النص المفهرس

صفحات 141-160

يكن شيءٌ منه موجوداً في الأزل(١)
a
وقد أجمعَ سلف هذه الأمة على تكفير من قال : ( ليس لله عزَّ وجلَّ
اسمٌ ولا صفة ) ، فكذلك يجب تكفيرُ من قال: ( لم يكن له في الأزل اسمٌ
ولا صفة )(٢)
[ استدلالُ من قال: الاسمُ غير المسمَّى ]
واستدلَّ من زعم أن الاسمَ غيرُ المسمَّى: بأنه قد تَكثُرُ الأسماءُ والمسمَّى
يكون واحداً ؛ فلو كان الاسمُ هو المسمَّى لوجب أن يكونَ لكلِّ مسمّىَ اسمٌ
واحد، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَدَعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]،
وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ للهِ عزَّ وجلَّ تسعة وتسعينَ اسماً)) (٣)،
وقال عليه السلام : (( لي خمسةُ أسماءٍ ؛ أنا محمدٌ ، وأحمدُ ، والماحِي ،
والحاشرُ ، والعاقبُ))(٤)، وقد علمنا أنَّ المسمَّى من ذلك واحدٌ .
0000000000
(١) قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٧٢): ( قالت المعتزلة
والخوارج : الأسماءُ والصفات هي الأقوال ، وهي قولنا : الله عالم ، الله قادر ،
وما أشبه ذلك ) ، ونقل الإمام الأشعري فيه (ص ١٩٢ ) إجماعَ المعتزلة على ذلك .
(٢) قال إمام الحرمين الجويني في ((الإرشاد)) (ص ١٦١): ( من زعم أنه لم يكن لربه
تعالى في أزله صفةُ الألوهية .. فقد فارق الدين ، وراغمَ إجماع المسلمين ) ، وانظر
(( تمهيد الأوائل )» ( ص٢٤٨) .
(٣) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم ( ٦/٢٦٧٧) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله
عنه .
(٤) رواه البخاري (٣٥٣٢) من حديث سيدنا جبير بن مطعم رضي الله عنه بلفظ: ((لي
خمسة أسماء : أنا محمد، وأحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا
الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب » .
00000 ١٤٠

وقالت العربُ: للخمر مئةُ اسم وأكثرُ من ذلك كلِّهِ(١)
والمسمَّى في كلِّ نوع من ذلك واحدٌ ، والاسمُ كثير ، وذلك دليلٌ على
أنَّ الاسم غيرُ المسمَّى(٢).
وقالوا أيضاً : قد يكون المسمَّى على وصف يستحقُّ به اسماً ، ثم يتغيَّر
وصفُهُ ، فيتغيَّرُ اسمُهُ ولا يتبدَّل عينُهُ مع تبدُلِ اسمه بغيره ، وقد يُولَدُ له
فيصيرُ أباً بعد أن لم يكن أباً ، وهو موجودٌ في الحالتين ، واستحقَّ اسمَ الأب
في [إحدى] حالتيه دون الأخرى(٣)، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ اسمَهُ غيرُ
ذاته (٤)
وقالوا أيضاً : لو كان اسمُ الشيء هو ذاتَهُ لكان من قال: ( النار ) احترق
لسانُهُ ، ومن قال : ( الحلاوة ) وجد طعمها في لهواته ؛ لوجود اسمه في
محلِّ الذوق ومكان الاحتراق ، وإذا لم يكن كذلك دلَّ على أن الاسمَ غيرُ
المسمَّى .
oc
وقالوا أيضاً : لو كان الاسمُ هو المسمَّى لكان المسمَّى هو الاسمَ ، ولو
كان كذلك .. لوجب أن يقال : إن البارئ اسمٌ، كما يقال: إنه المسمَّى ،
ولو كان هو سبحانه اسماً .. لجاز أن يقال: اسمُهُ غفر لي، واسمُهُ رزقني
وخلقني .
وح
ولو كان الاسمُ هو المسمَّى لجاز أن يقال : أكلت اسمَ الطعام ، كما
و
(١) انظر ((المخصص)) لابن سيده (١٩٢/٣).
(٢)
انظر ردَّ هذه الشبهة ( ١/ ١٤٣ ).
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( أحد ) .
(٤)
انظر ردَّ هذه الشبهة (١ / ١٤٤).
100000 00000
CONT

Pa YO
حديـ
٥
يقال : أكلتُ الطعام ، وجلستُ على اسم الأرض ، كما يقال : جلستُ
على الأرض ، ورأيت اسمَ زيد ، كما يقال : رأيتُ زيداً، ولجاز أن يقال :
سمعتُ بالأرض ، كما يقال : سمعت باسم الأرض ، ونحوُ ذلك .
ولمَّا قيل : كتبت اسم زيد ، ولم يُقل: كتبتُهُ .. دلَّتْ هذه الفروقُ على أن
المسموعَ والمرئي والمكتوب غيرُ ما ليس بمسموع ولا مرئي ولا مكتوب(١)
ـى
وقالوا أيضاً : متى وقعَ السؤالُ عن اسم الشيء لم تقع الإشارةُ إليه عند
الجواب ، فلو كان اسمُهُ هو هو .. لكان إذا قيل : ( ما اسمُ فلان ؟ ) أنْ
يُشارَ إلى ذاته فيقال: هو هذا، فلمَّا أَخبرَ عن اسمه ثبتَ أن اسمَهُ غيرُهُ(٢)
واستدلُّوا : بأنَّ النحويين قسَّموا الأسماءَ إلى الأقوال الدَّالةِ على
المسمَّيات، وقسَّموها إلى: [وجوهٍ ؛ منها: اسم مشتقٌّ،](٣) واسم
علم ، وإلى سالم ومعتلّ ، ومبنيٍّ [ومعرب] (٤) ، ومُبهَمٍ ومُضمَر ، وغيرِ
ذلك من أقسام الأسماء ، ورجعوا في جميعها إلى التسميات دون
المسمَّيات ، وفرَّقوا بين ما ينصرفُ من الأسماء وما لا ينصرفُ منها ، مع
استحالةِ وصف المسمَّيات بذلك في معناهم المقصود بالصرف والامتناع
منه ، وفي كلِّ ذلك دليلٌ على أنَّ الاسمَ غيرُ المسمَّى .
(١) انظر ردَّ هذه الشبهة (١/ ١٤٤).
انظر ردَّ هذه الشبهة (١/ ١٤٣).
(٢)
(ص٥٩٣)، وقد صرَّح بالنقل عن الإمام أبي منصور البغدادي .
(٣) ما بين المعقوفين مستدرك من كتاب ((البسملة)) للحافظ أبي شامة المقدسي
(٤) ما بين المعقوفين في الموضعين بياضٌ بقدره في (أ)، وليس في (ب، ج)،
والمثبت من كتاب ((البسملة)) (ص٥٩٣) .
١٤٢٠٠٥٠٥

O
00
[ أجوبةُ الشُّبهات الواردة على قولنا: الاسمُ هو المسمَّى ]
فيقال لهم : أمَّا قولكم : إنَّ المسمَّى واحدٌ والأسماءَ كثيرة .. فغير
مُسلَّم ، بل المسمَّى اسمُهُ ذاتُهُ، وإنما تكثُرُ تسمياتُهُ ، والتسمياتُ يُطلَق
عليها لفظُ الأسماء مجازاً؛ كما يسمَّى المقدورُ قدرةً(١) ، والفعلُ المحكم
عِلْماً؛ لدلالتهما على القدرة والعلم ، كذلك الاسمُ والتسميةُ لمَّا دلَّ
أحدُهما على الآخر .. سُمِّيَ أحدُهُما باسم الآخر ، فالتسمياتُ هي
الكثيرة ، وأمَّا الاسمُ فواحد (٢) ، كما أنَّ المسمّى واحدٌ.
والدليل على أنَّ الاسمَ واحدٌ وهو المسمَّى بعينه : أن سائلاً لو سألَنا عن
اسم شخص وقلنا : إنه زيدٌ، ثم سألَنا بعد ذلك فقال: أين زيدٌ .. لأشرنا
إلى ذاته وقلنا : هذا هو زيدٌ ، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ اسمَ زيد هو ذاتُهُ ،
وإن أَطلِقِ اسمُّهُ على تسميته بزيد مجازاً
0000
00
وهذا هو الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
[الأعراف: ١٨٠]، وقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم: ((لي خمسةُ
أسماءٍ ... ))(٣)؛ وهو أنَّ العددَ في جميع ذلك راجعٌ إلى التسميات التي هي
العباراتُ عن الاسم ، ولأنَّ قولَهُ: ( للهِ) خبرٌ عن اسمه ، فلو كان الاسمُ
غيرَ المسمَّى .. لكان قولَهُ: ((اللهِ تسعةٌ وتسعون اسماً )) يقتضي أنْ تكونَ
(١) كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اَللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، فخلقه
هنا : بمعنى مخلوقه .
(٢)
الذي هو مفهوم هذه التسميات .
(٣) تقدم (١٤٠/١).
xYa

ـوحر
الأسماءُ لغيره ؛ لأنَّ ( اللّهَ) اسمٌ ، وصار تقديره على مذهب من يقول :
( إن الاسم غيرُ المسمَّى ) كأنه قال : لاسم الله تسعةٌ وتسعون اسماً ! وإذا
بطلَ هذا التأويلُ بطلَ ما يؤدِّي إليه .
ودعواكم أنَّ المسمَّى لا يتبدَّلُ مع تبدُّل أسمائه .. خطأ؛ لأنَّ الأسماءَ
عندنا لا تتبدَّل ، وإنما تتبدَّل التسميات .
وكذلك قولكم : إنَّ الاسمَ مسموعٌ غيرُ مرئي ، والمسمَّى مرئيٌّ غيرُ
مسموع .. دعوىُ، بل الاسمُ والمسمَّى واحدٌ، وكلاهما مرئيٍّ، والتسميةُ
هي المسموعةُ عند الخبر عن اسم الشيء دونَ اسم الشيء ، وإنما لم نقلْ لله
تعالى : إنَّه اسمٌ ، مع قولنا : إنه مسمّىّ ؛ لأنا نراعي في أسمائه ورودَ
الشرع والتوقيفَ بالإذن في إطلاقها ، ولو ورد الشرعُ بذلك لكان جائزاً ؛
لأنَّ اسمَ الشيء في اللغة والشرع هو ذاتُ الشيء ، وقد بيَّنَّا دليلَ ذلك من
الشرع(١)
فأمّا دليلُهُ من اللغة: فقول لبيد (٢):
[من الطويل]
ومنْ يبكِ حولاً كاملاً فقدِ اعتذرْ
إلی الحولِ ثمَّ اسمُ السلام علیکما
أراد : ثمَّ السلامُ عليكما ، فعبَّرَ عن السلام باسمه .
وإنما لم نقل : أكلتُ اسمَ الطعام ، وجلست على اسم الأرض ؛
لاشتهار ههذه اللفظةِ بين الناس في التسمية ، وإن كان حقيقتُها في المسمَّى ،
كما اشتَهر اسمُ الغائط والنَّجْوِ فيما يخرجُ من السبيلين ، وإن كان حقيقتُهما
بإيراد الآيات المحكية (١٣٨/١ -١٣٩).
(١)
(٢) انظر « ديوانه)) (ص٧٤ ) .
٥٥٥٥٥ ١٤٤
00000
ـد

لِمَا انحدرَ من الأرض غائطاً، وارتفعَ منها نَجْوةٌ .
وليس هذا بأعجبَ من قول المعتزلة: إنَّ وجهَ الله هو اللهُ(١)، ثم
قالوا : إنا نعبدُ الله ، ولم يقولوا : إنهم عبدوا الوجهَ ، ولا إنَّ الوجهَ
خالقُهم ورازقُهم .
فقال أبو الهذيل من بينهم: إن علمَ الله هو اللهُ(٢)، ولم يقل: إنه يعبدُ
علمَهُ ، ولا إن علمَهُ خالقُهُ ورازقُهُ ، فِلِمَ أنكروا قولَ من يقول : إن اسمَ الله
هو اللهُ، مع قولهم : إن المعبودَ اللهُ الخالقُ الغافرُ ، ولم يقولوا : إن اسمَهُ
خلقَهُم ورزقهم ؟!
وقد قالت المعتزلةُ مع أصحابنا : إن وجودَ السواد هو السواد ، ثم قلنا
جميعاً : رأينا السوادَ ، ولم نقل : رأينا وجودَ السواد ، وكذلك حدوثُ
المحدَثِ عندنا وعندهم هو عينُهُ ، وقد يَرى عينَهُ من لا يراه محدَثاً ،
ولا يعلمُهُ حادثاً؛ فكذلك القولُ في الاسم والمسمَّى على هذا الترتيب .
وقولُكم : إنَّ السؤالَ إذا وقع عن اسم زيدٍ وقع الإخبار عن التسمية ،
ولم تقع الإشارةُ إلى عينه .. فإنما كان كذلك : لأن السؤالَ وقع بلفظة ( ما)
التي يُستفهم بها عما لا يعقل ، فدلَّت الحالةُ على أنَّ السؤالَ وقع عن
التسمية ، ولو قال السائل : من زيدٌ؟ لأشيرَ في الجواب إلى ذاته ، وكذلك
(١) وهو القول الذي استقرُّوا عليه، وعبارة قاضيهم في (( شرح الأصول الخمسة))
(ص٢٢٧): ( والوجه بمعنى الذات مشهور في الله) ، وهو أحد قولي أهل الحق ،
ثانيهما : أنه صفة خبرية ، الله أعلم بالمراد منها، وانظر (( مقالات الإسلاميين))
(ص٢١٨) ونسب هذا القول لأبي الهذيل العلاف منهم .
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٨٤)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٨٣).
00000,١٤٥ 00000

لو قيل : مَنِ اسمُ زيد ؟ لوقعت الإشارةُ في الجواب إلى ذاته دون تسمية من
ـه (١)
يسميه(
ودعواكم إشارةً النحويين بالأسماء إلى التسميات ؛ لأجل قولهم : إنَّ
الاسمَ مثلُ قولك : زيد، وعمرو ، ورجل ، وفرس .. فغلط في
الاستدلال ؛ لأنهم قالوا أيضاً : إنَّ الفعلَ مثلُ قولك : ضربَ يضربُ ،
ولا يجبُ بذلك أنْ يكونَ معنى الفعل مقصوراً على الخبر عن الفعل الماضي
أو الخبرِ عن الفعل المضارع ، بل كان معنى الفعل شاملاً لكل محدَثٍ من
الأقوال وغيرها ، وإن خصَّها النحويون ببعض الأقوال ، كذلك معنى الاسم
شاملٌ لكل المسمَّيات ، وإن خصَّها النحويون ببعض الأقوال ، وكذلك
خصُّوا الحرفَ ببعض أدوات الأفعال ، مع شمول اسم الحرف لجميع
حروف التهجِّ ، ووقوعِهِ في اللغة على كل ما له طَرَفٌ وَحَدٌّ ؛ فكذلك
القول في الاسم مثلُهُ(٢)
(١) قال العلامة الكفوي في ((الكليات)) (ص٨٦): (وإذا استعمل - يعني: الاسم -
بمعنى التسمية .. يكون غير المسمَّى لا محالة؛ فجواب ((ما اسمك؟)): زيدٌ ؛ لأن
(( ما)) لغير العقلاء، وجواب ((من زيدٌ؟)): أنا، بالإضافة إلى الذات، وبالجملة:
الاسم هو مدلول اللفظ ، لا اللفظُ ؛ يقال: زيدٌ هذا الشخص، وزيدٌ جاء ، ولو كان
هو اللفظ لما صحَّ الإسناد ، فعُلِمَ أنه عينُ المسمَّى خارجاً ، لا مفهوماً، وأما اللفظ
الحاصل بالتكلم - وهو الحروف المركبة تركباً مخصوصاً - فيُسمَّى بالتسمية)، وهو في
غاية التحقيق .
(٢) فتبيَّن: أن الاحتجاج بمعنىّ اصطلاحي لا يصحُّ؛ لأن الاصطلاح تخصيص، وهو غير
حاجب للمعاني العامة

الفصل الثاني
في بيان معنى الصفة والوصف
والموصوف وحدود ذلك كله وحقائقه
اختلفوا في معنى الصفة والوصف :
فزعمت الجهميةُ والقدرية : أنَّ الوصفَ والصفةَ واحدٌ ، وكلاهما راجعٌ
إلى وصف الواصف لغيره، وإخبارِهِ عن صفته(١) ، وقالوا: لا صفةً إلا
قول (٢)
ومنهم من قال : الكتابةُ تكون وصفاً وصفةً ؛ كالقول(٣)
وقال بعضُهم : الإشارةُ أيضاً صفةٌ للمشار بها إليه ؛ كالكتابة والقول ؛
صفتان لمدلولهما .
(١) انظر ((أصول الدين)) (ص١٢٨).
(٢) عزاه الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٢٩) إلى الجبائي ، وانظر
((تمهيد الأوائل)» (ص ٢٥٣)، وحينما تجد قولاً لأهل الحق بأن الوصف والصفة
بمعنىّ واحد - وهو قول الإمام الأشعري كما حكاه عنه المصنف في (( أصول الدين )»
(ص١٢٨) - فعلى معنى يغاير ما ذهبت إليه الجهمية وعموم المعتزلة؛ فهم رَجَعُوا
الوصفَ والصفة إلى قول الواصف ، وأرادوا نفي الصفات الأزلية عنه سبحانه ، أما أهل
الحق فنظروا نظراً لغوياً، فجعلوهما كالوَعْدِ والعِدَة ، وهم إلى ذلك يثبتون الصفات
القديمة له تعالى .
(٣) ليثبتوا بزعمهم حدوث الصفات ؛ بكونها عندهم راجعة للأقوال الحادثة .
boo
١٤٧
ـحد

٧٠YYO
وهؤلاء مجمعون على أنَّ العزة والجلالَ والكبرياءَ ليست من صفات ربِّنا
عزَّ وجلَّ ، ولم يثبتوا له علماً ولا قدرةً ولا حياة ولا صفةً أزلية ، وزعموا :
أنه لم يكن له في الأزل اسمٌ ولا صفة(١) ، وإنما حدثَتْ للإخبار عن نفسه ؛
بناء على أصلِهِم في نفي الصفات ، وأصلِهِم في حدوث كلامه
واختلف أصحابُنا في معنى الصفة والوصف :
فمنهم من قال : الصفةُ : هي المعنى القائمُ بالموصوف به ؛ كالسواد
القائم بالأسود ، هو صفةٌ للأسود ، والعلمٍ صفةٌ للعالم من أجل قيامه به ،
وكذلك كلُّ معنىٌ قامَ بشيء فهو صفةٌ لما قام به ، ومحلُّهُ الموصوفُ به دون
غيره .
وعلى هذا المذهب : يكون قولُ القائل إذا أخبرَ به عن غيره صفةً
للقائل ؛ لقيامه به ، ويكون خبراً عن المخبَرِ عنه ولا يكون صفةً له ؛ لأنه لم
يقم به(٢)
0000000
وهذا مذهبُ الشيخ أبي العباس القَلَانسيِّ، وأكثرِ المتقدِّمين من
أصحابنا ؛ كعبد الله بن سعيد وغيره (٣)
ومن قال بههذا المذهب قال : حقيقةُ الموصوف : ما قامَتْ به صفةٌ من
(١) وعلى زعمهم هذا : ليس هناك إلا أوصاف وتسميات ، وكلاهما من أفعال البشر ، أو
الكلامِ المخلوق الحادث ، ثم الصفات عين الأوصاف ، والأسماء عين التسميات .
(٢) يعني : القولَ، فلا يُوصفُ به المخيّرُ عنه؛ فلو قال زيدٌ : عمرٌو قائم ؛ فصفة القول
هي لزيد وحده ، فهو القائل ، وصفةُ القيام خبرٌ من زيد في حقِّ عمرو ، ثم إن قامت
صفة القيام بعمرٍو فهي صفته دون زيد ، فلا يوصف زيد لقوله هذا بأنه قائم .
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٥٧)، وهو مذهب الحارث بن أسد المحاسبي .
انظر ((مجرد مقالات الأشعري)» (ص ٣٣٠).
00000 ١٤٨ 00000
CLON

الصفات ؛ فالعالمُ : هو الموصوفُ بالعلم ، وصفتُهُ : علمُهُ القائم به ،
وكذلك القولُ في القادر وقدرتِهِ القائمة به ، وفي المتحرّكِ وحركتِهِ القائمةِ
به .
وهؤلاء يفرِّقون بين الوصف والصفة ؛ فيقولون : إنَّ خبرَ المخبِرِ عن
غيره صفةٌ للمخبرِ من أجل قيامه به ، ووصفٌ للمخبّرِ عنه من أجل أنَّه خبرٌ
عن صفته، فإذا قال القائل منا: ( الله ربي) .. فقولُهُ صفةٌ له(١)،
ووصفٌ لله عزَّ وجلَّ بالربوبيّة .
00000
ومن أصحابنا من قال : الصفةُ : ما له كان الموصوفُ موصوفاً ، وقد
يصحُ أن تكونَ صفةُ الشيء قائمةٌ به ، ويصحُّ أن تكونَ صفتُهُ قائمةً بغيره ،
ويصحُّ أن تكونَ صفةُ الشيء قائمةً بما لا يجوزُ أن يقال : إنه هو ولا إنه
غیرُهُ
٠
00
فإذا قال القائل : زيدٌ عالم ، فهذا القولُ صفةٌ للقائل ؛ من أجل أنه
صار به قائلاً ، وهو صفةٌ لزيدِ المخبَرِ عنه ؛ لأنه صارَ به مخبراً عنه .
وقولُ الله عزَّ وجلّ: ﴿أَنَزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] خبرٌ عن نفسه ،
وهو صفةٌ له قائمة به ، وهو أيضاً خبرٌ عن علمه ، ولم يقم الخبرُ بالعلم ،
ولكنَّهُ قام بالباري عزَّ وجلَّ ، وذاتُ البارئِ سبحانه لا يجوزُ أن يقال : إنه
عِلمُهُ(٢)، ولا إنه غيرُهُ، وهذا كلُّهُ مذهبُ الشيخ أبي الحسن الأشعري
(١) يعني : للقائل، وهو المخبِرُ أيضاً.
(٢) قوله : ( إنه ) الضمير فيه يرجع إلى الذات ؛ باعتبار إجراء الذات مجرى الأسماء
المستقلة. انظر ((الكليات)) ( ص ٤٥٤).
000003 ١٤9 100000

OODO
رحمه الله ومن تبعَهُ من المثبتة والصفاتية (١)
ومن قال بهذا القول لم يفرِّق بين الصفةِ والوصف(٢)، وقال: إنَّ
الوصف والصفة معناهما واحد ، كما أنَّ معنى الوجهِ والجهة في النواحي
واحدٌ، وكما أنَّ الوَعْدَ والعِدَةَ في اللغة واحد ، وكما أن الوَزْنَ والزُّنَةَ في
اللغة واحد ، ودليلُهُ : اتِّفاقُ الجميع في التصريف ؛ كقولهم : وَزَنَ يَزِدُ
وَزْناً وزِنَةً، ووَعَدَ يَعِدُ وَعْدَاً وعِدَةً؛ كذلك قالوا: وَصَفَ يَصِفُ وَصْفاً
وصِفَةً ، فاقتضى أن يكونَ معناهما واحداً ، كما كان معنى الوَزْنِ والزِّنَةِ
واحداً ، وكما كان معنى الوَعْدِ والعِدَةِ واحداً .
والدليلُ على فساد ما حكيناه من قول الجهمية والقدرية : إجماعُ الأمّة
قبلَهم (٣) ، وإطلاقُ المسلمين في الأعصار كلِّها القول بأن الصدقَ من صفات
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٣٩)، و((أصول الدين)) (ص١٢٨).
(٢) وهو قول عامة اللغويين والنحويين، وجعل أبو هلال العسكري الصفة أخصَّ من
الوصف ؛ فقال في ((الفروق اللغوية)) (ص ٣١): ( الوصف مصدر ، والصفة فِعْلة ،
وفِعْلة نقصت فقيل : صفة ، وأصلها : وِصْفَة ؛ فهي أخصُّ من الوصف ؛ لأن الوصف
اسم جنس يقع على كثيره وقليله ، والصفة ضربٌ من الوصف ؛ مثل الجلسة والمِشية ؛
وهي هيئة الجالس والماشي ، ولهذا أجريت الصفات على المعاني ؛ فقيل : العفاف
والحياء صفات المؤمن، ولا يقال: (( أوصافه)) بهذا المعنى ؛ لأن الوصف لا يكون
إلا قولاً ، والصفة أجريت مجرى الهيئة وإن لم تكن بها ؛ فقيل للمعاني نحو العلم
والقدرة : صفات ؛ لأن الموصوف بها يُعقَل عليها ، كما ترى صاحب الهيئة على هيئته
وتقول : هو على صفة كذا ، وهذه صفتك ، كما تقول : هذه حليتك ، ولا تقول :
« هذا وصفك)) إلا أن يعنى به وصفه للشيء ) .
(٣) يعني : قبل ظهور أهل البدع عموماً، وظهورهم خصوصاً ، والإجماع لا ينقض ،
وبهذا تعلم : أن قول نفاة الصفات نشأ عن هوىّ ؛ إذ ابتكروه للحيطة عن مذهبهم ،
دون شهادة لغة أو عُرف صحيح ، فضلاً عن شهادتي النقل والعقل.
١٥٠ ٢٠

رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وأنَّ الجلالَ والكبرياء من صفات الله عزَّ
وجلَّ، وإطلاقُ أهل اللغة القول بأنَّ الشجاعةَ صفةٌ للشجاع ، وأنَّ السخاء
صفةٌ للسخيِّ ، وأنَّ الرحمةَ صفةٌ للرحيم .
وإذا قال القائل : زيدٌ رحيم ، قالوا : قد وصفَهُ بالرحمة ، والشيء
لا يُوصفُ إلا بصفته، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ رحمتَهُ صفةٌ له ، كما أنَّ
الخبرَ عنه بالرحمة وصفٌ له وصفةٌ له أيضاً .
فإن قيل : لو كان حقيقةُ الصفة المعنى القائمَ بالموصوف ، أو كان هذا
الاسمُ شاملاً لما قام به ولِمَا كان خيراً عنه على العموم .. لوجبَ أن
يكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ إذا خلق سوادَ الأسودِ أن يكونَ قد وصفَهُ بالسواد كما
سوَّده به ، فإذا جاز أن يقال : سوَّدَهُ به ، ولم يَجُز أن يقال : وصفَهُ به ..
بطلَ أن يكون كلُّ معنىَ قام بالشيء صفةً له .
قيل : لو قال قائل : إنه وصفَهُ بالسواد وأراد به أنه خلَقَ فيه صفةَ السواد
حتى صحَّ وصفُهُ بالسواد .. لكان مصيباً في المعنى ، وإنما لم يُطلَقِ القولُ به
لأنه يُوهِمُ أنه ذكره بالسواد ، على أنه لا يجبُ أن يُشتقَّ لفاعل الصفةِ الاسمُ
الصادرُ عنه ؛ إذ قد يفعلُ البارئُ سبحانه علماً وقدرة وإرادة لغيره ،
لا يقال(١) : إنه عَلِمَ وقَدَرَ وأراد بما فعل من ذلك ؛ كذلك يفعل صفةً في
غيره ، ولا يجبُ أن يُقال : إنه قد وصفَهُ بتلك الصفة .
فإذا ثبتت هذه الأصولُ التي حكيناها عن أصحابنا :
فكلُّ من قال من أصحابنا : إنَّ الصفةَ : ما قامَتْ بالموصوف بها ..
(١) في (ب): (يقال ) بدل ( لا يقال ).
CON
00000 0 00000

قال : حدُّ الموصوف : ما قامَتْ به صفتُهُ .
وكلُّ من قال حدُّ الصفة : مالَهُ موصوفٌ .. قال : حدُّ الموصوفِ :
ما لَهُ صفةٌ ، وقد تكون قائمةً به ؛ كعلم العالم ، وقدرةِ القادر ، وسوادٍ
الأسود ، وحركةِ المتحرِّك ، وقد تكون قائمةً بغيره ؛ كخبر المخبِرِ عن صفةٍ
غيره ، وقد تكون قائمةً بما لا يقال : إنه هو ولا إنه غيرُهُ ؛ كوصف البارئ
علمَهُ وقدرتَهُ، على ما بيَّنَّاهُ قبلَ هذا(١) ، والله أعلم بالصواب .
وحـ
(١) انظر (١ / ١٤٩).
00000 10100000

O.
باب
في بيان ما يجوز إطلاق
من العبارات والأسماء واسميات
والموصوفات والصفات
٥
OX
00000 ١٥٣
ـد
oo

AtraTorar!
ATOMArray

باب
في بيان ما يجوز إطلاق من العبارات
والأسماء والمسميات والموصوفات والصفات
CON
اعلمْ : أنَّ العرب تقول في الاسم : إن هذا اسمُ زيد ، وسِمُهُ بكسر
السين ، وسُمُهُ بضم السين ، حكاه أبو زيد الأنصاريُّ وغيرُهُ من
النحويين(١)، قال الراجز(٢):
[من مشطور الرجز]
باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سُمُهْ
الصمدُ الفردُ غزيراً نِعَمُهْ
0
يعني : اسمَهُ .
وقد أجمعَ النحويون على أنَّ همزةَ ( الاسم ) همزةٌ وصل ، وكذلك
(١) نقله الصولي في ((أدب الكاتب)) (ص٣٣)، والأزهري في ((تهذيب اللغة))
( ١٣ /٧٩) .
(٢) ذكر البيت الأول منه أبو زيد في ((النوادر في اللغة)) (ص ٤٦١) وعزاه لرجل من
كلب ، وقبله :
أرسلَ فيها بازلاً يقرمه
وهو بها ينحو طريقاً يعلمه
وعزى البيت الأول أيضاً ابن سيده في ((المحكم)) (٤١٤/٨) نقلاً عن الكسائي إلى
رجل من قضاعة .
00000 1 0 000000

boo
الهمزةُ في عشَرةٍ أسماءٍ معدودةٌ همزةَ وصلٍ ؛ وهنَّ : اسمٌ ، وابنٌ ، وابنةٌ ،
وامرؤٌ ، وامرأةٌ ، واثنانِ ، واثنتانِ ، واستٌ ، وابنُمٌّ ؛ بمعنى ابنٍ ، وايمُنٌ
في القسم(١)
والدليلُ على الوصل في هذه الأسماء : سقوطُها من اللفظ متى
[صُفِّرَتْ](٢) هذه الأسماء ؛ لأنك تقولُ في تصغير الابن : بُنِيٌّ ، وفي
تصغير الاسم : سُمَيٌّ ، فتذهب الهمزةُ في التصغير ؛ لأنها همزةُ وصلٍ ،
لا همزةُ أصلٍ ، وقد تُزاد همزةُ الوصل في مصادرَ وأفعالٍ ليس هذا موضعَ
ذکرها
[ كلُّ موجودٍ اسمٌ ومسمٌىّ ، وخلافَهم في المعدوم ]
و
وأجمعَ أصحابنا : على أنَّ كلَّ موجودٍ اسمٌ ومسمّىَ(٣) ، لا سيَّما على
أصل من يقول : إن الاسمَ هو المسمَّى (٤)
0000
واختلفوا في المعدوم : فمن قال منهم : إنَّ الاسم صفةٌ للمسمَّى(٥) ..
(١) وألحقوا بـ ( ايمن) كلمة (ايم)، وهمزتهما مفتوحة خلافاً لهمزة الوصل في الأسماء ،
ولا تدخل عليهما أيضاً ( أل) المعرفة.
(٢)
ما بين المعقوفين فى جميع النسخ : ( وقعت ) ، والمثبت يقتضيه السياق .
(٣) ولكن باعتبارين، فهو اسمٌ باعتبار الدَّلالة، ومسمّىّ باعتبار المدلولية، وبالحيثيات
ترفع الإشكالات ، ولهذا قال العلامة الكفوي في (( الكليات)) ( ص٨٦): ( فعلم أن
الاسم عينُ المسمَّى خارجاً ، لا مفهوماً ) .
(٤) ومثل الاسم والمسمَّى في الموجود يقال أيضاً : المعلوم ، والمذكور ، وشيء ؛ لأنها
تسميات عامة لا ينفكُ عنها الموجود. انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص ٢٦٥).
(٥) وهو قول الإمام الأشعري كما تقدم (١/ ١٣٢).
00000 107
0

Do
ـعدد
قال : يجوز أن يكون المعدومُ مسمّىّ ، كما يجوز أن يكونَ مذكوراً ومخبَراً
عنه، ولا يجوزُ أن يكونَ اسماً ، كما لا يجوزُ أن يكون خبراً ولا ذِكْراً .
ومن قال من أصحابنا : إنَّ الاسمَ هو المسمَّى .. اختلفوا في المعدوم ؛
فمنهم من قال : هو المسمَّى وليس باسم ؛ لأنَّ الاسمَ لا يكونُ إلا
موجوداً ، فهؤلاء يقولون : كلُّ اسم مسمّىّ ، وليس كلُّ مسمّئ اسماً .
ومنهم : من سمَّاه اسماً ؛ لأن حقيقةَ الاسم والمسمَّى واحدةٌ .
[ اختلافُهم في وصفِ الصفاتِ والمعدوماتِ ]
واختلفَ أصحابُنا في وَصْفِ الصفات والمعدوم :
فمن قالَ من أصحابنا : إنَّ الموصوفَ ما قامَتْ به الصفةُ .. منعَ أن
يقال : إنَّ الصفاتِ والأعراضَ موصوفةٌ ، ومنع أيضاً أن يقال : إنَّ المعدومَ
موصوفٌ ، مع جواز الخبر عن الأعراض وعن المعدوم بأنهما مذكورانٍ
ومخبّرُ عنهما(١)
ومن قالَ من أصحابنا : إن الموصوفَ ما له صفةٌ ، وليس من شرط
الصفة قيامُها بالموصوف .. أجازَ أن يقال : إن الصفةَ موصوفةٌ بما لا يؤدِّي
إلى قيام معنىّ بها ، وأحال وصفَها بما يؤدِّي إلى قيام معنىَ بها(٢) ؛ فعلى
(١) وهو قول أكثر المتقدمين؛ كالقلانسي وابن كلَّاب، انظر ((مقالات الإسلاميين))
(ص٥٤٦)، وقد تقدمت الإشارة إليه (١/ ١٤٨).
(٢) وهذا مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري وبعض من تابعه ، كما تقدمت الإشارة إليه
( ١٤٩/١ ) .
CON

AYO
هذا : يجوز أن يقال : علمُ زيد ضروريٍّ أو مكتسب ؛ لأنَّ ذلك لا يوجبُ
قيامَ معنىّ به ، ولا يجوز أن يقال : علمُ زيد عالم ؛ لأنه يقتضي قيامَ علمٍ
به ، والعلمُ لا يقومُ بالعلم(١)
X
وكذلك المعدومُ على هذا الأصل .. يُوصفُ بما لا يقتضي قيامَ شيء
به ؛ وذلك بالخبر عنه ؛ كإخبارنا عن أمسٍ يومِنا هذا بعد ذهابه وعدمه(٢)،
ولا يجوزُ وصفُهُ بما يؤدِّي إلى إثبات ذاتِهِ أو إلى قيام معنىّ به ؛ لأنَّ المعدومَ
ليس بشيء عندنا(٣)
فإن قيل : فإذا جازَ على هذا المذهب أنْ توصفَ الصفةُ ، فهل تجوزُ
صفةُ الصفة أبداً ؟
قيل : يجوزُ ذلك ما دامَ يوجد واصفٌ يصف كلَّ صفةٍ بغيرها من أوصافه
وأخباره ، وكلُّ ما وُجد منها يكون متناهياً في الوجود ، كما أجاز الجميعُ
الخبرَ عن الخبر ، وعن خبر الخبر لا إلى نهايةٍ في الإمكان ، وإن كان جميعُ
ما يوجدُ من الأخبار عن الأخبار متناهيةً في الوجود ، وكما يُعلَم العلم بعلمٍ
(١) ويجوز أن يقال: علم الله تعالى قديمٌ وباقٍ ، وقدرته أزلية أبدية ؛ لأن ذلك من وصفٍ
الصفة بالسلوب ، لا من وصفها بالمعاني ، بل يجب اعتقاد كون صفاته تعالى قديمةً
باقية مخالفة للحوادث قائمةً به سبحانه واحدةٌ .
ثم هذا الحكم إنما هو في حقيقة الكلام ، وأما في مجازه ففي الأمر سعة .
(٢) فتقول : أمسٍ مضى وانصرم ، ومضى بفصل قضائه.
(٣) المعدوم المستحيل الوجود ليس بشيء اتفاقاً ، وأما الجائز الوجود فهو شيء عند
المعتزلة ، حتى قالوا : إن كل جنس من المعدومات الجائزة موصوف بجميع صفاته
النفسية التي يتميّز بها عن جنس آخر ، وبهذه الصفات يحصل العلم به ، علماً أن
العرب لم تطلق لفظ الشيء إلا على موجود حقيقةً ، على نزاع في ذلك. انظر « أصول
الدين )) ( ص٧١) .
o

آخرَ ، ويعلمُ علمُ العالِمِ بعلمِهِ بعلمٍ ثالث ، ثُمَّ كذلك أبداً ، إلا أنه يكونُ
ما وُجدَ من العلوم متناهيةً في الوجود ، وإن لم يكن لها نهايةٌ في الإمكان(١)
[ لم يزلِ الله واصفاً لنفسه ومسمِّياً لها ومخبراً عنها بكلامِهِ ]
فإن قيل : أيجوزُ أن يقال : إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يزلْ واصفاً لنفسه بكلامه
وإخبارِهِ عن نفسه ؟
قيل : كذلك نقولُ ؛ لأنَّ كلامَهُ عندنا أزليٌّ ، وقد وصف به نفسه ،
وكلامَهُ وصفٌ له ، كما أنه صفةٌ له .
فإن قالوا : فهل تقولون : إنه لم يزلْ مُسمِّياً لنفسه ؟
00
قيل : كذلك نقولُ، وكلامُهُ تسميةٌ له ، لأنه أخبرَ به عن أسمائه(٢)
فإن قيل: أتقولون : إنه كان في الأزل مُخبِراً عن نفسه بأنه الخالق الرازق ؟
قيل : نعم ، وكان معناهُ حينئذٍ أنه يخلقُ ويرزق ، فأمَّا حقيقةُ الخالق
والرازق : فهو الذي أوجدَ الخلقَ والرزقَ ، كما نبيّنُهُ بعد هذا إن شاء الله
تعالى(٣)
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٣٩)، فنفي النهاية في هذه الصور على تقدير
إمكان وجود هذه العلوم والأخبار ، ومثل ذلك الممكنات في تعلقات القدرة ؛ إذ هي
متناهية في كل لحظة ، غير متناهية من حيث التقدير .
(٢) وبه تعلم : أن التسمية من قبله سبحانه راجعة إلى صفة الكلام النفسي ، فهي قديمة ،
وحاشا أن تكون فعلاً من أفعاله .
(٣) انظر (٢ /١٣٩، ٢٤٠).
١٥٩