النص المفهرس

صفحات 81-100

JXG OVACY
G OOOOO
OO
Ox
وإنك ترى أن الجمهور على أن الاسم عين المسمَّى ، ومع هذا لم
يقولوا : إن الله تعالى اسمٌ، بل هو مسمّىّ ؛ لأنَّهم كما قال الأستاذ :
( نراعي في أسمائه تعالى ورود الشرع والتوقيف )(١)
ولمّا كانت مسألة الأسماء والصفات من الواجباتِ الاعتقادية على كلِّ
مكلّف ، والاعتقاداتُ لا تداخلُها الظنون .. وجبَ اتخاذُ سبيلٍ يقينيٍّ أو
يقاربُ اليقينَ في تحديد ما يجبُ اعتقاده منها .
وسبقَ أن من إجماعات أهل السنة والجماعة في مسألة الأسماء : أنها
توقيفيَّةٌ(٢)؛ لا سبيلَ للاجتهاد فيها كما رأيتَ(٣)، ثم إن أسماءَهُ تعالى إنما
تثبتُ بواحدةٍ من هذه السُّبُل :
- ورودُها في القرآن الكريم .
- ثبوتُها في صحيح السنة ، ولم يشترطوا التواترَ .
- إجماعُ أهل العلم على جواز إطلاقها .
وقرّروا أنْ لا سبيلَ للقياس في أسمائه تعالى ؛ سواءٌ علينا أَوَجدْنا قياساً
لغوياً يصحّحُ الاشتقاق ، أم شعرْنا من قبل عقولنا باستحسانِ إطلاق اسم
ما .
ومن معالم الأخذ بهذا التوقيف : ما نقل عن الإمام الأشعري في حديثه
(١) انظر (١ / ١٤٤).
(٢) يعني : نحتاج عندما نريد تسمية الله تعالى باسمٍ إلى إذنٍ شرعي خاصٌ بهذا الاسم .
(٣) وقد قال الأستاذ (٣٤٢/١) مبيّناً أن تسميته تعالى باسم راجعةٌ إلى الأحكام الفقهية:
( لأنه كما تُشْرَع لنا الأحكامُ .. كذلك تُشرَع لنا الأسماءُ والأعلامُ).
٨٠
LON

عن استنباط الأسماء : ( إن قال قائل: أتجيزون أن لو وردَ الخبرُ بأنه جسمٌ
أو متحرِّكٌ ، كما وردَ بأن له يدينٍ ووجهاً وعيناً ؟
فأجاب بأن ذلك لو ورد على الوجه الذي يليقُ به لكان غير منكرٍ ،
لا على معنى أنه محلٌّ للحركة وأنه مؤلَّفٌ، بل على معنى أنه فعلَ الحركةَ ،
وأنه قائم بنفسه مستغنٍ عن غيره )(١) ؛ يعني : على الوجه الذي يليق به ،
لا على معنى الحقيقة اللغوية ، وما تضايقَ المشبّهة من شيء كتضايقهم من
قسمة الكلام إلى حقيقةٍ ومجاز .
وقال الأستاذ أبو منصور : ( ولو ورد الشرعُ بتسميته جوهراً أو جسماً من
غير إثباتِ معنى التركيبِ والكونِ والأعراضِ الحادثة فيه .. لكان
جائزاً )(٢)
وقال الأستاذ أبو منصور : ( وقالوا - يعني : أهل السنة - في الركنِ
الخامس ؛ وهو الكلامُ في أسماء الله تعالى وأوصافه : إن مأخذَ أسماءِ الله
تعالى التوقيفُ عليها ؛ إما بالقرآنِ ، وأما بالسنةِ الصحيحة ، وإما بإجماع
الأمة عليه ، ولا يجوزُ إطلاق اسم عليه من طريق القياس )(٣)
وقال في (( أصول الدين )) وهو يتحدثُ عن مأخذِ أسماء الله عزَّ وجلّ :
( قال أهلُ السنة : إنها مأخوذةٌ من التوقيف ، وقالوا : لا يجوزُ إطلاقُ اسمٍ
على الله من جهة القياس ، وإنما يطلق من أسمائه ما ورد به الشرعُ في
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٥٧).
(٢)
انظر (٣٦٩/١).
(٣) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص ٣٣٧).
11 , 00000
00000

COOPO
الكتاب ، والسنة الصحيحة ، أو أجمعت الأمة عليه )(١)
وقال في كتابنا : ( وأما (( الباسطُ)) من أسماء الله عز وجل : فإن الروايةَ
فيه واردةٌ بالسين ، فلا نتجاوزُها إلى ما يوجبُهُ القياس)(٢)
وممَّا استأنسَ به علماؤنا في قضيةِ التوقيف: قولُهُ عليه أفضلُ الصلاة
وأتمُّ السلام: ((أسألُكَ بكلِّ اسمٍ هو لكَ، سَمَّيْتَ بهِ نفسَكَ، أو أنزلتَهُ في
كتابكَ ، أو علمتَهُ أحداً مِنْ خلقِكَ ، أوِ استأثرتَ بهِ في علمِ الغيبِ
عندَكَ))(٣)
وقد قال حجةُ الإسلام الغزالي : ( ولو جُوِّزَ اشتقاقُ الأسامي من الأفعال
فستكثرُ هذه الأسامي المشتقة ؛ لكثرة الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى في
القرآن )(٤)
وقال العلامة ابن العربي المالكي : ( لو تُركنا ومقتضياتِ العقول وطرقَ
النظر في المعقول .. لم تسمّ البارئَّ تعالى باسم ، ولا وصفناهُ بصفة ،
ولا وضعنا له في عباراتنا وَسْماً، فإن أسماءَنا واقعةٌ على معانٍ قاصرة ،
ومسمَّيات حادثة ، وصفاتٍ ناقصة ، فأنَّى لهذا النقصان بأن يعبّر به عن ذي
الجلال والكمال ؟!
(١) أصول الدين ( ص ١١٦).
(٢) انظر (١/ ٦١١).
(٣) رواه أحمد في ((مسنده)) (٣٩١/١)، وابن حبان في ((صحيحه)) ( ٩٧٢ ) من حديث
سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه .
(٤) انظر ((المقصد الأسنى)) (ص ٣٣٠ - ٣٣١).
ـد

٦
ولهذا ضلَّتْ طوائفُ في جهتي التقسيمِ في هذا الباب من تفريط
وإفراط )(١)
فقد ذهبت المعتزلة والكرامية : إلى أنه إذا دلَّ العقل على اتصافه تعالى
بصفة وجودية أو سلبية .. جازَ أن يطلقَ عليه اسمٌ يدلُّ على اتصافه بها ؛
سواءٌ ورد بذلك الإطلاق إذنٌّ شرعي أو لم يرد ، وكذا الحال في
الأفعال(٢)
فأنت ترى أن كلا الفريقين اعتمدَ القياسَ أصلاً من أصول التسمية له جلّ
جلاله ، وقد قال الأستاذ أبو منصور مبيّناً مذهب بعض المعتزلة ومخزياً له :
( ثم إن الجبائي زعم أن أسماء الله تعالى جاريةٌ على القياس ، وأجاز اشتقاقَ
اسمٍ له من كلِّ فعلٍ فعلَهُ ، وألزمَهُ شيخنا أبو الحسن رحمه الله : أن يسميه بـ
((محبل النساء))؛ لأنه خالقٌ الحَبَلَ فيهنَّ، فالتزمَ ذلك! فقال له : بدعتُكَ
هذه أشنعُ من ضلالة النصارى في تسمية الله أباً لعيسى ، مع امتناعهم من
القول بأنه محبلُ مريم )(٣)
وأقرَّت الشيعة الإمامية بأصول أهل السنة مرجعاً في تسميته تعالى ،
وجعلوا الصفات بمثابة الأسماء ، غير أنهم أدخلوا أصلاً زائداً ؛ وهو تسمية
الأئمة المتَّبعينَ عندهم ؛ فقد قال الشيخ المفيد الإمامي منهم : ( إنه
لا يجوزُ تسمية البارئ إلا بما سمَّى به نفسه في كتابه ، أو على لسان نبيِّه ، أو
انظر (( الأمد الأقصى)) (١ / ٢١٧).
(١)
(٢)
انظر (( شرح المواقف)) (٤٠٤/٢).
(٣) الفرق بين الفرق (ص ١٨٣).

سمَّاه به حُجَجُهُ من خلفاء نبيِّهِ ، وكذلك أقول في الصفات )(١)
أما الفلاسفةُ والباطنيةُ والجهميةُ فقد زعموا : أنه لا يُطلَق على الباري من
الأسماء والأوصاف إلا ما طريقه طريقُ السلب دون الإيجاب ؛ فقالوا :
لا نقول : إنه موجودٌ ، بل نقول : إنه ليس بمعدوم ، ولا نقول : إنه حيٌّ
عالمٌ قادرٌ ، ولكن نقول : ليس بميت ولا جاهل ولا عاجز (٢)
ولهذا قال الأستاذُ فيهم جميعاً : ( هؤلاء قد أسقطوا عن لفظهم جميعَ
أسماء الله عزَّ وجلَّ أو أكثرَها ، فلا يحصونها ولا شيئاً منها)(٣)
ثم بعدَ هذا قد يقالُ لنا : أما التوقيفُ في الكتاب وصحيح السنة
فظاهرٌ ، فما هو مستندُكم في قضية الإجماع ولا بدَّ للإجماع من مستندٍ
شرعي ؟
0000000000
والجوابُ : أن إجماعَ المعتبرينَ من أهله على حكمٍ - وجوازُ إطلاق اسمٍ
عليه تعالى حكمٌ شرعيٌّ - مع عدم وجودِ ما يعارضُهُ من الكتاب والسنة ..
ممَّا أقرَّهُ الأصوليون ؛ إذ الإجماعُ في قطعيته الدلالية لا الثبوتية أقوى من
النصِّ نفسه ؛ ولهذا قال الأستاذ : ( أمَّا تسميتُهُ موجوداً وقديماً .. فإن
إطلاقَ العبارة فيهما بإجماع الأمة عليه، والإجماعُ توقيفٌ )(٤)
وقال أيضاً في تسميته تعالى بالعَدْلِ : ( ولولا وقوعُ الإجماع عليه لَما
(١) انظر ((أوائل المقالات)) (ص ٥٣).
(٢)
انظر (١/ ٢٩١، ٤٧٠).
(٣) انظر (١ / ٤٧٠ )
(٤) انظر (٣٦٨/١).
٫00000 ٨٤
00000
SCO

ODAY
جاز تسميتُهُ باسمِ يكونُ مصدراً)(١)
وقال : ( الأمَّة أجمعت على ذِكْرِ أسماءٍ له غيرِ مذكورة في السنَّةِ ؛
كإجماعهم : على أنه موجودٌ، وشيءٌ، وذاتٌ، ونفسٌ)(٢)، وهذه
الألفاظُ وردت في كتاب الله على سبيل الخبر ، فلمَّا تداولها مَنْ يعتدُّ
بإجماعهم على سبيل الاسميةِ علمنا أنها أسماء الله عز وجل .
وكذا إثبات اسمه تعالى ( القديم )؛ فقد وردَ وصفاً في السنة ، ولمّا
تداوله أهل الإجماع على سبيل الاسمية علمنا أنه اسم له تعالى .
فإن قيل: كيف يُدَّعى عليه الإجماع وقد درجَ الصحابة الكرام
رضوان الله تعالی علیهم ولم يذكروه ؟
00000 Y
والجوابُ : ما حكاه العلامةُ ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) إذ
قال وهو يتحدَّثُ عن اسمه تعالى ( القديم): ( لمَّا حدثت الأهواء ، ودخلَ
في الشريعة كلامُ الفلاسفة والأطباء .. استعملوا هذه اللفظةَ، فلمَّا لَحَظَها
علماؤُنا لم يمكن ردُّها وقد شاعَتْ ، ورأوا لها وجهاً سائغاً ، فاستعملوه ،
ورثَّبوا له فصولاً، وبَنَوا عليه فروعاً، وقالوا: إن القديم (( فعيل)) من
(( قَدُمَ ))؛ وهو عبارةٌ عن مبالغة التقدُّم في الوجود)(٣)
ولو أنَّنَا نُوزِعْنا بعد الإجماع في كون هذا الإطلاقِ ليس على سبيل
التسمية ، بل على سبيل الوصف .. فالظنُّ أن هذا محتملٌ والله أعلم ،
(١) انظر (٣٨٦/٢).
(٢) انظر (٤٥٦/١).
(٣) الأمد الأقصى (١/ ٤٨٠).
00000
٨٥
00000
CON

وللكن ليس لمدَّعي هذا أن يجعلَ المسألة من مسائل التبديع والتفسيق ؛ إذ
هي في محلّ الاجتهاد .
وكلُّ الأسماء التي انعقدَ عليها الإجماع هي ممَّا يشهد لها القرآن وصحيح
السنة ؛ كالغالب والغلَّاب والفرد والمتفرد والفاتح والقريب والقديم والرائي
والمرئي ، ومجيب الدعوات ومسبِّب الأسباب(١)
ولذلك : قد منع الأستاذ من تسميته تعالى بـ ( المستوفي ) مع أنه قرَّرَ أنه
بمعنى ( المتوفّ)، وأجازَ إطلاقَ اسم ( الرائي) لأنه بمعنى اسمه
( البصير ) ، ووجهُ الفرق : أنه لا نصَّ في كتابه سبحانه يشهد لتسميته عزَّ
وجلَّ بـ ( المستوفي )، بخلاف الرائي ؛ فقد قال جلَّ من قائل: ﴿إِنَّنِى
مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال: ﴿أَلَمْ يَقْلَم ◌َنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤].
0000
وقد يقال : قد أثبت المصنف أسماءً لم يرد الشرعُ بتسميته سبحانه بها
على الإطلاق ؛ لدلالة القرآن عليها ، فلِمَ استثنى الأستاذ في كتابه الذي بين
أيدينا ( القاضي ) و( الحاكم)، وأثبت مثلاً ( المتوفّي) و(المسمع ) ،
مع أنهما وردا مقيدين بتوفِّي الأنفس وإسماع الصمِّ ، لا على الإطلاق ؟
والجواب والله أعلم : أننا وجدنا في القضاء والحكم ما يدلُّ عليهما من
أسمائه عز وجل ؛ كـ ( الحَكَم ) و( أحكم الحاكمين ) ، ولم نجد من
أسمائه تعالى ما يدلُّ على التوفِّي والإسماع ؛ فجاز إثباتهما اسمينٍ بمجرَّد
دَلالةِ القرآن عليهما وهما من الاشتقاق نفسه .
(١) انظر (٤١٨/٣) وما بعدها

ثم لا يقال : ( الرائي ) أثبته المصنف وفي القرآن والسنة التصريح باسم
في معناه ؛ وهو ( البصير ) .
لأننا نقول : إنهما قد اختلفا في الاشتقاق اللفظي .
فإن قيل : فِلِمَ لا نسميهِ تعالى بـ ( القاضي) ؛ إذ إن اسم ( الحَكَم )
وإن دلَّ عليه فإنه يخالفه في الاشتقاق .
فالجواب : أن الأستاذ لم يمنع من تسميته تعالى بـ ( القاضي ) ، بل
أوجبَ التقييد المذكور في الكتاب والسنة ؛ كـ ( قاضي الحاجات ) ،
واسمه تعالى ( الرائي) لم يرد في دلالة القرآن مقيداً؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَم
يَأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤].
ثم اعلمْ: أن الأستاذ عبد القاهر قد عرضَ في (( الأسماء والصفات))
لأقوال ومذاهبٍ المخالفين لأهل السنة في مسألة التسمية ؛ كالفلاسفة
المانعين من التسميات مطلقاً ؛ وما ورد من الأسماء شرعاً تأوَّلوه ،
وكالمعتزلة الذين جعلوا مسألة التسمية اجتهادية ؛ حتى ألزمَ بعضهم بأن من
أسمائه تعالى ( محبلَ النساء ) فالتزم ! وهي واللهِ ممَّا يخزي ويعيبُ .
وقد نوَّعَ في بيان معاني كثير من الأسماء ، وأحياناً يرجِّحُ فيقول مثلاً :
( وأصحُ ما قيل في تفسير هذين الاسمينِ : ما جاءَ في الحديث عن النبيِّ
صلى الله عليه وسلم : (( وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطنُ
فليسَ دونَكَ شيءٌ )))(١).
(١) انظر (١ /٦٦٥) .
00000
٨٧
00000

وهذا الاختلافُ في تفسير الاسم أو الصفة يشهدُ له اختلافاتُ السلف في
تفاسيرهم ، وغالباً ما يدلُّ هذا على عموم هذه الأقوال وصحَّتها جميعاً ،
وقد فعَّدَ لذلك الأستاذ القشيري فقال : ( كلُّ آية احتملَتْ وجوهاً ، وليس
بينها تنافٍ ولا تضافٌّ ، ولا حصلَ الإجماعُ على أن المراد منها البعضُ دون
البعض .. فهي على العموم)(١)
الأصولُ التي اعتمدَ عليها المصنفُ في معرفة الصفات :
أما بشأن الصفات : فكثيرٌ من أهل السنة ذهبوا إلى جوازٍ وصفه تعالى بما
لم يردْ في التوقيف ؛ لأن الصفاتِ ترجعُ إلى الأخبار ؛ والأصل في الأخبار
أنها منقسمةٌ إلى صادقةٍ وكاذبة ، فإذا صدقَ وصفٌ في حقُّهِ تعالى فأيُّ معنىّ
الانتظار النصِّ ؟!
ألا ترى أن الوحيّ لو لم يأتِ بصفة الحياة والعلم والقدرة والإرادة ..
لوجبَ علينا بضرورة العقل السليم أن نصفَهُ تعالى بها ؟! ولهذا المعنى نعتَها
المتكلِّمون بأنها الصفاتُ التي يتوقّف عليها وجودُ العالم .
قال حجة الإسلام الغزالي : ( أما دليلُ إباحة الوصف : فإنه خبرٌ عن
أمرٍ ، والخبرُ ينقسمُ إلى صدق وكذب ، والشرعُ قد دلَّ على تحريم الكذبِ
في الأصل ، والكذبُ حرامٌ إلا بعارضٍ ، ودلَّ على إباحة الصدق ،
والصدقُ حلالٌ إلا لعارضٍ .
وكما أنه يجوزُ لنا أن نقول في زيد: ((إنه موجودٌ)) لأنه موجودٌ ..
(١) انظر ((شرح أسماء الله الحسنى)) له (ص٣٥).
٢
CLON
COO00
00000 , ٨٨
AMON

ODAY
فكذلك في حقِّ الله تعالى ؛ وردَ به الشرعُ أو لم يرد، ونقول: ((إنه قديمٌ))
وإن قدَّرْنا أن الشرع لم يرد به .
وكما أنا لا نقولُ لزيد: (( إنه طويلٌ أشقرُ )) لأن ذلك ربما يبلغُ زيداً
فيكرهُهُ ؛ لأن فيه إيهامَ نقصٍٍ ؛ فكذلكَ لا نقولُ في حقِّ الله تعالى ما يوهمُ
نقصاً ألبتةَ ، فأما ما لا يوهمُ نقصاً ، أو يدلُّ على مدحٍ .. فذلك يطلقُ ويُباحُ
بالدليل الذي أباح الصدقَ مع السلامة عن العوارض المحرّمةِ)(١)
وبعد هذا اختلفَ أهل السنة في تحديد عددِ الصفات على مذهبينٍ :
00000000000
الأولُ : اختارَ جمعٌ من أئمة أهل السنة والجماعة : إرجاعَ هذه الصفاتِ
التي وردت في النصِّ الشرعي قرآناً وسنةً إلى سبع صفاتٍ أزلية ؛ وهي
الحياة ، والعلم ، والإرادة ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ،
وبيَّنَ حجة الإسلام سبيلَ ذلك، وليس هذا موضعَهُ(٢) ، فإذا عرفَ المكلّفُ
هذه السبعَ ، وأثبتها صفاتٍ لمولانا جلَّ وعزَّ .. فقد نجا وأفلح ، وليس
بعسير على المكلّفِ إحصاؤها ، وهي ممَّا وجبَ لله تعالى .
وهذا المسلكُ هو كقول من قال : إن أسماء الله الحسنى على كثرتها
ترجعُ إلى الأسماء التسعة والتسعين المشار إليها في ((الصحيحين))؛ ولهذا
قال الأستاذ : ( إن الأسماء الثابتةَ لله عزَّ وجلَّ وإن كانت أكثرَ من التسعة
والتسعين التي ورد بها الخبرُ .. فإن معانيَ جميع أسمائِهِ محصورةٌ في هذه
(١) انظر ((المقصد الأسنى)) (ص ٣٤٦).
(٢) انظر ((المقصد الأسنى)) (ص ٣١٦).
000005 ٨٩
00000

C
التسعة والتسعينَ ، فلذلك اقتصرَ على ذِكْرِ التسعة والتسعين منها)(١)
وعلى هذا الاختيارِ تعلمُ : أن الآخذينَ بههذا لا ينفون صفةً وردت في
الكتاب والسنة ، بل يثبتونها ، وللكنهم يتأوَّلون معناها بما يرجعُها إلى
السبعة المذكورة ، وما أيسرَ ذلك ! مع شواهد اللغة والنقل والعقل ، ولكن
قد يقال : لعلَّ لله تعالى صفاتٍ غيرَ هذه السبع ، فلمَ لا تكون هذه
الخبرياتُ من الصفات ؟ وبهذا تفهمُ معنى الأسلمية في المذهب الثاني .
المذهبُ الثاني : اختارَ آخرون من أئمة أهل السنة والجماعة : إثباتَ
هذه السبع ، وكلِّ وصفٍ ورد به الشرع ؛ على أن نؤمنَ بهذه الصفات من
غير اللوازم الباطلة في حقِّهِ تعالى ؛ فنقول مثلاً : له صفةُ الوجه واليدينِ
والجنب والقَدَم ولكن ليس على معنى الجارحة ، وله صفة الغضب والحلم
والصبر وللكن ليس على معنى التغيُّر والتبدُّل .
00
وعلى هذا الاختيارِ تعلمُ : أن صفات الحقِّ تعالى قد تجاوزت أربع مئة
صفةٍ وردت في الكتاب والسنة ، وعسيرٌ على المكلّف استحضارُها
وإحصاؤها ، وبهذا تفهمُ معنى الأحكمية في المذهب الأول .
وقد قرَّرَ الأستاذ أبو منصور أصولَ معرفة الصفات : فبيَّنَ أن صفاتِهِ
سبحانه منها مدركةٌ بالعقل وجوباً ومنها جوازاً ؛ فمنها ما يدركُ جزماً ؛
كوصفنا له تعالى بأنه موجودٌ وأزلي ومخالفٌ لما سواه وعالمٌ وحيٌّ وقادر ،
ومنها ما يدركُ استنباطاً بعد وجود خطابٍ الشرع ؛ كوصفنا له تعالى بأنه
سميعٌ وبصيرٌ ، ومعبودٌ ومحمود ، وفاعلٌ ومبدِّل .
(١) انظر (١ / ٤٦٢).
٢
00000 ٩٠

وقعَّدَ لذلك قاعدةً فقال : ( والمعلومُ بالعقل جوازُهُ وجبّ وصفُهُ به عند
ورود الشرع به ؛ نحو وَصْفِنا له: بأنه غافرٌ، ومُعاقِبٌ، ومُثِيبٌ ؛ لأن
الثواب والعقابَ وغفرانَ الذنوب لم يكن شيءٌ منه واجباً عليه في العقول ،
وإنما كانت العقولُ دالَّةٌ على جوازه ووقوع ذلك منه ، فلمَّا ورد الشرعُ به
وجبَ وصفُهُ به )(١)
فيوصف سبحانه وتعالى : بما وجب له عقلاً ؛ كالصفات التي يتوقف
وجود الحادث عليها ، وبما جازَ عقلاً وورد نقلاً ؛ كاستنباطِ أوصافه تعالى
من أسمائه وأفعاله .
قال الأستاذُ أبو منصور : (ونحن نقيسُ على قياسهم ما جازَتِ المبالغةُ
فيه من أوصاف الله عزَّ وجلَّ )(٢)
000
والخلاصةُ في أسمائه وصفاته جلَّ جلالُهُ :
أن أسماءَهُ تعالى جاريةٌ على التوقيف (٣) ، ومن قال بجواز الاجتهاد
فمذهبُهُ ضعيف(٤) ، فلا يُسمَّى تعالى إلا بما سمَّى به نفسَهُ نصّاً في كتابه ، أو
(١) انظر (١/ ٣٧٧).
(٢) انظر (٥٥٨/١) .
(٣) وهو مذهب جمهور الأمة، قال العلامة العضد في ((المواقف)) (ص ٣٣٣): ( وهو
المختارُ؛ وذلك للاحتياط ؛ احترازاً عمَّا يوهم باطلاً ؛ لعظم الخطر في ذلك ) ، وقال
العلامة الجرجاني في (( شرح المواقف)) (٤٠٤/٢): ( فلا يجوز الاكتفاءُ في عدم
إيهام الباطل بمبلغ إدراكنا ، بل لا بد من الاستناد إلى إذن الشرع ) .
(٤) وهو مذهبُ قاضي السنة الإمام الباقلاني، قال العلامة الجرجاني في ((شرح المواقف ))
(٢/ ٤٠٤): ( وقال القاضي أبو بكر من أصحابنا: كلُّ لفظ دلَّ على معنىّ ثابت الله=
٩١

محر
على لسان نبيّهِ عليه منَّا أزكى الصلوات والتسليمات ، أو أجمعت الأمةُ
عليه ، وأن صفاتِهِ تعالى منها ما يثبتُ بالعقل ابتداءً ، ومنها ما يجوزُ فيه
الاجتهادُ باعتبار النقل والعقل زيادةً على النصِّ ؛ فيوصفُ تعالى بكلِّ وصفٍ
صادقٍ عليه (١) ، والسياقُ يظهر المراد من كونه وصفاً أو اسماً .
وعبَّر الأستاذ عن هذه الخلاصة بقوله : ( اعلمْ : أن معانيَ صفات الله
عز وجل مدركةٌ من جهة العقل(٢) ، وإطلاقَ أسمائه بالعبارةِ عنها مأخوذٌ من
طريق الشرع والتوقيفٍ )(٣)
6
وما ورد من صيغ وعبارات دالّة على الاسمية أو الوصفية .. لا يجوز
سلخها عن هذين المعنيين ؛ ولذلك قال الأستاذ : ( وإن زعمَ زاعمٌ : أن
قولنا: ((شديدُ العقاب)) ليس من أسمائِهِ ولا من أوصافِهِ ؛ لأجل هذه
تعالى .. جاز إطلاقه عليه بلا توقيف ؛ إذا لم يكن إطلاقُهُ موهماً لما لا يليق بكبريائه .
=
boco
فمن ثَمَّةَ: لم يجزْ أن يطلق عليه لفظ (( العارف))؛ لأن المعرفة قد يُراد بها علمٌ يسبقه
غفلة، ولا لفظ «الفقيه))؛ لأن الفقه فهمُ غرض المتكلُّم من كلامه ، وذلك مشعرٌ
بسابقة الجهل، ولا لفظ (( العاقل))؛ لأن العقل علمٌ مانع عن الإقدام على ما لا
ينبغي ، مأخوذ من العقال ، وإنما يتصور هذا المعنى فيمن يدعوه الداعي إلى ما لا
ينبغي، ولا لفظ ((الفطن))؛ لأن الفطانة سرعةُ إدراك ما يراد تعريضه على السامع،
فتكون مسبوقةً بالجهل ، ولا لفظ (( الطبيب))؛ لأن الطبّ يراد به علم مأخوذ من
التجارِبِ ، إلى غير ذلك من الأسماء التي فيها نوعُ إيهام بما لا يصحُّ في حقّه تعالى .
وقد يقال : لا بدَّ مع نفي ذلك الإيهام من الإشعار بالتعظيم ؛ حتى يصحّ الإطلاق بلا
توقيف ) .
(١) وسبقَ أن الأرجح اتحادُ معنى الوصف والصفة، وهو مذهبُ الإمام الأشعري.
(٢) وهي مدركةٌ وجوباً ذاتياً وعرضياً .
(٣) انظر (٣٧٥/١).
٩٢

الإضافة التي فيه .. لزمَهُ أن يقول: إن ((بديعَ السماوات والأرض )) ليس من
أسمائه ؛ لِمَا فيه من الإضافة )(١)
ومخالفو أهل السنة والجماعة في الصفات لهم أقوالٌ كثيرة ليس هذا
موضعَ بيانها(٢)
مصادر المؤلف في (الأسماء والصفات))
حقُّ هذا العنوان أن يُنظر في فهرس الكتاب ؛ في الكتب التي ذكرها
المؤلف ، وإنَّما دُوِّنَ هنا لا لذكر الكتب المصرَّح بها فحسب ، بل لذكر
ما لم يُصرَّح بها أيضاً .
وقد أفاد الأستاذ من جملة من الكتب على ما يظهر ؛ فمنها :
- كتاب ((معاني القرآن)) للفراء.
- كتاب (( معاني القرآن)) للزجاج .
- كتاب (( اشتقاق أسماء الله )) للزجاجي .
-کتاب « الغریبین )) للهروي .
- كتاب ((تهذيب اللغة)) للأزهري .
- كتاب ((تفسير أسماء الله تعالى)) للأزهري .
- كتاب (( الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي)) للأزهري .
(١) انظر (٤٥٦/١).
(٢) وهم على الجملة خمسُ فرق، انظر أقوالهم (١/ ٣٧٧).
00000- ٩٣
00000

- كتاب (( الزاهر في معاني كلمات الناس)) لأبي بكر الأنباري .
- كتاب (( الأضداد )) لأبي بكر الأنباري
- كتاب ((غريب القرآن)) لابن قتيبة الدينوري .
- كتاب ((غريب الحديث)) لأبي عبيد القاسم بن سلام.
- كتاب ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة معمر بن المثنى .
وعامَّةُ هذه الكتب كانت الفائدةُ منها فائدةً لغوية أو إعرابية أو تفسيرية .
- كتاب ((مقالات الإسلاميين)) للإمام أبي الحسن الأشعري .
- كتاب (( المقالات)) للإمام أبي العباس القلانسي .
- كتاب ((مشكل الحديث وبيانه)) لأستاذه ابن فورك .
.7400000000
- كتاب «مجرَّد مقالات الأشعري)» لأستاذه ابن فورك .
- كتاب (( تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل)) للقاضي الباقلاني
وأكثرَ من الإفادة من هذه الكُتُبِ في المسائل الكلامية وحكاية الأقوال
والمذاهب .
وقد وقف الإمام على كُتب الملِّيِّين وكتب الملاحدة كما يظهر ، وضمنَ
حديثِهِ عن الصابئة ذكرَ أنه ناظرَ رجلاً منهم ، وما أكثرَ مناظراتِهِ !(١)
وهذا ينبئُ بصدق البحث وأمانة التحرِّي عند أئمة المسلمين ، وادعاءُ
محقِّق ((الأَبسْتا)) (٢): أن ما ذكروه عن الزرادشتية غيرُ صحيح .. غير
مسلَّم ، إذ فِرَقُهم أكثر من أن تحصر في كتاب ، واجتماعُ أئمة المسلمين بهم
(١) وقد أكثر من ذكر مناظراته في كتابه ((الفرق بين الفرق)).
(٢) أو ((الإفستا))، أو ((الأوستا))، كتاب من كتب الثنوية.
COoOd

.PGY DOOO
في بلادهم التي فتحوها وغلبوا عليها يكذُّب هذه الدعوى ، بل ما الذي
يجعل أئمةَ الصدق في الدنيا يكذبون على الكّذَبَة على الله ورُسُله ؟!
فالمصنفُ نقلَ من كتبهم ، وكذا نقل من كتب المانوية ، وهي من أخسِّ
العقائد ، حتى إنك لتحسبُها خيالاتِ رجلٍ حالمٍ ، وهي أشبهُ بفلسفة عقلٍ
هزيل منها بدين وتشريع ، ولولا إسنادُ الكلام فيها إلى آلهة لم تكن جديرة
بالعناية والردِّ .
وكذا وقف على كتب أهل الضلال ممَّن انتسبَ إلى الإسلام ؛ فقد نقل
عن أصحابِ هشام بن الحكم الرافضيِّ ؛ قال : ( إنه زعم : أن معبودَهُ جسم
ذو أبعاض ، وله قَدْرٌ من الأقدار ، إلا أنه مع ذلك لا يشبهُ الأجسامَ ، هذا
هو المسطورُ في كتابه )(١) ، فأنت ترى أنه وقفَ على كتابه ، ونقل عن كتب
ابن الراوندي والجاحظ والعلاف وغيرهم بالتصريح .
ماذا في كتاب (الأسماء والصفات)»؟
وراءَ الحديث عن معاني الأسماء والصفات وذكر الاختلافات فيها ..
نلحظُ أموراً عابرة في (( الأسماء والصفات)) ؛ فمن ميزاته :
- أنه يُعدُّ مصدراً رئيساً لأقوال الإمام ابن كُلّاب من كتابه (« النقض على
بشر المريسي)) وغيره ، ولأقوال الإمام أبي العباس القلانسي ، ولا سيما
بعد غياب كتبهم عنَّا إلى يومنا هذا
- أنه يُعدُّ مصدراً رئيساً لمعتقداتٍ أصحاب الملل ، والفرق المبتدعة من
الإسلاميين ، والفرق الضالَّة المنتسبة إلى الإسلام تستُّراً ، وأقوالِ أعلامهم
(١) انظر (٣٢٢/١).
٩٥
CON

COboC
وزعمائهم ؛ إذ فيه ما قد لا تجده في كتابه (( الفرق بين الفرق »
- إبداعُهُ في دليل الوحدانية ، وردُّهُ العجيب على من ادَّعى الوحدة بأنه
لا یَسْلَمُ لهم ذلك .
- إكثارُهُ من نقل الإجماعات التي أقرَّها أهل السنة ، والكتابُ مرجعٌ
رئيسٌ لبيان الإجماعات الكلامية .
- انفرادُهُ ببعض الحدود الصحيحة على غير المشتهر على الألسنة ؛ كحدِّهِ
للجوهر بقوله : هو كلُّ موجود له كونٌ ، وهو - كما ترى - جامعٌ مانع .
- إيداعُهُ في إجراء بعض الاستقصاءات في أسمائه تعالى ؛ فقد بيَّنَ مثلاً
أن أسماءه تعالى لا تكون على وزن الرباعي والخماسي غير المزيدين ،
وأنها جميعاً من حيث الاشتقاق من الثلاثي ومزيده .
0000000
00000
- تبرئةُ الصوفية الصادقين ممَّا نُسبَ إليهم من أقوال باطلة كالحلول
ونحوه ؛ كقوله وهو يتحدَّث عن اعتقادات أهل السنة وأصنافهم : ( وإليه
ذهبَ أيضاً أئمةُ أهلِ التصوف ؛ كأبي سليمان الدارانيِّ، وأحمدَ بن
أبي الحواريّ ، وسريِّ السَّقَطيِّ، وإبراهيمَ بن أدهم ، والفضيلِ بن
عياض ، والجنيدِ ، ورويمٍ ، والنوريِّ ، والخرّاز ، والخوَّاصِ ، ومن جرى
مجراهم ، دون من انتسبَ إليهم ، وهم بريئون من الحلوليّة وغيرِهم)(١) .
وهذا كلامٌ من الإمام له شأنُهُ ؛ إذ قُرْبُ زمانه من هؤلاء الأعلام يؤكّدُ
أحدَ أمرين لا مفرّ منهما : أن الكلماتِ التي شاعَتْ عنهم لم تثبت في
حقُّهم ، أو أن لها تأويلاً سائغاً لا يخالفَ ظاهر الشرع .
(١) انظر (٣١٨/١).
٢
٥٥/ ٩٦

C
- صرامتُهُ في إطلاق الأحكام ، ولا سيما حكمُهُ بكفر بعض المبتدعة من
الفرق الإسلامية ، فكأنه يقول : لا مراعاةً للخواطر في مثل هذا ، علماً أن
للإمام الأشعري قولاً في ذلك ، بل هو المشهورُ عند قدماء أصحابه ، إلا أن
الذي استقرَّ عليه رأيه بأخرة عدمُ تكفير المقرِّينَ بالشهادتين وبكل معلوم من
الدين بالضرورة ، والحكمُ على المبتدعة في الاعتقاد بالفسق ؛ كحالهم في
الأعمال الظاهرة .
وقد حكمَ بتكفير عامة القدرية والمعتزلةُ على رأسهم ، وكذا حكم بكفر
الكرامية مشبهة خراسان ، والناظرُ في كتابنا بل عامة كتب الأستاذ يرى ميلَهُ
إلى التكفير باللوازم .
غير أنه حينما يحكمُ بكفر مخالف إجماع الأمة ؛ كقوله مثلاً : ( وهذا
كله خلافُ إجماع الأمة ، ومن خالفَها فيما قلناه من هذا لم يكن من
جملتها)(١) .. فهو على شدَّته لا يقضي بكفر أيِّ مخالفة للإجماع ، بل هو
مقيّدٌ كما ترى بقوله : ( فيما قلناه من هذا ) ، ويحمل على مخالفة الإجماع
الكلامي ، لا الفقهي .
- العذوبةُ الأدبية والاستطراداتُ الحسنة ، وهذه سمةٌ له رحمه الله تعالى
في كتبه كما يظهر من المطبوع منها .
وقد كان للأستاذ أبي منصور فيه عدَّةُ اختيارات وتقعيداتٍ لطيفة سطرتها
بنانُهُ ، وكان له تأكيداتٌ صارمة لما عليه أهل السنة والجماعة ؛ فمن
تقعيداته
(١) انظر (٣٨٢/٣).
OOCOO
٩٧

00
- أن جميعَ أسماء الله تعالى معربةٌ، واستثنى منها المبهمات ؛ كـ ( مَنْ ،
ما ) .
- ليس في أسمائه تعالى ما لا ينصرفُ ، وإن كانت جميع أسمائه معرفة
على الحقيقة .
- أن في أسمائه تعالى ما هو على صيغةِ الجمع ، ومثّل له بقوله تعالى :
﴿ فَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف: ٣٢
- جوازُ الاشتقاق والقياس في صفاته تعالى دونَ أسمائه ، وجوازُ المبالغة
في أوصاف الأفعال إن صحَّ ذلك لغة وشرعاً .
- جوازُ استعمال صيغة ( أفعل الفاعلين ) بشرط ورودها نصّاً ، أو
استنباطها صفةً لا اسماً بشرط صحة ذلك ؛ فيجوز أن يقال : أقدرُ
القادرين ، وأعلمُ العالِمِين .
- جوازُ المبالغة في صفاته تعالى بصيغة ( أفعل من كذا ) شريطة أن
يُوصف بهذه الصفة غيره ؛ كقولنا : ( اللهُ أعلى وأجلُّ من كذا) مثلاً،
ولا يجوزُ أن يقال : أخلقُ من غيره ؛ لأن غيرَهُ لا يخلقُ أصلاً .
ـو
- لا تجوزُ المبالغة ولا زيادتها في صفاته تعالى بتاء التأنيث ؛ فلا يقال
مثلاً : عالمة ولا علَّامة .
MONY
- كلُّ اسمٍ لله تعالى كان مشتقّاً من فعل غيره ، أو كان فعلاً له تعالى ..
فإنه لا يجوز فيه : أنه تعالى كان موصوفاً به في الأزل ؛ لاستحالة وجود
فعل قديم .

- الاشتراك بالاسم لا يوجب الاشتراك بين المسمَّيين .
- أن الأسماء لا تتبدَّلُ، وإنما تتبدَّلُ التسميات.
- لا يجوزُ اشتقاقُ الاسم من معنىّ يكون الاسم سابقاً له .
- صيغُ المبالغة لا تجوز في صفات الله عزَّ وجلَّ في غير ما سبق ذكره
قريباً(١)
- ما دلَّ القرآن على معناه، وورد في السنة إطلاقُ لفظه .. وجب إطلاقه.
- الاسمانِ المتقابلان في ظاهر اللغة لا يجوزُ إطلاقُ أحدهما دون
الآخر .
ومن تأكيداته واختياراته :
- أكَّدَ أنه لا مجالَ للقياس في أسمائه سبحانه وتعالى ، وأن أسماء الله
أزلية ، خلافاً للقدرية .
00000
- قرَّرَ أن بين التمني والشهوة وبين الإرادة علاقةَ العموم والخصوص
المطلق ، والجمهورُ على أن العلاقة بينهما هي العموم والخصوص
الوجهي .
- أكَّدَ في مسألة الكلام على أن القراءة مغايرة للمقروء .
- منعُ تسميته تعالى بالمصادر ، كمنعه من التسمية بالمشتقات غير
الواردة ؛ حتى قال في اسمه تعالى ( العدل ): ( ولولا وقوعُ الإجماع عليه
(١) إذ الأصل في المبالغة أن تكون دالّة على التفاوت والإمكان، فحينما تطلق في حقِّهِ
تعالى فيجب حملها على معنى الوصف المحض .
CON