النص المفهرس
صفحات 381-400
[ مذهبُ النظّامِ والعَلَّافِ ] فزعمَ النظّامِ : أن معنى وَصِفِنا لله عزَّ وجلَّ بأنه حيٍّ عالمٌ قادرٌ .. يفيد نفيَ أضدادِ الحياةِ والقدرةِ والعلمِ عنه(١) و فلمَّا نظر أبو الهذيل العلَّافُ في هذا القول ، وفي إلزام أصحابِنا [ممَّن] قال له (٢) : أن تكونَ الأعراضُ والجماداتُ كلُّها أحياءٌ عالمةٌ قادرةً ؛ لنفي الموتِ والعجزِ والجهلِ عنها ، وأن يكونَ شيءٌ واحدٌ حيّاً ميتاً ؛ لنفي الحياةِ والموتِ [كليهما] عنه(٣) .. علمَ أنه لا محيصَ عنه، فترك قوله وزعم : أن الله عزَّ وجلَّ عالمٌ بعلم ؛ إلا أن علمَهُ نفسُهُ ، وأنه قادرٌ بقدرةٍ ؛ إلا أن قدرتَهُ نفسُهُ(٤) C فألزمَهُ أصحابنا إذا قال: إن علمَهُ نفسُّهُ، وقدرتَهُ نفسُهُ .. أن تكونَ نفسُهُ عِلماً وقدرةً، ولو كان كذلك لاستحالَ أن يكونَ عالماً قادراً ؛ لأن العلمَ لا يكون عالماً ، والقدرةَ لا تكون قادراً ، كما أن اللونَ لا يكونُ متلوَّناً ، والحركةَ لا تكونُ متحرّكةً ، فلم يلتزمْ هذا الإلزام ، وبقي تحت المناقضة . وكذلك قالوا له : إذا قلت : إن علمَهُ نفسُهُ، وقدرتَهُ نفسُهُ .. فهل (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٦٦-١٦٧)، فالصفات عنده راجعةٌ لمعنى السلب ؛ كالقدم والوحدانية . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( من ) (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( كلاهما) . (٤) تقدم (٢٢٧/١)، وانظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٦٥). ٣٨٠ MC16 تقولُ: إن علمَهُ قدرتُهُ ؟ فامتنعَ من القول به ، فكان ذلك مناقضةً ثانيةً منه(١) [ مذهبُ أبي عليٍّ الجبائيّ ] فلمَّا انتهى نوبةُ القدريَّة إلى الجبائيِّ ومن في طبقته من المعتزلة .. علموا توجُّهَ إلزام أصحابِنا على قول أبي الهذيل ، فتركوا قولَهُ وزعموا : أن الله عزّ وجلَّ عالمٌ لنفسه ، وقادرٌ لنفسه، وزعموا: أن كلَّ ما يُوصَفُ به في الأزل فهو موصوفٌ به لنفسه(٢) فألزمهم أصحابُنا : أن تكونَ نفسُهُ عِلْماً وقدرةً ؛ لأن حقيقةَ العلمِ ما يصيرُ به العالمُ عالِماً ، وحقيقةَ القدرةِ ما يصيرُ به القادرُ قادراً ، فإن كان لنفسه عالِماً قادراً وجبَ أن تكونَ نفسُهُ عِلْماً قدرةً ، ولو كان كذلك لاستحالَ أن يكونَ عالماً قادراً ؛ لأن العلمَ لا يكونُ عالِماً ، والقدرةَ لا تكون قادرةٌ . [ مذهبُ أبي القاسمِ الكعبيِّ ] فلمَّا عَلِمَ الكعبيُّ منهم هذا الإلزام .. هربَ من القولِ بأن الله عزَّ وجلَّ عالمٌ حيٍّ قادرٌ لنفسه ، وزعم : أنه عالمٌ بنفسه ، حِيٌّ بنفسه ، قادرٌ بنفسه ، (١) أنظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٧٧). (٢) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ١٨٢)، وهو قول أكثر معتزلة ذلك العصر وقول الخوارج وكثير من المرجئة وبعض الزيدية. انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ١٦٤ ) . ٣٨١,٥٥٥٥٥ 00000 وعدلَ عن حرف ( اللام) إلى حرف ( الباء )؛ لأن اللامَ حرفُ تعليل(١) ، ولا يجوزُ أن تكونَ ذاتُ الباريِ تعالىْ عِلَّةٌ لشيءٍ(٢) [ مذهبُ البهشميةِ والكلامُ على الأحوالِ ] فلمَّا انتهت نوبةُ المعتزلة إلى أبي هاشم بن الجبائيِّ .. عَلِمَ أنه لا فرقَ بين ( اللام) و(الباء ) في إضافة الصفاتِ والأوصافِ بهما إلى الموصوفاتِ ، كما أنه لا فرقَ في الجسم بين أن يقال : إنه متحرِّكٌ بالحركةِ ، وبين أن يقال : إنه متحرٌِّ للحركة ، فترك هذا القولَ ، واخترعَ لنفسه في هذا الباب مذهباً خرج به عن قولِ المسلمين أجمعين ، بل عن قولِ جميع أهلِ الملل والنحل ! فزعم : أن الله عزَّ وجلَّ قادرٌ حيٌّ لا لنفسه ولا لمعنى ، ولكن لأحوالٍ أوجبَتْ له هذه الأوصافَ ؛ فهو عالمٌ لكونه على حال ، وقادرٌ لكونه على حال ، وحيٌّ لكونه على حال(٣) وزعم : أن هذه الأحوالَ لا يقالُ فيها : إنها موجودةٌ ولا معدومةٌ ، ولا إنها شيءٌ ولا إنها ليست بشيء ، ولا إنها معلومةٌ مذكورةٌ ولا إنها غيرُ (١) يعني : أنها أغرقُ في التعليل من الباء وأوضح، وعادتهم أن يعدُّوا باللام في الصفة النفسية ، وبالباء في الصفة المعنوية . (٢) انظر الردّ على الكعبي (٣٨٩/١) . (٣) وعبر عنها القاضي عبد الجبار في ((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٨٢): (وعند شيخنا أبي هاشم : يستحقها لما هو عليه في ذاته ) ، فهي صفة لموجود هي في نفها لا تتصف بالوجود DOOOD ٣٨٢ معلومة ولا مذكورة ، ولا يقال : إنها متغايرةٌ ولا إنها غيرُ متغايرة(١) وزعم أصحابه : أن العلَّةَ المُوجِبةَ للأحوال على ثلاثة أضرب : ضربٌ منها : لا يُوجِبُ الحالَ إلا لِمَا وُجِدَتْ بذاته دون الجملةِ التي تَحُلُّ العِلَّةُ فيها ؛ وذلك مثل : الكونِ الذي يُوجِبُ بمحَلُّهِ حالَ الكائنِ ، دون الجملةِ ودون غيرها (٢) وضربٌ منها : يُوجِبُ الحالَ للجملةِ التي تَخُلُّ العِلَّةُ في بعضها ؛ كالحياة والعلم والقدرة والإرادةِ ، وجميع صفاتِ الحيِّ وأضدادِها ، ولذلك استحال عندَهُ أن يُوجَدَ العلمُ بالشيء والجهلُ به على ذلك الوجه ، والقدرةُ على الشيء والعجزُ عنه في جزأين من القلب ومن جملةٍ(٣) ؛ لأن ذلك يُوجِبُ أن تكونَ الجملةُ عالمةً جاهلةً ، قادرةً عاجزةً . والضربُ الثالث من العلل : هو الذي يُوجِبُ الحكمَ لمن لا يُوجَدُ بذاته ولا بشيء من جملةِ الذات(٤)؛ وذلك كإرادة البارئِ عزَّ وجلَّ وكراهتِهِ اللتينِ يتعاقبان ويوجبان كونَهُ مريداً أو كارهاً وإن لم يقوما بذاته(٥) ، وكذلك 0000000000000 (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٢٩)، و((تمهيد الأوائل)) (ص٢٣٠-٢٣٢)، و(( شرح الأصول الخمسة)) (ص١٨٤)، وانظر الردَّ عليه (٣٨٩/١). (٢) وهو مذهب المحققين منهم ، فإذا قام بجزء من الحي حياة .. فالحي بتلك الحياة هو الجزء دون جملته . انظر (( الشامل في أصول الدين)) ( ص٦٦٦). (٣) يعني : من جملة الإنسان مثلاً؛ لأن المعتزلة قالت : إذا قام بجزء من القلب علم ، فلا يجوز أن يقوم بجزء آخر من الجملة جهلٌ بمتعلق ذلك العلم ، وإنما امتنعوا من ذلك لمصيرهم إلى صرف الحكم إلى الجملة. انظر (( الشامل في أصول الدين )) (ص٦٦٦) . (٤) والحكم في سياق المصنف هو الحال . (٥) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص ٤٤٠). ٥٥٥٥٥ ٣٨٣ 00000 XX الفناءُ الموجودُ عندَهم لا في مكان يقتضي عدمَ الجواهرِ(١) وقال أصحابُنا : يستحيلُ أن تكونَ العلَّةُ موجِبةً للحكم إلا لِمَا قامت به(٢)، ولذلك قلنا: إن محلَّ العلم والقدرةِ من الإنسان هو العالِمُ القادرُ(٣)، وكذلك محلُّ كلِّ صفة هو الموصوفُ بها ، وكلُّ عرضٍ اختَصَّ محلّاً أوجب الوصفَ والحكمَ الصادرَينِ عنه لذلك المحلِّ دون غيره . والفرقةُ الخامسةُ من الفرق الخمسِ : [هي] المعروفةُ بالكراميّةِ المجسمةِ(٤) ، زعمت : أنه ليس في صفات الله عزَّ وجلَّ صفةُ فِعلٍ ، وأنه لم يزلْ موصوفاً بجميع الصفات التي هو الآن موصوفٌ بها . وكذلك قالوا : إنه لم يزلْ خالقاً رازقاً مُوجِداً مُعدِماً مُحيياً مُميتاً مُثيباً مُعاقِباً قبلَ وجودِ المخلوقات والمرزوقينَ والمثابينَ والمعاقبينَ . ورجّعوا في جميع ذلك : إلى قدرته على ذلك الفعلِ ، وإرادتِهِ له ، وعلمِهِ بكونه . 00000 (١) انظر ((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص٨٣). (٢) في (ب، ج): (بما) بدل ( لما)، قال إمام الحرمين في (( الشامل في أصول الدين)) ( ص ٦٦٥): ( اعلموا : أن من نفى الحال من أصحابنا لم يحتج إلى الخوض في هذه المسألة ؛ إذ لا معنى لكون العالِم عالِماً عنده أكثرُ من قيام العلم به ، ولا يقدرُ له حالاً فنتكلمَ في تعدِّيه عن محلِِّ إلى الجملة، أو اختصاصه بمحلِّهِ ) ، وخالف في ذلك القاضي الباقلاني جرياً على الراجح من مذهبه في إثبات الأحوال. انظر (( الشامل في أصول الدين)) ( ص٢٩٤، ٦٥٤) . (٣) يعني : الجزء العالم القادر منه ، وهو قول الإمام الأشعري وجمهور أصحابه ، وتقدم بيانه (٣٣٨/١) . (٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (هم ) . وزعموا : أنه سبحانَهُ لم يزل خالقاً بخالقيّة قائمةٍ به ؛ والخالقيّةُ : قدرتُهُ على الخلق ، ولم يزل رازقاً برازقيّةٍ هي قدرتُهُ على الرزق عندَهم ؛ في وصفه بأنه في الأزل كان مُثيباً مُعاقِباً ونحوَ ذلك ، في رجوع جميع ذلك عندَهم إلى قدرته على ذلك النوع من الفعل . وهذا الإطلاق منهم إنما يكونُ متى لم يَقرنوا الاسمَ بالإضافة إلى الاسم المضاف إليه . وبيانُ ذلك : أنهم يقولون : ( إن الله لم يزلْ خالقاً على الإطلاق ) ، ولا يقولون : إنه كان في الأزل خالقاً للعالَم، وإنما يقال له : ( خالقُ العالَم ) بعد وجود العالَمِ ؛ ولذلك قالوا : ( لم يزل رازقاً بالإطلاق ) ، ولا يقال : رازقُ زيدٍ أو عمرو ، ورازقُ الأنعام والأنام .. إلا عند وجود المرزوقين الذين ذكرناهم ، ووصولِ أرزاقِهم إليهم(١). ولهم في هذا الباب خرافاتٌ أعرضنا عن ذكرها ؛ لئلا يطولَ الكتابُ بذکرھا [ الردُّ على أقوالِ المخالفينَ في صفاتِ المعاني ] فأمَّا الكلامُ على نفاة الأعراض : فقد استقصيناه في كتاب (( بلوغ [المدى] عن أصول الهدى)) (٢)، وبنينا على إثبات الأعراض أصولَ (١) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص٢١٩). (٢) في جميع النسخ: ( الهدى) بدل (المدى)، والتصحيح من (( طبقات الشافعية الكبرى)» (١٤٠/٥)، و(( كشف الظنون)) (٢٥٤/١). 00000 ٣٨0 00000 GX الموحِّدين في حدوث العالَمِ ، وليس هذا موضعَ ذكرها . وأمَّا الكلامُ في إثبات علم الله عزَّ وجلَّ وقدرتِهِ وحياتِهِ وإرادتِهِ وبقائِهِ .. فإن الخلافَ فيه مع فريقَينِ : قومٌ : ينكرون وصفَهُ بأنه عالمٌ قادرٌ حيٌّ مريدٌ ، والكلامُ عليهم يأتي بعد هذا (١) وفريقٌ : وافقونا على كونه عالماً قادراً حيّاً ، ولكنهم لم يثبتوا له عِلماً ولا قدرةً ولا حياةً تقومُ بذاته ؛ وهم القدريَّةُ (٢) . وزاد عليهم النجَّارُ نفيَ إرادةِ الله ، مع إقراره بأنه سبحانَهُ لم يزل مريداً(٣) [ دليلُ ثبوتٍ صفاتِ المعاني ] والدليلُ على إثبات عِلمِهِ وقدرتِهِ (٤) : أن الفعلَ لا يقعُ إلا من ذي قدرةٍ ، كما لا يقعُ إلا من قادرٍ ، وإذا كان مُحكَماً مُتقناً لم يقع إلا من ذي عِلمٍ ، كما لا يقعُ إلا من عالمٍ . فكما دلَّت أفعالُ الله الحِكَميَّةُ على كونه عالِماً قادراً ؛ لاستحالة وقوعها ممَّن ليس بعالم قادر .. وجبَ أن تكونَ أيضاً دالَّةٌ على عِلمِهِ وقدرتِهِ ؛ (١) وهو قول بعض الفلاسفة؛ لأن الاشتراك في الوصف على مذهبهم يقتضي المشابهة . انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٨٣ - ١٨٤)، وسيأتي (١ / ٤٧٠). (٢) انظر قولهم (٣٧٩/١) . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)» (ص٥١٤)، وفي (أ): ( في نفي ) بدل ( نفي ). (٤) وهذا المسلك هو واحد من الجوامع الأربعة في الاستدلال . ٢ 10 لاستحالة وقوعها ممَّن ليس له علمٌ ولا قدرةٌ . وقد اختلفت المعتزلةُ في الاعتراض على هذا الاستدلال : فكان الجبائيُّ منهم يقول : إن الفعلَ المُحكَمَ إذا وقع منَّا دلَّ على علم فاعلِهِ وقدرتِهِ ، وإذا وقع من الله عزَّ وجلَّ لم يَدُلَّ على أكثر من كونه عالِماً قادراً . قال : وذلك أن الفعلَ المُحكَمَ إنما يدلُّ على ما له كان فاعلُهُ عالِماً قادراً ، فإذا كان عالِماً قادراً بعلم وقدرة .. دلَّ على علمِهِ وقدرتِهِ ، وإذا كان عالِماً قادراً لنفسه .. دلَّ على أن نفسَهُ عالِمٌ قادرٌ فحسْبُ (١) وكان الكعبيُّ منهم يقول : إن الفعلَ المُحكَمَ إنما يدلُّ على أنَّ فاعلَهُ عالِمٌ قادرٌ فحسْبُ ، ثمَّ يُنظرُ فيه ؛ فإن جاز عليه الجهلُ والعجزُ .. عُلِمَ بذلك أنه عالِمٌ بعلم ، قادرٌ بقدرة ، وإن استحال عليه العجزُ والجهلُ وسائرُ أضدادِ العلم والقدرة .. كان عالِماً بنفسه ، قادراً بنفسه (٢) 00 وكان أبو هاشم يقول : إن دلالةَ الفعلِ على أن الفاعلَ عالِمٌ قادرٌ .. دلالةٌ على أن له حالاً ؛ لكونه عليها كان قادراً ، وأن له حالاً ؛ لكونه عليها كان عالماً، وأنه بهاتين الحالتين فارقَ من ليس بعالمٍ ولا قادرٍ (٣)، وامتنعَ من وصف أحواله بالوجود والعدم على ما بيَّناه قبل هذا من مذهبه (٤) (١) ومذهبه: أنه تعالى عالم قادر لذاته. انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٥٦ -١٥٧، ١٨٢ ) . (٢) انظر ((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين" (ص ٢٨٧). (٣) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص٢٣٠)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٥٧)، و(( المسائل فى الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص ٢٨٧ ). (٤) انظر (٣٨٢/١). 00000 ٣AV 00000 AMON ٢٠٧ OOOO [ الردُّ على قولِ الجبائيِّ في الصفاتِ ] فأمَّا الكلامُ على الجبائيِّ في اعتراضه .. فهو أن يقال له : إذا كانت دلالةٌ الأفعال على أنه عالِمٌ قادرٌ كدلالة أفعالنا على أن فاعلَها منَّا عالمٌ قادرٌ .. فما أنكرتم أن دَلالتَها على عِلمِهِ وقدرتِهِ كدلالتها على علم العالم منَّا وقدرةٍ القادر منَّا ؟ فإن قال : إنما يلزمُ هذا التسويةُ متى ثبت أن دليلَ العلمِ والقدرةِ هو دليلُ العالِمِ والقادِر . 000 قيل له : قد وافقتنا في الشاهد على أن دليلَ علم الفاعلِ وقدرتِهِ هو الدليلُ على كونِهِ عالِماً قادراً ، وذلك دليلٌ على أنه متى دلَّ فعلُ الله عزَّ وجلَّ على كونه عالِماً قادِراً .. وجبَ أن يكونَ دليلاً على عِلمِهِ وقدرتِهِ ، فمَن فرَّقَ بين المدلولَيْنِ ؛ وزعم أنه في الشاهد يدلُّ على العلم والقدرة وعلى العالِم والقادر ، ولا يدلُّ في القديم على عِلمِهِ وقدرتِهِ ، مع دلالته على أنه عالِمٌ وقادرٌ .. لم ينفصل ممَّن عكسَ عليه فَرْقَهُ؛ فجعلَهُ في القديم دليلاً على الأمرَينِ جميعاً ، وفي الشاهد دليلاً على أحدهما ، أو عكس عليه بأن قال : إن الفعلَ من القديم يدلُّ على علمِهِ وقدرتِهِ ، ولا يدلُّ على كونِهِ عالِماً قادراً ، وفي المُحدَث يدلُّ على الأمرَينِ جميعاً (١) (١) وهو استدلال مفحم، وانظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٢٠٣) وما بعدها . ٣٨٨00000 160000 GYO [ الردُّ على قولِ الكعبيِّ في الصفاتِ ] وأمَّا الكلامُ على الكعبيُّ في قوله: ( إن الأفعالَ [دالَّةٌ] على أن الفاعلَ عالِمٌ فحسب(١) ، والعلمَ بعلمِهِ وقدرتِهِ يتعلَّقُ بدليل آخرَ سوى الفعلِ)(٢) .. فوجهُهُ : أن الفعلَ إذا دلَّ على أن فاعلَهُ عالِمٌ قادرٌ .. لم يخل مدلولُهُ: أن يكونَ هو نفسَ العالِمِ والقادرِ ووجودَهُ فحسب، أو كونَهُ على وصف مخصوصٍ. وباطلٌ أن يكونَ مدلولُهُ وجودَ ذاتِهِ فحسب ؛ لأن وجودَ الشيء لا يُوجِبُ صحَّةَ كونِهِ فاعلاً ولا وجودَ الفعل منه(٣) ؛ لأن الأعراضَ والجماداتِ موجودةٌ ، ولا يصحُّ منها الأفعالُ بحالٍ . ولمَّا بطل ذلك .. صحَّ أن مدلولَهُ وَصْفٌ للفاعل يفارقُ به من يتعذَّرُ عليه مثلُ ذلك الفعل . وإذا صحَّ ذلك لم يخلُ ذلك الوصفُ : من أن يكونَ هو العلمَ والقدرةَ ، أو نفسَ العالِمِ القادِر ، وبطل أن يكونَ ذلك نفسَهُ ؛ لوجود نفسه في الشاهد غيرَ عالِم ولا قادِر ، فعُلِمَ بذلك : أن مدلولَ الأفعال في الشاهد إنما هو علمُ فاعلها وقدرتُهُ . وإذا ثبت ذلك : فكلُّ فاعلٍ يدلُّ فعلُهُ على علمِهِ وقدرتِهِ ؛ لأن مدلولَ الدليل لا يختلفُ بالشاهد والغائب . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( دلالة ) . (٢) انظر قوله المتقدم (٣٨١/١). (٣) وإلا كان كل موجود فاعلاً بالذات ، وهو خلاف المشاهدة . [ الرءُ على البهشميَّةِ في الصفاتِ ] وأمَّا الكلامُ على أبي هاشم في قوله : ( إن الفعلَ يدلُّ على حالٍ للفاعل فارقَ بها من ليس له وصفُ العالِم والقادِر) .. فهو : أن هذا إقرارٌ منه بالعلمِ والقدرةِ ؛ لأن العلمَ إذا دلَّ على حالٍ للفاعل فارقَ بها من ليس بعالِم .. فقد صارَتْ تلك الحالُ معلومةً بدَلالة الفعل ، ودعواه أنها غيرُ معلومةٍ جهلٌ وإنكارٌ لِمَا يَعلمُ من نفسه خلافَهُ . وإذا صار الحالُ معلوماً بالدليل .. فلا يخلو : أن يكونَ هو الذاتَ ، أو معنىٌ لا يقال : إنه ذاتُهُ . فإن كان ذاتَهُ : رجع إلى مِثْلِ قولِ الجبائيّ في أنه عالمٌ لنفسهِ ، وذلك ممَّا يأباهُ أبو هاشم، وقد أفسدنا قولَ الجبائيِّ في ذلك قبل هذا(١) oc وإن كان معنىّ لا يقال فيه : إنه ذاتُ العالِم : فهو العلمُ الذي أثبتناهُ ، إلا أنه امتنعَ من تسميته عِلماً ، وسمَّاهُ حالاً (٢) ثم قلنا لأصحاب أبي هاشم أيضاً : هَبْ أنَّا سلَّمنا لكم أن للعالِمِ بكونه عالِماً حالاً كما زعمتم ؛ أليس لا يحصلُ للعالِم منَّا هذه الحالةُ إلا عندَ وجودٍ علم يوجبُهُ ويقتضيه ، ولا يحصلُ له الحالُ إذا لم يُوجَدِ العلمُ له ؟ فإذا قالوا : بلى . قلنا : فما أنكرتُم مِنْ أنها لا تحصلُ للقديم أيضاً إلا عن علمٍ يوجبُها تقدم قريباً (١/ ٣٨١) . (١) (٢) فعاد الخلاف اصطلاحياً ، غير أنه لا يقرُّ بذلك. 20200 .. ٣٩ 00000 ٪ ويقتضيها له ؟! كما أنه إذا كان حالُ المريد منَّا الحاصلةُ له عندَ كونه مريداً مِنْ موجَباتِ إرادتِهِ .. كانَتِ الحالُ الحاصلةُ عندَكم للقديم في كونه مريداً حاصلةً واجبةً له من أجْل إرادته(١) ، ووجبَ عمومُ ذلك في كلِّ مريد قديماً كان أو مُحدَثاً . كذلك إذا كان حالُ العالِم في كونه عالِماً ، وحالُ القادر في كونه قادراً من أَجْلٍ وجودِ عِلمه وقدرته .. وجبّ عمومُ ذلك في كلِّ عالِم وقادر قديماً كان أو مُحدَّثاً . واعترضوا على هذه الدلالة باعتراضَينٍ آخرَينِ : أحدُهما : أن أصحابَ الكعبيِّ زعموا : أن من عَلِمَ وجودَ الفعل المُحكّم من الفاعل .. عَلِمَ بالبديهة والضرورة أن فاعلَهُ عالِمٌ قادرٌ ؛ فالعلمُ بالعالِم القادر بديهةٌ ، والعلمُ بعلمه وقدرته لا يقعُ من طريق البديهةِ ، وإنما يُعلَمُ بالنظر والاستدلال ؛ لأن الأعراضَ الغائبةَ عن الحواسِ طريقُ إثباتها الدليلُ دون البديهةِ ، وفي ذلك دليلٌ على أن الدليلَ على العالِم القادر ليس هو الدليلَ على علمه وقدرته . والاعتراضُ الثاني : أن الباقينَ من المعتزلة وافقونا على أن كونَ العالِم عالِماً والقادرِ قادراً معلومٌ بالدلالة دون البديهة ، إلا أنهم قالوا : الدلالةُ على كونه عالِماً قادراً غيرُ الدلالة على علمه وقدرته ؛ لأن نفاةَ الأعراضِ قد علموا بالأفعال المُحكَمة أن فاعلَها عالِمٌ قادرٌ، ولم يعلموا وجودَ علمِهِ وقدر ته . (١) وهذا موضع اتفاق بيننا وبينهم . weAcact ٣٩\/ccccC (٢٠ AY EG Y 000 DoO وقالوا أيضاً : لو كان الفعلُ دليلاً على قدرة الفاعل .. لكان فِعلاً للقدرة ، ولو كان إحكامُهُ وإتقانُهُ دليلاً على عِلمه .. لكان فِعلاً للعِلم ، كما أنه لمَّا كان الفعلُ المُحكَمُ المُتَقَنُ دليلاً على أن فاعلَهُ عالِمٌ قادرٌ .. كان فِعلاً للقادر العالِم . فيقالُ لأصحاب الكعبيِّ : ومن سلَّمَ لكم أن كونَ العالِمِ عالِماً والقادر قادراً معلومٌ بالبديهة ؟! وما أنكرتُم أن ذلك معلومٌ بالاستدلال ؟! فإن استدلُّوا على ذلك: بأن كلَّ مَن عَلِمَهُ فاعلاً عَلِمَهُ قادراً . 000 DoO 000000 V قيل : إنما يعلمُهُ فاعلاً بالاستدلال دونَ البديهةِ ، كذلك يعلمُهُ قادراً بالاستدلال ، وقد يعتقدُهُ فاعلاً من لا يعلمُهُ قادراً ، كما أن جميعَ أهلِ الطبائع يعتقدون أن الطبائعَ الأربعَ فاعلةٌ(١)، ولا يعتقدونها قادرةً ولا عالمةً ، وأصحابَ التولَّدِ من المعتزلة يجيزون وقوعَ أفعالٍ مُحكّمةٍ متقنةٍ على طريق التولَّد من فاعل هو غيرُ قادرٍ عليها في وقتٍ وجودِها ولا عالمٍ بها ، وأجازوا حدوث المتولِّدات ممَّن لم يعلمْهُ وقتَ وجودِها ولا قبل وجودِها(٢) على أن قول من قال : ( من عَلِمَ وجودَ الفعل المُحكَم مِن فاعل .. عَلِمَ بالضرورة كونَهُ عالِماً قادراً ) .. يمكن عكسُهُ بأن يقال: من عَلِمَهُ فاعلاً .. عَلِمَ عِلْمَهُ وقدرتَهُ بالضرورة . (١) وهي : الحرارة ، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، وأصلها عند القائلين بها : الأركان الأربعة ؛ وهي : النار ، والهواء ، والماء ، والتراب . (٢) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٣٨٧) وما بعدها ، والضمير في قوله: ( يعلمه ) عائد على الحدوث . COODO ٣٩٢, 00000 ودعواه : أن نفاةَ الأعراض - كالأصمِّ وغيرِهِ - يعلمون الإنسانُ فاعلاً للأفعال المُحكَمةِ المُتقنةِ، ويعلمونَهُ عالِماً قادراً، ولا يعلمون عِلْمَهُ وقدرتَهُ .. دعوى فاسدةٌ ؛ لأنَّا لا نسلِّم لهم أن نفاةَ الأعراضِ علموا الإنسانَ فاعلاً أصلاً ، فضلاً عن أن يعلموه عالِماً قادراً؛ لأن الإنسانَ يستحيل أن يكونَ فاعلاً للأجسام(١) ، والأعراضَ التي يصحُّ أن تكونَ أكساباً للإنسان لا يثبتها نفاةُ الأعراض ، فكيف يصحُّ علمُهم بكونه فاعلاً ؟! وإذا لم يصحَّ علمُهم بالفعل منَّا لم يصحَّ علمُهم بأنه عالِمٌ قادرٌ وإن اعتقدوه عالِماً قادراً ، والمعتقِدُ لا يجبُ أن يكون اعتقادُهُ علماً وقولُهُ : ( لو كان الفعلُ المُحكَم دليلاً على علمٍ فاعلِهِ وقدرتِهِ .. لوجب أن يكونَ فعلاً للعلم والقدرة) .. باطلٌ مُنتِقِضٌ؛ لأن العلمَ عندَهم دليلٌ الإرادةِ ، وليس هو [فعلاً] للإرادة (٢)، وكذلك المعجزاتُ أدلَّةٌ على صدق الأنبياء ، وليس من شرطها أن تكونَ أفعالاً لهم ولا لصدقهم ، كذلك الأفعالُ دالَّةٌ على علمٍ فاعلِها وقدرتِهِ ، ولا يجبُ أن تكونَ أفعالاً للعلم والقدرة . [ استدلالُ القدريةِ على نفي صفةِ العلم لله تعالى، والرُّ عليهم ] واستدلَّت القدريَّةُ على نفي علم الله عزَّ وجلَّ بأن قالت : لو كان عالِماً بعلمٍ لوجب أن تكونَ علومُهُ بقَدْرِ معلوماته ، فإذا كانت معلوماتُهُ غيرَ متناهيةٍ (١) لأن الشيء لا يصنع مثلَةُ، وتقدم الحديث عن هذا (٣٣٥/١). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فعل ) . X وجب أن تكونَ علومُهُ غيرَ متناهية (١) وبنَوا هذا الاستدلالَ على قولهم : إن العلمَ الواحدَ في الشاهد يستحيلُ تعلُّقُهُ بمعلومَينٍ على التفصيل (٢) وهذه قاعدةٌ غيرُ مسلَّمةٍ لهم في الشاهد(٣)؛ وذلك أن أصحابَنا اختلفوا فيها : فمنهم : من أجاز أن يُحدِثَ اللهُ عزَّ وجلَّ للعبد عِلماً واحداً يعلمُ به معلوماتٍ كثيرةً على التفصيل (٤) وكان أبو الحسن الباهليُّ يقول(٥) : ( يجوزُ ذلك في العلم الضروريٍّ دون الاستدلاليِّ ؛ لاستغناء الضروريِّ عن الاستدلالِ عليه، فلا يُنكَرُ أن يُحدِثَ الله عزَّ وجلَّ من جنسِهِ ما يَعلمُ به جميعَ المعلومات على التفصيل ، (١) وهذا منهم دليلٌ على عدم التفرقة عندهم بين الصفة وتعلُّقاتها؛ إذ جعلوا التعدُّدَ الذي هو صفة للتعلق .. صفةً للصفة . (٢) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٢٠٢)، والخلاف محصور في تعلق العلم بمعلومين على التفصيل دون الجملة ، أما من طريق الجملة فقال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص١٣): ( أما من طريق الجملة : فلا خلاف فيه بين أصحابنا وبين المعتزلة ، وسواء كان ذلك علماً مكتسباً أو ضرورياً ؛ لأن علمنا بأن معلومات الله تعالى لا نهاية لها وكذلك مقدوراته .. علمٌ يتناولها على طريق الجملة ؛ وهو علم واحد ، والمعلوماتُ أكثر من ذلك ) . (٣) الشاهد هنا : هو العلم الحادث ، والمذاهب الآتي ذكرُها فيه ، لا في القديم . (٤) وهو مذهب الشيخ الأشعري كما نقله الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٣)، ونقل الإمام الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (١/ ٩٥) أن الإمام الأشعري منع ذلك ، وكلام الأستاذ ابن فورك والإمام المصنف هنا أثبت وأعلم . (٥) من أعيان الطبقة الأولى من الأشاعرة. انظر ((تبيين كذب المفتري)) (ص ٣٤٧). ٥٥٥٥٥ ٣٩٤٠ ٢٠٧٥ ولا يصحُّ مِنَ الناظر الاستدلالُ على معلوماتٍ لا نهايةً لها في حالٍ واحدة ، فلذلك لم يَجُزْ أن يتعلَّقَ علمٌ واحدٌ استدلاليٌّ بجميع المعلومات على التفصيل ) (١) وقال أخرون من أصحابنا : ( كلُّ علم مُحدَث مُتعلِّقٌ بمعلوم على التفصيل (٢) ، ولا بدَّ من ذلك؛ وذلك أن علمَ الواحدِ منَّا ببعضِ المعلوماتِ هو علمُهُ بأنه عالِمٌ به ، فلو كان عِلمُهُ بشيء من الأشياء غيرَ عِلمِهِ بأنه عالِمٌ به .. لصحَّ أن يَعلمَ الشيءَ من لا يَعلمُ أنه عالِمٌ به ، أو يشكُّ في عِلمِهِ به ، وإذا استحال ذلك ثبت أنه يَعلمُ كونَهُ عالِماً بالشيء بنفس عِلمِهِ به)(٣) وإذا صحَّ ذلك .. بطلَ قولُ القدريَّةِ : ( إن العلمَ الواحدَ في الشاهد لا يتعلَّقُ بمعلومَينِ على التفصيل ) . 000 وإذا بطلَت هذه القاعدةُ .. بطلَ بناؤهم عليها نفيَ علم الله عزَّ وجلَّ ؛ من أَجْلِ استحالةِ علومٍ لا نهايةً لها . ويقالُ لهم : إِنْ سلَّمنا لكم استحالةَ تعلُّقِ علمٍ واحدٍ بمعلومَينِ في الشاهد .. فإنَّ ذلك كاستحالة أن تُعلَمَ معلوماتٌ بنَفْسٍ واحدةٍ في الشاهد(٤)، وإذا جاز أو وجب عندَكم أن يكونَ الله عالماً بجميع المعلومات (١) انظر (( أبكار الأفكار)) (٩٥/١)، و((المواقف)) (ص١٤١). (٢) والتفصيل : في كونه عالماً بهذا المعلوم ، وعالماً بأنه عالمٌ به ، ولو قال : ( بمعلومين ) بدل ( بمعلوم ) لكان أوضح . (٣) وهو اختيار المصنف؛ قال في ((أصول الدين)) (ص٣٠): ( والصحيح عندنا : أن كل علم متعلق بمعلومَينٍ ) . (٤) انظر ((أصول الدين)) (ص٣١)، والعبارة في ( ب، ج): (فإن ذلك كاستحالة أن = O 00000 ٣٩٥ على التفصيل بنفسِهِ ، مع استحالةِ ذلك في الشاهد .. فما أنكرتُم من وجوب كونِهِ عالِماً بجميع المعلوماتِ بعلمٍ واحد ، وإن استحالَ في الشاهد وجودُ علمٍ يتعلَّقُ بمعلومات ؟! ويقال لهم أيضاً : استحالةُ أن يَعلمَ العالِمُ في الشاهد معلوماتِهِ بلا عِلمٍ .. أشدُّ وأبلغُ من استحالة كونِهِ عالِماً بمعلومَينِ بعلمٍ واحدٍ ، فإنٍ استحالَ أن يكونَ الله عزَّ وجلَّ عالِماً بعِلم ، واستحالَ تعلَّقُ عِلمِهِ بمعلوماتٍ على التفصيل ؛ لاستحالة ذلك في الشاهد .. وجبَ استحالةُ كونِهِ عالِماً أصلاً إذا لم يكن له عِلمٌ ؛ لأن استحالةَ ذلك في الشاهد أولى وأبلغُ . وقد استقصينا إبطالَ شبهِهم في كتاب (( فضائح المعتزلة)) ، فأغنى عن تطويل الكتاب به . [ استدلالُ أهل السنةِ على إثبات صفتي العلم والقدرةِ ] وممَّا استدلَّ به أصحابُنا على إثبات العلم والقدرة لله عزَّ وجلَّ أنْ قالوا : إن تعلُّقَ العالِمِ والقادر بالعلم والقدرة في كلِّ حالٍ كان فيه عالِماً قادراً .. كتعلُّق العلم والقدرة بالعالِم القادر في كلِّ حالٍ يكون العلمُ فيه عِلماً والقدرةُ قدرةً ، فوجب أن يكونَ اقتضاءُ العالِم القادر للعلم والقدرة .. كاقتضاء العلم والقدرة للعالِمِ القادر ؛ ألا ترى أنه لمّا كان تعلّقُ المتحرِّك بالحركة في كلِّ = يعلم بمعلومات بنفْسٍ واحدة في الشاهد )، والمراد : أنكم أثبتم معنا تعدُّداً في المعلومات ، وأحلتم أن تكون بعلم واحد ، غير أنكم لم تُحيلوا أن تكون بحالٍ واحدة ( العالمية ) ! مع أننا في الشاهد نحيل تعدد المعلومات مع إثبات حال واحدة للنفس . ٣٩٦٠ حالٍ يكونُ فيه متحرِّكاً كتعلُّق الحركةِ بالمتحرِّك في كلِّ حالٍ يكون فيه حركةٌ .. كان اقتضاءُ المتحرِّك للحركةِ كاقتضاء الحركةِ للمتحرِّك ؟! فإن قيل : يلزمُكم على هذا : أن تكونَ حقيقةُ الموجود والمُحدَث واحداً ؛ لأن تعلُّقَ كلِّ واحد من الوصفَينِ بالآخرِ كتعلُّقِ الآخرِ به في الشاهد . قيل : ليس تعلُّقُ الوجودِ بالحدوث كتعلُّقِ الحدوثِ بالوجود في كلّ حالٍ ؛ وذلك أن المُحدَثَ في حالِ حدوثه موجودٌ ، وفي حالٍ بقائه موجودٌ، ولم تَحدُثْ عينُهُ في حالٍ بقائه(١) ، فلذلك لم يجب أن يكونَ معنى المُحدَثِ والموجودِ واحداً ، ولمَّا وجدنا العالِمِ في كلِّ حالٍ متعلُّقاً بالعلم ، كما وجدنا العلم في كلِّ حال مقتضياً للعالِم .. علمنا أن حقيقةَ العالِم : مَنْ له عِلْمٌ ، كما بيَّناه (٢) وإن سألوا : عن تعلَّق العلم والقدرةِ والإرادةِ والسمع والبصرِ بالحياة ؟ قيل : ليس تعلُّقُ هذه الصفاتِ بالحياة كتعلُّقِ الحياةِ بها ، وإن كان وجودُ الحياةِ شرطاً فيها ؛ لأنه يصحُّ وجودُ حيِّ ليس بعالمٍ ولا قادرٍ ولا مريد ولا سميعٍ ولا بصيرٍ ، فلذلك لم يَجُز أن تكونَ حقيقةُ الحيِّ : مَن يستحقُّ هذه الصفاتِ(٣) وممَّا يدلُّ على أن الله تعالى عالِمٌ بعلم وقادرٌ بقدرة : أن كلَّ شيئَين على أن البقاء صفة معنى . (١) (٢) وانظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٠). (٣) بل الحياة من شأنها تصحيحُ الاتصاف بهذه الصفات أو بأضدادها؛ إذ لا يعقلُ عالم أو قادر أو مريد أو سميع أو بصير .. بغير حياة . 00000 ٣٩٧٠ ON استحقًّا صفةً واحدةً .. وجب استحقاقُهما لها من جهةٍ واحدةٍ ؛ إمَّا لأنفسهما ؛ كالسوادَينِ، وإمَّا لمعنىٌ ؛ كالأسودَينِ ، وإن استحقَّها أحدُهما لا لنفسه ولا لمعنىّ .. وجب أن يكونَ الآخرُ أيضاً كذلك؛ كاللونَينِ على مذهب من قال من المعتزلة : إن اللونَ لونٌ لا لنفسه ولا لمعنىّ (١)، وبه قال القلانسيُّ من أصحابنا . فإن كان البارئُ سبحانَهُ عالِماً لنفسه .. وجب ذلك في كلِّ عالِم سواه ، وكذلك إن كان عالِماً لا لنفسه ولا لمعنىّ .. وجب مثلُ ذلك في كلِّ عالِم سواه ، وإذا استحالَ ذلك في عالِمٍ ما .. استحالَ في كلِّ عالِم ؛ لأن حقائقَ الأوصاف لا يجوز اختلافُها في الشاهد والغائب (٢)، وإن جاز اختلافُ شروطِها. فإن قيل : أليس قد يكونُ [الشيئانِ](٣) موجودَينِ وأحدُهما موجودٌ لنفسه والآخرُ موجودٌ لمُوجِد أوجدَهُ ؟! AO bo قيل : وجودُ الشيء لا يقتضي مُوجِداً مِن حيثُ كان موجوداً (٤)، وإنما يقتضي مَنْ أوجدَهُ مِنْ حيثُ كان مُوجَداً (٥)، وحقيقةُ الوجود في الشاهد والغائب لا تختلفُ في كونه موجوداً لنفسه ، وللكنه متى كان مُوجَداً اقتضى مُوجِداً . AO (١) وهو مذهب جمهور المعتزلة. انظر ((الشامل في أصول الدين)) (ص٣٠٩). (٢) فحقيقةُ السمع والبصر في القديم والحادث ترجعُ إلى الإدراك، وهو شاملٌ لهما معنىّ، مع علمنا بأن التحقيق كونُهما في القديم من المتشابهات . في جميع النسخ : ( الشيئين ) . (٣) كذات الله تعالى وصفاته سبحانه . (٤) (٥) كالعالَمِ الذي هو ما سواه تعالى . 00000 ٣٩٨ CON OOoo [ تحقيقُ القولِ في صفتَيِ القدمِ والبقاءِ ] فإن قيل : فما تقولون في القديم والباقي إن استحقًّا هذا الوصفَ لمعنىٌ .. فصفاتٌ عندَكم قديمةٌ باقيةٌ لا لمعنىَ ، وفي هذا نقضُ استدلالكم . قيل : أمَّا القديمُ فقد اختلف فيه أصحابنا : فمنهم من قال : ( هو قديمٌ لنفسِهِ ) ، وبه قال أبو الحسن الأشعريُّ ، فعلى هذا القولِ تكونُ صفاتُ الله القائمةُ بذاته قديمةً لأنفسها(١) ومنهم من قال : ( القديمُ قديمٌ لِقِدَمِ يقومُ به ) ، كما ذهب إليه عبدُ الله بنُ سعيد ، وعلى هذا القولِ لا يقال لصفات الله : إنها قديمةٌ ، ولا إنها مُحدَثَةٌ، ولكنها موجودةٌ أزليَّةٌ (٢) . فالسؤالُ على هذَينِ المذهبَينِ ساقط . وأمَّا الباقي : فقد أجمع أصحابُنا على أنه يكونُ باقياً للبقاء(٣) ، إلا أنهم 0000000 (١) حكى الإمام ابن فورك عن الشيخ الأشعري قولين في القديم ؛ أحدهما : أنه تعالى قديم بقدم ، والثاني: أنه قديم بنفسه . انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٢٨)، وتقدم (٢٣٨/١ ) . (٢) تقدم (٢٣٨/١)، لأننا إن قلنا : إنها محدثة .. لزم حدوث الذات المقوِّمة لها، وهو أمر مستحيل ، وما أدى إلى المحال فهو محال ، وإن قلنا : إنها قديمة .. تعيَّن أنها قديمة لقدم قائم بها ، ويستحيل قيام المعنى بالمعنى ، ويتفرَّع على هذا القول أيضاً : أنه لا يجوز أن يقال : القدم عينُ الذات ، ولا غيرُ الذات . (٣) قوله : ( أجمع ) ليس المرادُ الإجماعَ الذي لا اعتبارَ بمخالفته ، وعبارة المصنف في ((أصول الدين)) (ص١٢٣): ( وأجمع أصحابنا على أنه باقٍ ببقاء يقوم به ، غير القاضي أبي بكر بن الطيب ؛ فإنه قال بأن الله باقٍ لنفسه ، وبه نقول ) . = 00000 ٣٩٩ 00000 ON