النص المفهرس
صفحات 501-520
في الأصل: ((للكنْ أَنا )) فحذفوا الهمزةَ، وحوَّلوا فتحتها إلى النون الساكنة قبلَها، فصارت ((لكنَنَا))، فاجتمعت نونان متحرِّكتان ، فأسكنوا الأولى منهما فأدغموها في الثانية فقالوا: ((لاكنّا)))(١) وهكذا حكاه أبو معاذ الفضلُ بن خالد النحويُّ عن الفرَّاء(٢) وقال قوم : إن معنى ( الإلله) مأخوذٌ من قولهم : ( أَلِهْتُ إلى فلان ) ؛ إذا فزعتُ إليه (٣) ورُوِيَ مثلُ هذا القول عن ابن عباس ، وقال : ( إن الخلقَ يأْلَهُونَ إليه في حاجاتهم ) (٤) وفي هذا المعنى قال الشاعر(٥): [من الطويل] أَلِهْتُ إليكُم في بلايا تنوبُني فألفيتُكم فيها كراماً مُمَجَّدا وقال آخرون : إن ذلك مأخوذ من قولهم : لاهَ يلوهُ لوهاً ، ولُيُوهاً ، (١) رواه مختصراً الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٢٢٢/٦-٢٢٣) عن المنذري عن أبي الهيثم . (٢) انظر ((اشتقاق أسماء الله)) (ص٢٣). حكى الإمام الثعلبي هذا القول فى ((الكشف والبيان)) (١/ ٩٧) ونسبه إلى المبرِّد. (٣) (٤) وإليه ذهب الإمام المحاسبي. انظر ((الكشف والبيان)) (٩٨/١)، وانظر (٥٠٢/١ - ٥٠٣) فيما سيأتي عن تفسير ( آلهتك ) بـ ( عبادتك) . (٥) حكاه الأستاذ القشيري في (( شرح أسماء الله الحسنى)) ( ص٥٧) دون نسبة ، وفيه : ( كلّ كريماً) بدل ( فيها كراماً)، وقال عقبه: ( وهذا القول ذهب إليه الحارث بن أسد المحاسبي في جماعة من أهل العلم والمفسرين )، وأورده الإمام ابن العربي المالكي في (( الأمد الأقصى)) (٢٤٤/١)، وفيه: (ولهت ) بدل ( ألهت ) . CONM ٢ 1 00000 700000 ٠ ٥٠ AT.PCY ولِياهاً، ولَيْهاناً؛ إذا احتجب(١)؛ قال الشاعر(٢): [من الخفيف] لاهَ ربِّي عنِ الخلائقِ طرّاً فهو اللهُ لا يُرى ويَرى هو وقال آخرون : إن ذلك مأخوذٌ من قولهم : ( تألَّهتُ ) ؛ إذا تضرعتُ ؛ ومن ذلك قول رؤبةَ بن العجَّاج (٣): [من مشطور الرجز] للهِ دَرُّ الغانياتِ المُذَّهِ سَبَّحْنَ واسترجعْنَ مِنْ تألُّهِي O فـ ( الإللهُ) على هذا القول : هو الذي يُتُضرَّعُ إليه(٤) وقال آخرون : إنه مأخوذٌ من قولهم : ( ألِهْتُ بالمكان ) ؛ إذا أقمتُ به ، و( الله ) سبحانه فِعالٌ منه ؛ ومعناه : الذي لا يتغيَّرُ عن صفته ، كما أن 00000 المقيمَ بالمكان لا يزولُ عنه ؛ ومنه قال الشاعر(٥): [من الطويل] أُلِهِنا بدارِ ما تَبِينُ رُسومُها كأنَّ بقاياها وشامٌ على اليدِ 0001 (١) حكاه الراغب الأصفهاني في ((مفرداته)) ( أ ل هـ)، وانظر (( اشتقاق أسماء الله)) (ص٢٧)، وقال الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (٩٨/١): (والله تعالى هو الظاهر بالربوبية بالدلائل والأعلام ، وهو المحتجب من جهة الكيفية والأوهام ) . (٢) أورد البيت الإمام الماتريدي في ((تأويلات أهل السنة)) (٦٤٦/١٠) بلفظ: لاه ربي عن الخلائق طرّاً خالق الخلق لا يرى ويرانا O وانظر ردَّ ذلك في « شرح أسماء الله الحسنى)) للقشيري ( ص٦١). (٣) الرجز لرؤية بن العجاج في ((ديوانه)) ( ص ١٦٥)، وانظر (( الكامل في اللغة والأدب)) (١٠٨/٣)، والمُدَّهُ: جمع: مادِهٍ؛ كمادحٍ وزناً ومعنىّ، فهو يُثني على موادحه المسبحات من تنسُكه وتعتُّده (٤) انظر ردّ هذا القول عند الأستاذ القشيري في (( شرح أسماء الله الحسنى)) ( ص٦٤). (٥) انظر ((شرح أسماء الله الحسنى)) للقشيري (ص٦٢)، و((الكشف والبيان)) (٩٨/١ ) . .0000 00000 0 . وقال آخرون : الأصل في ( إلاه) : وِلاه ، كما قيل في وسادة ووٍشاح ووٍكاف : إسادةٌ وإشاح وإكاف ، وإذا كان الأصل فيه ولاهاً فهو من ( الوَلَه )، ومعناه : أن العباد يألهون عند ذكر الإلله ؛ أي : يطربون ، ومنه قول الكميت(١): [من الخفيف] وَلِهَتْ نفسيَ الطَّرُوبُ إليكم وَلَهاً حالَ دونَ طَعْمِ الطعامِ وقال سيبويه: (الأصلُ في قولنا: ((الله)) .. ((إلاه))، فلمَّا حُذفِت همزتُهُ زِيد في أوَّلهِ الألفُ واللام عوضاً لازماً، فقيل: (( الله)))(٢) وقال المبرِّد: ( الأصلُ في ((لاه)): ((لَوَةٌ )) على وزن ((دَوَرٍ))، فقلبوا الواو فيه ألفاً فصار ((لاه)) على وزن ((دار))، ثم أدخلوا عليه لامَ التعريف فقالوا: ((الله )) ) . وقال آخرون : أصله : ( هو ) الذي هو للإشارة إلى المُكنَّى ، فأدخلوا عليه لامَ المُلك فصار (لَهُ )، ثم مدُّوا الصوتَ وأشبعوا فتحةَ اللام فصار ( لاهو ) ، وخرج عن معنى الإضافةِ إلى معنى الاسم المفردِ ، فأدخلوا عليه لامَ التعريف فقالوا : ( الله ) . وأكثرُ هؤلاء الذين حكينا قولَهم في اشتقاق هذا الاسم يزعمون أن معنى ( الإلهِ): هو المعبودُ، و( التألُّهِ): التعبّد، ويستدلُّون عليه: بأن العربَ سمَّتِ الشمسَ ( إلهةً) لمَّا عبدها قومٌ، حتى قال شاعرُهم فيها(٣): [من الوافر] (١) أورده الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٢٢٢/٦) وفيه: (إليهم ) بدل ( إليكم) . (٢) انظر ((الكتاب)) (١٩٥/٢). (٣) البيت لأم البنين بنت عتيبة بن الحارث اليربوعي انظر (( بلاغات النساء)= حد 0000000 00 ترؤَّحنا مِنَ اللعباءِ قصراً وأعجَلْنا الإلهةَ أنْ تؤوبا وقالوا في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ؛ أي: وعبادَكَ(١)، وفي حديث وهيب(٣): ( إذا وقع العبدُ في أُلْهانيّةِ الربُّ لم يجدْ أحداً يأخذُ بقلبِهِ)؛ أي: في عبادته؛ قال القتبييُّ: ( هي ((فُعلانيَّةُ)) من (الإلله))؛ يقال: إللهُ بيِّنُ الإلهيّةِ والأُلهانيّةِ)(٣). [ اختيارُ المصنفِ في مسألةِ الاشتقاقِ ] والصحيحُ عندنا : قولُ من قال : ( إنه اسمٌ خاصٌ غيرُ مشتقٌّ ) ؛ لقيام الدَّلالة على أن الله عزَّ وجلَّ لم يزل إلهاً قبلَ وَلَهِ الخلقِ إليه وقبلَ عبادتِهم ، ولا يجوزُ اشتقاقُ الاسم من معنىٌّ يكون الاسمُ سابقاً له ؛ ألا ترى أنه لمّا كان في الأزل عالماً قادراً حيّاً .. لم تكن هذه الأسماءُ مشتقَّةً من معانٍ حادثةٍ لم تكن موجودةً في الأزل ؟!(٤) 00000 (ص١٨٩)، و((تفسير الطبري)) (٤٠/١٣)، وصدره مثبت من (ب، ج)، واللعباء : موضع كثير الحجارة بحزم بني عوال ، وقوله: ( قصراً) يُروى: ( عصراً ) و( قسراً) ، ولكلِّ توجيه . (١) وهو قول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما. انظر ((تفسير ابن أبي حاتم)) ( ٨٨٢٠)، وينظر كلام الإمام الأنباري في (( التفسير البسيط)) (٢٩١/٩). (٢) يعني: وهيب بن الورد المكي، المتوفى سنة ( ١٥٣هـ). انظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٩٩/٧ ) . (٣) أورد الحديث ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (٧٢٨/٣): (إِذا وقع العبد في أُلهانيَّةٍ الربّ، ومُهَيْمِنِيَّةِ الصدِّيقين، ورهبانيّة الأبرار .. لم يجد أحداً يأخذ بقلبه ، ولا تلحقه 0 عینه ) ، ثم حکی القول المذکور هنا (٤) فيلزم من ذلك منع اشتقاق جميع أسمائه سبحانه وتعالى ؛ لأنها عند أهل السنة قديمة= 21.00000 0 . 00000 [ الكلامُ على كلمةِ (اللهمَّ ) ] وأما قولُهم : ( اللهُمَّ ) في الدعاء والنداء ، فقد اختلفوا في هذه الميم الزائدةِ في آخره(١) : فقال الفرّاءُ وثعلبٌ(٢): معناه: يا ألله؛ آمنًا بمغفرتك ورحمتك، فتركَتِ العربُ حرفَ النداء من أوَّله ؛ لدلالة الميم في آخره على النداء ، وليس الميمُ بدلاً من النداء(٣)؛ لأنه قد يُجمَعُ بينهما فيقال: يا اللهمَّ، كما جمعَ بعضُهم بينهما فقال : [من مشطور الرجز] وما عليكِ أنْ تقولِي كلَّما سابقة لجميع المعاني الحادثة ، على أن للمجيزين مسلكاً لا يعاندون فيه . = po وقد بيَّن الإمام العلامة ابن دهاق في ((نكت الإرشاد)) (١/ ق٤) كلا المذهبين فقال : ( مسلكُ من منع الاشتقاق فيها : أن قال : الاسم المشتق يتقدَّمه أصله الذي اشتُقَّ هو منه ، قالوا : وأسماء الله تعالى قديمة ، والقديم لا يتقدَّم عليه شيء ؛ إذ لا أول له ، فلا اشتقاق لأسمائه ؛ لقدمها . ومسلك من أجاز الاشتقاق في أسمائه : أن قال : إنما يكون الاشتقاق في العبارات واللغات ، وهي حادثة ، ولا امتناع في اشتقاق اسم حادث يتقدّمه أصلٌ يُشْتَقُّ هو منه ، والمعاني التي هي مفهومة من التسميات هي أسماؤهُ دون العبارات ) . (١) قال كمال الدين الأنباري في ((الإنصاف في مسائل الخلاف)) (٢٧٩/١): (ذهب الكوفيون: إلى أن الميمَ المشدَّدة في ((اللهم)) ليست عوضاً من (( يا )) التي للتنبيه في النداء، وذهب البصريون: إلى أنها عوض من (( يا)» التي للتنبيه في النداء ، والهاءُ مبنية على الضم ؛ لأنه نداء ) . (٢) إماما الكوفيين في عصرهما . (٣) يعني : حرفه ( يا) . 00000 0 . 8700000 O سبَّحتِ أو هلَّتِ يا اللهمَّ ما أُرْدُدْ علينا شيخَنا مُسلَّما(١) وقال الخليلُ وسيبويهِ وأكثرُ البصريين(٢): إن الميمَ ها هنا بدلٌ من ياء النداء في أوَّله(٣) ، كأنهم كرهوا أن يجعلوا نداءَ الخالق مثلَ نداء المخلوق ، فزادوا في آخره ميماً مُشدَّدة تقوم مقامَ حرف النداء في أوَّله . وقال النضرُ بن شميل(٤) : هذه الميمُ دَلالةٌ على جميع أسماء الله عزَّ وجلَّ ؛ كأنك تقول : يا ألله ؛ أدعوك بجميع أسمائك(٥) وحُكِيَ مثلُ هذا القول عن رجاء بن حَيْوةً وأبي رجاء العُطارديِّ(٦) وقال الحسن البصري: ( ((اللهمَّ)): مجمعُ الدعاء )(٧) (١) انظر ((معاني القرآن)) للفراء (ص٢٠٣)، و(تهذيب اللغة)) (٢٢٤/٦ _٢٢٥)، ورسمت كلمتا ( اللهمَّ ما) في ( ب): (اللهمَّما) بالوصل، وفي (أ): ( اللهمَّا)، وفي (ج) : ( اللهم ) . (٢) الخليل وسيبويه إماما البصريين ، بل إماما النحو العربي . (٣) انظر ((الكتاب)) (٢٥/١) و(١٩٦/٢)، قال الزجَّاج في ((معاني القرآن)» (ص٣٩٤): (وقال الخليلُ وسيبويه وجميعُ النحويين الموثوقِ بعلمهم: إن (( اللهم)) بمعنى ((يا ألله))، وإن الميمَ المشدَّدة عوضٌ من (( يا)») . (٤) تلميذ الخليل الفراهيدي ، وشيخ أبي عبيد القاسم بن سلام . (٥) حكاه ابن عطية في ((المحرر الوجيز)) (٤١٧/١). (٦) نقل أبو حيان في ((البحر المحيط)) (٤٣٦/٢) عن أبي رجاء العطاردي أنه قال : ( هذه الميم تجمع سبعين اسماً من أسمائه ) . (٧) نقله ابن عطية في ((المحرر الوجيز)) (٤١٧/١)، ونقل جميع هذه الأقوال الإمام الصفار في ((تلخيص الأدلة)) ( ص٣٨٥) وزاد: ( وقال أبو رجاء العطاريُّ: اسم (((اللهم )» جماعةُ سبعين اسماً من أسماء الله ) . Coo [ الوجهُ الثاني : في بيانٍ معنييهما والمراد بذكرهما ] وأما الكلامُ في معنى ( الإلله ) من جهة علم الكلام .. فإن المتكلِّمينَ اختلفوا : فقال قومٌ من القدريَّة: ( معنى (( الإلله)): المستوجِبُ للعبادة)، واستدلُّوا : بأن العرب سمَّتِ الأصنامَ آلهةً لاعتقادها وجوبَ العبادة لها ، [من الوافر] وسمَّت الشمسَ إلهةً لأجل أن قوماً عبدوها ، وقالوا فيها(١): وأعجَلْنا الإلهةَ أنْ تؤوبا وهذا قولُ الجبائيِّ منهم (٢) وقال آخرون: ( ((الإلهُ)) مأخوذٌ من: ((وَلَهِ العبادِ إليه)))(٣)، وبه قال الكعبيُّ والقلانسيُّ من أصحابنا . وقال آخرون من القدريَّة: ( معنى (( الإلله)): هو القديمُ)، ولهذا قالوا : ( من أثبت مع الله قديماً أثبت معه آلهةً ) ؛ وهي : صفاتُ الله الأزليَّةُ ؛ لدعواهم : أن الاشتراكَ في صفةِ القدم يوجب الاشتراكَ في الإلهيّة، واستدلَّوا على ذلك بقول العامَّةِ (٤): لا قديمَ إلا الله ، كما قالوا : (١) تقدم قريباً (٥٠٢/١) . وقول ابنه أبي هاشم أيضاً. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٢٩)، و(( المغني في (٢) أبواب التوحيد والعدل)) (٢١٠/٥). تقدم معنى الوله (٥٠٢/١ ) . (٣) في العبارة تسفيهٌ لرأيهم ؛ إذ الأصلُ أن يستدلَّ العامةُ ويستهدوا بأقوال العلماء ، لا أن (٤) يستدلَّ العلماءُ بأقوال العامة، وهذا أيضاً دأبُ المبتدعة من المشبهة؛ إذ يستدلُّون على= 00000 ٦ ٠ ٥ GON لا إلهَ إلا الله، وهذا اختيارُ الصالحيِّ وعَبَّدٍ بن سليمانَ الصيمريِّ(١) وقال الحسينُ النجَّار: ( معنى ((الإلله)): الخالقُ، ولا خالقَ إلا الله، كما أنه : لا إلهَ إلا اللهُ) . وقال قومٌ: ( معنى ((الإلله)): النورُ على الإطلاق)، واستدلُّوا بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]. وقال شيخُنا أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ( ((الإللهُ)): مَن له الإلهيَّةُ؛ ومعنى الإلهيّة: القدرةُ على اختراع الأعيان)(٢)، وبه نقولُ(٣) قولهم بإثبات الجهة باعتقادات العامة وإشاراتهم ! (١) وعزاه إمام الحرمين في ((الشامل في أصول الدين)) (ص٢٥٢) إلى أبي علي الجبائي ، وقال في معرض الاستدلال عليه : ( إذا زعمت أن أخصَّ أوصاف الإلله قدمُهُ ، فقل : إن حقيقةَ الإلله أنه قديمٌ ، وحقيقةَ الإلهيّة القدم؟! فركب ما أُلِزِمَ وقال : حقيقةُ الإلهيّة القدم ، وهذا مذهبٌ لم يُسبق إليه)، وكلام المصنف يدلُّ على أن الصالحي والصيمري سبقاه إلى هذا القول . (٢) قال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لَّهِ شُرَّكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَبَهَ اَلْحَقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ الْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦]، وحكى الإمام الأشعريُّ في كتابه ((التفسير)) خلافَ قدماء الأصحاب في معنى ( الإلله ) ؛ فمنهم من قال : إن معناه : الغالب الذي ليس بمغلوب ، والقاهر الذي ليس بمقهور ، ومنهم من قال : معنى وصفنا له بأنه إلله : أنه قويٌّ ، قال الأستاذ ابن فورك بعد نقله ذلك عنه في (( مجرد مقالات الأشعري)» ( ص٤٧): ( واختار من ذلك: أن معنى وصفنا له بأنه (( إلله)) أن له الإلهية، وفسر الإلهية بأنها هي قدرته على اختراع الجواهر والأعراض، وذكر أن ذلك أسدُّ الأقاويل المقولة في معنى ((الإلله)))، وهو أيضاً نظرٌ في أخصِّ الأوصاف . (٣) وقال المصنف في ((أصول الدين)) (ص١٢٣): (واختلف أصحابنا في معنى الإلله: فمنهم من قال : إنه مشتقٌّ من الإلهيّة ؛ وهي قدرتُهُ على اختراع الأعيان ، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري ، وعلى هذا القول : يكون الإلله مشتقّاً من صفة ، وقال القدماء من أصحابنا : إنه يستحقُّ هذا الوصفَ لذاته، وهو اختيارُ الخليلِ بن أحمدٌ والمبرِّدِ، = O OOOOD 0 . VODOOO 2. boo [ الردُّ على الجبائيِّ والكعبيِّ والقلانسيِّ في تفسيرِهم معنى (الإلهِ )] ومن زعم: أن ( الإلهَ) هو مستوجِبُ العبادةِ (١) .. يلزمُهُ: ألا يكونَ الله عزَّ وجلَّ إلهاً في الأزل ؛ لعدم العابدينَ في الأزل، ويلزمُهُ أيضاً : ألا يكون إلهاً للجمادات والأعراض ؛ لأنه لا يستوجبُ العبادةَ عليها ، ولا تصحُّ منها العبادةُ . ٢٨٠ وإذا اجتمعت الأمَّةُ : على أن الله عزَّ وجلَّ لم يزل إلهاً ، وعلى أنه إلهُ الجماداتِ والأعراضِ التي لا يصحُّ منها العبادةُ .. بطلَ أن يكونَ معنى ( الإلهِ ) المستوجِبَ للعبادة . وتسميةُ العرب الشمسَ : إلهةٌ(٢)، والأصنامَ: آلهةً .. لم تكن من = 000 وبه نقول ) يعني : أن الفريقين متَّفقان على أن الإلهية ترجع إلى القدرة على اختراع الجواهر وأعراضها ، لكن اختلفا في هذا الوصف : أيرجع إلى صفات المعاني ، أم إلى صفة النفس ؟ واختيار المصنف الثاني ، وعبارة الحافظ البيهقي في ((الاعتقاد)) (ص١٠١): ( الله : من له الإلهية ؛ وهي القدرة على اختراع الأعيان ، وهذه صفةٌ يستحقُّها بذاته ) . وقد رجح الإمام ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (٢٤٩/١) قولَ قدماء C الأصحاب ؛ حيث قال : ( ومنهم من قال : إنه اسم مختصٌ بالبارئ يجري في الاختصاص مجرى الأسماء الأعلام في غيره ، وأنا إلى هذا القول أميل ؛ لأنه أسلم من الاعتراض ) . (١) وهو قول أبي علي وأبي هاشم الجبَّائيَّين كما تقدم (٥٠٦/١)، والقائلين بالتفريق بين توحيد الألوهية والربوبية ، وسيأتي (٥١٧/١) أن استحقاق العبادة له تعالى على المكلفين هو حكم من أحكام الألوهية . (٢) في البيت المتقدم (٥٠٣/١) . ٥ ٠٨ أجل عبادةِ مَنْ عبدَها ؛ لأجل أن قوماً عبدوا الشِّعْرَى، ومع ذلك لم يسمُّوها ( إلاهة) (١) وبمثل هذه الدَّلالةِ يفسد قولُ من زعم: ( أن «الإلله )) مأخوذٌ من وَلَهِ العبادِ وفزعِهم إليه)(٢)؛ لأنه كان في الأزل إلهاً قبلَ وَلَهِ العباد إليه، ولأنه إلهٌ للجمادات والأعراض ، ولا يصحُ الوَلَهُ منها . OoOO [الردُّ على الصالحيِّ والصيمريِّ في تفسيرِهما معنى ( الإلهِ )] وأما قولُ من قال: ( إن معنى ((الإلله)): هو القديم) .. فخطؤه في اللغة ظاهرٌ ؛ لأن القديمَ في اللغة: هو المتقدِّمُ في الوجود ، ولذلك قالوا : بناءٌ قديمٌ، وشيخٌ قديمٌ، وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿حَّى عَادَ كَأَلْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، وأخبر عن المشركين قولَهم: ﴿هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]، وليس معنى شيءٍ من ذلك معنى ( الإلله ) . 00 والاشتراكُ في صفة القِدَم لا يوجبُ التماثلَ ، كما أن الاشتراكَ في صفة الحدوث لا يوجب التماثلَ ، ولو وجب إذا كان لله عزَّ وجلَّ صفةٌ قديمةٌ أن تكونَ إلهاً مثله .. وجب إذا كان الإنسانُ صفتُهُ محدثةٌ أن يكون إنسانَيْنِ ؛ لأنهما محدثانِ ! وإن كان الاشتراكُ في الحدوث لا يوجبُ تماثلاً .. فكذلك الاشتراكُ في القِدَمِ لا يوجب التماثلَ . (١) الشِّعرى: كوكبٌ نيٌّ يقال له: المِرْزَم، وعبدَ الشعرى العَبُورَ طائفةٌ من العرب في الجاهلية ، ويقال : إنها عبرت السماء عرضاً ، ولم يعبرها عرضاً غيرُها ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنَّمُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩]. انظر (( تاج العروس)) (شعر). (٢) وهو قول أبي القاسم الكعبيِّ من المعتزلة، والإمام القلانسيِّ. 00000 0 . 950000 RXCLON فأما قولُ العامَّةِ : ( لا قديمَ إلا الله )، كما قالوا : ( لا إله إلا الله ) .. فقد قالت العامَّةُ أيضاً : ( لا خالقَ إلا الله )، فيلزمُ هذه الطائفةً: أن يكونَ معنى ( الإلله) و(الخالق) واحداً، كما ذهب إليه النجَّار(١) فإن قالوا بذلك .. لزمَهم : أن يكونَ العبادُ آلهةً؛ لدعواهم : أن العبادَ خالقون لأعمالهم ، وإن أبَوا ذلك .. نقضوا استدلالَهم . [ الردُّ على مَنْ زعمَ أَنَّ معنى ( الإللهِ ) النورُ ] وأما استدلالُ من قال: (إن معنى (( الإلله)): النورُ؛ لقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾) .. فيلزمُهُ عليه: أن يكونَ معنى ( الإلله): هو الرحمانَ الرحيمَ ، أو الملكَ القدُّوسَ ، أو الخالقَ الرازقَ ، أو البارئَ المصوِّرَ ؛ لأنه قد وصفَ نفسَهُ بهذه الأوصافِ كلُّها ! على أن هذا القائلَ إن أراد بـ ( النور) : معنى الضياءِ والشعاع .. فذلك مستحيلٌ في وصف الله عزَّ وجلَّ ، وإن أراد به : معنى المنوِّرِ .. فقد كان في الأزل إلهاً قبلَ أنْ خلقَ النورَ في السماوات والأرض وغيرهما . [ الردُّ على النجَّارِ في تفسيرِهِ معنى (الإللهِ )] وكذلك قول النجَّار: ( إن « الإللهَ)): هو الخالقُ) .. يلزمُهُ عليه: ألا يكونَ في الأزل إلهاً ، كما لم يكن في الأزل خالقاً . وإِذا بطلَتْ هذه الأقوالُ التي ذكرناها من أقوال مخالفينا في معنى (١) في قوله: إن (الإلله) بمعنى ( الخالق)، وسيأتي ردُّ المصنف عليه قريباً. 0 DO 000 ( الإله) .. ثبتَ أن معناه : القادرُ على اختراع الأعيان، وقدرتَهُ شاملةٌ عندنا لاختراع الأجسام والأعراض ، كما أنه إله لهما ، وكان في الأزل قادراً على الاختراع ، كما كان في الأزل إلهاً ، فصحَّ هذا القولُ ، ولم ينتقضْ بما انتقض به ما أفسدناه ، وبالله التوفيق(١). [ الوجهُ الثالثُ : بيانُ الصفاتِ التي يختصُّ بها الإللهُ ويستحيلُ أنْ يتَصفَ بها غيرُهُ ] وأما الكلامُ في بيان ما يختصُّ به الإللهُ من الصفات المستحيلة بغيره : فإن أصحابَنا قالوا : إن الإللهَ مختصٌّ بصفاتٍ : ٨ [ القدرةُ المتعلّقةُ بالإيجادِ والإعدام ] 00000 منها : القدرةُ على الاختراع ، مع شمولها لجميع المقدوراتِ ، خلافَ قولِ القدريّة الذين يزعمون : أن الله عزَّ وجلَّ ليست له قدرةٌ ، وزعموا : أن غيرَهُ يكون قادراً على اختراع الأعيانِ ، كما أنه قادرٌ على اختراع الأعيان(٢)، وزعموا : أن بعضَ المقدورات خارجةٌ عن كون البارئِ عزَّ وجلَّ قادراً عليها(٣) ، وجمهورُ المعتزلة اليومَ على هذا القول(٤)، وإن كان (١) واختار الإمام السنوسي من المتأخرين في ((شرح العقيدة الصغرى)) (ص ٢٧٧) أن معنى الإلله : هو المستغني عن كل ما سواه ، والمفتقرُ إليه كلُّ ما عداه . (٢) بناء على قولهم بأن أفعال العباد مخلوقةٌ لهم . (٣) كأفعال العباد من الحيوانات والملائكة والجن والإنس والشياطين ، بدعوى تصحيح التكليف . انظر (( الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٢١٢)، وكذا كلُّ فعلٍ ينافي الصلاح والأصلح ، أو ينعت بالقبح العقلي ، وهما قولان نشأا عن أصلين فاسدين قالوا بهما . (٤) قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين» (ص٥٤٩): ( قال إبراهيم وأبو الهذيل = 00000 0 1 100000 AVODAY. في متقدِّميهم من يسلُّمُ لنا قولَنَا : إن الله عزَّ وجلَّ قادرٌ على مقدورات عبادِهِ ، كما ذهب إليه العلَّافُ والشخَّامُ مع أصحابنا(١) [ العلمُ الشاملُ المنزَّهُ عنِ الضرورةِ والاستدلالِ ] م ومنها : العلمُ الشاملُ المحيط بجميع المعلومات على التفصيل ، من غير ضرورةٍ ولا استدلالٍ (٢) خلافاً لقول من نفى علمه ؛ كالمعتزلة والنجاريّة(٣) وخلافاً لقول من زعم أن علمَهُ محدثٌ من الجهميّة (٤) وخلافاً لمن زعمَ أنه لا يعلم الشيءَ حتى يكونَ من أصحاب البداء(٥) 000000 وسائر المعتزلة والقدرية إلا الشخّام : لا يوصف البارئ بالقدرة على شيء يقدر عليه = عباده ، ومحالٌ أن يكون مقدورٌ واحدٌ لقادرين ) (١) وهو مذهب أبي علي الجبائي وطائفة من المعتزلة. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٩٩ -٢٠٠)، واختاره القاضي عبد الجبار في ((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٥٦)، أما العلاف فأثبت قدرته له تعالى ، غير أنه أرجعها إلى أنها عين ذاته سبحانه، قال العلامة الشهرستاني في ((الملل والنحل)) (١/ ٦٤): (والفرق بين قول القائل : عالم بذاته لا بعلمٍ ، وبين قول القائل : عالم بعلم هو ذاته .. أن الأول نفْيُّ الصفة ، والثاني إثباتُ ذاتٍ هو بعينه صفة ، أو إثبات صفة هو بعينها ذاتٌ ) ، فقول العلاف قريب من قول أبي هاشم في إثباته الأحوال ، وقال الشحام بقول شيخه العلاف . (٢) إذ الضرورةُ تدلُّ على القهر ، والاستدلالُ يدلُّ على سبق الجهل . (٤) هو مذهب شيخهم الجهم بن صفوان . انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٢٢). (٣) انظر (١/ ٢٢٧ ) (٥) وبه قال الشيطانية والهشامية الحكمية ؛ أصحاب شيطان الطاق ، وهشام بن الحكم ، وعامة الغالية. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٧، ٤٩١). ٥١٢ ٠٠٠٥ CHON ٢٠١ [ السمعُ والبصرُ المحيطانِ بجميع المسموعاتِ والمبصراتِ ] ومنها : السمعُ المحيطُ بجميع المسموعات ، والبصرُ المحيطُ بجميع المبصَرات . خلافاً لقول من زعم: أن الإدراكَ ليس بمعنىَ (١) ، كما ذهبَ إليه أبو هاشم مع نفاةِ الأعراض(٢) وخلافاً للكراميَّة الذين زعموا : أن الله عزَّ وجلَّ يحدِثُ في ذاته بكلِ مسموع ومبصَرٍ يراه ويسمعه .. رؤيةً جديدةً وسمعاً جديداً حادثاً(٣) OOOOO 000 [ الإرادةُ المطلقةُ المتعلّقةُ بكلِّ ممكنٍ ] ومنها : الإرادةُ المحيطةُ بجملة المرادات ؛ فما علمَ منها وجودّهُ أراد وجودَهُ، وما علمَ أنه لا يُوجدُ كرهَ وجودَهُ(٤) 00 (١) بل يرجع إلى صفة العلم، والعلمُ يرجع عند القائلين بالأحوال إلى العالمية ، وهي ترجع إلى الذات ، فانتفت بذلك كلُّ صفات المعاني ، والتي ظنَّ المعتزلة أنها إن ثبتت لزم تعدُّد القدماء ، فنفوها معتقدين التنزيه . (٢) انظر (٢٢٥/١ - ٢٢٧). O (٣) تقدم الردُّ عليهم (٤٣٥/١). قوله : ( كرهَ وجوده) هو من قوله تعالى: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اَللَّهُ أَنْبِعَانَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ (٤) أَقْعُدُواْ مَعَ اَلْقَعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]، فكأن المصنف لاحظ معنى أنه لا مكره له تعالى على فعلٍ ، فمعنى قوله : ( كرة وجوده) لم يردْهُ، أما إن حُمِلَ على معنى عدم الرضا والمحبة .. فإنه تعالى تتعلَّق إرادته بإيجاد هذا المكروه ؛ كالكفر والفسوق والعصيان ، مع أنه تعالى لا يرضى عنها، وكرهَها لنا. انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص ٧١ ) . ٥١٣٤٥ وذلك خلافُ قول من قال من القدريَّةِ: إن إرادةَ الله عزَّ وجلَّ لفعل نفسه هي فعلُهُ، وإرادتَهُ لفعل غيرِهِ هي أمرُهُ به(١) ، من غير أن يكونَ له إرادةٌ أو مشيئةٌ على الحقيقة ، كما ذهبَ إليه البغداديون من القدرية(٢) وخلافُ قول البصريِّين من المعتزلة(٣): الذين زعموا: أن الله عزَّ وجلَّ قد يريدُ كونَ الشيء فلا يكونُ ، وقد يكرهُ كونَ الشيء فيكونُ ، مع قولهم وقول الكراميَّةِ معهم : إن إرادتِهِ حادثةٌ بعدد مراداتِهِ (٤)، وإن اختلفَ الفريقان في محلِّ إرادته ؛ فزعمت الكراميّةُ : أنها حادثةٌ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ(٥) ، وزعم البصريُّون من المعتزلة: أن الله عزَّ وجلَّ يُحدِثُ إرادتَهُ لا في محلٌّ (٦) (١) فجعلوا الأمرَ إرادةً، وهو افتراءٌ على اللغة والشرع معاً، وانظر قول قاضيهم في (شرح الأصول الخمسة)) (ص٤٣٤، ٤٣٦). 00000 (٢) وإلى ذلك ذهب النظام والكعبي. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٨٩ - ١٩٠)، و(( شرح الأصول الخمسة)) (ص٤٣٤)، والمدرسة البغدادية : نسبة إلى مدينة السلام بغداد ، مركز المعتزلة الثاني ؛ تأسست على يد بشر بن المعتمر (ت٢١٠هـ)، ومن أشهر أعلامها : ثمامة بن أشرس ( ٢٣٤ هـ)، وابن أبي دؤاد (ت٢٤٠ هـ)، وأبو القاسم البلخي الكعبي ( ت٣١٧ أو ٣١٩هـ) . (٣) نسبة إلى مدينة البصرة حاضنة المعتزلة الأولى ومحل نشأتهم ؛ وإليها ينتسب أشهر أعلام المعتزلة ؛ كواصل بن عطاء (ت١٣١هـ)، وإبراهيم النظّام (ت٢٣١ هـ) ، وأبي الهذيل العلَّاف (ت٢٣٥ هـ)، وأبي يعقوب الشخّام (ت٢٤٩هـ)، وأبي عثمان الجاحظ (ت٢٥٥هـ)، وأبي علي الجبائي (ت٣٠٣هـ)، وأبي هاشم الجبائي (ت٣٢١هـ)، وقاضي المعتزلة عبد الجبار الهمذاني (ت٤١٥ هـ). (٤) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٤٤٠). (٥) وقد تقدم الرد عليهم (٤٣٥/١). (٦) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٤٤٠). CON bo 3 [ البقاءُ الذاتيُّ ] ومنها : البقاءُ الواجبُ وجودُهُ ، مع استحالة العدم عليه . [ الحياةُ من غيرِ سببٍ أو علَّةٍ ] ومنها : الحياةُ الواجبةُ له ، من غير رُوح ولا رطوبةٍ ولا حرارةٍ ولا تركيبٍ ، خلافَ قول من زعم: أن الروحَ والحياةَ واحدٌ(١) ، وخلافَ قول من زعم : أن الحياةَ لا توجد في شيءٍ واحدٍ ، وإنما توجدُ في جسم مركَّبٍ من أجزاءٍ قد اختلفوا في عددها ، فما ذهب إليه جمهورُ القدريَّة في عدد أجزاء الجسم الذي يصُ وجودُ الحياة فيه .. خلافٌ بينهم : فمنهم : من اعتبر أربعةَ أجزاء ، ومنهم : من اعتبر ستةً أجزاء(٢)، ومنهم : من اعتبر ثمانيةَ أجزاء(٣) ، ومنهم : من اعتبر اثني عشرَ جزءاً، ومنهم : من اعتبر ستةَ عشرَ جزءاً، ومنهم : من اعتبر ستةً وثلاثينَ جزءاً (٤) 00 وعلى حسَبِ اختلافهم في أقلِّ عددٍ أجزاء الجسم الواحد ، مع اتَّفَاقِهم (١) وهو قول بعض الفلاسفة وأصحاب الطبائع، وإليه ذهب النظام. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٣٣، ٣٣٥)، وانظر (٢/ ٩٤). (٢) وهو قول أبي الهذيل العلاف. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٠٢ - ٣٠٣). (٣) وهو قول معمر والجبائي. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٠٣)، وذهب ضرارٌ وحفص الفرد والحسين النجَّار إلى أن أقل قليل الجسم عشرة أجزاء. انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ٣١٧) . (٤) وهو قول هشام الفوطي. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٠٤). 1050000 1 000000 على أن الحياةَ لا توجد إلا في جسم فيه بُنْيةٌ مخصوصةٌ ، وفيه رطوبةٌ وحرارةٌ ، وصفاتٌ سواها على وجه مخصوص (١) وخلافَ قول جمهورِ القدريّة والنجَّاريَّةَ : في أن الله عزَّ وجلَّ حِيٌّ بلا حياة(٢) وخلافَ قول من زعم من النصارى والكراميَّة : أن الحياةَ نوعٌ من القدرة(٣) [ الكلامُ الذي ليسَ بحرفٍ ولا صوتٍ ] ومنها : الكلامُ الذي ليس بصوتٍ ولا حروفٍ ، ولا هو في آلةٍ ، ولا هو متولِّدٌ عن سبب من الأسباب . oo 000000000000 خلافَ قول من قال من القدريّة : إن كلامَهُ عرضٌ وصوتٌ حادثٌ في جسم من الأجسام(٤) ، كما ذهبَ إليه أكثرُ القدريَّة (٥) وخلافَ قول أبي الهذيل : إن بعضَ كلامه حادثٌ لا في محلٌّ ؛ وهو قولُهُ: ﴿كُنْ﴾، وباقيَهُ حادثٌ في الأجسام(٦) (١) واشتراطُ هذا الأصل أصلٌ عند نفاة عذاب القبر ونعيمه من الخوارج وبعض المعتزلة (٢) انظر (٣٧٩/١)، وفسّروا الحياة بالقدرة، والحي بالقادر. (٣) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص٩٨)، و((الشامل في أصول الدين)) (ص ٥٧٧)، و(( تلخيص الأدلة)) (ص٢٤٣) والقائل به من الكرامية : أبو عمرو المازني ، كما سيذكره المصنف (٢ /٩٥ ) . (٤) يرجع عندهم إلى القادرية ، ولهذا حكموا بكونه مخلوقاً . (٥) على خلاف بينهم. انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص١٩١، ٦٠٤). (٦) انظر (٤٢١/١) . 0000 وخلافَ قول الكراميّة : إن كلامَهُ إنما هو قدرتُهُ على قوله ، وقولَهُ عرضٌ حادثٌ في ذاته(١) وخلافَ قول من نفى : أن يكونَ لله كلامٌ على الحقيقة(٢) وخلافَ قول من قال : إن الله متكلُّمٌ بلا كلام، وكذلك المتكلِّمُ منَّا يكون متكلِّماً بلا كلام ، كما ذهب إليه الأصمُّ ونفاةُ الأعراض(٣) [ صفاتُهُ تعالى كلُّها أزليةٌ أبديّةٌ ] ومنها : العلمُ بأن هذه الصفات التي ذكرناها هي صفاتٌ لله عزَّ وجلَّ أزليَّةٌ، ونعوتٌ أبديّةٌ ، خلافَ قول من نفاها ، وخلافَ قول من زعم : أن بعضَها حادثٌ غيرُ أزليٍّ . 000 فهذا ما يختصُّ به القديمُ من الصفات . 0 [ ما يختصُّ بهِ الإللهُ مِنْ أحكام ] فأما ما يختصُّ به من الحُكْم : فهو استحقاقُ العبادةِ على من يكلِّفُهُ إذا كلَّفَهُ ؛ على الوجه الذي كلَّفَهُ ، وجوازُ التصرُّفِ منه في ملكه على حسب إرادتِهِ ، واستحالةُ الوصف بالقدرة على ما لو فعلَهُ كان قبيحاً منه ، مع نفاذٍ (١) انظر (١ /٤١٨)، وهو قولُ مشبهةِ زماننا ومعتقدُهم، مع اعتقادهم أنه غير مخلوق . (٢) وهو قول معمر من المعتزلة وأصحاب الطبائع. انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ٥١٧ ) . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٨٨). 0 \ V 00000 00000 مشيئته في كلِّ ما شاءَهُ؛ حتى لا يكونُ إلا ما يريدُ ، ولا يكونُ ما يكرهُ وجودّهُ(١)، من غير جوازٍ اعتراضٍ عليه في شيءٍ من أفعاله، ولا استقباح شيءٍ منها (٢) ومن أحكامه أيضاً : استحالةُ الكذبِ والعجزِ والموتِ وسائرِ النقائص عليه . وليس من شرط الإلهيّةِ عندنا وجوبُ التكليفِ عليه ، كما أوجبَهُ عليه القائلون به من القدريَّةِ والبراهمةِ(٣) وليس من شرطه : كونُ تكليفه محصوراً ببعض الوجوهِ دون بعضٍٍ ، خلافَ ما ذهب إليه البراهمةُ : في جواز التكليف بالعقل دون السمع ، وخلافَ ما ذهب إليه المدَّعون للأصلح من القدريّة الذين زعموا : أن التكليفَ من الله عزَّ وجلَّ ورَدَ على وجهٍ لو ورَدَ على خلافِهِ لكان سَفَهاً (٤) 00 Ooo Y O (١) انظر ما تقدَّم تعليقاً حول معنى الكراهة (٥١٣/١). (٢) فكما حَسُنَ منه خلق الإيمان والصحة والجنة .. حَسُنَ منه خلق الكفر والمرض والنار ، ولو قَبُحَ منه فعلٌ ما .. لكان مقهوراً إن لم يفعل إلا ما حسَّنَهُ المزاج أو العقل القاصر ، ولكان مذموماً إن هو فعله ، وكلا الوصفين غير لائق بالإلهية عقلاً ولا شرعاً . واعلمْ : أن الحسن والقبح في الحوادث مؤسسان على إثبات النفع والفائدة ، وأفعال الله تعالى لا تعلَّلُ ؛ إذ مولانا سبحانه لا يفعل لتحصيل نفع أو فائدة ، بل فعله عين الحكمة، وهي راجعة للعلم. انظر (( الاقتصاد في الاعتقاد)) ( ص ٣٠٤). (٣) لاشتراك الفريقين في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، وفارق أكثرُ البراهمة المعتزلةَ ؛ فأنكروا بعثة الرسل. انظر ((تمهيد الأوائل)) ( ص١٤٤) وما بعدها . (٤) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٣٤)، قال إمام الحرمين في (( الإرشاد)) (ص٢٨٧): (اختلفت مذاهبُ البغداديين والبصريين من المعتزلة في عقود هذا الباب ، واضطربت آراؤهم ؛ فالذي استقرت عليه مذاهب قادة البغداديين : أنه يجب= ـر 100000 0 A0000 وقد أجمعت القدريَّة : على وصفه بالقدرة على كذب يصيرُ به كاذباً(١) ، وعلى فعلٍ ما لو فعلَهُ لكان ظالماً به(٢) ومن أوصاف الإلكِ في النفي : إحالةُ ما يؤدِّي إلى نقصٍ ؛ من حركةٍ ، أو سكونٍ ، أو سهوٍ ، أو جهلٍ ، أو موتٍ ، أو عجزٍ، أو كذبٍ ، أو مماسَّةٍ ، أو غيرِ ذلك من الأعراض الدَّالةِ على حدوث ما قامت به من الأجسام ، تعالى الله عزَّ وجلَّ عنها علوّاً كبيراً . على الله - تعالى عن قولهم - فعلُ الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم )، ثم قال: ( وأما البصريون : فقد أنكروا معظمَ ذلك ، مع موافقتهم إخوانهم في الضلال على إثبات واجبات على الله تعالى وتقدَّس عن قولهم) ، ثم بين غلط أصحاب المقالات في نسبة القول بالأصلح في الدين مطلقاً إلى البصريين من المعتزلة . (١) ومنشأ هذه الشبهة عندهم: إنكارُهم صفةَ الكلام النفسي الأزلية، وتوقُّمُهم رجوع الكلام إلى القادرية ؛ بمعنى : أن ذاته تعالى حال كونه قادراً يخلق كلاماً في الحوادث من حرف وصوت ، ولعود الكذب والصدق إلى صفة الكلام ، وعودِ الكلام إلى القدرة ... أثبتوا هذه الشناعة ، ولو قالوا بأزلية صفة الكلام لاستحال وجود هذا الاعتقاد منهم ومن غيرهم ؛ إذ الكلامُ النفسيُّ لا يُتصوَّر فيه الكذب ولو في الحادث ، فكيف بالقديم ؛ قال تعالى: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١]، وما يتوقَّمه بعضهم من وجود كلام كذب في نفسه .. إنما هو حديثٌ يحدِّث به نفسه ، وهو بكلامه النفسي یحکم بكذبه . (٢) ونسبه الإمامُ الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) ( ص٢٠٠) إلى أكثر المعتزلة، وخالف في ذلك أصحابُ عبادِ بن سليمان والنظّمُ وأبو علي الأسواريُّ والجاحظُ . انظر (((مقالات الإسلاميين)) (ص ٢٠٠، ٥٥٥)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص٣١٣)، ومنشأ هذه الشبهة عندهم : أنهم لما أثبتوا للعباد أفعالاً إيجادية ؛ ليتحقّق تكليفهم بزعمهم ، وألزموا بقاهرية المخلوق للخالق .. فرُّوا من هذه الشناعة يكون قدرة الخالق تتعلق بتعطيل حركة العباد ، إلا أن إرادته لا تتعلق بذلك .