النص المفهرس
صفحات 321-340
ATEG TODAY [ أصنافُ الضالِّينَ عن الحقِّ ] ومنهم : من أجرى على معبوده أوصافاً يؤدِّيه إلى القول بالتشبيه مع تبرِّيه منه في الظاهر (١)؛ كالمشبِّهة والمجسِّمة والحلوليّة على اختلاف مذاهبهم في ذلك فأمَّا الخارجون عن ملَّة الإسلام .. ففريقان : د [ الدهريةُ ] أحدُهما : دهريَّةٌ ينكرون الصانعَ : فلا يُكلَّمونَ في نفي التشبيه عنه ، وإنما يُكلَّمون في إثباته(٢) والفريقُ الثاني : يقرُّون بالصانع ، ولكنَّهم مختلفونَ فيه : 000000 [ التنويَّةُ ] فمنهم : من يقول بإثبات صانعَينِ ؛ يزعم : أنهما النورُ والظلمةُ ، ويطلقون عليهما التشبيه ، ويقولون : إنهما من جنس العالم ، وإنه لا يُعقلُ في الغائب إلا مثلُ ما في الشاهد ، وإن الشيءَ إنما يدلُّ على مثله وشكله ، (١) يعني: وإن كانت لازمةً عن مذهبه عقلاً، فهم على ضلال وإن لم يلتزموا هذه اللوازم الباطلة عقلاً وشرعاً . (٢) إذ الأصلُ في المعبود أن يكون منزَّهاً عن صفات العباد ، ومن ادَّعى المشابهةَ فهو من يطالبُ بالدليل . وإن النورَ الذي في الشاهد يدلُّ على نورٍ قبلَهُ في الغائب يفعلُ الخيرَ دون الشر(١) ، وإن الظلامَ الذي في الشاهد يدلُّ على الظلام الذي في الغائب يفعلُ الشّرَّ دون الخير (٢) [الطبائعيَّةُ ] ومنهم : من ينسب الأفعالَ والحوادثَ إلى الطبائع الأربعة ، ويقول : بقدم أربعةِ عناصرَ ؛ وهي : الأرضُ، والماءُ ، والنارُ ، والهواءُ ، ويدَّعي أن جميعَ العالم حادثٌ مُحدَثٌ من تركيباتِ هذه العناصر ، وهي الفاعلةُ بالطبيعة ؛ ما يحدثُ .. بامتزاج بعضها ، وهؤلاء أيضاً يزعمون : أن الشيءَ إنما يدلُّ على مثله وشکله دون خلافِهِ(٣) ومنهم : من يقول بصانع واحد قديم ، وهؤلاء مختلفون فيه : 00000 [ الفلاسفةُ ] فمنهم : من يقول : إنه لا يشبهُ شيئاً من العالم ، ويُفرِط في نفي الصفات عنه ، حتى يدخلُ في باب التعطيل ؛ وهم أكثرُ الفلاسفة (٤) (١) في (ج): ( مثله) بدل ( قبله ) . وهو قول المانوية والديصانية على خلاف بينهم. انظر ((الملل والنحل)) ( ٤٩/٢). (٢) (٣) وهم بعض الفلاسفة ؛ ونقل الإمام الشهرستاني عن ديمقريطيس في (( الملل والنحل )) (١٥٨/٢): (كان يقول في المبدع الأول : إنه ليس هو العنصر فقط ، ولا العقل فقط، بل الأخلاط الأربعة ؛ وهي الأُسْطُفْساتُ ؛ أوائلُ الموجودات كلها ) ، وقد نسب ابن حزم هذا القول إلى طائفة من المانوية. انظر ((الفصل في الملل والنحل)) (٣٧/١). (٤) انظر (٢٩١/١). Y.PGY [ اليهودُ ] ومنهم : المُفرِط في إثبات الصفات والجوارح له ، حتى يدخلُ في باب التشبيه بينه وبين خلقه ؛ كاليهود الذين زعموا : أن معبودَهُم على صورة إنسان في الأعضاء والجوارح ، والحدِّ والنهاية ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً(١) وتبعَهم على هذا القول جماعةٌ من المنتسبين إلى الإسلام ، مع تبرِّيهم من القولِ بالتشبيه في الظاهر ؛ خوفاً من إظهار العامَّة على عوار مذاهبهم ، وهؤلاء فرقٌ : 0000000 [ الهشاميَّةُ الحَكَمِيَّةُ] منهم : أصحابُ هشام بن الحكم الرافضيِّ ، فإنه زعم : أن معبودَهُ جسمٌ ذو أبعاض ، وله قَدْرٌ من الأقدار ، إلا أنه مع ذلك لا يشبهُ الأجسامَ ، هذا هو المسطورُ في كتابه . إلا أن ابنَ الراوَنْدِيِّ ذكرَ في كتابه الذي انتصرَ فيه لهشام في التجسيم : أن هشاماً كان يقول(٢): إن بين معبوده وبين الأجسام مشابهةً وتشابهاً من بعض الجهات ، ولولا ذلك ما دلَّت عليه . (١) قال الإمام الشهر ستاني في ((الملل والنحل)) (١٠٦/١) ضمن كلامه على الأصول والأخبار التي اعتمدها المشبهة : ( وأكثرها مقتبسة من اليهود ؛ فإن التشبيه فيهم طباع ) . (٢) قوله : ( هشاماً) رسمت في جميع النسخ : ( هشام ما ) . وذكر الجاحظُ في كتابه : أن هشامَ بن الحكم قال في التشبيه في سنة واحدة بخمسةِ أقوال ؛ زعمَ في أحدها : أن معبودَهُ سبعةُ أشبار بشبرِ نفسه!(١). وحكى الأشعريُّ عنه في كتابه : أنه يقول : إن معبودَهُ كسبيكة الفضَّة يتلألأُ من كلِّ جانب . وحكى أبو الهذيل عنه : أنه زعم : أن الجبلَ يُوفِي على معبوده ويزيدُ عليه (٢) [ الجواربيَّةُ ] ومنهم : الجواربيَّةُ ؛ أصحابُ داودَ الجواربيِّ ؛ الذي كان يزعمُ : أن معبودَهُ ذو أعضاء كأعضاء الإنسان ؛ من لحم وجلد ، وأنه مُطْلَقٌ له جمیعُ الأعضاء إلا الفرجَ واللحيةَ ، وأنه مع ذلك لا يشبهُ شيئاً من العالم . وقريبٌ من هذا المذهب قولُ هشام بن سالم ؛ فإنه روي عنه أنه قال : ( إن معبودي مجوَّفٌ نصفُهُ الأعلى، ومصمتٌ نصفُهُ الأسفل(٣)، وإن له شعرةً سوداءَ ) ، وسمَّاها نوراً أسودَ . (١) قال الإمام المصنف في ((الفرق بين الفرق)) (ص٦٥): ( لأن كل إنسان في الغالب من العادة سبعةُ أشبارٍ بشبر نفسه ) . (٢) وكان قد لقيه عند جبل أبي قبيس ، فسأله : أيهما أكبر معبوده أم هذا الجبل ؟ قال : فأشار إلى أن الجبل يوفي عليه تعالى ، وأن الجبل أعظم منه ، وقد نقل كل ذلك عنه الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣١ - ٣٣). (٣) وهو قول اليونسية؛ أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي. انظر ((اعتقادات فرق المسلمين والمشركين » ( ص ٦٥ ). ٢٠٠٠٠٣٢٣٥٠٠ [ الحلوليَّةُ الحلمانيَّةُ] ومنهم : الحلوليّة ؛ وهم أصحابُ أبي حلمان الدمشقي(١) ؛ الذي كان يزعم : أن معبودَهُ كان يتنقلُ في الأجساد والأشخاص ، ويتَّصلُ بها ؛ وهؤلاء هم الذين إذا رأوا صورةٌ حسنةً سجدوا لها ؛ يوهمون أنه فيها ، وإنما أخذوا هذا القولَ من النصارى ؛ الذين زعموا : أن اللاهوتَ اتَّصلَ بالناسوت فاتَّحدا ، فكان يحيي الموتى ويبرئُّ الأكمه والأبرصَ بلاهوته ، ويأكلُ الطعامَ ويمشي في الأسواق بناسوته ، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً وحكى أهلُ المقالات في كتبهم عن قوم من غلاة الروافض ما يضاهي قولَ النصارى والحلوليَّة والمشبِّهةِ من اليهود من وجوه كثيرة ؛ منها : [ البيانيَّةُ] البيانيّةُ: وهم أصحابُ بيانٍ بن سمعانَ التميميِّ ، حكوا عن بيان أنه زعم : أن الله عزَّ وجلَّ على صورة الإنسان، وأنه يَهْلِكُ كلُّهُ إلا وجهَهَ ؛ لقوله عز وجل: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وكان يزعم: أنه يدعو بالزُّهَرَةِ فتجيبُهُ، وأنه إنما يفعلُ ذلك بالاسم الأكبر(٢) (١) قال الإمام المصنف في (( الفرق بين الفرق)) (ص٢٥٩): ( أصله من فارسَ ، ومنشؤه حلب ، وأظهر بدعته بدمشق ؛ فنُسب لذلك إليها ) . (٢) وكان بيان هذا يحتجُّ على كونه مرسلاً بقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، وقد صلبه خالد بن عبد الله القسري عامل هشام بن عبد الملك، وأراح الأرض من أنفاسه. انظر ((مسائل الإمامة)) (ص ٤٠ - ٤١)، و((مقالات الإسلاميين)) (ص٥). Y ٠٠٠٠٠ ٣٢٤ 000٠٠ [ الجناحيَّةٌ ] ومنها : أن المعروفين منهم بأصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر زعموا : أن الأرواحَ تتناسخُ ، وأن روحَ الله كانت في آدمَ ، ثمّ تناسخت في إمام بعد إمام حتى صارت فيه ، وزعمت : أنه ربّ ، وأنه نبيٌّ، وكفرَ هؤلاء بالقيامة ، وزعموا : أن الدنيا لا تفنى، واستحلُّوا الميتةً والخمرَ وغيرها من المحارم، وتأوَّلوا في ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣](١). [ المغيريَّةٌ ] ومنها : أن رجلاً منهم يُعرَفُ بالمغيرة بن سعيد ، وكان يدَّعي أنه نبيٌّ ، وأنه يعلمُ اسمَ الله الأعظم ، وزعم : أن معبودَهُ رجلٌ من نور ، له أعضاءٌ ، وعلى رأسه تاج ، وأعضاؤه مثلُ أعضاء الرجل ، وله جوفٌ وقلبٌ تنبعُ منه الحكمةُ، وأن حروفَ ( أبي جادٍ ) على عدد أعضائه(٢)، وزعم : أن (١) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص ٢٤٥)، وقال النوبختي في ((فرق الشيعة)) ( ص٧٦) في بيان افتراق الفِرقة المنتسبة إلى عبد الله بن معاوية ابن جعفر بعد مقتله على يد أبي مسلم الخراساني .. إلى فرق: (ومنهم تفرَّقت فِرَقُ (الخُرَّمِدينية))، ومنهم كان بدء الغلو في القول ، حتى قالوا : إن الأئمة آلهة ، وإنهم أنبياء ، وإنهم رسل ، وإنهم ملائكة ، وهم الذين تكلموا بالأظلة ، وفي التناسخ في الأرواح ) . (٢) يعني : ثمانية وعشرين ، وهي : أبجد ، هوز ، حطي ، كلمن ، سعفص ، قرشت ، تخذ ، ضطغ . COO الألفَ موضعُ قدمه، وذكر في الصاد ما يقشعرُّ الجلدُ من ذكره(١)، وزعم: أنه قد رآه ، وأنه يحيي الموتى باسمه الأعظم . وذكر بَدْءَ الخلق فقال : ( إن الله عزَّ وجلَّ كان وحدَهُ ، فلمَّا أراد أن يخلقَ الخلقَ تكلّم باسمه الأعظم ، فطار ، فوقع فوقَ رأسه التاجُ ؛ وذلك قوله : ﴿ سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. ثمَّ كتبَ بإصبَعِهِ على كفُّه أعمالَ العباد من المعاصي والطاعات ، فغضب من المعاصي ، ففاض عرقاً ، فاجتمعَ من عرقه بحرانٍ ؛ أحدهما : مالحٌ مظلمٌ، والآخر : عذبٌ نيٌّ ، ثمَّ اطّلع في البحر فأبصر ظلَّهُ، فذهب ليأخذه ، فطار ، فانتزع عينَ ظلَّهِ ، فخلق منها الشمسَ ، ومحق ذلك الظلَّ وقال : لا ينبغي أن يكون إله غيري ، ثمَّ خلق الخلق كلَّهُ من هذَينٍ البحرَينِ ؛ فخلق الكفّار من المالح المظلم ، وخلق المؤمنين من العذب النيِّرِ ، وخلق ظلَّ الإنسانِ ؛ فكان أوَّلَ ما خلق منها ظلُّ محمَّد صلى الله عليه وسلم )، وقال: (وذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَّلُ اَلْعَبِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]. 000 ثمَّ أرسل محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافَّةً وهم ظِلالٌ ) . قال : ( ثمَّ عرض على السماوات والأرض والجبال أن يمنعْنَ عليَّ بن (١) أراد - قَبَّحَهُ الله - إثبات العورة، وفي (ب): (الضاد) بدل ( الصاد )، والذي في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٧): (وذكر الهاء فقال: ((لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمراً عظيماً))، يُعرِّض لهم بالعورة، وبأنه قد رآه لعنه الله)، وفي ((البدء والتاريخ)) (١٤٠/٥): أن الصاد والضاد موضع عينيه، فلعل قوله: (الصاد ) تصحّفت عن الهاء . ٦00000 ٢ ٣ 00000 Yorsa أبي طالب ، فأَبَيْنَ ، ثمَّ على الناس ، فصار عمرُ إلى أبي بكر ، وأمرَهُ أن يتحمَّلَ مَنْعَهُ على الغدرِ به (١)، ففعل أبو بكر ذلك ؛ فذلك قوله ﴿ إِنَّا عَرَضِّنَا الَّأَ مَانَةٌ عَلَى السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها ... ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٧٢]. قالوا : ( وقال عمر لأبي بكر : أنا أعينُكَ على عليٍّ بن أبي طالب لتجعل لي الخلافةَ من بعدك ؛ فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَا كَفَرَ﴾ [الحشر: ١٦]، والشيطان : عمر ). وزعم : أن الأرضَ تنشقُّ عن الموتى ، فيرجعون إلى الدنيا . وزعموا : أن جابراً الجعفيَّ كان على مذهب المغيرة الذي ذكرنا (٢) [ المنصوريَّةٌ ] ومنها : أن فِرِقةً منهم يقال لهم : أصحاب أبي منصور العِجْليِّ ؛ الملقَّب بالمستنير ، قالوا : إن أبا منصور هذا زعم : أنه عُرجَ به إلى السماء ، فمسح معبودُهُ رأسَهُ بيده ، ثم قال : يا بنيَّ ؛ اذهبْ فبلِّغ عني ، ثم نزلَ به إلى الأرض ، ويمينُ أصحابِهِ إذا حلفوا أن يقولوا : لا والكفِّ ، أو : لا والكلمةِ . وزعم : أن عيسى أوَّلُ من خلقَ الله من خلقه ، ثمَّ عليٌّ، وأن رسلَ الله (١) عبارة الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)): (فقام عمرُ بن الخطاب إلى أبي بكر ، فأمرَهُ أن يتحمَّلَ منعه وأن يغدر به ) . (٢) انظر ((مسائل الإمامة)) (ص٤١)، و((مقالات الإسلاميين)) (ص٧ - ٨)، ولا خلاف بين المسلمين سنة وشيعة في شأن ابن سعيد هذا ؛ فقد اتفقوا على إفكه وزندقته ٢٥٠٠٠CC TV CCCCO 0000 لا ينقطعون أبداً، وكفَرَ بالجنَّة والنار، وزعم : أنهما اسما رجلَينِ . واستحلَّ النساءَ ، وأحلَّ ذلك لأصحابه ، وأباحَ الميتةَ والدمَ والخمرَ والميسرَ وغيرَها من المحارم ، وزعم : أن الله عزَّ وجلَّ ما حرَّمَ شيئاً منها ولا ممَّا تَقْوى به نفوسُنا .. علينا، وإنما هي أسماءُ رجال حرَّم اللهُ علينا ولايتَهم ، وأسقط الفرائضَ ، وزعم : أنها أسماء رجال أوجبَ الله علينا ولايتَهم . واستحلَّ خنقَ المخالفين ، وأمرَ به ، وتأوَّلَ في ذلك قولَهُ تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] (١). [ الزُّراريَّةُ ] 000000 ومنها : أن فِرِقةً من العِجْليَّة انتسبوا إلى رجل يقال له : زُرارةُ بن أعين ، زعموا : أن معبودَهُم لم يزل غيرَ سميع ولا بصير ولا عليم ، حتى خلقَ لنفسه سمعاً وبصراً وعلماً (٢) [ الخطابيَّةٌ ] ومنها : أن فِرِقةً منهم انتسبوا إلى أبي الخطّاب ، زعموا : أن الأثمَّةَ أنبياءُ، وأن أبا الخطاب كان نبيّاً ، وأن الأئمّةَ آلهةٌ ، وقالوا ذلك في (١) انظر ((فرق الشيعة)) (ص٧٨ - ٧٩)، و((مسائل الإمامة)) (ص ٤٠)، و((مقالات الإسلاميين)) (ص٩ - ١٠). (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦)، و((الفرق بين الفرق)) (ص٧٠). أنفسهم، وتأوَّلوا فيه قولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِ فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]؛ قالوا: فآدمُ إلهٌ، ونحن ولدُهُ، وزعموا: أن أبا الخطاب إليه، وأن جعفر بن محمد إلهُهُم أيضاً ، إلا أن أبا الخطاب أعظمُ منه وأعظمُ من عليٍّ . وهؤلاء يُسمَّونَ الخطابيَّةَ، وهم يتديَّنون بشهادة الزور على مخالفيهم(١)، ولهم مثلُ هذه الحماقات ما يطول الكتاب بذكرها ، إلا أنا ذكرنا طرفاً منها ليُعلم أن بدوَّ التشبيه في هذه الأمّة إنما كان من فِرَق الروافض (٢) [ اللهُ تعالى مخالفٌ لما سواهُ سبحانَهُ ] واعلم : أن كلَّ من تبرَّأْ من التشبيه بين الله عزَّ وجلَّ وبين خلقه من هذه الأمة .. فإنه يطلِقُ القول بأن الله عزَّ وجلَّ مخالفٌ للعالم ، إلا أبا الهذيل وعبَّادَ بن سليمانَ الصيمريَّ ومن تبعهما من المعتزلة ؛ فإنهم قالوا إن الله عزَّ وجلَّ ليس [بمخالفٍ] للعالم (٣) ، مع قولهم: إنه لا يشبهُ العالم! واعتلَّ أبو الهذيل في ذلك : بأن المخالفَ إنما يكون مخالفاً لغيره (١) انظر ((المعارف)) (ص٦٢٣)، و((فرق الشيعة)) (ص٨٢)، و((مسائل الإمامة)) ( ص ٤١ ) . (٢) قال النوبختي في ((فرق الشيعة)) (ص٨٨) بعد تعداده الفرق الغالية: (فهذه فرق أهل الغلو ممن انتحلّ التشيُّعَ؛ وإلى ((الخرمدينية))، و((المزدكية))، و(( الدهرية)) مرجعُهم جميعاً ) . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( مخالف ) . ٥٥٥٥٥ ٣٢٩ 00000 بخلاف يقومُ به ؛ لأن كلَّ جسم قام به خلافٌ خالفَ به جسماً آخرَ ، والبارئى سبحانه ليس بجسم يحتمل الأعراضَ ، فلا يحلُّهُ الخلافُ ، فلذلك لم يكن مخالفاً(١) وأما عبَّاد : فإنه استدلَّ على ذلك: بأن أسماءَ الله عزَّ وجلَّ ممَّا يجبُ أن يكون مجمعاً عليه ، فلو كان ( المُخالِفُ) من أسمائه لأجمعَتْ عليه الأمَّةُ ، وعلى إكفار من قال : إنه ليس بمخالِفٍ للعالم (٢) [ إطلاقُ لفظِ المباينةِ بينَ اللهِ تعالى وخلقِهِ ] واختلفَ أصحابُنا في إطلاق لفظ المباينِ في أوصاف الله عزَّ وجلّ : فكان عبد الله بن سعيد يقول : ( إن الله تعالى مباينٌ لخلقه ) ؛ وأراد به : المباينةَ التي هي ضدُّ المماسّة ، وقال أيضاً : ( إنه سبحانه باينَ خلقَهُ لا بمسافة ولا بتحيُّر )(٣) 0000000 وكان أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله : لا يطلقُ عليه اسم المبايِنِ إلا على معنى المخالِفِ ؛ فإذا قال : إنه مباينٌ لخلقه ، أو بائنٌ من خلقه .. (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٤٠، ٣٥١)، و((تمهيد الأوائل)) (ص٢٧٨)، وإنما المختلفان : الموجودان اللذان ثبت لأحدهما من صفات النفس ما لم يثبت للآخر. انظر ((الإرشاد)) (ص٣٤)، وما تقدم (٣٠٣/١) . (٢) نقل ذلك أيضاً إمام الحرمين في (( الشامل في أصول الدين)) (ص ٣٣٧). (٣) وهو الذي عبّرَ عنه حجة الإسلام الغزالي بأنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ؛ لأن شرط الدخول والخروج ثبوت الحيّز ، ولا حيِّر لذات القديم سبحانه ، فالمباينة في الصفات ، لا في الذوات . ٣٣٠٥٥٥ 00000 فمعناه عنده : أنه مخالفٌ لخَلْقه في الصفات ؛ كما يقال في العَرَضِينِ : إنهما متباينانٍ بالوصف والحقيقة(١) [ استحالةُ الضّدِّيَّةِ والمشابهةِ بينَ اللهِ تعالى وخَلْقِهِ ] وأجمع أصحابُنا : على أن الله عزَّ وجلَّ لا ضدَّ له ، وأنه ليس بضدٌّ لشيء من الأشياء بحال . واستدلَّ أصحابُنا على أن الصانعَ لا يشبهُ شيئاً من خلقه بأن قالوا : لو كان يشبهُ الخلقَ .. لم يخلُ : من أن يشبهَ جميعَ الخَلْقِ ، أو بعضَهُ . OC فلو أشبهَ جميعَ الخلق : لزم أن يكون قائماً بنفسه ؛ من حيث أشبه الجواهرَ والأجسامَ ، وغيرَ قائمٍ بنفسه ؛ من حيث أشبه الأعراضَ ؛ لأن الأعراضَ كلَّها غيرُ قائمةٍ بأنفسها ، فكان يكونُ قائماً بنفسه غيرَ قائمٍ بنفسه ! ويستحيلُ أن يكونَ القائمُ بنفسه غيرَ قائم بنفسه . ولأنه لو كان مُشبهاً لجميع الخلق .. لأشبهَ جميعَ الأعراض المتضادَّةِ ؛ فكان يكون سواداً وبياضاً ، وحياةً وموتاً ، وحرارةٌ وبرودةٌ ، وإذا استحالَ أن يكون الحيُّ ميتاً في حالٍ حياته .. استحالَ أن تكون الحياةُ موتاً بكلِّ حال . وإن كان يشبهُ بعضَ الخلق : لم يخلُ أن يكونَ الذي يشبهُهُ من الخلق : من جنس الأجسام والجواهر ، أو من جنس الأعراض . (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٥٧ ). CHO 1,0000 ٣٣ 00000 000 AYO coo Y.NCY فإن كان يشبهُ شيئاً من الأعراض : وجبَ ألا يكونَ قائماً بنفسه ، وأن يكون مفتقراً إلى محلٌّ يقومُ به ، وكان ذلك المحلُّ بأن يكون إلهاً دونه أولى ؛ لأن المحلَّ أقوى من العرض الذي يقوم به ، ولأن من شرط الصانع أن يكونَ حيّاً عالماً قادراً مريداً، ويستحيلُ أن يكونَ العرضُ على هذا الوصف ، فبطل أن يكون مُشبِهاً لشيء من الأعراض . وإن كان مُشبِهاً لشيء من الأجسام : وجبّ أن يكونَ حكمُهُ حكم الأجسام فيما لا تخلو منه الأجسامُ ؛ وهو الحوادثُ المتعاقبةُ عليها ، فكان يجب أن يكونَ محلّاً للحوادث المتعاقبة عليه ، ولو كان كذلك لم يَجزْ أن يخلوَ منها ؛ لأن ما لا يخلو من الحوادث لا يسبقُها ، وما لا يسبقُ الحوادثَ يكون مُحْدَثاً ، وإذا أُبطِل حدوثُ القديم .. بطلَ أن يكون مُشِهاً لشيء من الحوادث . واستدلَّ أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله على نفي التشبيه بأن قال : ( لو كان صانعُ العالم يشبه المُحدَثَ .. لم يخلُ : من أن يشبهَهُ من كلِّ وجه ، أو من بعض الوجوه )(١) وهذا ينقسمُ منه على المخالف : الذي يُجيز اشتباهَ الشيئَين من وجه ، مع اختلافهما من وجه آخر (٢) ويحتملُ أن يكون قَصَدَ به : أنه لو كان كذلك .. لم يخلُ : من أن يكونَ قد وُجِدَ فيه من أدلَّة الحدوث جمیعُ ما دلَّ على حدوث (١) انظر ((اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)) (ص١٩ - ٢٠). (٢) انظر (٢٨٩/١ - ٢٩١). X 00000 00000٣٣٢ الحوادث كلِّها ، فتكونَ جميعُ دلائل الحدوث دلالةٌ على حدوثه . أو يكونَ قد دلَّ بعضُ دلائل الحدوث على حَدَثِهِ ، فيجبَ من ذلك الوجه حدوثُهُ . وإذا بطلَ حدوثُ القديم .. بطلَ أن يدلَّ على حدوثه شيءٌ، وإذا بطلَتِ الدَّلالة على حدوثه .. لم يكن مُحدَثاً ولا مُشْبِهاً لشيء من الحوادث . [ استدلالُ الأشعريِّ على نفْيٍ التشبيهِ معَ المشبِّهةِ المقرِّينَ بشريعةِ الإسلام ] واستدلَّ على المشبِّهة المقرِّين بشريعة الإسلام في نفي التشبيه بين الله عزَّ وجلَّ وبين خلقه .. بقوله عزَّ وجلّ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى ١١]. وقد اعترضَ بعضُ المشبِّهة ، وبعضُ المعترضين على القرآن في ذلك بأن قال : إن هذه الآيةَ تقتضي إثباتَ مِثْل، ونفيَ مِثْلٍ عن ذلك المِثْل ! وهذا جهلٌ منهم بوجوه كلام العرب في مخاطباتها ومحاوراتها ، مع انتقاضِهِ في نفسه . فأمَّا وجهُ جهلِهِم بوجوه كلام العرب : فهو أن العربَ تزيدُ المِثْل تارةً في الكلام ، وتزيد الكافَ أخرى في الكلام مع الاستغناء عنها ؛ وذلك كقول القائل لصاحبه : أعرفك كالهيِّن العاجز ؛ أي : أعرفك هيّناً عاجزاً ، وقال الشاعر(١): [من المتقارب] وقتلَى كمثلٍ جذوع النخيلِ تغشَّاهُمُ سَبَلٌ مُنْهَمِزْ (١) البيت الشاعر الجاهلي أوس بن حجر. انظر ((ديوانه)) (ص٣٠). 00000,٣٣٣ 100000 BrA TOVO COOK أراد : أنهم كجذوع النخيل ، فزاد المِثْلَ صلةً في الكلام(١) [من مشطور الرجز ] وقال الآخر (٢): فصُيُِّوا كِمِثْلِ عَصْفٍ مأكولْ أراد : مِثْلَ عصف ، فزاد الكاف . [من مشطور الرجز] وقد تزيد العربُ الكافَ على الكاف ؛ كقولٍ آخرَ (٣): وصالياتٍ ككما يُؤْنَفَيْنْ أراد : كما يُؤْثَفَيْنَ ، فزاد عليه كافاً (٤) فكذلك قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] الكافُ فيه زائدةٌ(٥) ، والمراد: ليس مثلَهُ شيءٌ ؛ ومعناه: ليس شيءٌ مثلَهُ . 00000000000000 وأما وجهُ مناقضة السؤال في نفسه : فمن حيث إن السائلَ زعم أن له مِثْلاً لا نظيرَ له، وإذا لم يكن للمِثْل نظيرٌ .. بطلَ أن يكون مِثْلاً له ؛ لأن مِثْل 00 (١) الشََّلُ: المطر، قال الإمام الطبري في ((تفسيره)) (٤٧٠/١٦): (والمعنى عندنا : كالجذوع ؛ لأنه لم يرد أن يجعلَ للجذوع مثلاً ثم يشبّة القتلى به ) . (٢) هو رؤبة بن العجاج. انظر (( ديوانه)) (ص١٨١). (٣) هو حُطام المجاشعيُّ انظر ((تهذيب اللغة)) (١٠٩/١٥). (٤) الصاليات : الحجارة التي توضع عليها القدور ؛ وهي الأثافيُّ التي فيها قيل مَثَلاً: جاء ثالثة الأثافي ، ويقال لها أيضاً : الخوالد ، وقوله : ( ككما ) الكاف الأولى حرف ، والثانية اسم بمعنى ( مثل) ، والمعنى: وحجارة منصوبة كمثل الأثافي ، فأدخل الكاف على الكاف لتوكيد الكلام، قال الإمام الطبري في ((تفسيره)) (٢١/ ٥١٠): ( أدخل على الكاف كافاً توكيداً للتشبيه ) . (٥) أو كما قال قبلُ : ( صلة). ٤٥٥ ٣٣ 00000) د AY الشيء يقتضي أن يكونَ المضافُ إليه بالتماثل مِثْلاً له ، وذلك متناقضٌ ، وإذا تناقضَ السؤال في نفسه .. لم يستحقَّ جواباً . [ الردُ على الثنويَّةٍ ] فأمَّا قول الثنويَّة : (إن الفعلَ إذا دلَّ على فاعله وجبّ أن يكونَ من جنسه ؛ كدلالةِ النار الشاهدةِ على أن النارَ الغائبةَ مثلُها ، وكدلالة الثلج الحاضرِ على أن الثلجَ الغائبَ مثلُهُ)(١) .. فباطلٌ؛ لأن الشيءَ قد يدلُّ على خلافه ؛ كدلالةٍ الكتابةِ على الكاتب، ودَلالةِ النسج على الناسج ، وكدَلالةِ الدُّخَانِ على النار(٢) على أنهم قد اعتبروا أمورَ الدلائل والمدلولات بالشاهد ؛ فإنا لم نرَ في الشاهد فاعلاً يشبه فِعلَهُ ، بل وجدنا كلَّ فاعلِ في الشاهد خلافَ فِعِلِهِ ؛ كالضارب خلافَ ضربه ، والكاتبِ خلافَ كتابته ، ونحوُ ذلك كثيرٌ (٣) فيلزمهم من هذه القضية : أن يكونَ صانعُ العالم خلافَ جميع العالم ، وألا يكونَ مُشْبِهاً لشيء منها بحال . [ الردُّ على المشبهةِ المنتسبينَ للإسلام ] وأمَّا الكلامُ على المشبِّهة المنتسبين إلى الإسلام .. فمبنيٌّ على: أن الصانعَ سبحانه ليس بجسم ولا جوهر . (١) تقدم (٣٢٠/١) . (٢) فقلنا : إن للعالَمِ الحادِثِ دَلالةٌ على محدِثِهِ ؛ فهي دَلالة عقلية محضة . (٣) حتى قال الحافظ البيهقي في ((الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد)) (ص٩١): ( يستحيل أن يكون الفاعل يفعلُ مثلَهُ ؛ كالشاتم لا يكون شتماً وقد فعل الشتم ، والكاذب لا يكون كذباً وقد فعل الكذب ) ، وذلك لأن فعل الفاعل مباين للفاعل . ٣٣٥ 100000 O وسنذكرُ الدليل على ذلك إذا انتهينا إلى ذكر الأوصاف التي يستحيلُ عندنا إطلاقُها عليه(١) فإذا صحَّ لنا أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا صورة .. بطلَ أن يكونَ له أعضاءٌ وجوارحُ ، وفي بطلان ذلك بطلانُ التشبيهِ بينه وبين الأشخاص والأجساد . وممّا يدلُّ على صحّة قولنا في هذا الباب من غير طريق البناء (٢): 000000 أنه لو كان لصانع العالم أعضاءٌ وجوارحُ وأبعاضٌ ونهاياتٌ .. لم تكن ذاتُهُ شيئاً واحداً ، وكان كالجملة المركَّبة من أجزاء وأبعاض ، ولو كان كذلك لكان كلُّ جزء من أجزائه قائماً بنفسه ؛ لأن التأليفَ والانضمامَ لا يقعُ إلا بين قائمَينٍ بأنفسهما(٣) ولو كان كلُّ جزء منه قائماً بنفسه .. صحَّ أن يقومَ بكلِّ واحدٍ منها الصفاتُ والأعراضُ التي أجازَتِ المشبّهةُ قيامَها بالقديم ، ولو كان كذلك وجبَ أن يكونَ كلُّ واحد منها مساوياً للآخر في قيام ما يقوم به من الصفات الواجبة والجائزة . 0000000 00 وإذا كان شيءٌ منها حيّاً .. وجبَ أن يكونَ الآخرُ كذلك، وكذلك إذا (١) انظر (٣٥١/١) . (٢) يعني : من غير بناء الاستدلال على التسليم بأن صانع العالم ليس بجسم ولا جوهر ؛ وذاك قوله قبلُ : ( فمبنيٌّ على أن الصانع ... )، وفي هامش (أ): ( بلغ) . (٣) ولو ادَّعى الخصم أنه سبحانه مركّب مؤلَّف، غير أنه لا يقبل التجزُّؤ والتبغُّض .. سقطت مكالمته ؛ لتهافت كلامه ، ومثل ذلك دعواه أنه تعالى موجود ممتدٌّ في الأبعاد الثلاثة طولاً وعرضاً وعمقاً ، غير أنه لا يقبل الانقسام ! 00000 ٣٣٦ 00000 حلَّت القدرةُ والعلمُ والإرادةُ في بعضها .. وجب في الجزء الآخر مثلُ ذلك ، حتى يكونُ كلُّ جزء منه حيّاً قادراً عالماً مريداً على الانفراد ، وذلك يوجبُ أن تكونَ ذاتُهُ أحياءً قادرينَ عالمينَ مریدینَ ! ولو جاز ذلك لجاز وقوعُ التمانع والاختلاف بين أجزائه في المرادات ، وأدَّى ذلك إلى قول من ادَّعى للعالم صانعَينِ أو صانعِينَ كثيرين ، وذلك مستحيلٌ ، فما أدَّى إليه مثلُهُ (١) . فإن قيل لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ بعضُ أجزائه مختصّاً بالحياة والعلم والقدرة والإرادة ؛ كاختصاص بعض أجزاء الإنسان بذلك في الشاهد ؟ قيل : لو كان كذلك لم يكن بعضُ أجزائه بأن يختصَّ بالحياة والعلم والإرادة والقدرة أولى من بعضٍٍ إلا بمخصِّص يخصِّصُهُ بذلك ، والإنسان إنما اختَصَّ بعضُ أجزائه بقيام القدرة والعلم والإرادة دون بعض لمخصِّصٍ خصَّهُ بذلك(٢) ، على أن كلَّ جزء من الإنسان لم يُوجدْ فيه قدرةٌ وعلمٌ وإرادةٌ .. وُجِدَ فيه أضدادُ هذه الصفات ؛ من العجز والجهل والسهو والكراهة ونحوِها . فلو اختصَّ بعضُ أجزاء القديم بالعلم والقدرة والحياة .. لوجب أن توجدَ أضدادُ هذه الصفات في أجزائه الباقية ؛ فيكونَ بعضُ ذاته حيّاً وبعضُهُ ميتاً ، وبعضُهُ قادراً عالماً وبعضُهُ عاجزاً جاهلاً ، وذلك كفرٌ ، فما يؤدِّي إليه مثلُهُ . (١) يعني : في الاستحالة، والموافقةُ بين الأجزاء قهرٌ تتنزَّهُ عنه رتبة الإلهية. (٢) وهو القديم سبحانه وتعالى، على أن أصل قياس الغائب على الشاهد دليلٌ جدلي ، لا برهاني . 00000 ,٣٣٧ 00000 (٢.٣ فإن قيل : لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ مجموعُ أجزائه حيّاً واحداً ، وقادراً واحداً ، وعالماً واحداً ، ومريداً واحداً ؛ بحياة وقدرة وعلم وإرادة تُوجّد في بعضه ؛ كما يكون جملةُ الإنسان حيّاً واحداً ، وقادراً عالماً مريداً واحداً ؛ بحياة وقدرة وعلم وإرادة تُوجَدُ في بعض أجزائه ؟ قيل : لأصحابنا في ذلك جوابان : أحدُهما : إحالةُ ذلك في الشاهد والغائب ، وهذا على أصل أبي الحسن الأشعريِّ رحمه الله ؛ وعندَهُ: أن الحيَّ القادرَ العالمَ المريدَ في الشاهد هو الجزءُ الذي قام به العلمُ والإرادةُ والقدرةُ والحياةُ ، وهذه الأوصافُ لا تستحقُّها [الجملةُ] بحلول هذه الصفات في بعضها(١) ؛ كما أن الجملةَ لا تكون أسودَ ولا متحرِّكاً بحلول السواد والحركة في بعضها ، بل يكون الجزءُ الذي قام به السوادُ والحركةُ أسودَ متحركاً بالسواد والحركة القائمَينِ به ، دون ما جاورَهُ من الأجزاء ، وفيه سقوطُ السؤال(٢) والجواب الثاني : على قول من قال من أصحابنا : ( إن جملةَ الإنسان حيٌّ واحدٌ وعالمٌ واحدٌ )(٣) .. أن يقال: لم يكن وقوعُ هذه الأسماءِ على (١) في جميع النسخ: ( الجُمَلُ) وهي محتملة، والمثبت يُفهم من السياق، وهو كذلك في الأصول المنقول عنها . (٢) وقد جوز الإمام أبو الحسن الأشعري إطلاق الحي القادر على الجملة مجازاً ؛ قال : ( إنما يجري ذلك على الجملة مجازاً وتوسعاً ، فأما الحقيقة من ذلك فلمن قام به ) ، غير أن المنازعة في موضع الحقيقة. انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص ١٥) . (٣) القائل بذلك: هو الإمام أبو العباس القلانسي وابن كلاب رحمهما الله. انظر ((تلخيص الأدلة)) (ص٢٥١) وما سيأتي (٢/ ٤٠٠). ACON DO000 ٣٣٨ جملة الإنسان من أجل اجتماع أجزائه ، وإنما كان لأن الله عزَّ وجلَّ خصّها بذلك، وأوقعَ هذه الأسماءَ على جملة أجزائه ، ولو فرَّقَ أجزاءه ، وجعل كلَّ جزء منها حيّاً قادراً عالماً .. كان جائزاً صحيحاً . وإنَّما يستحيلُ ذلك في الأجزاء المتفرِّقة على أصول القدريَّة(١) ، ولذلك قال أصحابنا : إن المعتزلةَ عاجزةٌ عن إثبات توحيد ذات الباري عزَّ وجلَّ مع قولهم : إن الشيء الواحدَ لا ينقسمُ في الشاهد ؛ فيستحيلُ أن يكونَ حِيّاً قادراً عالماً مريداً (٢)، كما نبيِّنه عندَ ذكرنا معنى وصفنا لله عزَّ وجلَّ بأنه * (٣) واحدٌ [ استدلالُ المشبِّهةِ بالآياتِ المتشابهاتِ وتفنيدُ شُبَههم ] واستدلَّ المشبِّهةُ المُقِرُّون بهذه الشريعة : على إثبات الأعضاء والجوارح الله عزَّ وجلَّ بآيات وأخبار (٤) ؛ منها : قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. لاشتراطهم البنية وسلامتها ، حتى منع بعضهم عذاب القبر لأجل ذلك . (١) (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٢٠٥). (٣) انظر (٣٣٩/٣). هذه الآيات والأخبار المتواترة : هي قطعية الثبوت ، ظنية الدلالة ، وقواطع الأحكام (٤) العقلية البرهانية هي قطعيةُ الثبوت بالأقيسة البرهانية الاقترانية والشرطية ، وقطعيةٌ الدلالة ، ولا يخفى أن ظنيَّ الدلالة يحملُ على قطعيِّها ، وبهذا تعلم : أن أصل هذه الطريقة الاستدلالية التي سلكها المشبهة الموهِمون باتباع النقول .. هي طريقة مغلوطة ؛ تُسِيءُ للكتاب والسنة من حيث يظنُّ الضعفاء أنها تنصرهما. انظر ((مفاتيح الغيب)) (٦٣/٢). 0000