النص المفهرس

صفحات 181-200

بِالْيَمِينِ، إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ، وَالْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَبُ)) فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَا الْأَثْلَبُ؟ قَالَ:
((الْحَجَرُ، مَنْ عَهَرَ بِامْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُهَا، أَوْ بِامْرَأَةٍ مِنْ قَوْمِ آخَرَ فَوَلَدَتْ فَلَيْسَ بِوَلَدِهِ، لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ،
وَالْمُؤْمِنُونَ يَدْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَعْقِدُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ،
وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، وَلَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَتَيْنِ، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا تُسَافِرُ فَوْقَ
ثَلَاثٍ مَعَ غَيْرِ ذِي تَخْرَمٍ، وَلَا تُصَلُّوا بَعْدَ الصُبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ
الشَّمْسُ)).
ضعيف .
أخرجه الطبراني في الأحاديث الطوال (٥٩) حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن الصباح
الجرجراني ثنا سليمان بن الحكم بن عوانة عن القاسم بن الوليد الهمداني عن سنان بن الحارث بن مصرف
عن طلحة بن مصرف عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، به.
سليمان بن الحكم بن عوانة ضعيف وقال النسائي: ((متروك)).
ولبعض ألفاظ الحديث شواهد، وأصل خطبة الرسول وقتله يوم الفتح في الصحيحين وغيرهما من
وجوه أُخَر بغير هذا السياق .
حديث الأنصاري والثقفي
١٠١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضَ لَُّ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَه فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَأَتَاهُ
رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، فَسَلَّمَا عَلَيْهِ، وَدَعَيَا لَهُ دُعَاءً حَسَنًا، ثُمَّ قَالَا: جِئْنَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
نَسْأَلُكَ، قَالَ: ((إِنْ شِي ءُتُمَا أَخْبَرْتُكُمَا بِمَا جِئْتُمَا تَسْأَلَانِي عَنْهُ فَعَلْتُ، وَ إِنْ شِي ءُمَا أَنْ أَسْكُتَ وَتَسْأَلَانِي فَعَلْتُ))
قَالَا: أَخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزْدَدْ إِيمَانًا، أَوْ نَزْدَدْ يَقِينًا، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلنَّقَفِيَّ: سَلْ، قَالَ: بَلْ أَنْتَ فَسَلْهُ، فَإِنِّي
لَأَعْرِفُ لَكَ حَقًّا فَسَلْهُ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ تَخْرَجِكَ مِنْ بَيْتِكَ
تَؤُّ الْبَيْتَ الْخَرَامَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ طَوَافِكَ بِالْبَيْتِ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ رَكْعَتَيْكَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَمَا لَكَ فِيهِمَا،
وَعَنْ طَوَافِكُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ وُقُوفِكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ رَمْيِك
الْجِمَارَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ حَلَاقِكَ رَأْسَكَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ طَوَافِكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ نَحْرِكَ وَمَا
لَكَ فِيهِ، وَعَنِ الْإِفَاضَةِ)) قَالَ: إِي وَالَّذِي بَعَتَكَ بِالْحَقِّ، عَنْ هَذَا جِئْتُ أَسْأَلُكَ، قَالَ: ((فَإِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ مِنْ
بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ لَمْ تَضَعْ نَاقَتُكَ خُقًّا وَلَا رَفَعَتْهُ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكَ بِهَا حَسَنَةً، وَمَحَا عَنْكَ
خَطِيئَةً، وَرَفَعَ لَكَ بِهَا دَرَجَةً، وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالْبَيْتِ فَإِنَّكَ لَا تَضَعُ رِجْلًا وَلَا تَرْفَعُهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
لَكَ بِهَا حَسَنَةً، وَا عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً، وَأَمَّا رَكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوَافِ فَإِنَّهُمَا لَكَ كَعِثْقِ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ،
وَأَمَّا سَعْيُكَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَكَعِثْقِ سَبْعِينَ رَقَبَةً، وَأَمَّا وُقُوقُكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ يَهْبِطُ إِلَى السَّمَاءِ
١٨٢

الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ، يَقُولُ: هَؤُلَاءِ عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْتَا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجِّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي
وَمَغْفِرَتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ كَعَدَدِ رَمْلِ عَالِجِ أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادًا مَغْفُورًا لَكُمْ وَنْ
شَفَعْتُمْ لَهُ، وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَلَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا رَمَيْتَهَا كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ الْمُوجِبَاتِ، وَأَمَّا
نَحْرُكَ فَمَدْخُورٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ، وَأَمَّا حَلَاقُكَ رَأْسَكَ فَبِكُلِّ شَعْرَةٍ حَلَقْتَهَا حَسَنَةٌ، وَيُمْحَى عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةٌ)).
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَتِ الذُّنُوبُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((إِذَا يُدَّخَرُ لَكَ فِي حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا طَوَافُك
بِالْبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَطُوفُ وَلَا ذَنْبَ لَكَ، فَيَأْتِي مَلَكُ حَتَّى يَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ ثُمَّ يَقُولُ: اعْمَلْ لِمَا
تَسْتَقْبِلُ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى)). فَقَالَ النَّقَفِيُّ: أَخْبِرْ نِيِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّك
إِذَا غَسَلْتَ وَجْهَكَ انْتَرَتِ الُّنُوبُ مِنْ أَشْفَارِ عَيْنَيْكَ، وَإِذَا غَسَلْتَ يَدَيْكَ فَمِثْلُ ذَلِكَ انْتَثَرَتِ الدُّنُوبُ مِنْ
أَظْفَارِ يَدَيْكَ، فَإِذَا مَسَحْتَ بِرَأْسِكَ فَمِثْلُ ذَلِكَ انْتَرَتِ الذُّنُوبُ عَنْ رَأْسِكَ، فَإِذَا غَسَلْتَ رِجْلَيْكَ انْتَرَتِ
الذُّنُوبُ مِنْ أَظْفَارٍ قَدَمَيْكَ، فَإِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَاقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا تَسَّرَ، ثُمَّ إِذَا رَكَعْتَ فَأَمْكِنْ يَدَيْكَ
مِنْ رُكْبَتَيْكَ وَافْرُجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، إِذَا سَجَدْتَ فَأَمْكِنْ وَجْهَكَ مِنَ السُّجُودِ كُلِّهِ حَتَّى
تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا، وَصَلِّ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَآخِرِهِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ صَلَّيْتُ كُلَّهُ؟،
قَالَ: ((إِذَا فَأَنْتَ إِذَا أَنْتَ!)).
ضعیف .
أخرجه البزار (١٠٨٣) والطبراني في الأحاديث الطوال (٦١) من طريق عطاف بن خالد
المخزومي ثنا إسماعيل بن رافع عن أنس بن مالك، به.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٧٦/٣):
((رواه البزار وفيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف)).
قلت: هو متروك، والحديث أخرجه البزار (١٠٨٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، وفي
إسناده يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي وهو صدوق لين الحديث.
حديث مازن بن الغضوبة
١٠٢ - عَنْ مَازِنِ بْنِ الْغَضُوبَةِ رَلَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أَسْدِنُ صَنَمَا يُقَالُ لَهُ بَاحَرُ، بِسَمَائِلَ، قَرْيَةِ بِعُمَانَ،
فَعَتَرْنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَهُ عَتِرَةَ - وَهِيَ الذَّبِيحَةُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ يَقُولُ:
يَا مَازِنٌ اسْمَعْ تُسَرْ ... ظَهْرَ خَيْرٍ وَبَطْنَ شَرْ
بُعِثَ نَبِيٌّ مِنْ مُضَرْ. بِدِينِ اللَّهِ الْأَكْبُرْ
فَدَعْ نُحَيْتَا مِنْ حَجَرْ ... تَسْلَمُ مِنْ حَرِّ سَقَرْ
١٨٣

قَالَ: فَفَزِعْتُ لِذَلِكَ، وَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَعَجَبُ، ثُمَّ عَتَرْتُ بَعْدَ أَيَّامِ عَتِيرَةً، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ
يَقُولُ:
أَقْبِلْ إِلَّ أَقْبِلْ .. تَسْمَعُ مَا لَا تَجْهَلْ
هَذَا نَبِيٌّ مُرْسَلْ ... جَاءَ بِحَقِّ مُنَزَلْ
فَآَمِنْ بِهِ كَيْ تَعْدِلْ .. عَنْ حَرِّ نَارٍ تَشْتَعِلْ
وَقُودُهَا بِالْجَنْدَلْ
فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَعَجَبٌ، وَإِنَّهُ لَخَيْرٌ يُرَادُ بِنَا، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ قَدِمَ رَجُلٌ مِنَ الْحِجَازِ، فَقُلْنَا: مَا الْخَبَرُ
وَرَاءَ؟، قَالَ: ظَهَرَ رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ أَحْمَدُ، يَقُولُ لِمَنْ أَتَاهُ: ((أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ)) قُلْتُ: هَذَا نَبَأُ مَا قَدْ سَمِعْتُ،
فَسِرْتُ إِلَى الصَّنَمِ فَكَسَرْتُهُ أَجْذَاذَا، وَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ، فَشَرَحَ لِيَّ الْإِسْلَامَ
فَأَسْلَمْتُ، وَقُلْتُ :
كَسَرْتُ بَاحَرَ أَجْذَاذًا وَكَانَ لَنَا ... رَبَّا نُطِيفُ بِهِ عُمْيًا لِضُلَّالِ
بِالْهَاشِمِيِّ هُدِينَا مِنْ ضَلَالَتِنَا ... وَلَمْ يَكُنْ دِينُهُ مِنِّ عَلَى بِلِ
يَا رَاكِبًا بَلَّغَنْ عَمْرًا وَ إِخْوَتَهُ ... وَأَنِي لِمَنْ قَالَ رَبِّي ◌َاحَرٌ قَالِ
يَعْنِي عَمْرَو بْنَ الصَّلْتِ وَ إِخْوَتَهُ بَنِي خُطَامَةَ. قَالَ مَازِنٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِ امْرُؤٌ مُولَعٌ بِالطَّرَبِ
وَبِشُرْبِ الْخَمْرِ وَبِالْهَلُوكِ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِّ: وَالْهَلُولُ: الْفَاجِرَةُ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَّتْ عَلَيْنَا السّئُونُ فَأَذْهَبَتْ
الْأَمْوَالَ، وَأَهْزَلْنَ الدَّرَارِيَ وَالْعِيَالَ، وَيْسَ لِي وَلَدٌ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ عَنَّ مَا أَجِدُ، وَيَأْتِيَنَا بِالْحَيَاءِ،
وَبَهَبَ لِي وَلَدًا، فَقَالَ النَّبِيّ ◌َِّ: «اللَّهُمَّ بَدِّلْهُ بِالطَّرَبِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَبِالْخَرَامِ الْخَلَالَ، وَبِالْعُهْرِ ◌ِفَّةَ الْفَرْجِ،
وَبِالْخَمْرِ [رِيّاً]َ لَا إِثْمَ فِيهِ، وَأَتِهِ بِالْحَيَاءِ، وَهَبْ لَهُ وَلَدًا)) قَالَ مَازِنٌ: فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنَّ مَا كُنْتُ أَجِدُ، وَأَتَانَا
بِالْحَيَاءِ، وَتَعَلَّمْتُ شَطْرَ الْقُرْآنِ، خَصُبَ عُمَانُ، وَحَجَجْتُ حِجَجًّا، وَوَهَبَ اللَّهُ لِيَ حَيَّنَ بْنَ مَازِنٍ، وَأَنْشَأْتُ
أَقُولُ:
إِلَيْكَ رَسُولَ اللّهِ خَبَّتْ مَطِيَّتِي .. تَجُوبُ الْفَيَافِي مِنْ عُمَانَ إِلَى الْعَرْجِ
لِتَشْفَعَ لِي يَا خَيْرَ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى. فَيَغْفِرَ لِي رَبِّ فَأَرْجِعَ بِالْفَلْجِ
إِلَى مَعْشَرٍ خَالَفْتُ وَاللَّهِ دِينَهُمْ . فَلَا رَأْيُهُمْ رَأْيِي وَلَا شَرْجُهُمْ شَرْجِي
وَكُنْتُ امْرَأَ بِالزُّغْبِ وَالْخَمْرِ مُولَعًا ... شَبَابِيَ حَتَّى آذَنَ الْجِسْمُ بِالنَّهْجِ
فَبَدَّلَنِي بِالْخَمْرِ خَوْفًا وَخَشْيَةً ... وَبِالْعُهْرِ إِحْصَانًا فَحَصَّنَ لِي فَرْجِي
فَأَصْبَحْتُ هَمِّي فِي الْجِهَادِ وَبِيِّي .. فَلِلَّهِ مَا صَوْمِي وَلِلَّهِ مَا حَجِّي
فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى قَوْمِي أَنَبُونِي وَشَتَمُوِي وَأَمَرُوا شَاعِرًا لَهُمْ فَهَجَانِي، فَقُلْتُ: إِنْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أَهْجُو
لِنَفْسِي، فَاعْتَزَلْتُهُمْ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَقُلْتُ:
١٨٤

فَبُغْضُكُمْ عِنْدَنَا مُرٌّ مَذَاقَتُهُ .. وَبُغْضُنَا عِنْدَكُمْ يَا قَوْمَنَا لَئِنُ
لَا نَقْطِنُ الدَّهْرَ إِنْ بُثَّتْ مَعَاِبُكُمْ. وَكُلُّكُمْ حِينَ يَبْدُو عَيْبُنَا فَطِنُ
شَاعِرُنَا مُعْجِمٌ عَنْكُمْ وَشَاعِرُكُمْ .. فِي حَرْبِنَا مُبْلِغٌ فِي شَتْمِنَا لَسِنُ
مَا فِي الْقُلُوبِ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا وَغَرٌ ... وَفِي صُدُورِكُمُ الْبَغْضَاءُ وَالْإِحَنُ
فَأَتْنِي مِنْهُمْ أَزْفَلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَمِّ، عِبْنَا عَلَيْكَ أَمْرًا وَكَرِهْنَاهُ لَكَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَشَأْتُكَ وَدِينُكَ
فَارْجِعْ فَأَقِمْ أُمُورَنَا، فَكُنْتُ الْقَيِّمَ بِأُمُورِهِمْ، فَرَجَعْتُ مَعَهُمْ، ثُمَّ هَدَاهُمُ اللَّهُ بَعْدُ إِلَى الْإِسْلَامِ.
ضعيف جداً.
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧٩٩) وفي الأحاديث الطوال (٦٢) وأبونعيم في دلائل النبوة
(٦٣) والبيهقي في دلائل النبوة (٢٥٥/٢) والخطابي في غريب الحديث (١ /٤٤٧) ولم يسق لفظه، من
طريق علي بن حرب الموصلي ثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن عبد الله العماني عن مازن
بن الغضوبة، به.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤٨/٨):
(رواه الطبراني من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وكلاهما متروك)).
حدیث أولاد إبليس
١٠٣ - عَنْ عُمَرَ رَضِ لُّ عَنْهُ، أَنَّهُ أَنَى النَّبِيَّ وَهُوَ يَلْعَنُ قَالَ، فَقُلْتُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَذَا
الَّذِي حَلَلْتَ لَهُ اللَّعْنَةَ؟ قَالَ: ((ذَلِكَ اللَّعِينُ إِبْلِيسُ)) قلت فدَالَكَ أَبِي وَأُمِّي أَهْلُ ذَالَ هُوَ؟، فَزِدْهُ. قَالَ: ((فَهَلْ
تَدْرِي مَا صَنَعَ السَّاعَةَ يَا عُمَرُ؟)). قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهُ أَدْخَلَ ذَبَهُ فِي دُبُرِهِ فَأَخْرَجَ سَبْعَ
بَيْضَاتٍ فَأَوْلَدَهَا سَبْعَ أَوْلادٍ، فَأَوَّهُمْ وَأَكْبَرُهُمُ الْمُذْهِبُ وَهُوَ الْمُؤُكَّلُ بِفُقَهَاءِ النَّاسِ وَعُلَمَائِهِمْ فَيُنَسِّيِهِمُ الذِّكْرَ
وَيُعِقُهُمْ بِالْخَصَا وَيُولِعُهُمْ بِكَثْرَةِ الْوُضُوءِ. وَالثَّانِ هُوَ الْمُؤُكَّلُ بِالنُّعَاسِ فِي الْمَسَاجِدِ، يَأْتِيِ الرَّجُلَ فَيُلْقِي عَلَيْهِ
النُّعَاسَ فَيْنِيمُهُ، فَيُقَالُ يَا فُلانُ قَدْ نِْتَ فَيَقُولُ لَا، فَيُعَادُ عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ يَمِينًا كَاذِبَةً أَنَّهُ لَمْ يَنَمْ. وَالثَّالِثُ اسْمُهُ
ثَوْبَانُ وَهُوَ الْمُؤُكَّلُ بِالأَسْوَاقِ فَيَنْصِبُ فِيهَا رَايَةً بِنَقْصِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ حَتَّى لَا يُؤْتُونَ مَا يُوفُونَ فِيهَا حَتَّى
يَغُلُّوا. وَالرَّابِعُ لَغْوٌ وَهُوَ الْمُؤُكَّلُ بِالْوَيْلِ وَالْعَوِيلِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَنَتْفِ الشُّعُورِ وَلَطْمِ الْخُدُودِ وَنَعِيقِ الرَّانِ
وَسَائِرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّيَاحِ عَلَى الْمَّتِ. وَالْخَامِسُ مَشْوَانُ، وَهُوَ الْمُؤُكَّلُ بِأَعْجَازِ النِّسَاءِ وَأَحْلِلَةِ الرِّجَالِ حَتَّى
يَجْمَعَ بَيْنَ الْفَاجِرَيْنِ عَلَى فُجُورِهِمَا. وَالسَّادِسُ مَشُوطُ، وَهُوَ الْمُؤَكَّلُ بِالْحَمْزِ وَاللَّهْزِ وَالنَِّيمَةِ وَالْكَذِبِ
وَالْغِشِّ. وَالسَّابِعُ غَرُورٌ وَهُوَ الْمُؤكِّلُ بِقَتْلِ النُّفُوسِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، يَأْتِي الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ
أَنْتَ أَحْوَجُ أَمْ فُلانٌ، كَانَ أَخْوَجَ مِنْكَ ارْتَكَبَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَحَارِمِ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا فَحَسُنَ حَالُهُ، فَدَلاهُ
بِغُرُورٍ فَتِلْكَ ذُرِّيَّتُهُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: (أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِيِ) [الكهف: ٥٠] فَتِلْك
١٨٥

ذُرِّ يَّتْهُ الْبَاقِيَةُ مَعَهُ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي وُقِّتَ لَهُمْ لَا يَمُوتُونَ، وَلا يَنْتَهُونَ عَنْ حَدِيدِ الأَرْضِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى
ـويـ
ذُرِّيَّتِهِ)).
موضوع .
رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤ /٦٠) من طريق محمد بن مطر نا أبو علي حسين بن خسيس
العرجموسي نا سفيان بن عيينة الهلالي نا سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن الزهري عن أبي بكر بن عبد
الرحمن الزهري أن عمر بن الخطاب، به.
وقال ابن عساكر:
( حدیث منکر)).
وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٢/ ٢٨٢):
((ظاهر الْوَضع)).
وانظر: تنزيه الشريعة (٢٤٩/١).
حديث خلق الشمس والمشرقين والمغربين
١٠٤ - عَنْ عَلِيٍّ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم أَنَهُمْ كَانُوا جُلُوسًا ذَاتَ يَوْمٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنّي
سَمِعْتُ الْعَجَبَ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ وَمَا ذَالَكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالاً يَتَحَدَّثُونَ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَقَالَ: وَمَا
كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ: قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُجَاءُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فَيُقْذَفَانِ فِي
جَهَنَّمَ، فَقَالَ عَلِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةُ: كَذَبُوا، اللَّهُ أَجَلُّ وَأَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَ عَلَى طَاعَتِهِ، أَمْ تَرَ إِلَى قَوْلِهِ
تَعَالَى {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ} [إبراهيم: ٣٣] ، يَعْنِي دَائِبَيْنِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يُعَذِّبُ اللَّهُ
عَبْدَيْنِ يُثْنِي عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا دَائِبَانِ فِي طَاعَتِهِ؟ !. فَقَالُوا لِحُذَيْفَةَ: حَدِّثْنَا رَحِمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: بَيْنَمَا نَحْنُ
عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سُئِلَ عَنْ ذَلِك فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَّا أَبْرَمَ خَلْقَهُ إِحْكَامًا فَلَمْ
يَبْقَ مِنْ خَلْقِهِ غَيْرَ آدَمَ؛ خَلَقَ شَمْسَيْنِ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّهُ يَدَعُهَا شَمْسًا فَإِنَّهُ
خَلَقَهَا مِثْلَ الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يَطْمِسَهَا وَيُحَوِّلَهَا قَمَرًا فَإِنَّهُ خَلَقَهَا دُونَ
الشَّمْسِ فِ الضَّوْءِ، وَلَكِنْ إِنََّا يَرَى النَّاسُ صِغَرَهُمَا لِشِدَّةِ ارْتِفَاعِ السَّمَاءِ وَبُعْدِهَا مِنَ الأَرْضِ، وَلَوْ تَرَكَهُمَا
اللَّهُ شَمْسَيْنِ كَمَا خَلَقَهُمَا فِي بَدْءِ الأَمْرِ لَمْ يُعْرَفِ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ وَلَا النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَكَانَ الأَجِيرُ لَيْسَ لَهُ
وَقْتٌ يَعْمَلُ فِيهِ وَلا وَقْتُ يَأْخُذُ أَجْرَهُ، وَلَكَانَ الصَّائِمُ لَا يَدْرِي إِلَى مَتَى يَصُومُ وَمَتَى يُقْطِرُ، وَلَكَانَتِ الْمَرَأَةُ
لَا تَدْرِي كَيْفَ تَعْتَدُّ، وَلَكَانَ الدُّيَّانُ لَا يَدْرُونَ مَتَى تَحِلُّ دُيُونُهُمْ، وَلَكَانَ النَّاسُ لَا يَدْرُونَ أَحْوَالَ مَعَايِشِهِمْ
وَلا يَدْرُونَ مَتَى يَسْكُنُونَ لِرَاحَةٍ أَجْسَامِهِمْ، وَلَكَانَتِ الأَّمَّةُ الْمُسْتَظْهَرَةُ وَالْمَمْلُولُكُ الْمَقْهُورُ وَالْبَهِيمُ الْمُسَخَّرُ
◌َيْسَ لَهُمْ وَقْتُ رَاحَةٍ، فَكَانَ اللَّهُ أَنْظَرَ لِعِبَادِهِ وَأَرْحَمَ بِهِمْ، فَأَرْسَلَ جِبْرِيلَ فَأَمَرَّ بِجَنَاحِهِ عَلَى الْقَمَرِ ثَلاثَ
١٨٦

مَرَّاتٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ شَمْسٌُ فَمَحَا عَنْهُ الْضُوءَ وَبَقَّى فِيهِ النُّورَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارِ آيَتَيْنِ
فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مبصرةٍ} [الإسراء: ١٢]، فَالسَّوَادُ الَّذِي تَرَوْنَهُ فِي الْقَمَرِ شِبْهَ الْخُطُوطِ إِنَّا
هُوَ أَثَرُ ذَلِكَ الْمَحْوِ، قَالَ: وَخَلَقَ اللَّهُ الشَّمْسَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ ضَوْءِ نُورِ الْعَرْشِ لَا ثلثِائَة وَسِتُّونَ عُرْوَةٍ،
وَخَلَقَ اللَّهُ الْقَمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَكَّلَ بِالشَّمْسِ وَعَجَلَتِهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ مَلَكًا مِنْ مَلائِكَةِ أَهْلِ سَمَاءِ الدُّنْيَا قَدْ
تَعَلَّقَ كُلُّ مِنْهُمْ بِعُرْوَةٍ مِنْ تِلْكَ الْعُرَى، وَالْقَمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ وَخَلَقَ لَهَا مَشَارِقَ وَمَغَارِبَ فِي قُطْرَىِ الأَرْضِ
وَكَنَفَي السَّمَاءِ، ثَانِينَ وَمِائَّةِ عَيْنٍ فِي الْمَشْرِقِ وَثَانِينَ وَمِائَةِ عَبْنِ فِي الْمَغْرِبِ، فَكُلُّ يَوْمٍ لَهَا مَطْلِعٌ جَدِيدٌ
وَمَغْرِبٌ جَدِيدٌ مَا بَيْنَ أَوَّلِهَا مَطْلَعَا وَأَوَّلِهَا مَغْرِبًا، فَأَطْوَلُ مَا يَكُونُ مِنَ النَّهَارِ فِي الصَّيْفِ إِلَى آخِرِهَا مَطْلَعًا
وَآخِرِهَا مَغْرِبًا، وَأَقْصَرُ مَا يَكُونُ مِنَ النَّهَارِ فِي الشِّتَاءِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ
المغربين) [الرحمن: ١٧] يَعْنِي آخِرَهَا هَهُنَا وَهَهُنَا، ثُمَّ تَرَكَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ الْعُيُونِ ثُمَّ جَمَعَهَا بَعْدُ فَقَالَ
(بِربِّ الْمَشَارِقِ والمغاربِ) [المعارج:٤٠] فَذَكَرَ عِدَّةَ تِلْكَ الْعُيُونِ كُلُّهَا. قَالَ: وَخَلَقَ اللَّهُ بَحْرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
السَّمَاءِ مِقْدَارُ ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ وَهُوَ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي الْهَوَاءِ لَ يَقْطُرُ مِنْهُ قَطْرَةٌ، وَالْبِحَارُ كُلُّهَا سَاكِنَةٌ وَذَلِكَ
الْبَحْرُ جَارٍ فِي سُرْعَةِ السَّهْمِ، ثُمَّ انْطِبَاقُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَتَجْرِي الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ الْخُنَّسُ
فِي ذَلِكَ الْبَحْرِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ الشَّمْسَ دَنَتْ مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ لأَحْرَقَتْ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ
الأَرْضِ حَتَّى الصُّخُورَ وَالْحِجَارَةَ، وَلَوْ بَدَا الْقَمَرُ مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ حَتَّى يُعَايِنَهُ النَّاسُ كَهَيْتَتِهِ لافْتُِنَ بِهِ أَهْلُ
الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَعْضِمَهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ) فَقَالَ حُذَيْفَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ مَا ذَكَرْتَ
تَجْرَى الْخُنَّسِ فِي الْقُرْآنِ إِلا مَا كَانَ مِنْ ذِكْرِكَ الْيَوْمَ، فَمَا الْخُنَّسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((يَا حُذَيْفَةٌ هِيَ خَمْسَةٌ
كَوَاكِبَ الْبَرْجِيسُ وَعُطَارِدُ وَبُهْرَامُ وَالزَّهْرَةُ وَزُحَلُ، فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الطَّلِعَاتُ الْغَارِبَاتُ الْجَارِيَاتُ مِثْلُ
الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَأَمَّ سَائِرُ الْكَوَاكِبِ فَإِنَّهَا مُعَلَّقَةٌ مِنَ السَّمَاءِ تَعْلِقَ الْقَنَادِيلِ مِنَ الْمَسَاجِدِ فِي ◌ُّخُومِ السَّمَاءِ،
لَهُنَّ دَوَرَانٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، فَإِذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَسْتَبِنُوا ذَلِكَ فَانْظُرُوا إِلَى دَوَرَانِ الْقُلْكِ مَرَّةٌ هَهُنَا وَمَرَّةً
هَهُنَا، فَإِنَّ الْكَوَاكِبَ تَدُورُ مَعَهَا وَكُلُّهُا تَزُولُ سِوَى هَذِهِ الْخَمْسَةُ، قَالَ رَسُولُ اللهَ: وَأَعْجَبُ مِنْ خَلْقِ
الرَّحْمَنِ وَمَا بَقِيَ مِنْ قُدْرَتِهِ فِيمَا لَمْ نَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْجَبَ، وَذَلِكَ قَوْلُ حِبْرِيلَ لِسَارَّةَ: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ
أَمْرِ اللَّهِ) [هود:٧٣] ، وَذَلِكَ أَنَّ اللّهِ مَدِينَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَالأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ، عَلَى كُلِّ مَدِينَةٍ مِنْهَا عَشَرَةُ
آلافٍ بَابٍ، بَيْنَ كُلِّ بَابَيْنِ فَرْسَخٌ، يَنُوبُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ تِلْكَ الْمَدِينَيْنِ عَشَرَةُ آلافٍ فِي الْخِرَاسَةِ
عَلَيْهِمُ السّلاحُ وَمَعَهُمُ الْكُرَاعُ، ثُمَّ لَا تَنُوبُهُمْ تِلْكَ الْخِرَاسَةُ إِلَى يَوْمٍ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، اسْمُ إِحْدَاهُمَا جَابِرْسَا
وَالأُخْرَى جَابِلْقَا، وَمِنْ وَرَائِهِمَا ثَلاثُ أُمَمٍ: مَنْسِكُ وَتَارِيسُ وَتَأْوِيلُ، وَمِنْ وَرَائِهِمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَإِنَّ
جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ انْطَلَقَ بِي لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى فَدَعَوْتُ يَأْجُوجَ
وَمَأْجُوجَ إِلَى دِينِ اللَّهِ فَأَنْكَرُوا مَا جِئْتُهُمْ بِهِ فَهُمْ فِي النَّارِ . ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَيْنِ فَدَعَوُْهُمْ إِلَ دِينِ
اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ فَأَجَابُوا وَأَنَابُوا فَهُمْ إِخْوَانُنَا فِي الدِّينِ، مَنْ أَحْسَنَ مِنْهُمْ فَهُوَ مَعَ الْمُحْسِنِينَ مِنْكُمْ وَمَنْ
١٨٧

أَسَاءَ مِنْهُمْ فَهُوَ مَعَ الْمُسِيئِينَ مِنْكُمْ، فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الَّتِي بِالْمَغْرِبِ مِنْ بَقَايَا تُودَ مِنْ نَسْلِ مُؤْمِنِيهِمُ الَّذِينَ كَانُوا
آمَنُوا بِصَالِحِ، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى الأُمَمِ الثَّلاثَةِ فَدَعَوْتُهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَنْكُرُوا مَا دَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ فَهُمْ فِي
النَّارِ مَعَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْعُيُونِ عَلَى عَجَلَتِهَا وَمَعَهَا
ثلثمائة وَسِتُّونَ مَلَكَّا يَجُرُّونَهَا فِي ذَلِكَ الْبَحْرِ الْغَمْرِ، فَإِذا أرد اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُرِيَ الْعِبَادَ آيَةً مِنَ الْآيَاتِ
يَسْتَعْتِبُهُمْ رُجُوعًا عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَإِقْبَالا إِلَى طَاعَتِهِ؛ خَرَّتِ الشَّمْسُ عَنْ عَجَلَتِهَا فَتَقَعُ فِي غَمْرِ ذَلِكَ الْبَحْرِ،
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَظِّمَ الآيَةَ وَيُشَدِّدَ تَخْوِيفَ الْعِبَادِ خَرَّتِ الشَّمْسُ كُلُّهَا عَنِ الْعَجَلَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا على
العَجَلَةِ شيءٌ، فَذَلِكَ حِينَ يُظْلِمُ النَّهَارُ وَتَبْدُو النُّجُومُ، وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُحَوَّلَ آيَةً دُوَن آيَةٍ خَرَّ مِنْهَا النَّصْفُ
أَوِ الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ فِي الْمَاءِ وَيَبْقَى سَائِرُ ذَلِكَ عَلَى الْعَجَلَةِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ صَارَتِ الْمَلائِكَةُ
الْمُؤُكَّلُونَ بِالْعَجَلَةِ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةً يَقْلِبُونَ الشَّمْسَ وَيَجُّونَهَا نَحْوَ الْعَجَلَةِ، وَفِرْقَةً يَقْلِبُونَ الشَّمْسَ عَنِ الْعَجَلَةِ
يُجُرُّونَهَا نَحْوَ الْبَحْرِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَقُودُونَهَا عَلَى مِقْدَارِ سَاعَاتِ النَّهَارِ لَيْلاً كَانَ ذَلِكَ أَوْ نَهَارًا، حَتَّى لَا
يَزِيدَ فِي طُلُوعِهَا، فَإِذَا حَمَلُوا الشَّمْسَ فَوَضَعُوهَا عَلَى الْعَجَلَةِ حَمِدُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا قَوَّاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ
جَعَلَ لَهُمْ تِلْكَ الْقُوَّةَ وَأَفْهَمَهُمْ عِلْمَ ذَلِكَ، فَهُمْ لَا يُقَصِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ يَجُرُّونَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى
يَبْلُغُوا بِهَا إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يُدْخِلُونَهَا بَابَ الْعَيْنِ الَّتِي تَغْرُبُ مِنْهَا فَتَسْقُطُ مِنْ أُفْقِ السَّمَاءِ خَلْفَ الْبَحْرِ، ثُمَّ
تَرْتَفِعُ فِي سُرْعَةٍ طَيَرَانِ الْمَلائِكَةِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، فَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ مِقْدَارَ الَّيْلِ، ثُمَّ تُؤْمَرُ
بِالطّلُوعِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَتَطْلُعُ مِنَ الْعِينِ الَّتِى وَقَّتَ اللَّهُ لَا، فَلا تَزَالُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ كَذَلِكَ مِنْ طُلُوعِهِمَا إِلَى
غُرُوبِهِمَا، وَقَدْ وَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِاللَّيْلِ مَلَكًا مِنَ الْمَلائِكَةِ، وَخَلَقَ اللَّهُ حُجُبًا مِنْ ظُلْمَةٍ مِنَ الْمَشْرِقِ بِعَدَدِ
اللَّيَالِي فِي الدُّنْيَا عَلَى الْبَحْرِ السَّابِعِ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَقْبَلَ ذَلِكَ الْمَلُكُ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ ظُلْمَةِ ذَلِكَ
الْحِجَابِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْمَغْرِبَ فَلا يَزَالُ يُرَاعِي الشَّفَقَ وَيُرْسِلُ تِلْكَ الظُّلْمَةَ مِنْ خِلالِ أَصَابِعِهِ قَلِيلاً قَلِيلاً،
حَتَّى إِذَا غَابَ الشَّفَقُّ أَرْسَلَ الظُّلْمَةَ كُلَّهَا، ثُمَّ نَشَرَ جَنَاحَيْهِ فَبْلُغَانِ قُطْرَىِ الأَرْضِ وَكَنَفَي السَّمَاءِ، ثُمَّ يَسُوقُ
الظلمَةَ فى اللَّيْلِ بِجَنَاحَيْهِ إِلَى الْمَغْرِبِ قَلِيلاً قَلِيلاً، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْمَغْرِبَ انْفَجَرَ الصُّبْحُ مِنَ الْمَشْرِقِ، ثُمَّ ضَمَّ
الظُّلْمَةَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ قَبَضَ عَلَيْهَا بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ نَحْوَ قَبْضَتِهِ إِذَا تَنَاوَهَا مِنَ الْحِجَابِ مِنَ الْمَشْرِقِ، ثُمّ
يَضَعُهَا عِنْدَ الْمَغْرِبِ عَلَى الْبَحْرِ السَّابِعِ، فَإِذَا تَقَلَ تِلْكَ الظُّلْمَةَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ نُفِخَ فِي الصُّورِ
وَانْصَرَفَتِ الدُّنْيَا، فَلا تَزَالُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ الَّذِىِ ضُرِبَ لِتَوْبَةِ الْعِبَادِ، فَتَفْشُو
الْمَعَاصِي فِي الأَرْضِ وَتَكْثُّرُ الْفَوَاحِشُ، وَيَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ فَلا يَأْمُرُ بِهِ أَحَدٌ، وَيَظْهَرُ الْمُنْكَرُ فَلا يَنْهَى عَنْهُ
أَحَدٌ، وَيَكْثُرُ أَوْلادُ الْخُبَاءِ، وَيَلِي أُمُورَهُمُ السُّفَهَاءُ وَيَكْثُرُ أَتْبَاعُهُمْ مِنَ السُّفَهَاءِ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ الأَبَاطِيلُ
وَيَتَعَاوَنُونَ عَلَى رَيْبِهِمْ، وَيَتَزَيَّنُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَيَعِبُونَ الْعُلَمَاءَ مِنْ أُوْلِي الأَلْبَابِ وَيَتَّخِذُونَهُمْ سِخْرِيًّا،
حَتَّى يَصِيرَ الْبَاطِلُ فِيهِمْ بِنْزِلَةِ الْحَقِّ وَيَصِيرَ الْحَقُّ بِنْزِلَةِ الْبَاطِلِ، وَيَكْثُرُ فِيهِمْ ضَرْبُ الْمَعَازِفِ وَاتَّخَذُ
الْقَيْنَاتِ، وَيَصِيرُ دِينُهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَتَصْغُو قُلُوبُهُمْ إِلَى الدُّنْيَا، يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَصِيرُ الْمُؤْمِنُ بَيْنَهُمْ
١٨٨

بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمَانِ، وَيَسْتَحِلُّونَ الرِّبَا بِالْبَيْعِ وَالْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَالْقِيلَ بِالْمَوْعِظَةِ، فَإِذَا فَعَلُوا
ذَلِكَ قَلَّتِ الصَّدَقَةُ حَتَّى يَطُوفَ السَّائِلُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلا يُعْطَى دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَيَبْخَلُ
النَّاسُ بِمَا عِنْدَهُمْ حَتَّى يَظُنَّ الْغَنِيُّ أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ مَا عِنْدَهُ، وَيَقْطَعُ كُلُّ ذِي رَحِم رَحِمَهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِك
وَاجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِيهِمْ؛ حُبِسَتِ الشَّمْسُ تَحْتَ الْعَرْشِ مِقْدَارَ لَيْلَةٍ، كُلَّمَا سَجَّدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ مِنْ أَيْنَ
تُؤْمَرُ أَنْ تَطْلُعَ فَلا تُجَابُ، حَتَّى يُوَافِيَهَا الْقَمَرُ فَيَكُونُ لِلشَّمْسِ مِقْدَارَ ثَلاثِ لَيَالٍ وَلِلْقَمَرِ مِقْدَارَ لَيْلَيْنِ، وَلا
يَعْلَمُ طُولَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلا الْمُجْتَهِدُونَ، وَهُمْ حَنِيفِيَّةٌ عِصَابَةٌ قَلِيلَةٌ فِي ذِلَّةٍ مِنَ النَّاسِ وَهَوَانٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
وَضِيقٍ مِنْ مَعَابِشِهِمْ، فَيَقُومُ أَحَدُهُمْ بَقِيَّةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُصَلِي مِقْدَارَ وِرْدِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَلا يَرَى الصُّبْحَ، فَيَسْتَنْكِرُ
ذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُ: لَعَلِّيٍ قَدْ خَفَّفْتُ قِرَاءَتِي وَقُمْتُ قَبْلَ حِيْنِي، فَيَخْرُجُ فَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِالَّيْلِ كَمَا هُوَ،
وَالنُّجُومُ قَدِ اسْتَدَارَتْ مَعَ السَّمَاءِ فَصَارَتْ مَكَانَهَا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَأْخُذُ مَضْجَعَهُ فَلا يَأْخُذُهُ
النَّومُ، فَيَقوم فَيُصَلِّيّ الثَّنِيَةَ مِقْدَارَ وِرْدِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَلا يَرَى الصُّبْحَ، فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إِنْكَارًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَنْظُرُ إِلَى
النُّجُومِ فَإِذَا هِيَ قَدْ صَارَتْ كَهَيْتَتِهَا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَأْخُذُ مَضْجَعَهُ الثَّالِثَةَ فَلا يَأْخُذُهُ النَّوْمُ، فَيَقُومُ
أَيْضًا فَيُصَلِي مِقْدَارَ وِرْدِهِ، فَلا يَرَى الصُّبْحَ، فَيَخْرُجُ فَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَسْتَخِفَّهُمُ الْبُكَاءُ، فَيُنَادِي بَعْضُهُمْ
بَعْضًا، فَيَخْرُجُ الْمُجْتَهِدُونَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ بِحَضْرَتِهِمْ، وَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ كَانُوا يَتَوَاصَلُونَ وَيَتَعَارَفُونَ، فَلا
يَزَالُونَ يَتَضَّرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ بَقِيَّةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَالْغَافِلُونَ فِي غَقْلَتِهِمْ، فَإِذَا تَمَّ لِلشَّمْسِ مِقْدَارَ ثَلاثِ لَيَالٍ وَلِلْقَمَرِ
مِقْدَارُ لَيْلَيْنِ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا حِبْرِ يلَ، فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ الرَّبَّ يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَرْجِعَا إِلَى الْمَغْرِبِ فَتَطْلُعَا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا
ضَوْءَ لَكُمَا عِنْدَنَا الْيَوْمَ وَلا نُورٌ، فَيَبْكِيَانِ عِنْدَ ذَلِكَ وَجَلاً مِنَ اللَّهِ، فَتَبْكِي الْمَلائِكَةُ لِبُكَائِهِمَا مَعَ مَا يُخَالِطُهُمَا
مِنَ الْخَوْفِ، فَيَرْجِعَانِ إِلَى الْمَغْرِبِ فَيَطْلُعَانِ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبَيْنَهَا النَّاسُ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ: أَلا إِنَّ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ قَدْ طَلُعَا مِنَ الْمَغْرِبِ، فَيَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهِمَا فَإِذَا هُمَا أَسْوَدَانِ كَهَيْئَتِهِمَا فِي حَالِ كُسُوفِهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا
ضَوْءَ لِلشَّمْسِ وَلا نُورَ لِلْقَمَرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجل {إِذا الشَّمْس كورت) [التكوير:١] وَقَوْلُهُ {وَخَسَفَ
الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرِ) [القيامة: ٨-٩] قَالَ: فَرْتَفِعَانِ يُنَازِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، حَتَّى يَبْلُغَا
سَهْوَةَ السَّمَاءِ وَهُوَ نِصْفُهَا، فَيَحْبِسُهُمَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَأْخُذُ بِقَرْنَيْهِمَا وَيَرُؤُّهُمَا إِلَى الْمَغْرِبِ فَلا
يُغْرِبُهُمَا فِي تِلْكَ الْعُيُونِ وَلَكِنْ يُغْرِبُهُمَا فِي بَابِ التَّوْبَةِ))، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ
اللَّهِ وَمَا بَابُ الثَّوْبَةِ؟ قَالَ: ((يَا عُمَرُ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْفَ الْمَغْرِبِ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَيْنِ بِالْجَوْهَرِ
◌ِلتَّوْبَةِ، فَنْ يَتُوبَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ تَوْبَةً نَصُوحًا إِلا وَجَتْ تَوْبَتُهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ، ثُمَّ يُرْفَعُ إِلَى اللَّهِ عَّ
وَجَلَّ)). فَقَالَ حُذَيْفَةُ: بِأُمِّي وَأَبِ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ؟ قَالَ: ((النَّدَمُ مِنَ الذَّنْبِ عَلَى مَا فَاتَ
مِنْهُ فَلا يَعُودُ إِلَيْهِ كَمَا لَا يَعُودُ الَّبْنُ إِلَى الضَّرْعِ)). قَالَ حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ
بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَكَيْفَ بِالنَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((يَا حُذَيْفَةُ أَمَّا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَإِنَّهُمَا يَعُودَانِ، فَإِذَا أَغْرَ بَهُمَا اللَّهُ
تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْبَابِ رَدَّ الْمِصْرَاعَيْنِ فَالْتَمَ مَا بَيْنَهُمَا كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا صَدْعٌ قَطُّ، فَـ{لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيَمَائُهَا لَمْ
١٨٩

تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فى إِيَمَانَهَا خَيراً} [الأنعام: ١٥٨]، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْ عَبْدٍ حَسَنَةٌ إِلا مَنْ كَانَ قَبْلَ
ذَلِكَ نُحْسِنَا، فَإِنَّهُ يَجْرِي لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ وَتَغْرُبُ كَمَا كَانَتْ قَبْلُ، فَأَمَّا النَّاسُ فَإِنَهُمْ بَعْدَ
مَا يَرَوْنَ مِنْ فَظِيع ◌ِلْك الآيَةِ وَعِظَمِهَا يُلِحُونَ عَلَى الدُّنْيَا، حَتَّى يَغْرِسُوا فِيهَا الأَشْجَارَ وَيُشَقِّقُوا فِيهَا الأَنْهَارَ
وَيَبْنُوا فَوْقَ ظَهْرِهَا الْبُنْيَانَ، وَأَمَّ الدُّنْيَا فَوْ أنتج رجل مُهْرًا لَمْ يَرْكَبْهُ مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا إِلَى
أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ لأَسْرَعُ مَرَّا مِنَ السَّحَابِ، لَا يَدْرِي الرَّجُلُ مَتَى
يُمْسِي وَمَتَى يُصْبِحُ، ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْتِنَّهُمْ وَإِنَّ الرَّجُلَ قَدِ انْصَرَفَ مِنْ لَبَنِ لَفْحَتِهِ مِنْ
تَحْتِهَا فَلا يَذُوقُهُ وَلا يَطْعَمُهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ فِي فِيهِ الُّقْمَةُ فَمَا يُسِيغُهَا، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَوْلا أَجَلٌ
مُسَمَّى ◌َجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: ٥٣])) قَالَ: ((وَأَمَّا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
فَإِنَّهُمَا يَعُودَانِ إِلَى مَا خَلَقَهُمَا اللَّهُ مِنْهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّهُ هُوَ يبدئ وَيُعِيد} [البروج: ١٣] فَيُعِيدُ هُمَا إِلَى مَا
خَلَقَهُمَا مِنْهُ). قَالَ حُذَيْفَةُ: بِأَبِيِ أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ قِيَامُ السَّاعَةِ وَكَيْفَ النَّاسُ فِي تِلْكَ الْحَال؟.
فَقَالَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: (بَيْنَمَا النَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ أَسَرَّ مَا كَانُوا بِدُنْيَاهُمْ وَأَخْرَصَ مَا كَانُوا عَلَيْهَا، فَبَيْنَ كَيَّالِ
يَكِيلُ وَوَزٍَّ يَزِنُ وَبَيْنَ مُشْتَرٍ وَبَائِعٍ إِذْ أَتَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَخَرَّتِ الْمَلائِكَةُ صَرْعَى مَوْنَى عَلَى خُدُودِهِمْ، وَخَرَّ
الآدَمِيُّونَ مَوْنَى عَلَى خُدُودِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أهلهم يرجعُونَ)[يس: ٤٩-٥٠] قَالَ: فَلا يَسْتَطِيعُ أَحَدُهُمْ أَنْ يُوصِيَ صَاحِبَهُ
وَلا يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَّخِرُّ الْوُحُوشُ عَلَى جُنُوبِهَا مَوْنَى وَتَّخِرُّ الطُُّورُ مِنْ أَوْكَارِهَا وَمِنْ جَوِّ السَّمَاءِ مَوْنَى،
وَمُوتُ السَِّاعُ فِي الْغِيَاضِ وَالآجَامِ وَالْفَيَافِيِ، وَتَمُوتُ الْحِيتَانُ فِي ◌ُجَجِ الْبِحَارِ وَالْهَوَامُّ فِي بُطُونِ الأَرْضِ، فَلا
يَبْقَى مِنْ خَلْقِ رَبَّا عَزَّ وَجَلَّ إِلا أَرْبَعَةُ: حِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَ إِسْرَافِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِبْرِيلَ:
مُتْ فَيَمُوتُ، ثُمَّ يَقُولُ لإِسْرَافِيلَ: مُتْ فَيَمُوتُ، ثُمَّ يَقُولُ لِيكَائِيلَ: مُتْ فَيَمُوتُ، ثُمَّ يَقُولُ لِلَكِ الْمَوْتِ: يَا
مَلَكَ الْمَوْتِ مَا مِنْ نَفْسٍ إِلا وَهِيَ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ فَمُتْ، فَيَصِيحُ مَلَكُ الْمَوْتِ صَيْحَةً ثُمَّ يَخِرُ مَيِّتَا، ثُمَّ يُنَادِي
السَّمَوَاتِ فَتَنْطَوِي عَلَى مَا فِيهَا كَطَيِّ السّجِلِّ لِلْكِتَابِ، وَالسَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ مَعَ مَا فِيهِنَّ لَا
يَسْتَبِنُ فِي قَبْضَةِ رَبِّنَا عَّ وَجَلَّ كَمَا لَوْ أَنَّ حَبَّةً مِنْ خَرْدَلِ أُرْسِلَتْ فِي رِمَالِ الأَرْضِ وَبُحُورِهَا لَمْ تَسْتَبِنْ،
فَكَذَلِكَ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ مَعَ مَا فِيهِنَّ لَا تَسْتَبِنُ فِي قَبْضَةِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَيْنَ الُْولُكُ وَأَيْنَ الْجَبَابِرَةُ، ◌ِمَنِ الْمُكُ الْيَوْمَ؟ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى نَفْسِهِ: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، ثُمَّ يَقُولُهَا
النَّنِيَةَ وَالثَّلِئَةَ، ثُمَّ يَأْذَنُ اللَّهُ لِلسَّمَوَاتِ فَيَتَمَسَّكْنَ كَمَا كُنَّ، وَيَأْذَنُ لِلأَرَضِينَ فَيَنْسَطِحْنَ كَمَا كُنَّ، ثُمَّ يَأْذَنُ
◌ِصَاحِبِ الصُّورِ فَيَقُومُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةً فَتَفْشَعِرُّ الأَرْضُ مِنْهَا، وَتَلْفِظُ مَا فِيهَا، وَيَسْعَى كُلُّ عُضْوٍ إِلَى عُضْوِهِ،
ثُمَّ يُخْطِرُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ الْحَيَوَانُ، وَهُوَ تَحَتِ الْعَرْش فيمطر عَلَيْهِ شَبِهَا بِمَنِيِّ الرِّجَالِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا
وَلَيْلَةً، حَتَّى تَنْبُتَ اللُّحُومُ عَلَى أَجْسَادِهَا كَمَا تَنْبُتُ الطَّرَائِيثُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، ثُمَّ يُؤْذَنُ بِالنَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ
فَيَنْفُ بِالصُورِ فَيُخْرِجُ الأَرْوَاحَ، فَيَدْخُلُ كُلُّ رُوحٍ فِي الْجَسَدِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ)، قَالَ حُذَيْفَةُ: قُلْتُ يَا
١٩٠

رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ تَعْرِفُ الرُّوحُ الْجَسَدَ؟، قَالَ: ((نَعَمْ يَا حُذَيْفَةُ إِنَّ الرُّوحَ لأَعْرَفُ بِالْجَسَدِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ
مِنْ أَحَدِكُمْ بِنْزِلِهِ، فَيَقُومُ النَّاسُ فِي ظُلْمَةٍ لَا يُبْصِرُ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ فَيَمْكُتُونَ بِقْدَارِ ثَلاثِينَ سَنَةٌ، ثُمّ تَنْجَلِي
عَنْهُمُ الظُّلْمَةُ وَتُفَجَّرُ الأَنْهَارُ وَتُضْرَمُ النَّارُ وَيُحْشَرُ كُلُّ شيءٍ فَوْجًا لَفِيفًا، لَيْسَ يَخْتَلِطُ الْمُؤْمِنُ بِالْكَافِرِ وَلا
الْكَافِرُ بِالْمُؤْمِنِ، وَيَقُومُ صَاحِبُ الصُّورِ عَنْ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيُحْشَرُ النَّاسُ عُرَاةً حُفَاةً غُرْلاً مَا عَلَى
أَحَدٍ مِنْهُمْ طَحْلَبَةٌ، وَقَدْ دَنَتِ الشَّمْسُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا بِقْدَارِ سَتَتَيْنِ، وَقَدْ أُمِدَّتْ بِحَرِّ عَشْرٍ
سِنِينَ، فَيُسْمَعُ لأَجْوَافِ الُْشْرِكِينَ غَقْ غَقْ، فَيَنْتَهُونَ إِلَى أَرْضِ يُقَالُ لَا السَّاهِرَةُ، وَهِيَ بِنَاحِيَّةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
تَسَعُ النَّاسَ وَتَحْمِلُهُمْ بِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَقُومُ النَّاسُ عَلَيْهَا))، ثُمَّ جَثَا رَسُول الله عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: (لَيْسَ قِيَامًا
عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَلَكِنْ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ لَا يَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ يَمِنًا وَلا شِمَالاً وَلا خَلْفَا، وَقَدِ اشْتَغَلَتْ
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا آتَاهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: ٦] فَيَقُومُونَ مِقْدَارَ
مِائَةٍ سَنَةٍ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ تِلْكَ الْمِئَةَ سَنَةٍ كَقَوْمَةٍ فِي صَلاةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا تَّ مِقْدَارُ سَنَةِ انْشَقَّتْ سَمَاءُ
الدُّنْيَا وَهَبَطَ سُكَّنُهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ، فَيُحِيطُونَ بِالْخَلْقِ ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ وَيَهْبِطُ
سُكَّانُهَا، وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّ هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَمِنْ أَهْلِ الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ، وَلا يَزَالُ تَنْشَقُّ سَمَاءَ سَمَاءً وَيَهْبِطُ
سُكَّائُهَا، حَتَّى تَنْشَقَّ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ وَيَهْبِطَ سُكَّانُهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُهْبِطَ مِنْ سِتِّ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ أَهْلِ الأَرْضِ
مرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَجِيْءُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي ظُلَلٍ مِن الْغَمَامِ، وَأول شيء يُكَلِّمُ الْبَهَائِمُ فَيَقُولُ: يَا بَهَائِي إِنََّا
خَلَقْتُكُمْ لِوَدِ آدَمَ، فَكَيْفَ كَانَتْ طَاعَتُكُمْ لَهُمْ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ، فَقُولُ الْبَهَائِمُ: رَبَّنَا خَلَقْتَ لَهُمْ فَكَلِّفُونَا
مَا لَمْ نُطِقْهُ وصبرنا لطلب مَرْضَاتِكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقْتُمْ يَا بَهَائِي إِنََّا طَلَبْتُمْ رِضَائِي فَأَنَا عَنْكُمْ
رَاضٍ، وَمِنْ رِضَائِي عَنْكُمُ الْيَوْمَ إِّي لَا أُرِيكُمْ أَهْوَالَ جَهَنَّمَ، فَكُونُوا تُرَابًا رَمَدًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ: يَا
ليتنى كنت تُرَابا. ثُمَّ تَذْهَبُ الأَرْضُ السُّقْلَى وَالثَّانِيَةُ وَالثَّلِئَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ، وَتَبْقَى هَذِهِ
الأَرْضُ فَتَكْفَأُ بِأَهْلِهَا كَمَا تُكْفَأُ السَّفِينَةُ فِي كُجَّةِ الْبَحْرِ إِذَا خَفَقَتْهَا الرِّيَاحُ، فَيَقُولُ الآدَمِيُّونَ: أَلَيْسَ هَذِهِ
الأَرْضُ الَّتِي كُنَّا نَزْرَعُ عَلَيْهَا وَنَمْشِي عَلَى ظَهْرِهَا، وَبْنِي عَلَيْهَا الْبُنْيَانَ فَمَا لَهَا الْيَوْمَ لَا تَقَرُّ؟!، فَتُجَاوِبُهُمْ
فَتَقُولُ: يَا أَهْلَاهُ أَنَا الأَرْضُ الَّتِي مَهَّدَنِ الرَّبُّ لَكُمْ، كَانَ لِي مِيقَاتُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، فَأَنَا شَاهِدَةٌ عَلَيْكُمْ بِمَا فَعَلَُّمْ
عَلَى ظَهْرِي، ثُمَّ عَلَيْكُمُ السَّلامُ فَلا تَرَوْنِي أَبَدًا وَلا أَرَاكُمْ، فَتَشْهَدُ عَلَى كُلُّ عَبَّدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا إِنْ
خَيْرًا فَخَيْرٌ وَ إِنْ شَرًّا فَشَرّ، ثُمَّ تَذْهَبُ هَذِهِ الأَرْضُ وَتَأْتِي أَرْضُ بَيْضَاءُ لَمْ تُعْمَلْ عَلَيْهَا الْمَعَاصِي وَلَمْ تُسْفَكُ
عَلَيْهَا الدِّمَاءُ، فَعَلَيْهَا يُحَاسَبُ الْخَلْقُ، ثُمَّ يُجَاءُ بِالنَّارِ مَزْهُومَةً بِسَبْعِينَ أَلْفِ زِمَامٍ، يَأْخُذُ بِكُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ
أَلْفَ مَلَكِ مِنَ الْمَلائِكَةِ، لَوْ أَنَّ مَلَكًا مِنْهُمْ أُذِنَ لَهُ لالْتَقَمَ أَهْلَ الْجَمْعِ، فَإِذَا كَانَتْ مِنَ الآدَمِيِّينَ مَسِيرَةً
أَرْبَعِمِائَة سَنَّةٍ زَفَرَتْ زَفْرَةً فَيَتَجَلَى النَّاسَ السُّكْرُ وَتَطِيرُ الْقُلُوبُ إِلَى الْخَنَاجِرِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْهُمُ النَّفَسَ
إِلا بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ، ثُمَّ يَأْخُذُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْغَمُّ حَتَّى يُلْجِمَهُمُ الْعَرَقُّ فِي مَكَانِهِمْ، فَتَسْتَأَذِنُ الرَّحْمَنَ فِي
السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، فَتَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَنِي أَنْتَقِمُ لِلَّهِ مِمَّنْ عَصَاهُ، وَلَمْ يَجْعَلْنِي آدَمِيًّا فَيَنْتَقِمُ مِنِّيّ، ثُمّ
١٩١

تُزَيَّنُ الْجَنَّةُ، فَإِذَا كَانَتْ مِنَ الآدَمِيِّينَ عَلَى مسيرَةٍ خَمْسِائَة سَنَةٍ يَجِدُ الْمُؤْمِنُونَ رِيحَهَا وَرَوْحَهَا، فَتَسْكُنُ
نُفُوسُهُمْ وَ يَزْدَادُونَ قُوَّةً عَلَى قُوَّتِهِمْ، فَتَثْبُتُ عُقُوهُمْ وَيُلَقْنُهُمُ اللَّهُ حُجَجَ ذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ
وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَيُنَادَى: أَيْنَ فُلانُ ابْنِ فُلانٍ قُمْ إِلَى الْحِسَابِ، فَيَقُومُونَ وَيَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ أَنَهُمْ قَدْ بَلَّغُوا
رِسَالاتِ رَبِّهِمْ، فَأَنْتُمْ حُجَّةُ الرُّسُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُنَادَى رَجُلٌ رَجُلٌ فَيَا لَهَا مِنْ سَعَادَةٍ لَا شَقَاوَةَ بَعْدَهَا، وَيَا
لَهَا مِنْ شَقَاوَةٍ لَا سَعَادَةَ بَعْدَهَا، فَإِذَا قُضِيَ بَيْنَ أَهْلِ الدَّارَيْنِ وَدَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَدَخَلَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ؛
بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَلائِكَةً إِلَى أُمَّتِي خَاصَّةً، وَذَلِكَ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، مَعَهُمُ التُّحَفُ وَالْهَدَايَا مِنْ عِنْدِ
رَبِّهِمْ، فَيَقُولُونَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ إِنَّ رَبَّكُمْ رَبَّ الْعِزَّةِ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكُمْ: أَرَضِيتُمُ الْجَنَّةَ مَنْزِلاً
وَقَرَارًا؟ فَيَقُولُونَ: هُوَ السَّلامُ وَمِنْهُ السَّلامُ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ السَّلامُ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَذِنَ
لَكُمْ فِي الزِّيَارَةِ إِلَيْهِ، فَيَرْكَبُونَ نُوقًا صُفْرًا وَبِيضًا رِحَالاتُهَا وَأَزِمَّتُهَا الْيَاقُوتُ تَخْطُرُ فِي رِمَالِ الْكَافُورِ، أَنَا
قَائِدُهُمْ وَبِلالٌ على مَقْدَمَتِهِمْ، وَوَجْهُ بِلالٍ أَشَدُّ نُورًا مِنَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالمؤذِّنُونَ حَوْلَهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ،
وَأَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ أَذْنَى النَّاسِ مِنِّ، ثُمَّ أَهْلُ حَرَمِي الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ بَعْدَهُمُ الَفْضَلُ فَالأَفْضَلِ، يَسِيرُونَ وَلَهُمْ
تَكْبِيرٌ وَتَهْلِيلٌ، لَا يَسْمَعُ سَامِعٌ فِي الْجَنَّةِ أَصْوَاتَهُمْ إِلا اشْتَاقَ إِلَى النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، فَيَمُرُّونَ بِأَهْلِ الْجِنَانِ فِي
جِنَانِهِمْ، فَيَقُولُونَ: مَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ مَرُّوا بِنَا آنِفًا؟ قَدِ ازْدَادَتْ جِنَانُنَا حُسْنَا عَلَى حُسْنِهَا وَنُورًا عَلَى نُورِهَا،
فَيَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ يَزُورُونَ رَبَّ الْعِزَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَئِنْ كَانَ تُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَالْكَرَامَةِ، ثُمّ
يُعَايِنُونَ وَجْهَ رَبِّ الْعِزَّةِ فَا لَيْتَنَا كُنَّا مِنْ أُمَّةِ تُحَمَّدٍ، فَيَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتُهُوا إِلَى شَجَرَةٍ يُقَالُ لَهَا شَجَرَةُ طُوَى،
وَهِيَ عَلَى شَاطِئِ نهر الْكَوْثَر، وهى لُحَمَّدٍ، لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ قَصْرٌ مِنْ قُصُورِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِلا وَفِيهِ غُصْنٌ مِنْ
أَغْصَانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَيَنْزِلُونَ تَحْتَهَا، فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اكْسُ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيُكْسَى أَحَدُهُمْ
مِائَةَ حُلَّةٍ لَوْ أَنَّهَا جُعِلَتْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ لَوَسِعَتْهَا مِنْ ثِيَّابِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ عَطَّرْ أَهْلَ
الْجَنَّةِ، فَيَسْعَى الْوِلْدَانُ بِالطِّيبِ فَيُطَبُونَ، ثُمَّ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ فَكَّْ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَسْعَى الْوِلْدَانُ
بِالْفَاكِهَةِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ارْفَعُوا الْحُجُبَ عَنِّي حَتَّى يَنْظُرَ أَوْلِيَائِي إِلَى وَجْهِي، فَإِنَهُمْ عَبَدُوِي وَلَّمْ
يَرَوْنِي، وَعَرَفَتِْي قُلُوبُهُمْ وَلَرْ تَنْظُرْ إِلَيَّ أَبْصَارُهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: سُبْحَانَكَ نَحْنُ مَلائِكَتُكَ وَنَحْنُ حَمَلَةُ
عَرْشِكَ لَّمْ نَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَا نَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكَ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ الآدَمِيُّونَ ذَلِكَ؟!، فَيَقُولُ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ: يَا مَلائِكَتِي طَالَمَا رَأَيْتُ وُجُوهَهُمْ مُعَفَّرَةً بِاللَُّابِ لِوَجْهِي، وَطَالَا رَأَيْتُهُمْ صُوَّامًا لِوَجْهِي فِي يَوْمٍ
شَدِيدِ الظَّمَا، وَطَالَمَا رَأَيْتُهُمْ يَعْمَلُونَ الأَعْمَالَ ابْتِغَاءَ رَحْمَتِي وَرَجَاءَ ثَوَابِيٍ، وَطَالَمَا رَأَيْتُهُمْ يَزُورُونَ إِلَى بَيْتِي
مِنْ كُلِّ فَجِّ عميق، وطالما رَأَيْتِهِمْ وَعُيُونُهُم بِالدُّمُوعِ مِنْ خَشْبَتِي، يَحِقُّ لِلْقَوْمِ عَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَ أَبْصَارَهُمْ مِنَ
الْقُوّةِ مَا يَسْتَطِيعُونَ بِهِ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِي، فَتُرْفَعُ الْحُجُبُ فَيَخِرُونَ سُجَّدًا، فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ لَا نُرِيدُ جِنَانًا
وَلا أَزْوَاجًا وَلا نُرِيدُ إِلاَ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ يَا عِبَادِي فَإِنَّهَا
دَارُ جَزَاءٍ وَلَيْسَتْ بِدَارِ عِبَادَةٍ، وَهَذَا لَكُمْ عِنْدِي مِقْدَارُ كُلِّ ◌ُمْعَةٍ كَمَا كُنْتُمْ تَزُورُونَنِي فِي بَيْتِي)).
١٩٢

موضوع.
قال ابن الجوزي :
«هذا حديث موضوع لا شك فيه، وفي إسناده جماعة من الضعفاء والمجهولین، وعمر بن صبح ليس
بشيء قال أبو حاتم ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات لا يحل كتب حديثه إلا على وجه
التعجب)). كتاب الموضوعات (١٤٠/١).
وانظر: تنزيه الشريعة (١٧٩/١-١٨٩).
حدیث الديك الكبير
١٠٥ - عَنْ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللهِوَِّ: (لَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السّمَاءِ رَأَيْتُ فِيهَا
أَعَاجِيبَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الَّذِي رَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ دِيْكُ لَهُ زَغَبُ أَخْضَرُ وَرِيشْ أَبْيَضُ، بَيَاضُ
رِيشِهِ كَأَشَدِّ بَيَاضٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ، وَزَغَبُهُ تَحْتَ رِيشِهِ أَخْضَرُ كَأَشَدِّ خُضْرَةٍ رَأَيْتُهَا قَطُّ، وَإِذَا رِجْلاهُ فِي تُخُومِ
الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّقْلَى، وَرَأْسُهُ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، ثَانِي عُنُقِهِ تَحْتَ الْعَرْشِ، لَّهُ جَنَاحَانِ فِي مَنْكِبَيْهِ إِذَا
نَشَرَّهُمَا جَاوَزَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، فَإِذَا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ نَشَرَ جَنَاحَيْهِ وَخَفَقَ بِجَنَاحَيْهِ وَصَرَخَ بِالتَّسْبِيحِ
لِلَّهِ يَقُولُ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتْعَالِ، لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ
سَبَّحَتْ دِيكَةُ الأَرْضِ كُلُّهَا وَخَفَقَتْ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَخَذَتْ فِي الصُّرَاخِ، فَإِذَا سَكَنَ ذَلِكَ الدِّيُكُ فِي السَّمَاءِ
سَكَنَتِ الدِّيكَةُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ إِذَا كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَشَرَ جَنَاحَيْهِ فِي إِزَاءِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَخَفَقَ بِهِمَا،
وَصَرَغَ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْقَهَّارِ سُبْحَانَ اللَّهِ ذِي
الْعَرْشِ الرَّفِيعِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَبَّحَتْ دِيكَةُ الأَرْضِ كُلُّهَا بِمِثْلِ قَوْلِهِ، وَخَفَقَتْ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَخَذَتْ فِي
التَّصْرِيخِ، فَإِذَا سَكَنَ ذَلِكَ الدِّيُكُ سَكَنَتِ الدِّيكَةُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ إِذَا هَاجَ ذَلِكَ الدِّيُ هَاجَتِ الدِّيكَةُ فِي
الأَرْضِ، يُجَاوِبْنَهُ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ تَعَالَى يَقُلْنَ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَمْ أَزَلْ مُنْذُ رَأَيْتُ ذَلِكَ مُشْتَاقًا إِلَى أَنْ أَرَاهُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ
مَرَرْتُ بِخَلْقِ عَجِيبٍ مِنَ الْعَجَبِ، رَأَيْتُ مَلَكًا مِنَ الْمَلائِكَةِ نِصْفُ جَسَدِهِ مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ ثَلْجُ وَالآخَرُ مُكَوَّنٌ
نَارًا مَا بَيْنَهُمَا رِيقٌ، فَلَا النَّارُ تُذِيبُ الثَّْجَ وَلا الثَّْجُ يُطْفِي النَّارَ، وَهُوَ قَائِمٌ يُنَادِي بِصَوْتٍ لَهُ رَفِيعٌ جِدًّا:
سُبْحَانَ رَبِّيَ الَّذِي كَفَّ بَرْدَ هَذَا الَّلْجِ فَلا يُطْفِئُ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الَّذِي كَفَّ حَرَّ هَذِهِ النَّارَ فَلا
تُذِيبُ هَذَا الَّلْجَ، اللَّهُمَّ مُؤَلًَّا بَيْنَ الثََّجِ وَالنَّارِ أَلَّفْ بَيْنَ قُلُوبٍ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟
فَقَالَ هَذَا مَلَكُ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَكَّلَهُ اللَّهُ بِأَكْنَافِ السَّمَوَاتِ وَأَطْرَافِ الأَرَضِينَ، وَهُوَ مِنْ أَنْصَحِ الْمَلائِكَةِ
الأَهْلِ الأَرْضِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، يَدْعُو لَهُمْ بِمَا تَسْمَعُ فَهَذَا قَوْلُهُ مُنْذُ خُلِقَ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِلَكِ آخَرَ جَالِسٍ عَلَى
كُرْسِيٍّ، فَإِذَا جَمِيعُ الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ لَوْحُ مِنْ نُورٍ مَكْتُوبٌ يَنْظُرُ فِيهِ، لَا يَلْتَفِتُ عَنْهُ
يَمِينًا وَلا شِمَالاً، مُقْبِلٌ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا حِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ دَائِبٌ فِي قَبْضِ الأَرْوَاحِ،
١٩٣

وَهُوَ أَشَدُّ الْمَلائِكَةِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ إِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ مِنْ ذَوِي الأَرْوَاحِ أَوْ هُوَ مَيِّتُ فِيهَا بَعْدُ هَذَا يَقْبِضُ
رُوحَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَرَاهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا وَيَشْهَدُهُمْ بِنَفْسِهِ؟، قَالَ: نَعَمْ: قُلْتُ: كَفَى بِالْمَوْتِ طَامَّةً،
فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَطَمُّ وَأَعْظَمُ، فَقُلْتُ: وَمَا ذَالَكَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ يَأْتِيَانِ كُلَّ
إِنْسَانٍ مِنَ الْبَشَرِ حِينَ يُوضَعُ فِي قَبْرِهِ وَيُثْرُكُ وَحِيدًا، فَقُلْتُ: أَرِنِهِمَا يَا حِبْرِيلُ، قَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِّي
أَرْهَبُ أَنْ تَفْزَعَ مِنْهُمَا وَتُّهَالَ أَشَدَّ الْخَوْلِ، وَلا يَرَاهُمَا أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلا يَرَاهُمَا أَحَدٌ مِنَ
الْبَشَرِ إِلا مَاتَ فَزَعًا مِنْهُمَا، وَهُمَا أَعْظَمُ شَأْنَا مِمَّا تَظُنُّ، قُلْتُ، يَا جِبْرِيلُ صِفْهُهَا لِ، قَالَ: نَعَمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ
أَذْكُرَ لَكَ طُوَهُمَا، وَذِكْرُ ذَلِكَ مِنْهُمَا أَفْظَعُ غَيْرَ أَنَّ أَصْوَاتَهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ، وَأَعْيُنُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ،
وَأَنْيَابَهُمَا كَصَيَاصِيِّ الْبَقَرِ، يَخْرُجُ لَبُ النَّارِ مِنْ أَفْوَاهِهِمَا وَمَنَاخِرِهِمَا وَمَسَامِعِهِمَا، يَكْسَحَانِ الأَرْضَ
بِأَشْعَارِهِمَا وَيَحْفُرَانِ الأَرْضَ بِأَظْفَارِهِمَا، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَنْ فِي
الأَرْضِ مَا حَرَّكُوهُ، يَأْتِيَانِ الإِنْسَانَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُرَِكَ وَحِيدًا يُسَلَّطَانِ عَلَيْهِ، فَتُرُّ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ بِذْنِ
اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُقْعِدَانِهِ فِى قَبره، ويَنْتَهِرَانِهِ انْتِهَارًا يَتَقَعْقَعُ مِنْهُ عِظَامُهُ، وَتَزُولُ أَعْضَاءُهُ مِنْ مَفَاصِلِهِ فَيَخِرُّ
مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقْعِدَانِهِ فِي قَبْرِهِ فَيَقُولانِ: يَا هَذَا إِنَّكَ فِي الْبَرْزَخِ فَاعْقِلْ ذَلِكَ، وَاعْرِفْ مَكَانَكَ وَيَنْتَهِرَانِهِ
ثَانِيَةً وَيَقُولانِ: بِهَذَا قَدْ ذَهَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَفْضَيْتَ إِلَى مَعَادِكَ، أَخْبِّنَا مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَإِنْ
كَانَ مُؤْمِنَا لَقَّنَهُ اللَّهُ حُجَّتَهُ، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللّه وَبِي ◌ُحَمَّدٍ وَدِينِي الإِسْلامُ، فَيَنْتَهِرَانِهِ عِنْدَ ذَلِكَ انْتِهَارًا يَرَى أَنَّ
أَوْصَالَهُ قَدْ تَفَرَّقَتْ وَعُرُوقَهُ قَدْ تَقَطَّعَتْ، فَيَقُولانِ: تَنَبَّتْ يَا هَذَا وَانْظُرْ مَا تَقُولُ، فَيُنَبِّتُ اللَّهُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ
بِالْقَوْلِ النَّبِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، وَيَلْقَاهُ الأَمْنُ وَيُدْرَأُ عَنْهُ الْفَزَعُ حَتَّى لَا يَخَافَهُمَا، فَإِذَا فَعَلَ اللَّهُ
ذَلِكَ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ اسْتَأَنَسَ إِلَيْهِمَا، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا بِالْخُصُومَةِ يُخَاطِبُهُمَا وَيَقُولُ: تُهَدِّدَانِ كَيْمَا أَشُكُ فِي دِينِي
أَثُرِ يدَانِ أَنْ أَّخِذَ غَيْرَهُ وَلِيًّا؟! فَاشْهَدَا أَنْ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبِّي وربكما وَرَبُّ كُلِّ شَيءٍ، وَنَبِّ مُحَمَّدٌ وَدِينِي
الإِسْلامُ، فَيَنْتَهِرَانِهِ وَيَسْأَلانِهِ الثَّالِثَةَ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَإِيَّهُ كُنْتُ أَعْبُدُ لَمْ أُشْرِكْ بِهِ
شَيْئًا وَلَمْ أَتَّخِذْ غَيْرَهُ وَلِيًّا، أَتُرِ يدَانِ أَنْ تَرُدَّانِي عَنْ مَعْرِفَةِ رَبِّي وَعِبَادَتِي إِيَّهُ؟!، وَاللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبِّ وَرَبُّ
كلِّ شيءٍ وَنَبِيٍّ ◌ُحَمَّدٌ وَدِينِي الإِسْلامُ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مُجَاوَبَةً لَهُمَا تَوَاضَعَا حَتَّى يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهِمَا
أَحْسَنَ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَهْلِ وُدِّهِ وَقَرَابَتِهِ، وَيَقُولانِ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ وَفَّقَكَ اللَّهُ وَثَبَتَكَ أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ
وَكَرَامَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يَرْفَعَانِ قَبْرَهُ فَيَتَسِعَ لَهُ مَدَّ الْبَصَرِ، فَيَفْتَحَانِ لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ
وَطِيبٍ نَسِيمِهَا وَنُورِهَا مَا يَعْرِفُ بِهِ كَرَامَةَ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى ذَلِكَ اسْتَيْقَنَ الْفَوْزَ وَحَمِدَ اللَّهَ، فَيَفْرِشَانِ لَهُ فِرَاشًا
مِنْ إِسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ، وَيَضَعَانِ لَهُ مِصْبَاحًا مِنْ نُورٍ عِنْدَ رَأْسِهِ وَمِصْبَاحًا مِنْ نُورٍ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، يُزْهِرَانِ لَهُ فِي
قَبْرِهِ بِأَضْوَءَ مِنَ الشَّمْسِ، لَا يُطْفَنِ عَنْهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُبْعَثَ مِنْ قَبْرِهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَنَّةِ رِيحٌ
فَحِينَ يَشُّمُّهَا يَغْشَاهُ النُّعَاسُ فَيَقُولانِ لَهُ: ارْقُدُ رَقْدَةَ الْعَرُوسِ قَرِيرَ الْعَيْنِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكَ وَلا حَزَنٌ، ثُمَّ
يُمثّلَانِ لَهُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَطْيَبٍ رِيحٍ فَيَكُونُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَيَقُولانِ: هَذَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ
١٩٤

وَكَلامُكَ الطَّيِّبُ، قَدْ مَثَلَهُ اللَّهُ فِي أَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ صُورَةٍ يُؤْنِسُكَ فِي قَبْرِكَ، فَلا تَكُونُ وَحِيدًا وَيَدْرَأُ عَنْكَ
هَوَامَّ الأَرْضِ، وَكُلُّ أَذَى وَلا تَخْذُلُكَ فِي قَبْرَِ وَلا فِى شَيءٍ مِنْ مَوَاطِنِ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُدْخِلَكَ الْجَنََّ بِرَحْمَةٍ
رَبِّكْ، فَتَمْ سَعِيدًا طُوبَى لَكَ وَحُسْنُ مَآٍ، ثُمَّ يُسَلِّمَانِ عَلَيْهِ وَيَنْصَرِفَانِ عَنْهُ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ لَقَدْ شَوَّقْتَنِي إِلَى
الْمَّوْتِ مِنْ حُسْنِ حَدِيثِكَ فَادْنُنِي مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ أُكَلِّمُهُ، فَأَذْنَانِ مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا نَبِيُّ
الرَّحْمَةِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ فِي الْعَرَبِ رَسُولا نَبِيًّ، فَرَخَّبَ بِي وَحَيَّانِي بِالسَّلامِ، وَأَنْعَمَ بَشَاشَتِي وَأَحْسَنَ بُشْرَايَ،
ثُمَّ قَالَ: أَبْشِرْ يَا تُحَمَّدُ فَإِنَّ لَكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي أُمَّتِكَ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمنَّانِ بِالنِّعَمِ، ذَلِكَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّ بِي
وَنِعْمَتِهِ لَدَيَّ، ثُمَّ قُلْتُ: مَا هَذَا اللَّوْحُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكُ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ؟، قَالَ مَكْتُوبٌ فِيهِ آجَالُ الْخَلْقِ، قُلْتُ:
أَفَلا تُخْبِرُ نِي عَمَّنْ قَبَضْتَ رُوحَهُ فِي الدُّهُورِ الْخَالِيَةِ؟، قَالَ: تِلْكَ الأَرْوَاحُ فِي أَلْوَاحِ أُخْرَى قَدْ عَلَّمْتُ عَلَيْهَا
وَكَذَلِكَ أَصْنَعُ بِكُلِّ ذِي رُوحٍ إِذَا قَبَضْتُ رُوحَهُ عَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ فَكَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى أَزْوَاحِ
جَمِيعِ مَنْ فِي الأَرْضِ أَهْلِ بِلادِهَا وَكُورِهَا وَمَا بَيْنَ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا؟ قَالَ: أَلا تَرَى أَنَّ الدُّنيا كُلَّهَا بَيْنَ
رُكْبَتَيَّ وَجَمِيعَ الْخَلَائِقِ بَيْنَ عَيْنَيَّ وَيَدَايَ تَبْلُغَانِ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ وَخَلْفَهُمَا بَعِيدًا؟، فَإِذَا نَفِدَ أَجَلُ عَبْدٍ نَظَرْتُ
إِلَيْهِ فَإِذَا أَبْصَرَ أَعْوَانِي مِنَ الْمَلائِكَةِ نَظَرِي إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ عَرَفُوا أَنَّهُ مَقْبُوضٌ، فَعَمِدُوا إِلَيْهِ وَبَطَنُوا
بِهِ يُعَالجُونَ مِنْ نَزْعِ رُوحِهِ، فَإِذَا بَلَغَتِ الرُّوحُ الْخُلْقُومَ، عَلِّمْتُ ذَلِكَ وَلا يَخْفَى عَلَيَّ من أمره شيءٌ، مَدَدْتُ
يَدِي إِلَيْهِ فَانْتَزَعْتُ رُوحَهُ مِنْ جَسَدِهِ وَأَقْبِضُهُ، فَذَلِكَ أَمْرِي وَأَمْرُ ذَوِي الأَرْوَاحِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، فَأَبْكَانِي
حَدِيثُهُ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُ، فَمَرَرْتُ بِلَكِ عَظِيمٍ مَا رَأَيْتُ خَلْقَا مِنَ الْمَلائِكَةِ مِثْلَهُ كَالِحَ الْوَجْهِ كَرِيهَ الْمَنْظَرِ
شَدِيدَ الْبَطْشِ ظَاهِرَ الْغَضَبِ، فَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ رُعِبْتُ فَقلت: يَا جِبْرِيل مَنْ هَذَا؟ فَإِي قَدْ رُعِبْتُ مِنْهُ رُعْبًا
شَدِيدًا قَالَ: لَا تَعْجَبْ أَنْ تُرْعَبَ مِنْهُ يَا تُحَمَّدُ، فَكُلُّنَا بِنْزِلَتِكَ مِنَ الرُّعْبِ هَذَا مَالِكُ خَازِنُ جَهَنَّمَ، لَمْ يَتَسَّمْ
قَطُّ وَلَمْ يَزَلْ مُنْذُ وَلََّهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ غَضَبًا وَغَيْظًا عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ، لِيَنْتَقِمَ اللَّهُ بِهِ
مِنْهُمْ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ وَكَلَّمْتُهُ فَأَجَابَنِي وَبَشِّرَنِي بِالْجَنَّةِ، قلت لَهُ مُنذُ كَمْ أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَى جَهَنَّمَ؟
قَالَ: مُنْدُ خُلِقْتُ حَتَّى الآنَ، وَكَذَلِكَ حَتَّى السّاعَةَ، قُلْتُ يَا جِبْرِ يلُ مُرْهُ فَلْيَقْتَحْ بَابًا مِنْهَا، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ فَفَعَلَ،
فَخَرَجَ مِنْهَا لَبُّ سَاطِعٌ أَسْوَدُ، مَعَهُ دُخَانٌ كَدِرٌ مُظْلِمٌ، امْتَلأَّتْ مِنْهُ الآفَاقُ وَسَطَعَ اللَّهَبُ فِي السَّمَاءِ، لَهُ
قَصِيفٌ وَمَعْمَعَةٌ، فَرَأَيْتُ مِنْهُ هَوْلاً فَاظِعًا وَأَمْرًا عَظِيمًا أَعْجَزُ عَنْ صِفَتِهِ، فَكَادَ يُغْشَى عَلَيَّ وَتَزْهَقُ نَفْسِي،
فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مُرْهُ فَلْيَرْدُدْهُ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُ، وَمَرَرْتُ بِمَلائِكَةٍ كَثِيرَةٍ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلا
اللَّهُ الَوَاحِدُ الْمَلِكُ الْقَهَّارُ، مِنْهُمْ مَنْ لَهُ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِعَدَدِهَا ثُمَّ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ فِي صَدْرِهِ
وَفِي كُلِّ وَجْهٍ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ أَفْوَاهُ وَأَلْسُنٌ، وَهُمْ يَحْمَدُونَ اللَّهَ وَيُسَبِّحُونَهُ بِتِلْكَ الأَلْسُنِ كُلُّهَا، فَرَأَيْتُ مِنْ
خَلْقِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ لِلَّهِ أَمْرًا عَظِيمًا. فَجَاوَزْنَاهُمْ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى بَلَغْنَا بِقُوَّةِ اللَّهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ،
فَإِذَا خَلْقٌ كَثِيرٌ فَوْقَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ، يُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ كَثْرَةً، وَ إِذَا كُلُّ مَلَكِ مِنْهُمْ مُمْتَلِىُّ مَا بَيْنَ رَأْسِهِ
وَرِجْلَيْهِ وُجُوهُ وَأَجْنِحَةٌ، وَيْسَ مِنْ فَمٍ وَلا رَأْسٍ وَلا وَجْهِ وَلا عَيْنٍ وَلا لِسَانٍ وَلا أُذُنٍ، وَلَا جَنَاحٍ وَلَا يَدٍ وَلا
١٩٥

رِجْلٍ وَلا عُضْوٍ وَلا شَعْرٍ إِلا يُسَبِّحُ اللَّهَ بِحَمْدِهِ، وَيَذْكُرُ مِنْ آَلائِهِ وَثَنَائِهِ بِكَلام لَا يَذْكُرُهُ الْعُضْوُ الآخَرُ،
رَافِعِينَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَالتَّحْمِيدِ لَهُ وَعِبَادَتِهِ، لَوْ سَمِعَ أَهْلُ الأَرْضِ صَوْتَ مَلَكٍ وَاحِدٍ
مِنْهُمْ لَاتُوا فَزَعًا مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ، قُلْتُ يَا حِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ يَا تُحَمَّدُ هَؤُلاءِ
الْكُرُوِيُّونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ لِلَّهِ وَتَسْبِيجِهِمْ لَهُ وَبُكَائِهِمْ مِنْ خَشْيَتِهِ خُلِقُوا كَمَا تَرَى، لَمْ يُكَلِّمْ مَلَّكَ وَاحِدٌ
مِنْهُمْ صَاحِبَهُ إِلَى جَنْبِهِ قَطُّ؛ وَلَمْ يَرَ وَجْهَهُ، وَلِمِ يَرفَعُوا رُؤُوسَهِمْ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مُنْدُ خُلِقُوا، وَلَمْ
يَنْظُرُوا إِلَى مَا تَحْتَهُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ خُشُوعًا فِي جِسْمِهِمْ وَخَوْفَا مِنْ رَبِّهِمْ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِمْ بِالسَّلامِ
فَجَعَلُوا يَرُدُّونَ عَلَيَّ إِمَاءً بِرُؤُ وسِهِم وَلا يُكَلِّمُونَنِي وَلا يَنْظُرُونَ إِلَيَّ مِنَ الْخُشُوعِ، فَمَّ رَأَى ذَلِكَ جِبْرِيلُ قَالَ:
هَذَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ فِي الْعَرَبِ نَبِيَّ وَهُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدُ الْبَشَرِ، أَفَلا تُكَلِّمُونَهُ؟ فَمَّا
سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ وَذِكْرَهُ أَمْرِي بِمَا ذَكَرَ، أَقْبَلُوا عَلَيَّ بِالتَّحِيَّةِ وَالسَّلامِ فَأَحْسَنُوا بِشَارَتِي وَأَكْرَمُونِي
وَبَشَّرُونِي بِالْخَيْرِ لِأُمَّتِي، ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى عِبَادَتِهِمْ كَمَا كَانُوا فَأَطَلْتُ الْمَكْث عِنْدِهِم وَالنَّظَرِ إِلَيْهِم تَعَجُّبَا مِنْهُمْ
◌ِعِظَمٍ خَلْقِهِمْ وَفَضْلٍ عِبَادَتِهِمْ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ فَحَمَلَنِي جِبْرِيلُ فَأَدْخَلَنِي السَّمَاءَ السَّابِعَةَ فَأَبْصَرْتُ فِيهَا خَلْقًّا
وَمَلائِكَةً مِنْ خَلْقِ رَبِّهِمْ لَمْ يُؤْذَنْ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْهُمْ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ فَأَخَذَ جِبْرِيلُ بِيَدِي فَرَفَعَنِي إِلَى
عِلِِّينَ حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى أَشْرَافِ الْمَلائِكَةِ وَعُظَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ، فَنَظَرْتُ إِلَى سَبْعِينَ صَفًّا مِنَ الْمَلائِكَةِ
مِنْهُمْ صَفُّ خَلْفَ صَفٍّ، وَقَدِ امْتَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُومَ الأَرَضِينَ السَّابِعَةِ، وَجَاوَزَتْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ
حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَلَى السُّهُومِ - يَعْنِي حِجَابًا فى الظلمَة - وَامْتَرَقَتْ رُؤُوسُهِمْ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ الْعُلْيَا وَنَفِدَتْ فِي
عِلَِّينَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ، وَإِذا مِن وَسْطِ رُؤُوسِهِمْ إِلَى مُنْتَهَى أَقْدَامِهِمْ وُجُوهٌ وَنُورٌ، وَأَجْنِحَةٌ وُجُوهِ
شَتَّى لَا تُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَنُورُهُمْ شَتَّى لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَأَجْنِحَتُهُمْ شَتَّى لَا تُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا،
تَحَارُ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ دُونَهُمْ، فَبَتْ عَيْنَايَ عَنْهُمْ لِمَا نَظَرْتُ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِهِمْ وَشِدَّةِ هَوْلِهِمْ وَتَلأُلُقٍّ
نُورِهِمْ، فَخَالَطَنِي مِنْهُمْ فَزَعٌ شَدِيدٌ حَتَّى اسْتَعْلَتْنِي الرِّعْدَةُ فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ، فَقَالَ: لَا تَخَفْ يَا نُحَمَّدُ فَإِنَّ
اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَكْرَمَكَ كَرَامَةً لَمْ يُكْرِمْهَا أَحَدًا قَبْلَك، وَبَلَغَ بِكَ مَكَانًا لَمْ يَبْلُغْ إِلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَأَنَّكَ
سَتَرَى أَمْرًا عَظِيمًا وَخَلْقًا عَجِيبًا مِنْ خَلْقِ رَبِّ الْعِزَّةِ فَتَنَبَّتْ يُقَوِّيَكَ اللَّهُ، وَتَجَلَّدْ فَإِنَّكَ سَتَرَى أَعْجَبَ مِنَ
الَّذِي رَأَيْتَ كُلَّهُ وَأَعْظَمَ أَضْعَافَا كَثِيرَةً، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَصَعِدَ بِي إِلَى عِلَِّينَ حَتَّى ارْتَفَعْنَا
فَوْقَهُمْ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ لِغَيْرِنَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لَنَا سُرْعَةَ جَوَازِهِ فِي سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَانْتَهَيْنَا أَيْضًا إِلَى
سَبْعِينَ صَفًّا مِنَ الْمَلائِكَةِ صَفًّا خَلْفَ صَفِّ، قَدْ ضَاقَ كُلُّ صَفٍّ مِنْهُمْ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، فَرَأَيْتُ مِنْ
خَلْقِهِمُ الْعَجَبَ الْعَجِيبَ مِنْ تَلأُلُؤُ نُورِهِمْ وَكَثْرَةٍ وُجُوهِهِمْ وَأَجْنِحَتِهِمْ وَشِدَّةِ هَوْلِهِمْ وَدَوِيِّ أَصْوَاتِهِمْ
بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِمْ فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَكَثْرَةٍ عَجَائِبِ خَلْقِهِ، ثُمّ
جَاوَزْنَاهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلَِّينَ، حَتَّى أَشْرَفْنَا فَوْقَهُمْ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ بِقُوَّةِ اللَّهِ
وَإِسْرَائِهِ بِنَا فِي سَاعَةٍ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى سَبْعِينَ صَفًّا مِنَ الْمَلائِكَةِ صَفًّا خَلْفَ صَفٍّ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى سَبْعٍ
١٩٦

صُفُوفٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ صَفَّيْنِ مِنَ الصُّفُوفِ السَّبْعَةِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفِ سَنَّةٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ، قَدْ مَاجَ بَعْضُهُمْ
فِي بَعْضِ، وَقَدْ ضَاقَ كُلُّ صَفٍّ مِنْهُمْ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، فَهُوَ طَبَقٌ وَاحِدٌ مُتَرَاصُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
وَبَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ، فَقَدْ خُيّلَ إِلَّ إِنَّ قَدْ نَسِيتُ كُلَّ مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَائِبٍ خَلْقِ اللَّهِ الَّذِينَ دُونَهُمْ، وَلَمْ
يُؤْذَنْ لِ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْهُمْ، وَلَوْ كَانَ أُذِنَ لِيٍ فِ ذَلِكَ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصِفَهُمْ لَكُمْ، وَلَكِنْ أُخْبِكُمْ أَنْ لَوْ كُنْتُ
مَيَّا قَبْلَ أَجَلِي فَزَعًا من شيءٍ لَمِتُّ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ وَعَجَائِبِ خَلْقِهِمْ وَدَوِيٌّ أَصْوَاتِهِمْ وَشُعَاعٍ نُورِهِمْ، وَلَكِنَّ
اللَّهَ تَعَالَى قَوَّانِي لِذَلِكَ بِرَحْمَتِهِ وَتَامِ نِعْمَتِهِ، وَمَنَّ عَلَيَّ بِالثَّبَاتِ عِنْدَمَا رَأَيْتُ مِنْ شُعَاعِ نُورِهِمْ، وَسَمِعْتُ مِنْ
دَوِيِّ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ، وَحَدَّدَ بَصَرِي لِرُؤْيَتِهِمْ كَيْلا يُخْطَفَ مِنْ نُورِهِمْ، هُمُ الصَّافُونَ حَوْلَ عَرْشِ
الرَّحْمَنِ وَالَّذِينَ دُونَهُمُ الْمُسَبِّحُونَ فِي السَّمَوَاتِ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنَ الْعَجَائِبِ فِي خَلْقِهِمْ،
ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ بِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلَِّينَ، حَتَّى ارْتَفَعْنَا فَوْقَ ذَلِكَ فَانْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ مِنْ نُورٍ يَتَلأْلأُ لَا
يُرَى لَهُ طَرَفٌ وَلا مُنْتَهِّى، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ حَارَ بَصَرِي دُونَهُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ كُلَّ شيءٍ مِنْ خَلْقِ رَبِّ قَدِ
امْتَلأَ نُورًا وَالْتَهَبَ نَارًا، فَكَادَ بَصَرِي يَذْهَبُ مِنْ شِدَّةِ نُورِ ذَلِك الْبَحْرِ، وَتَعَاظَمَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ تَلأْلؤِهِ
وَأَفْزَعَنِي حَتَّى فَزِعْتُ مِنْهُ جِدًّا، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْبَحْرِ وَعَجَائِبِهِ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُ
بِإِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلَِّينَ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ أَسْوَدَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا ظُلُمَاتٌ مُتَرَاكِبَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ
فِي كَتَافَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلا اللَّهُ، وَلا أَرَى لِذَلِكَ الْبَحْرِ مُنْتَهَى وَلا طَرَفَا، فَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ اسْوَدَّ بَصَرِي وَغُشِيَ عَلَيَّ
حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ خَلْقَ رَبِّي قَدِ اسْوَدَّ وَاغْتَمَمْتُ فِيِ الظَّلَامِ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَظَنَنْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ قَدْ فَاتَنِي وَفَزِعْتُ
وَتَعَاظَمَنِي جِدًّا، فَمَّا رَأَى حِبْرِيلُ مَا بِي أَخَذَ بِيَدِي وَأَنْشَأَ يُؤْنِسُنِي وَيُكَلِّمُنِي وَيَقُولُ لَا تَخَفْ يَا نُحَمَّدُ، أَبْشِرْ
بِكَرَامَةِ اللَّهِ وَاقْبَلْهَا بِقَبُوْلِهَا، هَلْ تَدْرِي مَا تَرَى وَأَيْنَ يُذْهَبُ بِك؟ إِنَّكَ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَنَبَّتْ
لِمَا تَرَى مِنْ عَجَائِبٍ خَلْقِهِ يُثَبَتْكَ اللَّهُ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا بَشَّرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ وَعَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَائِبٍ
ذَلِكَ الْبَحْرِ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُ بِإِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلَِّينَ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ مِنْ نَارٍ يَتَلَظَّى نَارًا وَيَسْتَعِرُ
اسْتِعَارًا، وَيُوجُ مَوْجًا وَيَأْكُلُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَلِنَارِهِ شُعَاعٌ وَلَبُّ سَاطِعٌ، وَفِيهِ دَوِيٌّ وَمَعْمَعَةٌ وَهَوْلٌ هَائِلٌ،
فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ امْتَأْتُ هَوْلاً وَخَوْفًا وَرُعْبًا، وَظَنْتُ أَنَّ كُلَّ شيءٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ قَدِ امْتَلأَ نَارًا وَغُشِيَ عَلَى
بَصَرِي، حَتَّى رَدَدْتُ يَدَيَّ عَلَى عَيْنَيَّ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ هَوْلِ تِلْكَ النَّارِ، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَعَرَفَ مَا بِي مِنَ
الْخَوْفِ فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ لَا تَخَفْ تَبَّتْ وَتَجَلَّدْ بِقُوَّة الله تَعَالَى وَاعْرِفْ فَضْلَ مَا أَنْتَ فِيهِ، وَ إِلَى مَا أَنْتَ سَائِرٌ،
وَخُذْ مَا يُرِيكَ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ وَعَجَائِبٍ خَلْقِهِ لِتَشْكُرَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَائِبٍ تِلْكَ النَّارِ،
ثُمَّ جَاوَزْنَاهَا بِإِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلَِّينَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى جِبَالِ النَّلْجِ بَعْضُهَا خَلْفَ بَعْضِ، لَا يُحْصِيهَا إِلا
اللَّهُ، شَوَامِخُ مَنِيعَةُ الذُّرَى فِي الْهَوَاءِ وَثَلْجُهَا شَدِيدُ الْبَاضِ لَهُ شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ
يُرْعِدُ كَأَنَّهُ مَاءٌ يَجْرِي، فَحَارَ بَصَرِي مِنْ شِدَّةِ بَيَاضِهِ وَتَعَاظَمَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ كَثْرَةِ الْجِبَالِ وَارْتِفَاعِ ذُرَاهَا فِي
الْهَوَاءِ، حَتَّى نَبَتْ عَيْنَايَ عَنْهَا، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: لَا تَخَفْ يَا تُحَمَّدُ وَتَتَبَّتْ لِمَا يُرِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَجَائِبٍ خَلْقِهِ،
١٩٧

فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عِظَمَ تِلْكَ الْجِبَالِ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهَا بِإِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلَّيِّينَ حَتَّى انْتَهَيْنَا
إِلَى بَحْرٍ آخَرَ مِنْ نَارٍ تَزِيدُ نَارُهُ عَلَى الْبَحْرِ الأَوَّلِ أَضْعَافًا وَتَلَظًَّا وَأَمْوَاجًا وَدَوِيًّا وَمَعْمَعَةً وَهَوْلاً، وَإِذَا
جِبَالُ الثَّْجِ بَيْنَ النَّارِ وَلا يُطْفِتُّهَا، فَلَمَّا وُقِفَ بِي عَلَى ذَلِكَ الْبَحْرِ وَهَوْلِ تِلْكَ النَّارِ، اسْتَحْمَنِي مِنَ الْخَوْفِ
وَالْفَزَعِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَاسْتَقْبَتْنِي الرِّعْدَةُ حَتَّى ظَنْتُ أَنَّ كُلَّ شيءٍ مِنْ خَلْقِ رَبِّي قَدِ الْتَهَبَ نَارًا، لَّا تَفَاقَمَ
أَمْرُهَا عِنْدِي وَرَأَيْتُ مِنْ فَظَاعَةِ هَوْلِهَا وَنَظَرَ إِلَّ جِبْرِيلُ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِي مِنَ الْخَوْفِ وَالرِّعْدَةِ قَالَ: سُبْحَانَ
الله يَا مُحَمَّد مَالك أَتَظُنُّ أَنَّكَ مُوَاقِعُ هَذِهِ النَّارِ؟، فَمَا كُلُّ هَذا الْخَوْفُ؟ إِنَّمَا أَنْتَ فِي كَرَامَةِ اللَّهِ وَالصُّعُودِ إِلَيْهِ
لِيُرِيَكَ مِنْ عَجَائِبٍ خَلْقِهِ وَآيَاتِهِ الْكُبْرَى، فَاطْمَئِنَّ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ وَاقْبَلْ مَا أَكْرَمَكَ بِهِ، فَإِنَّكَ فِي مَكَانٍ لَمْ
يَصِلْ إِلَيْهِ آدَمِيٌّ قَبْلَكَ قَطُّ، فَخُذْ مَا أَنْتَ فِيهِ بِشُكْرٍ وَتَبَّتْ لِمَا تَرَى مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ، وَدَعْ عَنْكَ مِنْ خَوْفِكَ
فَإِنَّكَ آمِنٌ مِمَّا يُخَافُ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْجَبُ مِمَّا تَرَى فَمَا أَنْتَ رَاءٍ بَعْدَ هَذَا أَعْجَبُ مِمَّا رَأَيْتَ، فَأَفْرَخَ رُوعِي
وَهَدَأَتْ نَفْسِي فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَائِبِ آلائِهِ، ثُمَّ جَاوَزْنَا تِلْكَ النَّارَ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلَيِّينَ
حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ بَحْرُ الْبُحُورِ، لَا أُطِيقُ صِفَتَهُ لَكُمْ، غَيْرَ أَنِي لَمْ آتِ عَلَى مَوْطِنٍ مِنْ تِلْكَ
الْمَوَاطِنِ الَِّي حَدَّثْتُكُمْ كُنْتُ فِيهِ أَشَدَّ فَزَعًا وَلا هَوْلاً مِنْ حِينِ وُقِفَ بِي عَلَى ذَلِكَ الْبَحْرِ مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ وَكَثْرَةٍ
أَمْوَاجِهِ وَتَرَاكُمْ أَوَاذِيِّهِ -وَالآذِيُّ هُوَ الْمَوْجُ الْعَظِيمُ كَالْجِبَالِ الرَّوَاسِي بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ نَحْبُولُكَ بِغَوَارِبَ
يَعْنِي طَرَائِقَ وَهِيَ الأَمْوَاجُ الصِّغَارُ - فَتَعَاظَمَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لم يَبْق شيءٌ مِنْ
خَلْقِ اللَّهِ إِلاَ قَدْ غَمَرَهُ ذَلِكَ الْمَاءُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا تُحَمَّدٌ لَا تَخَفْ فَإِنَّكَ إِنْ رُعِبْتَ مِنْ هَذَا فَمَا بَعْدَ
هَذَا أَرْوَعُ وَأَعْظَمُ، هَذَا خَلْقٌ وَإِنَّمَا تَذْهَبُ إِلَى الْخَالِقِ رَبِي وَرَبِّكَ وَرَبِّ كل شيءٍ، فَجُلِّيَّ عَنِّي مَا كَانَ
اسْتَعْمَلَنِي مِنَ الْخَوْفِ وَاطْمَأْنَنْتُ بِرَحْمَةِ رَبِّي، فَنَظَرْتُ فِي ذَلِكَ الْبَحْرِ، فَرَأَيْتُ خَلْقَا عَجِيبًا فَوْقَ وَصْفٍ
الْوَاصِفِينَ، قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ أَيْنَ يَنْتَهِي هَذَا الْبَحْرُ وَأَيْنَ قَعْرُهُ؟ قَالَ جَاوَزَ قَعْرُهُ الأَرْضَ السَّابِعَةَ السُّقْلَى إِلَى
حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ شَأْنُ هَذَا الْبَحْرِ وَمَا فِيهِ مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ أَعْظَمُ وَأَعْجَبُ مَا تَرَى، فَرَمَيْتُ
◌ِبَصَرِي فِي نَوَاحِيهِ فَإِذَا أَنَا بِمَلائِكَةٍ فِيَامٍ قَدْ غَمَرُوا بِخَلْقِهِمْ خَلْقَ جَمِيعِ الْمَلائِكَةِ، وَبَدُّوا بِنُورِهِمْ نُورَ جَميعِ
الْمَلائِكَةِ، لِعِظَمِ أَنْوَارِهِمْ وَكَثْرَةِ أَجْنِحَتِهِمْ فِي اخْتِلافِ خَلْقِهَا، نَاشِرَةً خَلْفَ أَطْرَافِ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ،
خَارِجَةً فِي الْهَوَاءِ تَخْفِقُ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ قَدْ جَاوَزَ الْهَوَاءَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، لَهُمْ مِنْ دُونِهِمْ وَهَجْ مِنْ تَلأَلُؤْ نُورِهِمْ
كَوَهَجِ النَّارِ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ أَيَّدَنِي بِقُوَّتِهِ وَمَنَّ عَلَيَّ بِالثََّاتِ وَأَلْبَسَنِي جَنَّةً مِنْ رَحْمَتِهِ فَكَلأَنِي بِهَا؛ لَتَخَطَّفَ
نُورُهُمْ بَصَرِي، وَلَحَرَقَتْ وُجُوهُهُمْ جَسَدِي، وَلَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَمَ نِعْمَتِهِ عَلَيَّ دَرَأَ عَنِّي وَهَجَ نُورِهِمْ وَحَدَّدَ
بَصَرِي لِرُؤْ يَتِهِمْ؛ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِمْ فِي مَقَامِهِمْ فَإِذَا مَاءُ الْبَحْرِ وَهُوَ بَحْرُ الْبُحُورِ فِي كَنَافَتِهِ وَكَثْرَةِ أَمْوَاجِهِ
وَأَمْوَاجِ أَوَاذِيِّهِ لَرْ تُجَاوِزْ رُكَبَهُمْ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا الْبَحْرُ الَّذِي غَمَرَ الْبُحُورَ كُلَّهَا وَقَدْ كِدْتُ أَنْسَى
مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ وَكَثْرَةٍ مَائِهِ كُلَّ عَجَبٍ رَأَيْتُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، مَعَ بُعْدِ قَعْرِهِ لَمْ يُجَاوِزْ رُكَبَهُمْ فَأَيْنَ مُنْتَهَى
أَقْدَامِهِمْ؟ قَالَ: يَا نُحَمَّدُ قَدْ أَخْبَرْتُكَ عَنْ عِظَمْ شَأْنِ هَذَا الْبَحْرِ، وَعَنْ عَجَائِبِ الْخَلْقِ الَّذِي فِيهِ، مُنْتَهَى
١٩٨

أَقْدَامِهِمْ عِنْدَ أَصْلِ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي فِي قَعْرِ هَذَا الْبَحْرِ، ومُنْتَهَى رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ عَرْشِ رَبِّ الْعِزَّةِ، وَإِذَا لَهُمْ
دَوِيٌّ بِالتَّسْبِيحِ لَوْ سَمعَ أَهْلُ الأَرْضِ صَوْتَ مَلَكِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَصَعِقُوا أَجْمَعِينَ وَمَاتُوا، وَإِذَا هُمْ يَقُولُونَ:
سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُومِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ
وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْقُدُّوسِ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَائِبٍ ذَلِكَ الْبَحْرِ وَمَنْ فِيهِ، ثُمَّ
جَاوَزْنَاهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَى عِلَّيْنَ حَتّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ مِنْ نُورٍ قَدْ عَلَا نُورُهُ وَسَطَعَ فِي عِلََّيْنَ، فَرَأَيْتُ مِنْ
شُعَاعِ تَلأْلُؤْهِ أَمْرًا عَظِيمًا، لَوْ جَهِدْتُ أَنْ أَصِفَهُ لَكُمْ مَا اسْتَطَعْتُ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ نُورَهُ بَدَّدَ كُلَّ نُورٍ وَغَمَرَ كُلَّ
نُورٍ، فَلَمَّا رَأَى جِبْرِيلُ مَا بِي، قَالَ اللَّهُمَّ ثَبَتْهُ بِرَحْمَتِكَ وَأَيِّدْهُ بِقُوَّتِكَ وَأَتْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكْ، فَلَمَّا دَعَا لِي بِذَلِك
جُلَِّ عَنْ بَصَرِي وَحَدَّدَهُ اللَّهُ لِرُؤْيَةِ شُعَاعٍ ذَلِك النُّورِ، وَمَنَّ عَلَيَّ بِالتََّاتِ لِذَلِك، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَلَّبْتُ بَصَرِي
فِي نَوَاحِي ذَلِكَ الْبَحْرِ؛ فَلَمَّ امْتَلأَّتْ عَبْنِي مِنْهُ ظَنَنْتُ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبع وَكُلَّ شيءٍ مُتَلأُلِيٌ
نُورًا وَمُتَأَجِّجُ نَارًا، ثُمَّ حَارَ بَصَرِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ نُورَهُ يَتَوَّنُ عَلَى مَا بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْبَاضِ
وَالْخُضْرَةِ، ثُمَّ اخْتَطَتْ وَالْتَبَسَتْ جَمِيعًا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَظْلَمَ مِنْ شِدَّةِ وَهَجِهِ وَشُعَاعٍ تَلأَلُؤْهِ وَ إِضَاءَةِ
نُورِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَعَرَفَ مَا بِي فَأَنْشَأَ يَدْعُو ◌ِ الثَّانِيَّةَ بِنَحْوِ مِنْ دُعَائِهِ الأَوَّلِ، فَرَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي
بِرَحْمَتِهِ وَحَدَّدَهُ لِرُؤْيَةِ ذَلِكَ النُّورِ، وَأَيَّدَنِي بِقُوَّتِهِ حَتَّى تَثَبَّثُّ وَقُمْتُ لَهُ، وَهَوَّنَ ذَلِكَ عَلَّ ◌ِنِّهِ وَكَرَمِهِ حَتَّى
جَعَلْتُ أُقَلِّبُ بَصَرِي فِي أَدْنَى نور ذَلِك الْبَحْرِ فِإِذَا فِيهِ مَلائِكَةٌ قِيَامٌ صَفًّا وَاحِدًا مُتَرَاصِّينَ كُلُّهُمْ، مُتَصَافِينَ
بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَدْ أَحَاطُوا بِالْعَرْشِ وَاسْتَدَارُوا حَوْلَهُ، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ وَرَأَيْتُ عَجَائِبَ خَلْقِهِمْ كَأَنّي
أُنْسِيتُ كُلَّ شيءٍ كَانَ قَبْلَهُمْ مِمَّا رَأَيْتُ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَبِمَّا وَصَفْتُ لَكُمْ قَبْلَهُمْ لِعَجَبِ خَلْقِ أُولَئِكَ الْمَلائِكَةِ،
وَقَدْ تُهِيتُ أَنْ أَصِفَهُمْ لَكُمْ، وَلَوْ كَانَ أُذِنَ لِي فِي ذَلِكَ فَجَهِدْتُ أَنْ أَصِفَهُمْ لَكُمْ لَمْ أَطِقْ ذَلِكَ، وَلَمْ أُبَّغْ جُزْءًا
وَاحِدًا مِنْ مِائَةٍ جُزْءٍ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْخَلَّقِ الْعَظِيمِ الْعَلِيِّ شَأَنْهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَخَاطُوا بِالْعَرْشِ وَغَضُّوا أَبْصَارَهُمْ
دُونَهُ لَهُمْ دَوِيٌّ بِالتَّسْبِيحِ، كَأَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ وَالْجِبَالَ الرَّوَاسِيَ يَتَضَامُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، بَلْ هُمْ أَكْثَرُ
مِنْ ذَلِكَ وَأَعْجَبُ فَوْقَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ، فَأَصْغَيْتُ إِلَى تَسْبِيحِهِمْ كَيْ أَفْهَمَهُ فَإِذَا هُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
ذُو الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فَإِذَا فَتَحُوا أَفْوَاهَهُمْ بِالتَّسْبِيحِ
لِلَّهِ خَرَجَ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ نُورٌ سَاطِحٌ كَأَنَّهُ لَبَانُ الَّارِ، لَوْلا أَنَّهَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تُحِيطُ بِنُورِ الْعَرْشِ لَظَنَنْتُ يَقِينًا
أَنَّ نُورَ أَفْوَاهِهِمْ كَانَ يَحْرِقُ مَا دُونَهُمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كُلَّهِمْ، فَلَوْ أَمَرَ اللَّهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَنْ يَلْتَقِمَ السَّمَوَاتِ
السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ وَمَنْ فِيهِنَّ مِنَ الْخَلَائِقِ بِلُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ لَفَعَلَ ذَلِك ◌َانَ عَلَيْهِ، لِمَا شَرَّفَهُمْ وَعَظَّمَهُمْ مِنْ
خَلْقِهِمْ، وَمَا يُوصَفُونَ بِشَيءٍ أَعْجَبَ إِلا وَجَاءَ أَمْرُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ:
سُبْحَانَ اللَّهِ الْقَهَّارِ فَوْقَ عِبَادِهِ يَا مُحَمَّدُ مَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ هَؤُلاءِ، أَرَأَيْتَ أَهْلَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَمَا
فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى هَؤُلاءِ، وَمَا رَأَيْتَ فِيهَا بَيْنَ ذَلِكَ وَلَمْ تَرَ أَعْظَمَ وَأَعْجَبَ فَهُمُ الْكُرُوِيُّونَ أَصْنَافٌ شَتَّى، وَقَدْ
جَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى فِي جَلالِهِ وَتَقَدَّسَ فِي أَفْعَالِهِ- مَا تَرَى، وَفَضَّلَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ وَخَلْقِهِمْ وَجَعَلَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ
١٩٩

وَصَوَّرَهُمْ وَنَوَّرَهُمْ كَمَا رَأَيْتَ، وَمَا لَمْ تَرَ أَكْثَرَ وَأَعْجَبَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ شَأْنِهِمْ، ثُمَّ
جَاوَزْنَاهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَصَعِّدِينَ فِي جَوِّ عِلَّيْنَ أَسْرَعَ مِنَ السَّهْمِ وَالرِّيحِ، بِذْنِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ حَتَّى وَصَلَ
بِي إِلَى عَرْشِ ذِي الْعِزَّةِ الْعَزِيزِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَى الْعَرْشِ فَإِذَا مَا رَأَيْتُهُ مِنَ الْخَلْقِ كُلِّهِ قَدْ
تَصَاغَرَ ذِكْرُهُ وَتَهَاوَنَ أَمْرُهُ وَاتَّضَعَ خَطَرُهُ عِنْدَ الْعَرْشِ، وَإِذَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ، وَأَطْبَاقُ
جَهَنَّمَ وَدَرَجَاتُ الْجَنَّةِ، وَسُورُ الْحُجُبِ وَالنُّورِ وَالْبِحَارِ وَالْجِبَالِ الَّتِي فِي عِلَّينَ، وَجَمِيعُ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ إِلَى
عَرْشِ الرَّحْمَنِ؛ كَحَلَقَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ حَلَقِ الدِّرْعِ فِي أَرْضِ فَلاةٍ وَاسِعَةٍ فَيْحَاءَ لَا يُعْرَفُ أَطْرَافُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا،
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِقَامِ رَبِّ الْعِزَّةِ أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا لِعَظِيمِ رُبُوِيَّتِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَعَزُّ وَأَكْرَمُ
وَأَفْضَلُ، وَأَمْرُهُ فَوْقَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ، وَمَا تَلْهَجُ بِهِ أَلْسُنُ النَّاطِقِينَ. فَلَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى الْعَرْشِ وَحَاذَيْتُ بِهِ
وَدُلِّيَ لِي رَفْرَفٌ أَخْضَرُ لَا أُطِيقُ صِفَتَهُ لَكُمْ، فَأَهْوَى بِي جِبْرِيلُ فَقْعَدَنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ قَصَّرَ دُونِي وَرَدَّ يَدَيْهِ عَلَى
عَيْنَيْهِ تَخَافَةً عَلَى بَصَرِهِ أَنْ يَلْتَمِعَ مِنْ تَلأُلُئِ نُورِ الْعَرْشِ، وَأَنْشَأَ يَبْكِي بِصَوْتٍ رَفِيعِ وَيُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَحْمَدُهُ
وَيُثْنِي عَلَيْهِ، فَرَفَعَنِي ذَلِكَ الرَّفْرَفُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ إِيَّايَ وَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيَّ إِلَى قُرْبٍ سَيِّدِ الْعَرْشِ إِلَى أَمْرِ
عَظِيمٍ، لَا تَنَالُهُ الأَلْسُنُ وَلا تَبْلُغُهُ الأَوْهَامُ، فَحَارَ بَصَرِي دُونَهُ حَتَّى خِفْتُ الْعَمَى فَغَمَّضْتُ عَيْنَيَّ وَكَانَ
تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ، فَلَمَّا غَمَّضْتُ بَصَرِي رَُّ إِلَيَّ بَصَرِي فِي قَلْبِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ بِقَلْبِي نَحْوَ مَا كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ
بِعَيْنَيَّ نُورًا يَتَلأْلأُ، نُهِيتُ أَنْ أَصِفَهُ لَكُمْ مِنْ جَلالِهِ، فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُكْرِمَنِي بِالثََّاتِ لِرُؤْيَتِهِ بِقَلْبِي كَيْ أَسْتَئِمَّ
◌ِهَا نِعْمَتَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَبِّ وَأَكْرَمَنِي بِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِقَلْبِي حَتَّى أَثْبَتُهُ وَأَثْبَتُّ رُؤْيَتَهُ، فَإِذَا هُوَ حِينَ كَشَفَ
عَنْهُ حُجُبَهُ مُسْتَوِ عَلَى عَرْشِهِ فِي وَقَارِهِ وَعِزِّهِ وَجْدِهِ وَعُلُوِّهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِ لَكُمْ سُبْحَانَهُ
بِجَلالِهِ وَكَرِيمٍ فِعَالِهِ فِي مَكَانِهِ الْعَلِّ وَنُورِهِ الْتُلُِّّ، فَمَالَ إِلَّ مِنْ وَقَارِهِ بَعْضَ الْمَيْلِ فَأَدْنَانِ مِنْهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ
فِي كِتَابِهِ يُخْبِكُمْ فِعَالَهُ بِي وَ إِكْرَامَهُ إِيَّايَ: إِذُو مِّرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُّفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ
قوسين أو أدنى) [النجم: ٦ -٩] يَعِنِى حَيْثُ مَالَ إِلَيَّ فَقَرَّبَنِي مِنْهُ قَدْرَ مَا بَيْنَ طَرَفَىِ الْقَوْسِ، بَلْ أَدْنَى مِنَ الْكَبِدِ
إِلَى السّيَةِ، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، قَضَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرِهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيَّ، {مَا كَذَبَ الْقُؤَادُ مَا
رَأَى) [النجم: ١١] يَعْنِي رُؤْ يَتِي إِيَّاهُ بِقَلْبِي، {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) [النجم: ١٨] ، فَلَمَّا مَالَ إِلَّ مِنْ
وَقَارِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَلَقَدْ وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ عَلَى فُؤَادِي حِينًا، وَوَجَدْتُ عِنْدَ
ذَلِكَ حَلاوَتَهُ وَطِيبَ رِيحِهِ وَبَرْدَ لَذَاذَتِهِ وَكَرَامَةَ رُؤْيَتِهِ، وَاضْمَحَلَّ كُلُّ هَوْلٍ كُنْتُ لَقِيتُ، وَتَجَلَّتْ عَنِّي
رَوْعَاتِي وَاطْمَنَّ قَلْبِي، وَامْتَلأْتُ فَرَحًا وَقَرَّتْ عَيْنَايَ، وَوَقَعَ الاسْتِبْشَارُ وَالطَّرَبُ عَلَّ، حَتَّى جَعَلْتُ أَمِيلُ
وَأَتَكَفَّأُ بِينَا وَشِمَالاَ وَ يَأْخُذُنِي مِثْلُ السُّبَاتِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ مَنْ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ مَاتُوا كُلُّهُمْ لِأَنَّ لَا أَسْمَعُ
شَيْئًا مِنْ أَصْوَاتِ الْمَلائِكَةِ وَلَمْ أَرَ عِنْدَ رُؤْيَةِ رَبِّ أَجْرَامَ ظُلْمَةٍ، فَتَرَكَنِي إِلَهِي كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ رَدَّ إِلَيَّ
ذِهْنِي، فَكَأَنِي كُنْتُ مُسْتَوْسِنًا وَأَفَقْتُ فَتَابَ إِلَّ عَقْلِيٍ، وَاطْمَأْنَنْتُ بِعْرِفَةِ مَكَانِيٍ وَمَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ
الْفَائِقَةِ وَالإِثَارِ الْبَيِِّ، فَكَلَّمَنِي رَبِي سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ فَقَالَ: يَا تُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُّ الأَعْلَى؟
٢٠٠

قُلْتُ يَا رَبِّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ وَبِكُلِّ شَيءٍ وَأَنْتَ عَلَُّمُ الْغُيُوبِ، فَقَالَ: اخْتَصَمُوا فِي الدَّرَجَاتِ وَالْحَسَنَاتِ،
هَلْ تَدْرِي يَا تُحَمَّدُ مَا الدَّرَجَاتُ وَالْحَسَنَاتُ؟ قُلْتُ يَا رَبِّ أَنْتَ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، فَقَالَ الدَّرَجَاتُ إِسْبَاغُ
الْوُضُوءِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وَالْحَسَنَاتُ
إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ، وَالتَّهَجُّدُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، فَمَا سَمِعْتُ شَيْئًا قَطُّ أَّ وَلَا أَحْلَى مِنْ نَغَمَةِ
كَلامِهِ، فَاسْتَأَنَسْتُ إِلَيْهِ مِنْ لَذَّاذَةِ نَغَمَتِهِ حَتَّى كَلَّمْتُهُ بِحَاجَتِي، فَقُلْتُ يَا رَبِّ إِنَّكَ اتَخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً
وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَرَفَعْتَ إِدْرِيسَ مَكَانًا عَلِيًّا، وَآتَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًّا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَآتَيْتَ
دَاوُدَ زَبُورًا، فمالى يَا رَبِّ؟ قَالَ يَا مُحَمَّدُ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلاً كَمَا اتَّخَذْتُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَكَلَّمْتُكَ كَمَا كَلَّمْتُ
مُوسَى تَكْلِهَا، وَأَعْطَيْتُكَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَكَانَتْ مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي وَلَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا
قَبْلَكَ، وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى أَبْيَضِ أَهْلِ الأَرْضِ وَأَسْوَدِهِمْ وَأَحْمَرِهِمْ وَجِنَّهِمْ وَإِنْسِهِمْ، وَلَمْ أُرْسِلْ إِلَى جَمَاعَتِهِمِ نَبِيًّا
قَبْلَكَ، وَجَعَلْتُ الأَرْضَ بَرَّهَا وَبَحْرَهَا لَكَ وَلِأُمَّتِكَ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأَطْعَمْتُ أُمَّتَكَ الفَيْءَ وَلَمْ أُطْعِمْهُ أُمَّةً
قَبْلَهَا، وَنَصَرْتُكَ بِالرُّعْبِ حَتَّى إِنَّ عَدُوََّكَ لَيَفْرَقُ مِنْكَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ سَيِّدَ الْكُنُبِ
كُلُّهَا وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهَا قُرْآنًا فَرَقْنَاهُ، وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ حَتَّى قَرَنْتُهُ بِذِكْرِي، فَلَا أُذْكَرُ بشيءٍ مِنْ شَرَائِعِ دِينِي
إِلا ذُكِرْتَ مَعِي. ثُمَّ أَفْضَى إِلَّ مِنْ بَعْدِ هَذَا بِأُمُورٍ لَمْ يَأْذَنْ لِيِ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهَا، فَمَّا عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدَهُ وَتَرَكَنِي مَا
شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ سُبْحَانَهُ بِجَلالِهِ وَوَقَارِهِ وَعِزَّهِ، نَظَرْتُ فَإِذَا قَدْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَإِذَا دُونَهُ
حِجَابٌ مِنْ نُورٍ يَلْتَهِبُ الْنِهَابًا، لَا يَعْلَمُ مَسَافَتَهُ إِلَّ اللهُ، لَوْ هُتِكَ فِي مَوْضِعِ لِأَحْرَقَ خَلْقَ اللَّهِ كُلَّهُمْ، وَدَلَّانِي
الرَّفْرَفُ الأَخْضَرُ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يَخْفِضُنِي وَيَرْفَعُنِي فِي عِلَّيِينَ، فَجَعَلْتُ أَرْتَفِعُ مَرَّةً كَأَنَّهُ يُطَارُ بِ،
وَيَخْفِضُنِي مَرَّةً كَأَنَّهُ يُخْفَضُ بِي إِلَى مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنِّي، فَظَنْتُ أَنِّي أَهْوِي فِي جَوِّ عِلَِّينَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ
الرَّفْرَفُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِي خَفْضًا وَرَفْعًا، حَتَّى أُهْوِيَ بِ إِلَى جِبْرِيلَ، فَتَنَاوَلَنِي مِنْهُ وَارْتَفَعَ الرَّفْرَفُ حَتَّى تَوَارَى
عَنْ بَصَرِي، فَإِذَا إِلَِّي قَدْ تَبَّتَ بَصَرِي فِي قَلْبِي وَ إِذَا أَنَا أُبْصِرُ بِقَلْبِي مَا خَلْفِي كَمَا أُبْصِرُ بِعَيْنِي مَا أَمَامِي،
فَلَمَّا أَكْرَمَنِي رَبِّي بِرُؤْ يَتِهِ احْتَدَّ بَصَرِي، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَلَمَّا رَأَى مَا بِي قَالَ: لَا تَخَفْ يَا مُحَمَّدُ وَتَنَبَّتْ
بِقُوَّةِ اللَّهِ، أَيَّدَكَ اللَّهُ بِالثَّبَاتِ لِرُؤْيَةِ نُورِ الْعَرْشِ وَنُورِ الْحُجُبِ، وَنُورِ الْبِحَارِ وَالْجِبَالِ الَّتِي فِي عِلَِّينَ، وَنُورِ
الْكُرُوبِّينَ، وَمَا تَحْتَ ذَلِكَ مِنْ عَجَائِبٍ خَلْقِ رَبِي إِلَى مُنْتَهَى الأَرْضِ، أَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْضَهُ مِنْ تَحْتِ بَعْضٍ،
بَعْدَ مَا كَانَ يَشُقُّ عَلَيَّ رُؤْيَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَحَارُ بَصَرِي دُونَهُ، فَسَمِعْتُ فَإِذَا أَصْوَاتُ الْكُرُوبِيِّينَ وَمَا فَوْقَهُمْ
وَصَوْتُ الْعَرْشِ وَصَوْتُ الْكُرْسِيِّ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَأَصْوَاتُ سُرَادِقَاتِ النُّورِ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَأَصْوَاتُ الْحُجُبِ
قَدِ ارْتَفَعَتْ حَوْلِيٍ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ وَالتَّقْدِيسِ لِلَّهِ وَالنَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتًا شَتَّى مِنْهَا صَرِيرٌ، وَمِنْهَا
زَجَلٌ، وَمِنْهَا هَمِيرٌ، وَمِنْهَا دَوِيٌّ، وَمِنْهَا قَصِيفٌ، مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَرُوِّعْتُ لِذَلِكَ رَوْعًا عَظِيمًا لَا
سَمِعْتُ مِنَ الْعَجَائِبِ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ لِمَ تَفْزَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ دَرَأَ عَنْكَ الرَّوْعَاتِ
وَالْمَخَاوِفَ كُلَّهَا، وَاعْلَمْ عِلْمًا يَقِينَا أَنَّك خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ وَصَفْوَتُهُ مِنَ الْبَشَرِ، حَبَالَكَ بِمَا لَمْ يَحْبِهِ أَحَدًا مِنْ
٢٠١