النص المفهرس
صفحات 401-420
TODAYMY COooO اختلفوا في صفات الله القائمة بذاته : فمنهم من قال : ( لا توصف بأنها باقيةٌ ولا فانيةٌ) ، بل يقال : ( إنها موجودةٌ أزليَّةٌ ) ، وهذا قولُ عبدِ الله بن سعيد وأبي العبَّاس القلانسيِّ. ومنهم من قال : ( هي باقيةٌ ببقاء البارئ ، وبقاؤه باقٍ ببقاءٍ هو نفسُهُ ) ؛ فحقيقةُ الباقي في الشاهد والغائب على هذا القول: ما له بقاءٌ (١)، وإلى هذا القول ذهب أبو الحسن الأشعريُّ(٢) ولذلك ألزمَ المعتزلةَ على قولهم : ( إن البارئَّ عالِم لنفسه أو لا لمعنىّ)(٣) .. أن تكونَ نفسُهُ عِلماً؛ كما أنه لمَّا التزم أن يكونَ بقاءُ البارئ عزَّ وجلَّ باقياً لنفسه .. التزم القول بأن نفسَهُ بقاء (٤)، وأسقط أسئلةَ المعتزلة . [ عودٌ للاستدلالِ للمعنويةِ بثبوتِ المعاني المُعلَّلةِ لها القائمةِ بالذاتِ ] وممَّا يدلُّ على ذلك أيضاً : أن العلمَ في الشاهد يُوجِبُ كونَ العالِمِ عالِماً بلا خلافٍ بيننا وبين من أثبت عِلماً ما ، وأجمعنا : على أن الجهلَ والموتَ وقال الإمام المتولي في ((المغني)» (ص٣١): (ذهب القدماءُ من أئمتنا إلى أن البقاء = صفة للباقي زائدة على الذات ، وأن لله صفة تسمى البقاءَ كالعلم والقدرة ، والصحيحُ : أن البقاء ليس بمعنىّ زائد على الذات، ولكن البقاء استمرار الوجود ). (١) يعني : استمرار الوجود ، وسبب المنع على هذا القول: هو استحالة قيام المعنى بالمعنى . (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٣)، قال المصنف في ((أصول الدين)) (ص١٠٩) : ( وهو المشهور من قول أصحابنا ) . (٣) في (ب، ج): ( أو لمعنىّ) بدل ( أو لا لمعنىّ). (٤) وهو قول القاضي الباقلاني . 00000 . 00000 لا يوجبان كونَ شيءٍ عالِماً؛ لأجل مخالفتِهما للعلم المُوجِب كونَ العالِم عالِماً ؛ إذ لو كانا من جنسِهِ غيرَ مخالفَينٍ له .. لأوجبنا كونَ العالِم عالِماً وإذا صحَّ هذا ، وكانت مخالفةُ البارئ عزَّ وجلَّ للعلوم أشدَّ من مخالفة الموتِ والجهلِ لها ؛ لأن الموتَ والجهلَ يوافقان العلومَ في كونها أعراضاً وحوادثَ ، وفي أوصافٍ كثيرةٍ يستحيلُ مثلُها على القديم .. استحال أن يكونَ عالِماً لوجود نفسه ، ولم يَجُزْ أن يكونَ الموجِبُ له عالِماً لنفسه ؛ كما استحالَ أن يكونَ الموتُ والجهلُ موجِبَينِ لكون العالِمِ عالِماً . فإن قيل : أليس علمُهُ عندَكم مخالفاً للعلوم وقد صار به عالِماً ؟! فهلًّا جاز أن يكونَ عالِماً لنفسه وإن كان نفسُهُ خلافَ العلومِ كلِّها ؟! قيل : هذا السؤالُ متناقضٌ في نفسه ؛ لأن العلمَ الواحدَ لا يكونُ مخالِفاً لجملة العلوم ؛ إذ هو من جملتها ، فلو خالفها لخالفَ نفسَهُ ! O O ولأن المخالفةَ بين العلوم إذا اشتركت في كونها علوماً لا تمنعُ مِنْ أن يعلمَ بها ؛ لاختلاف علومنا في أنفسها ، وكلٌّ منها يوجِبُ كونَ العالِم عالِماً، ولو خلق الله عزَّ وجلَّ لإنسانٍ علماً بشيءٍ لا يعلمُهُ أحدٌ من الخلق غيرُ من خَلقَهُ فيه . . لكان ذلك العلمُ مخالفاً لعلومنا، ثمَّ لم تَمنع مخالفتُهُ لنا من كون محلِّهِ عالِماً به بعدَ كونه عِلماً في نفسه ؛ كذلك القولُ في علم الله عزَّ وجلَّ وعلمنا . وممَّا يدلُّ على أن الله عزَّ وجلَّ لا يجوز أن يكونَ عالماً لنفسه : أنه لو كان عالِماً لنفسه لوجب أن تكونَ نفسُهُ عِلماً(١)، كما أنه لو كان عالِماً لمعنىّ كان (١) وقد ألزم أصحاب الأحوال من المعتزلة الجبائيَّ ومن قال بقوله بنفس هذا الإلزام. انظر= COO00 ١ ٤٠ roo 00 TODAY.Y bo ذلك المعنى عِلماً ؛ لقيام الدَّلالة على أن العلمَ إنما كان علماً لأَجْلِ أن العالِمَ به صار عالِماً لمعلومِهِ . بدليل : أنَّا لو توهّمنا كلَّ صفةٍ للإنسان غيرَ العِلم .. لم يَصِرْ به عالِماً ، وعندَ حصول العلم له يصيرُ عالِماً ، ووجدنا العلم مُستحقّاً لأوصافٍ كثيرة ؛ نحو كونِهِ شيئاً وموجوداً وعرضاً إذا كان محدَثاً، وسائرٍ أوصافِهِ (١)، فاعتبرنا أوصافَهُ ، فلم يَجُزْ أن يكونَ عِلماً لوجوده ، ولا لحدوثه إن كان مُحدَثاً ، ولا لكونه عرضاً ، ولا لكونه معلوماً أو مذكوراً ، ونحو ذلك ؛ لأنه يشاركُهُ في هذه الأوصافِ ما لا يكون علماً (٢) ، فلم يبقَ مِن أوصافه غيرُ كون العالِم به عالِماً بمعلومِهِ . فوجب لذلك : أنْ لو كان البارئُ عزَّ وجلَّ عالِماً لنفسه لا لمعنى .. أن يكونَ نفسُهُ علماً ، ولو كان نفسُهُ علماً لاستحال أن يكونَ عالِماً . وبمثل هذه الدَّلالةِ يبطلُ قولُ من زعم : أنه قادرٌ لنفسه ، وحيٌّ لنفسه (٣)؛ لأنه يلزمُهُ أن تكونَ نفسُهُ قدرةً وحياةً ، ولو كان كذلك لاستحال أن يكونَ قادراً حيّاً ، فلمَّا بطل ذلك صحَّ أنه سبحانَهُ حِيٍّ عالِم قادر للحياة والعلم والقدرة . فإن قيل : ما أنكرتم أن العلمَ لم يكن علماً لشيءٍ من المعاني التي ((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص٢٨٨). II (١) ككونه معلوماً أو مذكوراً أو مخبراً عنه . (٢) في (ب): ( عالماً ) بدل ( علماً ) . (٣) وهو قول أبي علي الجبائي ومن تبعه. انظر (٣٨١/١). a 200000 ٢ ٠ ٤ 66000 ذكرتموها ، وإنما كان علماً لأنه اعتقادُ الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه ؟ قيل : إن العاميَّ قد يَعتقدُ الحقَّ عن تقليدٍ ، ويكونُ ساكنَ النفسِ إلى ما اعتقدَهُ، حتى لو خُيِّرَ بين القتلِ وتركِ الاعتقاد الذي اعتقدَ .. لاختار القتلَ على تركِهِ ، ولا يكونُ ذلك الاعتقاد عِلْماً متى اعتقدَهُ لا عن ضرورةٍ ولا عن استدلالٍ (١) ولأن العلمَ بالمحالات موجودٌ ؛ كالعلم باستحالة اجتماع الضدَّينِ في محلِّ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ ، وكالعلم بأن المُحدَثَ لا يكون أزليّاً ، والمحالاتُ عند المخالفينَ لنا في هذه المسألةِ غيرُ معلومةٍ ، ولا يجوز وصفُها عندَ الجميع بأنها أشياءٌ(٢) فقد صحَّ وجودُ علم لا يقال فيه : إنه اعتقادُ الشيءٍ على ما هو به مع سكون النفس إليه . boo ولأنه لو كان العلمُ اعتقادَ الشيء على ما هو به من وجهٍ (٣) .. لوجبَ أن يكونَ الجهلُ اعتقادَ الشيء على خلاف ما هو به ، ولو كان كذلك لكان 00000 (١) إذ لو اعتقده عن ضرورة أو استدلال صحيح .. لخرج عن كونه مقلِّداً، وهو خلاف الفرض . (٢) لأنها من جنس المعدوم المستحيل ، وإنما جوّز المعتزلة نعت المعدوم بالشيئية إن كان ممكناً قابلاً للوجود . (٣) قال أبو رشيد النيسابوري في (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص٢٨٨): ( فإن قيل : فما هذه الوجوه التي إذا وقع الاعتقاد على واحد منها كان علماً ؟ قيل له : قد قال الشيخان - يعني : الجبائيين - : إن ذلك لا يخلو من وجوه ثلاثة: إما أن يكون وقوعه عن نظر ، أو عن تذكر النظر ، أو من فعل العالِم بالمُعتقّد ) . 00000 , ٠٣ ٤ 00000) 000000000 الإنسانُ غيرَ جاهل بما في بطنِ المرأة الحامل ؛ لأنه غيرُ مُعتقِدٍ له على ما هو به ، ولا هو مُعتقِدٌ له على خلاف ما هو به ، ولا يخرجُ في هذه الحالِ عن كونه جاهلاً به ، فإذا لم يكن الجهلُ اعتقادَ الشيء على خلاف ما هو به .. لم يكن العلمُ أيضاً اعتقادَ الشيء على ما هو به على وجهٍ ما ، على أن المعدومَ معلومٌ ، وقد قامت الدَّلالةُ عندنا على أنه ليس بشيءٍ مع صحَّةٍ كونه معلوماً بالعلم ؛ فبطل أن يقال : إن العلمَ إنما كان عِلماً لأنه اعتقادُ الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه . وممَّا يدلُّ على إبطال قولِ البصريين من المعتزلة في هذا الباب .. قولُهم : إن اشتراكَ الشيئَينِ في أخصِّّ الأوصافِ يوجبُ التماثلَ بينهما (١) وإذا كان هذا أصلَهم ، ولم يكن أخصُّ أوصافِ العلمِ كونَهُ عِلماً ؛ لأن ذلك يوجب تماثلَ العلوم كلُّها ، وإنما كان أخصُّ أوصافه تعلَّقَهُ بمعلوم مخصوصٍ .. وجب لو كان نفسُ البارئ أو حالٌ من أحواله يتعلّقُ بمعلوم قد تعلَّقَ به علم آخر . . أن يكونَ هو مثلَ ذلك العلمِ ومِنْ جنسه ، وذلك خلافُ قولهم . وممّا يدلُّ عليهم أيضاً في إبطال قولهم : ( إنه عالمٌ لنفسه أو لا لمعنى أكثرَ من نفسه) .. أنه لو كان عالِماً لنفسه قادراً لنفسه وجب أن يكونَ العالِمُ بنفسه قادِراً بنفسه ، وكان ما قَدَرَ على المقدورات به عَلِمَ المعلوماتِ به ، (١) وهو قول أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، وخالفهم أبو قاسم الكعبي ، فاشترط الاشتراك في سائر الأوصاف . انظر (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين » (ص٣٦)، وما تقدم (٢٩٠/١). 00000 00000 -٤ ٤٠ 00000 ولو كان كذلك وجب أن يكونَ كلُّ معلوم له مقدوراً له ، وكلُّ مقدور له معلوماً له ، ولم يَجزْ حصولُ معلوم لا يجوزُ أن يكون مقدوراً له(١) ألا ترى أن مَن زعمَ : أن الجسمَ يتحرَّكُ عن المكان بالزوال الذي يزولُ به عن المكان ، ويزولُ عن المكان بالحركة التي بها يتحرَّكُ عن المكان ، وقال : إن ما به يتحرَّكُ به يزول .. لزمه أن يقول : إن معنى الحركة والزوال واحدٌ، وأن يكونَ كلُّ زائل متحرِّكاً ، وكلُّ متحرِّكٍ زائلاً ، واستحال أن يُثبِتَ زائلاً عن مكان لا يكون متحرِّكاً عنه، كذلك أمرُ المعلوم والمقدور إذا صار معلوماً ومقدوراً لله تعالى بشيء واحدٍ هو نفسُهُ . 00 فإن ركبوا ذلك لزمَهم : أن تكونَ نفسُهُ مقدورةً له ؛ لأنها معلومةٌ له ، ولزمهم : أن تكونَ أعمالُ العباد مقدورةً لله تعالى ؛ لأنها معلومةٌ له . وإن امتنعوا منه لزمَهم القولُ : بأنه عالِمٌ بعلم قادرٌ بقدرة [ رُّ مزاعم القدريةِ في نفي صفاتِ المعاني ] وقد اعترضت القدريَّةُ على هذه الدَّلالةِ بأسولة (٢): 2000000 منها : أن قالوا : قد قلتُم : إن الله عزَّ وجلَّ يعلمُ المعلوماتِ بشيءٍ لا يقال : هو غيرُ ما به يَقدِرُ على المقدوراتِ، ولا يجبُ من ذلك ألا تكونَ معلوماتُهُ غيرَ مقدوراته . (١) ولما كانت القدرة لا تتعلق إلا بالممكنات ، واتفقنا معهم على أن الواجب معلوم، وهو مع ذلك غير مقدور .. ظهر فساد قولهم . (٢) الأسولة: جمع قلة لـ ( سُوَال)؛ كغُراب وأغربة. انظر ((تاج العروس)) (س ول). L 00000 ٤٠٥7 O فيقالُ لهم : كما لم نقل : إن ما به يَعلَمُ غيرُ ما [به] يَقدِرُ ؛ فكذلك لا نقول : إن مقدوراتِهِ غيرُ معلوماتِهِ (١) ومنها : أنهم قالوا لنا : قد قلتم : إن الله عزَّ وجلَّ قد أمرَ بكلامٍ ، وبه نهى ، وبه أخبر ، فيلزمُكم : أن يكونَ مأمورُهُ ومنهُّهُ واحداً ، وأن يكونَ كلُّ ما يصحُّ إخبارُهُ عنه يصحُّ أمرُهُ به وله ، حتى إذا صحَّ الخبرُ عن ذاته وجب أن يجوزَ الأمرُ منه لذاته(٢) فيقال لهم : هذا السؤالُ ساقطٌ على مذهب من قال من أصحابنا : إن الكلامَ لا يصيرُ أمراً ونهياً وخبراً لنفسه ، وإنما يصيرُ أمراً لوجود دلالات وإسماع على وجهٍ مخصوصٍ ، ويكون نهياً لوجود دلالات وإسماع على وجهٍ آخرَ ، وكذلك القولُ في الخبر(٣). 0000 وأنتم قلتم : إن ما به قدرَ بهِ عَلِمَ ، وقلتم : لنفسه حصلَ له الوصفان ، فيلزمُكم ما أُلزِمنا(٤) ، ولم يَلزمْ هؤلاء من أصحابنا ما ألزمتموهم . (١) تقدم (٢٧٨/١ - ٢٧٩) أننا كما ننفي الغيرية والعينية بين الذات والصفات .. فكذلك نقول في الصفات فيما بينها ؛ فلا يجوز أن يقال : ( علمه تعالى غير قدرته ولا هو عين قدرته ) مثلاً ، بل لا هو عينها ولا غيرها . في أصل ( أ): ( يكون ) بدل ( يجوز )، والمثبت من نسخة بهامشها ومن ( ب، ج). (٢) (٣) قال إمام الحرمين في ((البرهان)) (٢٧٠/١): (وقد سبق القلانسيُّ رحمه الله من قدماء الأصحاب إلى هذا وقال : كلامُ البارئ تعالى في الأزل لا يتَّصفُ بكونه أمراً ونهياً ووعداً ووعيداً، وإنما يثبتُ له هذه الصفات فيما لا يزال عندَ وجود المخاطبين ، كما يَتَّصفُ البارئ سبحانَهُ وتعالى بكونه خالقاً رازقاً فيما لا يزال) ، وإلى قول الإمام القلانسي ذهب الإمام ابن كلاب. انظر « أبكار الأفكار)) ( ٣٥٤/١) . (٤) لأنكم أرجعتم المعلومات للعالِمِيَّة ، والمسموعات للسميعيَّة ، والمقدورات للقديرية ، وهذه الأحوال عندكم راجعة للذات الأحدية ، فرجعت المعلومات والمسموعات = 00000 . 00000 C .MAY . وهذا جوابُ من قال من أصحابنا بمذهب أبي العبَّاس القلانسيِّ . وأمَّا أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله ومن تبعَهُ .. فإنه يقول: إن كلامَهُ أمرٌ ونهيٌّ لنفسه ، ولا يمتنعُ من أن يقول : مأمورُهُ ومنهُّهُ من وجهٍ ؛ لأن الأمرَ بالشيء نهيٌّ عن تركه ، والمأمورَ بفعله منهيٌّ عن تركه ، والسجود مأمورٌ به لله عزَّ وجلَّ منهيٌّ عن فعله للصنم ؛ كما أن المأمورَ به منهيٌّ عن تركه (١) على أنَّا نقول: إن الكلامَ بعينه أمرٌ بما هو أمرَ به ، ونهيٌّ عمَّا هو نهى عنه ، ولا يجوز أن يكونَ أمراً بالشيء الذي هو نهيٌّ عنه بوجه من الوجوه ، فلذلك لم يجب أن يكونَ كلٌّ مأمورٍ به منهيّاً عنه ، وأنتم زعمتم : أن ما به قدرَ به عَلِمَ ، وأكثرُ معلوماتِهِ مقدوراتٌ له على الوجوب ، فلزمَكم : أن يكونَ كلُّ معلوم له مقدوراً له ، ولو جاز عندنا أن يكونَ مأمورُهُ منهَّهُ في شيء واحدٍ .. لزمنا: أن يكونَ كلُّ مأمورٍ [به] منهيّاً عنه (٢) ، وكلُّ منهيٍّ عنه مأموراً به . ومنها : أن قالوا : إن القدرةَ عندَكم صفةٌ لنفسها ، وقدرةٌ لنفسها ، ثمَّ لا يجبُ إذا كان البارىُ عزَّ وجلَّ موصوفاً بها أن يكون مقدوراً بها ، كذلك القولُ في المعلوم والمقدور مثلُهُ(٣) والمقدورات للذات ، واللام في قوله : ( لنفسه ) للتعليل . = (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٦٥). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( له ). (٣) يعني : تتعلق الذات على تنوّع أحوالها بالمعلوم والمقدور لا لمعنىّ قائم بها .. كما تتعلق صفتا العلم والقدرة بالمعلوم والمقدور لا لمعنىّ قائمٍ بهما . Q. ٤٠٧ C فيقالُ لهم : أمَّا مَن قال من أصحابنا بقول عبد الله بن سعيد وأبي العباس القلانسيِّ .. فإنهم لا يقولون: إن الصفةَ صفةٌ [لنفسها] ولا لمعنىّ سواها(١) ، وكذلك القدرةُ عندهما قدرةٌ لا لنفسها ولا لمعنىّ ، فالسؤال عنهم ساقط . وأمَّا من قال من أصحابنا بقول الأشعريِّ: فالذي يلزمُهُ من هذا أنه لمَّا كانت القدرةُ صفةً لنفسها وقدرةً لنفسها .. وجب ألا تكونَ صفةً إلا لمن هي قدرةٌ له ، ولا قدرةً إلا لمن هي صفةٌ له ، ولا يكونَ موصوفاً بها إلا من هو قادرٌ بها، ولا [قادراً] بها إلا من هو موصوفٌ بها(٢)؛ لأن القدرةَ إنما تقتضي قادراً بها ومقدوراً ، والصفةَ إنما تقتضي موصوفاً فحسب . ومنها : أنهم قالوا : السوادُ بنفسه يوافقُ السوادَ الآخرَ ، وبنفسه يخالِفُ البياضَ، ولا يجب أن يكونَ ما وافقَهُ هو ما خالفَهُ(٣) فيقال لهم على أصل أبي العبَّاس : فإنه لا يقول : إن السوادَ مخالِفٌ للبياض لنفسه ، وموافقٌ للسواد لنفسه ، وإنما يقول : إن السوادَ يوافقُ السوادَ لجاعلِ جعلَهُ كذلك، ويخالِفُ ما خالفَهُ لجاعلٍ جعلَهُ (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( لنفسه ) . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( قادر ) . (٣) وهذا على أصلهم القائل: بأن المخالفة والمماثلة تقع بثبوت الوصف الأخصِّ، قال إمام الحرمين في (( الشامل في أصول الدين)) ( ص٣٠٧): (وهذا الذي قالوه غير سديد ؛ فإن المخالفة لا تختص عندنا بالأخص ، بل قد تتحقق في الصفة العامة ؛ إذ العلم يخالف السواد في كونه علماً ، وإن لم يكن ذلك من أخص أوصافه ، وكذلك السواد يخالف العلم بكونه لوناً ) . 00000 00000 ٤٠٨ كذلك(١) ؛ فالسؤالُ عنه ساقطٌ . وأمَّا على أصل أبي الحسن الأشعريِّ : فإن السوادَ يوافقُ السوادَ لنفسهما ، ويخالِفُ البياضَ لنفسهما؛ لاستحالة توهُّم الموافقةِ والمخالَفةِ في الشيء الواحد إذا انفردَ بالوجود ولم يكن معه ما يوافقُهُ ولا ما يخالفُهُ ، فكذلك لم يجب أن يكونَ ما خالفَهُ موافِقاً له . وأنتم قلتم : إن ما به قَدَرَ البارئُ به عَلِمَ ، وهو شيءٌ واحدٌ من غير تعليقِهِ على شيءٍ سواه ، فلزمكم : أن يكونَ كلُّ معلوم له مقدوراً له(٢) ومنها : أن قالوا : ما به يتحرَّكُ الجسمُ عن المكان الأول به يدخلُ المكانَ الثاني ، ولا يجبُ أن يكونَ كلُّ ما دخل فيه فقد تحرَّكَ عنه(٣) 0000 فيقالُ لهم : من قال من أصحابنا : إن الحركةَ كونانِ في مكانين فلا يُسلِّمُ أن ما دخل به المكانَ الثانيَ به خرج عن الأول ، بل هو غيرُهُ عندَهُ ؛ وهذا قولُ أبي العبَّاس(٤)، والسؤالُ عنه ساقطٌ . وأمّا قولُ أبي الحسن الأشعريِّ: في أن الحركةَ كونٌ واحدٌ(٥) .. فإن (١) وذلك مبني على أصله من أن الضابط في التشابه والتماثل هو الحدوث، وقد تقدم (٢٨٩/١ ) . (٢) وتقدم قريباً بیان فساده . (٣) وهو قول النظام من المعتزلة، وأبي شمر من المرجئة. انظر (( الفرق بين الفرق)) ( ص١٥٨ ) . (٤) والسكون عنده أيضاً كونانٍ لكن في مكان واحد. انظر ((تلخيص الأدلة)» (ص٢٣٣) . (٥) قال الإمام ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٢٦٢): ( لأن المعنى الذي يختص الجسم فيكون لأجله في مكان دون مكان .. هو الذي يُسمَّى كوناً ) . و ٩00000 ٤٠ 00000 الواجبَ عليه إذا كان ما به دخلَ المكانَ الثاني به خرجَ عن الأول .. أن يكونَ الداخلُ في المكان خارجاً عن الأول(١)، وما خرجَ عن الأول إلا بعدَ أن كان داخلاً فيه ، على أن الله عزَّ وجلَّ لو أفنى المكانَ الثاني قبلَ خروجه عن الأول ثمَّ أخرجَهُ عن الأول .. لكانت تلك الحركةُ خروجاً عن ذلك المكانِ ، ولم تكن دخولاً في غيرِهِ ، فلم يجب : أن يكونَ كلُّ خروجٍ عن مكانٍ دخولاً في غيرِهِ ، ولا أن يكونَ كلُّ خارجٍ عن مكانٍ داخلاً في غيرِهِ . 0000000 وليس كذلك قولُكم في المقدور والمعلوم ؛ لأنكم قلتم : إن القادرَ بنفسه يجب أن يكونَ عالِماً بنفسه في كلٌّ حالٍ ، ونحن لم نقل : إن الخارجَ عن المكانِ يجبُ أن يكونَ داخلاً في غيرِهِ ، فسقط السؤالُ عنا . 0000 Y ومنها : أن بعضَ أغبيائِهِم سألنا فقال إن النارَ تَعِدُ البَيْضَ وتَخُلُّ أجساماً كثيرةً(٢) ، ولا يجبُ أن يكونَ المحلولُ بالنار معقوداً بها . فيقال لهم : في النار عندنا لا تَعقِدُ شيئاً ولا تَخُلُّهُ ، ولكنَّ البَيْضَ يَنعِقِدُ بانعقادٍ يقومُ به عندَ مجاورةِ النار [له] (٣)، ويُحَلُّ بعضُ الأجسام عند مجاورة النار له بانحلالٍ يقومُ به ، فما به يحصلُ الانعقادُ غيرُ ما به يحصلُ الانحلالُ ، والسؤالُ ساقط . c (١) يعني : أن يكون الداخل في المكان الثاني خارجاً عن الأول . (٢) في (أ): ( كبيرة) بدل ( كثيرة)، وانعقاد البيض: نقلُهُ من صفة السيلان إلى الصلابة، والحَلُّ على العكس ، كنقل الدُّهن من الصلابة إلى السيلان . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( به ) بدل ( له). Y CoCa COoCO ـد [ عودٌ للاستدلالِ المعنويةِ بثبوتِ المعاني المُعلَّلةِ لها القائمةِ بالذاتِ ] وممَّا يدلُّ على إبطال قولٍ من قال: (إنه عالِمٌ لنفسه أو لا لمعنىٌ) .. أن الشيءَ إذا اقتضى موصوفاتٍ كثيرةً لنفسه .. كان تعلُّقُهُ بتلك الأشياء كلُّها وجهاً واحداً ؛ كعلم الإنسانِ إذا تعلَّقَ بحدوث العالَم كان تعلُّقُ هذا العلم بكلِّ جزء من العالَم كتعلَّقِهِ بسائر أجزاء العالَم على التفصيل ، وكذلك علمُهُ بجواز الفناءِ على العالم على التفصيل في أجزائه ، وكذلك قدرةُ المُحدَثِ عند القدريَّةِ لمَّا تعلَّقتْ بالضدَّينِ على وجه الحدوثِ .. كان تعلُّقها بكلٌ واحدٍ منهما كتعلُّقها بالآخر (١) ، وكذلك قدرةُ القديم في تعلُّقها بالمقدورات عندَ أهل الحقِّ . 000 فلو كان استحقاقُ البارئ للوصف بأنه عالمٌ لنفسه وقادرٌ لنفسه .. وجب أن يستويَ وصفُ قدرتِهِ ووصفُ علمِهِ ، وأن يكونَ معنى قدرتِهِ على الشيء هو معنى علمِهِ به ، ولو كان كذلك لزمَ منه أن يكونَ كلُّ معلوم له مقدوراً له ، كما بيَّناهُ في الدليل الذي قبلَهُ، وذلك باطلٌ، فما يؤدِّي إليه باطلٌ أيضاً . وممَّا يدلُّ على أن الأوصافَ المستحقَّةُ للنفس أو لا لمعنىّ ليس من شرطِها أن يكونَ الموصوفُ بها حيّاً ؛ كالوجودِ والقدم والقيام بالنفسِ ؛ وذلك أن الله عزَّ وجلَّ لمَّا كان موجوداً لنفسه ، وقائماً لنفسه ، وقديماً لنفسه (١) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٤١٥)، وانظر كلام إمام الحرمين في ((الإرشاد)) ( ص٢٢٣) في إبطال ذلك . 1 00000 8 \ 1 200000 عندنا وعند القدريَّة .. لم يكن ثبوتُ هذه الأوصاف مضمَّناً بشرط الحياة ، وصحَّ الوجودُ والقيامُ بالنفس لِمَا ليس بحيٍّ . فلمّا وافقَنا هؤلاء القدريَّةُ - سوى الصالحيّ منهم - على أن مِنْ شرط العالِم القادِرِ أن يكونَ حيّاً .. بطلَ أن يكونَ استحقاقُهُ هذه الأوصافَ لنفسه(١) ؛ لأن الصفاتِ المستحقَّةَ لنفسه لا يُشترَطُ فيها أكثرُ من وجود نفسٍ الموجود بها فحسب . فإن ركبوا ذلك ، وأجازوا كونَ ما ليس بحيٍّ عالماً قادراً كما ذهب إليه الصالحيُّ .. فذلك خلافُ قولهم . وإن امتنعوا منه لزمَهم أن يكونَ استحقاقُ الوصف بالعالِم والقادِر لمعنى کما ذهبنا إليه . ولا يلزمُنا على هذا الاستدلالِ أن تكون الحياةُ شرطاً في كلِّ ما يستحقُّهُ الموصوفُ لمعنىّ ؛ لأن الدَّلالة مبنيّةٌ على أن الصفاتِ النفسيّةَ ليس من شرطِها كونُ الموصوف بها حيّاً ، وليس من شرطِها حاجةُ المعاني كلِّها إلى الحياة؛ لأن الحياةَ في نفسها معنىّ، [وهي] (٢) غيرُ مفتقرةٍ إلى حياةٍ سواها ، والموتَ معنىّ ، ويستحيل افتقارُهُ إلى الحياة التي هي ضدُّهُ . وممَّا يدلُّ على أن الوصفَ المشتقَّ من معنىّ متى استحالَ معناه على ذاتٍ استحالَ إطلاقُهُ عليها ؛ فلو كان قيامُ العلم بالله عزَّ وجلَّ كقيام الجهل به .. (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣١٠)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٦١)، وهذا من أقوى الأدلة في مسألة إثبات زيادة المعاني على الذات عند ثبوت المعنوية . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وهو ) . ٢ ٠٥ ٤١٢ b وجب استحالةُ كونه عالِماً كما استحالَ كونُهُ جاهلاً ؛ لأن كلَّ واحدٍ من هذَينِ النقيضَينِ يُوجبُ لمن قام به الاسمَ المشتقَّ منه ، فوجب إذا انتفى أحدُهما عن ذاتٍ أن ينتفيَ عنها الاسمُ المشتقُّ منه كالنقيض الآخر . وإذا اعتبرنا هذه الدَّلالةَ بالسواد والبياضِ ، أو بالحركة والسكونِ ، أو بكلِّ نقيضَينِ من الأعراض .. ازدادت تأكيداً . وممَّا يدلُّ عليه : أنه لو كان عالِماً قادراً لنفسه أو لا لمعنىّ أكثرَ منه .. وجب في كلِّ واحد من هذَينِ الوصفَينِ طلبُ أخصِّ أوصافه له ؛ لاستحالة اجتماع أوصافٍ مُختلفةٍ لشيءٍ واحدٍ على التخصيص بأخصِّ وصفِهِ لنفسه ؛ كالسواد لمَّا كان سواداً لنفسه - وذلك أخصُّ أوصافِهِ عندَ القدريَّةِ(١) - لم يكن كونُهُ لوناً من أخصِّّ أوصافه ، ولا كونُهُ عرضاً ، ولا كونُهُ موجوداً ومُحدثاً من أخصِّ أوصافه . وهذا يُوجِبُ عليهم إذا قالوا : إن البارئَّ سبحانَهُ عالِمٌ لنفسه .. أن يكونَ وصفُهُ بالقادر لمعنىّ ، فإذا كان وصفُهُ بالقادر لنفسه .. وجب أن يكونَ وصفُهُ بالعالِم لمعنىّ ، أو لا لنفسه ولا لمعنىّ ، ولا لحالٍ غيرِ معقولةٍ كما ذهب إليه أبو هاشم . ويقالُ له : إذا كان كونُهُ عالِماً أخصَّ وصفِهِ .. لم يكن كونُهُ قادراً أخصَّ وصفِهِ ، وكذلك على العكس من هذا ، وإذا لم يجتمع الوصفان في كونهما أخصَّ وصفٍ .. لم يكن المُوجِبُ لهما واحداً ، وفي هذا بطلانُ قولهم: (١) انظر (١/ ٢٩٠ - ٢٩١). Co١٣ ٤ ٥٠٥ حدو إن المُوجِبَ لكونه عالِماً هو المُوجِبُ لكونه قادراً ؛ وهو نفسُهُ . وفيما ذكرنا من الأدلّةِ في هذا الباب كفايةٌ في إبطالٍ قول القدريَّةِ في نفي صفاتِ الله عزَّ وجلَّ . ON 00 0000 8,00000 \ ٤ ١٥٠٠٠ CON COOODO OOOO00 Q. C SCA باب 000000 000000 000000 الكلام في إثبات أسماء من مشقة من أفعالم والمنع من إيثاتها قبل وجود أفعاله 0000 ٢٠٦ AM1021100000 2 10700000 0000000 Parratovara 0 00 CAONX Y.Y OOOO XX باب الكلام في إثبات أسماء من مشق من أفعاله والمنع من إثباتها قبل وجود أفعاله [ اعتقاداتُ الكراميةِ في الأسماءِ والصفاتِ ] زعمت الكراميَّةُ (١): أن الله عزَّ وجلَّ كان في الأزل موصوفاً بالأوصاف المشتقَّةِ عند أهل اللغة من أفعاله ، مع إقرارهم باستحالة وجود تلك الأفعال في الأزل (٢) فقالوا : إن البارئَّ تعالى كان في الأزل خالقاً فاعلاً مُحدِثاً رازقاً قبل وجودِ الخَلْقِ والرِّزق . (١) قال الإمام أبو المظفر الإسفرايني في (( التبصير في أصول الدين)) ( ص٩٩): ( وزعيمهم : محمد بن كرام ، كان من سجستان ، فنفيَ عنها ، فوقع في غرجستان ، فاغترَّ بظاهر عبادته أهل شومين وأفشين ، وانخدعوا بنفاقه ، وبايعوه على خرافاته ، وخرج معه قوم إلى نيسابور في أيام محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر ، فاغتزّ بما كان يريه من زهده جماعةٌ من أهل السواد ، فدعاهم إلى بدعه ، وأفشئ فيهم ضلالاته ، واتبع بها قوم من أتباعه ، وتمرَّدوا على نصرة جهالاته ، وما أحدثه من البدع في الإسلام أكثر من أن يمكن جمعه في هذا المختصر ) . وقال الإمام الشهرستاني في (( الملل والنحل)) (١٠٨/١): (وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة ، وأصولها ست : العابدية ، والتونية ، والزرينية ، والإسحاقية ، والواحدية ، وأقربهم الهيصمية ) . (٢) لا لأجل منْع اتصافه تعالى بالحوادث؛ إذ سيأتي أنهم لا يمنعون من ذلك. ٠٥٠٠ ٤١٧ CON ara 00000000 FAXY.EG YODDS وقالوا : إنما كان خالقاً بخالفيّةٍ ، ورازقاً برازقيَّةٍ (١) والخالقيّةُ عندهم : قدرتُهُ على الخلق ، والرازقيَّةُ : قدرتُهُ على إحداث الرَّزْق ؛ والقدرةُ قديمةٌ ، والخَلْقُ والرَّزْقُ : عرضان حادثانٍ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ بقدرته (٢) والمخلوقاتُ ؛ من أجسام العالَم وأعراضِهِ .. مخلوقاتٌ بالخَلقِ الذي حدث في ذات البارئ عزَّ وجلَّ ، لا بقدرته ، وذلك الخَلقُ غيرُ مخلوقٍ ولا قديمٍ ، ولكنه خَلْقٌ وحادثٌ . وفرَّقوا بين المتكلِّم والقائل في المعنى : فقالوا : الكلامُ : هو القدرةُ على القول ، والقولُ : حروفٌ وأصواتٌ ، والمتكلُّمُ : هو القادرُ على القول، والقائلُ: هو القادرُ على القولِ(٣) وزعموا : أن الله عزَّ وجلَّ كان في الأزل متكلِّماً ؛ بمعنى : أنه قادرٌ على القول ، وقدرتُهُ على القول : كلامُهُ ، وكان قائلاً بقائليّةٍ لا بالقول ، وقائليُّهُ : قدرتُهُ على القول ، والكلامُ والقائليَّةُ عندهم : قدرةٌ على القول . وقولُ الله عزَّ وجلَّ : صوتٌ وحروفٌ مقطَّعةٌ حادثةٌ في ذاته ؛ فقولُهُ : حادثٌ في ذاته ، وكلامُهُ وقائليَتُهُ : صفةٌ أزليَّةٌ ؛ وهي قدرةٌ على القول . فأجازوا على هذا المذهب : أن يكونَ الساكتُ في حال سكوته متكلِّماً ؛ لأن الاستطاعةَ عندَهم قبل الفعل ، فاستطاعةُ القولِ قبلَ القول ، (١) وقد أورد الإمام المصنف أقوالهم في ((الفرق بين الفرق)) (ص٢١٦) وما بعدها . (٢) انظر ((نهاية الأقدام)) (ص١١٤). (٣) انظر ((نهاية الأقدام)) (ص٢٨٨). CCOCO X:00000 MAC والمتكلُّمُ عندهم : هو المستطيعُ للكلام القادرُ عليه، فإذا كان قادراً على القول في حال سكوته .. كان متكلُّماً في حال سكوته . وقالوا : ولا يجوزُ أن يكونَ الأخرسُ متكلِّماً في حالِ الخَرَسِ ؛ لأن الكلامَ : قدرةٌ على القول ، والخرسَ : عجزٌ عن القول ، والقدرة والعجز متضادّان لا يجتمعان(١) وزعموا أيضاً : أن كلَّ ما يَحدُثُ في العالَم من الأجسام والأعراض مخلوقٌ وليس بخَلْقِ ، وإنما الخَلْقِ : هو الأعراضُ الحادثةُ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ من القول والإرادة (٢) ثم اختلفوا فيما بينهم : فمنهم من قال : إن الخَلْقَ عِلَّهُ المخلوقِ ، ولا تتقدَّمُهُ ، بل يوجدان معاً ، وهذا قولُ رجلٍ منهم كان يُعرَفُ بأبي يعقوبَ الجرجانيٌ(٣) وقال الباقون منهم : إن الخَلْقَ سببٌ للمخلوق ، ولا بدَّ من أن يكون متقدِّماً عليه . واختلفوا في الفرق بين مشيئته وإرادته : (١) انظر ((مفاتيح الغيب)) (٣٩/١). (٢) وإنك لتجد مثل هذه الأقوال في فرق المشبهة المتستُّرين تحت مذهب الحنابلة ، وقد قال العلامة محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب (( التبصير في أصول الدين)) ( ص٩٩): ( وكثير من الكرامية القائلين بحلول الحوادث في الله سبحانه وحلوله في الحوادث - تعالى الله عن ذلك - اندسوا بين الحنابلة، فأضلُّوا خلائق ، ولله في خلقه شؤون ، وكذلك فعل البربهارية والسالمية ) . (٣) انظر (الملل والنحل)) للإمام المصنف (ص ١٥٣). 200000 ٤١٩ 00000