره في ((جمهرة الأمثال)» (٣٤٦/٢)، ووفاءه مع رجل من بكر بن وائل.
(٣)
انظر ((جمهرة الأمثال)) (٢٩٨/٢).
(٤) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٢٩٨/٢)، و((مجمع الأمثال)) (٣٥٧/٢).
(٥)
انظر (( جمهرة الأمثال)) (٢٩٨/٢).
(٦) وهو سحبان وائل ، ويقال أيضاً : أخطب من سحبان ، وأبلغ من سحبان . انظر خبره
في (( جمهرة الأمثال)) (٢٤٨/١).
(٧) وهو قس بن ساعدة، ويقال أيضاً: أبين من قس، وأبلغ من قس. انظر (( جمهرة
الأمثال)» (١/ ٢٤٩، ٤٤٢).
(٨) وقالو أيضاً - كما في ((جمهرة الأمثال)) (٢٩٩/٢) -: أنجب من يراعة ، ومن مارية،
ومن بنت الخرشب ، ومن أم البنين ، ومن خبيئة ، ومن عاتكة .
(٩) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٢٢٧/٢).
(١٠) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٢٢٧/٢)، وقالوا أيضاً: أمضى من النصل ، والسنان ،
والشفرة ، والسيل ، والدرهم ، وسليك المناقب ، ومن ترحة بعد فرحة .
( من مجزوء الكامل )
(١١) من ذلك قول والبة بن الحباب في صفة السيف :
هو للفساد وللصَّلاحِ
سلَّ الخليفةُ صارماً
يُلقى بجانب خصره
أمضى من القدر المُتاحِ
والمتاح : وقت نفوذ القدر ؛ من أتاح الله الشيء فتاحَ .
(١٢) وهو أبو براء عامر بن مالك فارس قيس ، وهو الذي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم
وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل رجالاً إلى نجد يعلمون الناس الإسلام ،
فقتلهم عامر بن الطفيل العامري في بئر معونة. انظر ((سيرة ابن هشام)) (١٨٤/٢)،
و (( جمهرة الأمثال)) (١٠٨/٢).
YO
XYb