النص المفهرس

صفحات 101-120

ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ وَقَتَلَ رَاعِيَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ
اللَّهِ ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ. قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاسْتَقْبَلْتُ
الْمَدِينَةَ، فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ. ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ، وَأَرْتَجِزُ أَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ
وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَصُُّكُ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ، حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ. قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا:
وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَزْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسُ ، أَتَيْتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا ثُمَّ
رَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ عَلَوْتُ الْجَبَلَ، فَجَعَلْتُ أُرَدِّبِهِمْ بِالْحِجَارَةِ. قَالَ:
فَهَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ، حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي ،
وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُنْحَا، يَسْتَخِفُونَ، وَلَا
يَطْرَحُونَ شيئاً إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنْ الْحِجَارَةِ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَابِقًا
مِنْ تَنِيَّةِ فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرِ الْفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَخَّوْنَ - يَعْنِي يَتَغَدَّوْنَ - وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسٍ
قَرْنٍ . قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِنَا مِنْ هَذَا الْبُرْحَ! وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ ، يَرْمِينَا حَتَّى
انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا! قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ. قَالَ: فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا
أَمْكَنُونِي مِنْ الْكَلَامِ قَالَ: قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالَوا: لَا، وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ،
وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ تُحَمَّدٍ بَّهِ لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبُِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي . قَالَ
أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَرَجَعُوا، فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللّهِ وَ لَهِ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ.
قَالَ: فَإِذَا أَوَّهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ ، عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ. قَالَ:
فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ. قَالَ: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ احْذَرْهُمْ لَا يَقْتَطِعُوَكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّهِ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقُّ فَلَا تَحُلْ
بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ. قَالَ: فَخَلَيْتُهُ. فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ، وَطَعَنَهُ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ، وَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. فَوَالَّذِي
كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ وَّ لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ ◌َ﴿ وَلَا غُبَارِهِمْ شيئاً،
حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالَ لَهُ ذَو قَرَدٍ ، لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشْ. قَالَ:
فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ - يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ - فَهَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً. قَالَ: وَيَخْرُجُونَ
فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيّةٍ. قَالَ: فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَصُكُّهُ بِسَهْم فِي نُغْضِ كَتِهِ. قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا :
وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ
١٠٢

قَالَ: يَا تَكِلَتْهُ أُمُّهُ، أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ؟! قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ. قَالَ: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ
عَلَى ثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَجِثْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِهِ. قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنِ
وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُّ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَله وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلََّّتُهُمْ عَنْهُ، فَإِذَا
رَسُولُ اللّهِ وَ لَ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِلَ وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَكُلَّ رُمْحِ وَبُرْدَةٍ ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ
نَاقَةً مِنْ الْإِلِ الَّذِي اسْتَنْقَدْتُ مِنْ الْقَوْمِ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ الّهِ وَ لَه مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا. قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلَِّي فَأَنْتَخِبُ مِنْ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ ، فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ تُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ. فَقَالَ: ((يَا سَلَمَةُ أَتْرَالَكَ كُنْتَ فَاعِلًا؟)). قُلْتُ: نَعَمْ، وَالَّذِي
أَكْرَمَكَ. فَقَالَ: ((إِنَّهُمْ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ)). قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ
جَزُورًا فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا فَقَالُوا: أَتَاكُمْ الْقَوْمُ. فَخَرَجُوا هَارِبِينَ .
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (( كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ)). قَالَ: ثُمَّ
أَعْطَانِي رَسُولُ اللّهِ وَ سَهْمَيْنِ، سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَخَلـ
وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا.
قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِك. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ
قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا وَلَا تَّهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِوَهِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
بِأَبِي وَأُمِّي ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ. قَالَ: ((إِنْ شيءَتَ). قَالَ: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ، وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ
فَعَدَوْتُ. قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفَا أَوْ شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ، فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ
شَرَفَيْنِ، ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ. قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَنِفَيْهِ. قَالَ: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَالَّهِ . قَالَ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ:
فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ ، حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. قَالَ:
فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ:
تَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنا
فَتَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَنْ هَذَا؟». قَالَ: أَنَا عَامِرٌ. قَالَ: (غَفَرَ لَكَ رَبُّك)). قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّهِ لإِنْسَانِ يَخُصُّهُ إِلَّ اسْتُشْهِدَ. قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى جَمَلِ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا
بِعَامِرٍ. قَالَ: فَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ، قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ :
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِي مَرْحَبُ شَاكِي السَّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ فَقَالَ:
١٠٣

شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِي عَامِرٌ
قَالَ: فَاخْتَفَا ضَرْبَتَيْنِ ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامٍِ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى
نَفْسِهِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ. قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَّهِ يَقُولُونَ:
بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ ، قَتَلَ نَفْسَهُ! قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيّ ◌َّهِ وَأَنَا أَبْكِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ! قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَله: ((مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟)). قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. قَالَ: ((كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ
مَرَّتَيْنِ)). ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ أَرْمَدُ ، فَقَالَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ - أَوْ- يُحِبُّهُ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ)). قَالَ فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِثْتُ بِهِ أَقُودُهُ وَهُوَ أَزْمَدُ ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ بَلّهِ فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ،
وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِي مَرْحَبُ شَاكِ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَقَالَ عَلِيٌّ :
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتِ كَرِيهِ الْمَنْظَرَةْ
أُوْفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهُ
قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ .
رواه مسلم ١٨٠٧.
شرح الغريب :
(جَبَا الرَّكِيَّة)): الرَّكِيَّة: البئر، وجَبَاها : التراب الذي أخرج منها وجعل حولها .
((فَجَاشَتْ)) : فارت. ((أَبْغِنِي)) : أَوْجِدْني وأَعطني.
((تَبِيْعاً)) : التبيع : الخادم، لأنه يتبع الذي يخدمه .
((أَحُسُّهُ)): الحَسُّ : نفض التراب عن الدابة بالمِحَسَّة.
((فَكَسَحْتُ)): كَسَحْتُ البيت: كنستُهُ ونَحَّيْتُ ما في أرضه مما يؤذي ساكنه .
((ضِغْتاً): الضِّغْث : الحزمة المجتمعة من قضبان أو حشيش ونحوه مما يجمع في اليد .
((العَبَلَات)): أُمَيَّة الصغرى من قريش، والنسب إليهم : عَبَلِيٌّ .
((ُجَفَّف)): بفرس مجفَّف : عليه تَجافيف، وهي ما يستره في الحرب خوفاً عليه مما يؤذيه من سلاح وغيره ،
فهو في الخيل كالمدجج من الرجال، وهو المنغمس في الدرع والسلاح. (بَدْءُ الفُجور وثِنَاهُ)) : أوله وثانيه.
((طَلِيْعَة)) : جاسوس.
(بِظَهْرِهِ)): الظهر: ما يُعَدُّ من الإبل للركوب والأحمال.
١٠٤

((أُنَدِّيْه)) : التَّندِية : أن تورد الإبل والخيل حتى تشرب قليلاً، ثم ترعى ساعة ، ثم تردها إلى الماء من يومها
أو من الغد، والإبل تندو من الحمض إلى الخلة ، فتنتقل من جنبس من المرعي الي جنس آخر . ((سَرْحِهِ)) :
السَّرْحُ : المواشي السائمة .
((أَكَمَة)) : الأكمة : الرابية وهي الأرض المرتفعة .
(يا صَبَاحَاه)): يوم الصباح: يوم الغارة ، وكان إذا دهمهم أمر صاحوا: يا صباحاه، يُعْلِمُون قومهم بما
دهمهم ونابهم لیبادروا إليه .
(يوُ الرُّضَّع)): أراد به يوم هلاك اللئام، والرُّضَّع : جمع راضِع، وأراد بهم الذين يُرْضِعُون الإبل ولا
يحلبونها خوفاً أن يسمع حلبها من يستمنحهم ويسألهم لبناً، وقد يكون كناية عن الشدة. ((فَأَصُُّّ)):
الصَُّ : الضرب بالید، وأراد : أنه رماه بسهم.
((في رَحْلِهِ)) : رَحْلُ الناقة : گَوْرُها ، فأضافه إلیه لأنه را کب عليه .
((أَعْقِرُ بِهِم)) : عَقَرْتُ به : قتلت مرکوبه وجعلته راچِلاً.
((آراماً)»: الآرام: جمع إِرَم ، وهو العَلَم من الحجارة . ((قَرَن)): القَرَن : جبل صغير منفرد.
((الْبَرْح)): الشدة. (غَلَس)): الغَلَس: ظلمة آخر الليل .
((لا يَقْتَطِعُوْنَك)): الاقتطاع : أخذ الشيء والانفراد به ، أراد به : لا يرونك منفرداً فيطمعوا فيك فيقتلوك.
((شِعْب)): الشِّعْبُ : الفُرْجة بين الجبلين كالوادي.
((فَحَلَّيْتُهم)) عن الماء أي: طردتهم . (فَيُسْنِدُونَ)) : يصعدون .
((نُغْض كَتِفِهِ)) : الغضروف العريض الذي أعلى الكتف.
(أَرْدَوا فَرَسَيْنِ)): أَرْدَيْتُهُ : رميتُهُ وتركتُهُ ، والمراد أنهم من خوفهم تركوا من خيلهم فرسين.
(مُذْقة من لبن)): لبن ممذوق أي: مخلوط بماء، والمراد بقوله ((مُذْقة)) شربة قليلة من لبن ممذوق .
(لَيُقْرَوْنَ)): القِرَى : الضيافة ونُزُل الضيف.
((فَأَنْتَخِب)»: الإنتخاب : الاختيار ، وانتقاء الجيّد.
(جَزُوْراً)): الجَزُورُ: البعير ذكراً أو أُنثى.
((العَضْبَاء)): لقب ناقة النَّبِيّ وَّ، ولم تكن عضباء أي: مشقوقة الأُذُن .
((شَدَّا)): الشَّدُّ: العَدْوُ. ((فَرَبَطْتُّ)) أي: تَأَخَّرْتُ، كأنه ربط نفسه أي: شَدَّها.
((شَرَفاً)): الشَّرَف : الشوط والقدر المعلوم من المسافة .
((لولا مَتَّعْتَنا)): لولا هنا بمعنى: هَلَّا، ومثَّعتنا بمعنى: جعلتنا ننتفع به .
((يَخْطِرُ بسيفه)): خطر بسيفه : إذا هَزَّهُ معجَباً بنفسه ، متعرضاً للمبارزة .
((شاكي السلاح)) : ذو شَوْكة وشدة وحِدَّة في سلاحه.
١٠٥

((مُغَامِر)) : رجل مغامِر : إذا كان يقتحم المهالك .
((يُسْفِلُ)) : سفلتُ له أسفل في الضرب : إذا عمدتُ أن أضرب أسافله من وسطه إلى قدميه.
((حَيْدَرَ)): اسم للأسد ، وذلك أن فاطمة بنت أَسَد أُمَ عَلى بن أبي طالب لمّاً ولدته سمَّته باسم أبيها ، وكان
أبو طالب غائباً، فلما قدِم كره هذا الاسم ، فسماه علياً.
((السَّنْدَرَة)) : مِکْیال ضخم .
من فوائد الحديث :
١ - فيه علامة لنبوة محمد ◌َّله إذ فارت البئر بالماء ببركة دعاءه وتفله فيها ، وإخباره بخبر القوم في غطفان.
٢- وفيه منقبة عظيمة لسلمة بن الأكوع رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إذا بايع رسول الله وَِّ ثلاث مرات، واستغفار
رسول الله وٍَّ له، ومدحه له بأنه خير رجالتنا ، إعطائه درقة، وبلاءه الحسن في هذه الغزوة رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ.
٣- جواز الاستشهاد بالأمثال القديمة التي لا تنافي مكارم الأخلاق .
٤- وجواز إنشاد الشعر في الحروب وإن اشتمل مدحاً للنفس بالشجاعة والكرم ونحو ذلك .
٥ - وجواز المسابقة بالخيل .
٦- وفيه منقبة عظيمة لعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إذا أخبر رسول الله وَّل بأنه يحب الله ورسوله،
ويحبه الله ورسوله ، وأعطاه الراية ، وكان الفتح على يديه رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
حدیث مقتل أمية بن خلف
٤٩- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضَّلَّهُعَنْهُ حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ كَانَ صَدِيقًا لأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ،
وَكَانَ أُمَّيّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّ الْمَدِينَةَ انْطَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا، فَزَلَ عَلَى أُمَيََّ بِّكَّةَ، فَقَالَ لأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِ سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّى أَنْ أَطُوفَ
بِالْبَيْتِ . فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟. فَقَالَ:
هَذَا سَعْدٌ . فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: أَلا أَرَالَكَ تَطُوفُ بِكَّةَ آمِنَا، وَقَدْ أَوَيْتُمُ الصُّبَاةَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ
وَتُعِينُونَهُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا أَنَّكَ مَعَ أَبِ صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِماً. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ:
أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِى هَذَا لأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ، طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ. فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لاَ تَرْفَعْ
صَوْتَكْ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِ الْحَكَمْ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِى. فَقَالَ سَعْدٌ: دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((إِنَّهُمْ قَاتِلُوَ). قَالَ: بِكَّةَ؟. قَالَ: لا أَدْرِى. فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَّيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا .
فَلَمَّا رَجَعَ أُمَّيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ ، أَلَمْ تَرَىْ مَا قَالَ لِى سَعْدٌ؟ ! . قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ:
زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِىّ، فَقُلْتُ لَهُ: بِكَّةَ؟ قَالَ: لا أَدْرِى. فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ.
١٠٦

فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرِ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلِ النَّاسَ قَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ. فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ
فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، إِنَّكُ مَتَى مَا يَرَاَكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ، وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِى تَّخَلَّقُوا مَعَكَ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ
أَبُو جَهْلِ حَتَّى قَالَ: أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِى، فَوَالَّهِ لِأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِكَّةَ. ثُمَّ قَالَ أُمَّةُ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِ يِنِى.
فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوَكَ الْيَثْرِبِىُّ؟ قَالَ: لاَ، مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا.
فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلاَ إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِبَدٍْ.
رواه البخاري ٣٩٥٠.
شرح الغريب:
((الصُّبَاة))» : جمع صابي، وهو الذي ينتقل من دین إلی دین.
((اسْتَنْفَرَ)): الاستنفار طلب النصرة من الناس ، لينفِروا معه إلى مقصده .
((الوادي)) أي : وادي مكة .
من فوائد الحديث :
١ - فيه معجزة للنبي ◌ّ إِذ أخبر بأنهم يقتلون أمية بن خلف وقد كان.
٢ - وفيه ما كان عليه سعد بن معاذ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ من قوة النفس واليقين .
٣- وفيه أن شأن العمرة كان قديماً، وأن الصحابة كان مأذونا لهم في الاعتمار من قبل أن يعتمر النَّبِّ وَّه
بخلاف الحج والله أعلم .
حديث بني النضير
٥٠- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ ◌َّهِ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى
ابْنِ أُبِّ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الأَوْثَانَ مِنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ - وَرَسُولُ اللّهِوَ الِه يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ:
إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا، حَتَّى نَقْتُلَ
مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبِّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ
النَّبِيّ ◌َّهِ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَِّيّ ◌َ، لَقِيَهُمْ فَقَالَ: (لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمُ الْمَالِغَ! مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ
بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِ يدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَ كُمْ وَ إِخْوَانَكُمْ؟!». فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِك
مِنَ النَّبِيّ ◌ََّ تَفَرَّقُوا. فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ فَكَتَبَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيُهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ
الْخَلْقَةِ وَالْخُصُونِ، وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُنَّ صَاحِبَنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَلاَ يَحُولُ بَيْنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَىْ ءٌ -
وَهِىَ الْخَلَاخِيلُ -. فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ النَِّّ ◌ََّ، أَجْمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾.
اخْرُجْ إِلَيْنَا فِى ثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِكَ، وَلْيَخْرُجْ مِنَّا ثَلاثُونَ حَبْرًا، حَتَّى نَلْتَقِىَ بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ
فَيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُولَكَ وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ. فَقَصَّ خَبَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ
١٠٧

بِالْكَتَائِبِ، فَحَصَرَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: ((إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لاَ تَأْمَنُونَ عِنْدِى إِلَّ بِعَهْدِ تُعَاهِدُونِى عَلَيْهِ)). فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ
عَهْدًا فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِك. ثُمَّ غَدَا الْغَدُ عَلَى بَنِى قُرَيْظَةَ بِالْكَنَائِبِ وَتَرَكَ بَنِى النَّضِيرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ
يُعَاهِدُوهُ فَعَاهَدُوهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَغَدَا عَلَى بَنِ النَّضِيرِ بِالْكَتَائِبِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ ،
فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ، وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتِ الإِبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ، وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا ، فَكَانَ نَخْلُ بَنِى النَّغِيرِ
لِرَسُولِ اللّهِ وَلَ خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ
مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾. يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتَالٍ . فَأَعْطَى النَّبِيّ أَكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ، وَقَسَمَ مِنْهَا
لِرَجُلَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ وَكَانَا ذَوَي حَاجَةٍ ، لَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ مِنَ الأَنْصَارِ غَيْرَهُمَا، وَبَقِىَ مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ
وَّ الَّتِىِ فِى أَيْدِى بَنِى فَاطِمَةَ.
رواه أبو داود ٣٠٠٤ بإسناد صحيح .
شرح الغريب:
((ذَرَارِيْكُمْ)): الذَّرَارِي : الأطفال، جمع ذرية .
(نَسْتَبِيْح)): اسْتِبَاحَتُهُم: ◌َهَبُهم وسَبْيُهم والتصرف فيهم وجعل ذلك مباحاً .
(وَعِيْد)): الوعِيد: التخويف والتهديد. (تَكِيُّدُوا)): كاده يَكِيْدُهُ : إذا مَكَرَ به وخدعه .
((الحَلْقَة)): الدِّرْع، وقيل: اسم جامع للسلاح. ((حَبْراً)): الحَبْر: العالم الفاضل .
((مَنْصَف)): المَنْصَف: نِصْف الطريق. ((الَجَلَاء)) : النَّفْي عن الأوطان .
((أَقَلَّتِ الإبل)» : الأحمالَ أي : حملتْها.
((ما أَفَاءَ اللهُ)) : الفَيْءُ: ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا قتال.
((أَوْجَفْتُم)): الإيجاف : الإسراع والحث في السير ، وأراد به: الإسراع في القتال.
((رِكَاب)): الرِّكاب : جماعة من الإبل فوق العشرة.
من فوائد الحديث:
١ - أن اليهود أهل غدر وخيانة.
٢ - وأن الإمام يحذر الناس من كيد الكفار والمنافقين.
٣- جواز محاصرة العدو، وإبرام العهود معهم.
حديث ثمامة بن أثال
٥١- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِ لَُّ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِى حَنِيفَةَ
يُقَالَ لَهُ تَُّامَةُ بْنُ أُثَالٍ ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى الْمَسْجِدِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيّ ◌َ فَقَالَ: «مَا عِنْدََ يَا
◌َُّامَةُ؟)). فَقَالَ: عِنْدِى خَيْرٌ يَا نُحَمَّدُ ، إِنْ تَقْتُلْنِى تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ
١٠٨

الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شيءتَ. حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((مَا عِنْدَكَ يَا ◌َُّامَةُ؟)). قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ
عَلَى شَاكِرٍ. فَتَرَّكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ ، فَقَالَ: « مَا عِنْدََكَ يَا تُمَامَةُ؟)). فَقَالَ: عِنْدِى مَا قُلْتُ لَكَ . فَقَالَ:
(أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ))، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلَّا
اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ تُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا تُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَّ مِنْ وَجْهِكَ ، فَقَدْ
أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَىَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ
إِلَىَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَدٍ أَبْغَضُ إِلَّ مِنْ بَلَدِكَ ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلاَدِ إِلَىَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِى وَأَنَا
أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَشَّرَهُ رَسُولُ اللّهِ وَهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ . فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟.
قَالَ: لا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، وَلا وَاللَّهِ لا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ
فِيهَا النَّبِيّ ◌َّ .
رواه البخاري ٤٣٧٢ ومسلم ١٧٦٤ .
شرح الغريب:
(خَيْلاً قِبَلَ نَجْد)) أي : بعث فرسان خيل إلى جهة نجد .
((ذا دَم)) أي : صاحب دم ، لدمه موقع يشتفي قاتله بقتله ويدرك ثأره لرياسته وعظمته .
((حِنْطَة)) : قمح.
من فوائد الحديث :
١ - جواز ربط الكافر في المسجد .
٢- المن على الأسير الكافر.
٣- فضل العفو عن المسيء، لأن ثمامة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أقسم أن بغضه للنبي وَّ انقلب حباً في ساعة واحدة
لما أسداه النَّبِيّ وَِّ إليه من العفو والمن بغير مقابل.
٤- وفيه الاغتسال عند الإسلام .
٥ - وأن الإحسان يزيل البغض ويثبت الحب.
٦ - وأن الكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم شرع له أن يستمر في عمل ذلك الخير .
٧- وفيه الملاحظة بمن يرجي إسلامه من الأسارى ، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام ، ولا سيما من يتبعه
علی إسلامه العدد الکثیر من قومه.
٨- وفيه بعث السرايا إلى بلاد الكفار ، وأسر من وجد منهم ، والتخيير بعد ذلك في قتله أو الإبقاء عليه.
١٠٩

حديث حاطب بن أبي بلتعة
٥٢- عَنْ عَلِيِّبْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِ لَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ وَلِ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمُقْدَادَ فَقَالَ: (( انْطَلِقُوا
حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا» . فَذَهَبْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا
الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا: أَخْرِجِى الْكِتَابَ فَقَالَتْ: مَا مَعِى مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ
لَتْقِيَنَّ الثَّابَ. فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيّ ◌َّهِ فَإِذَا فِيهِ : مِنْ حَاطِبٍ بْنِ أَبِ بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ. مِمَّنْ بِكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيّ ◌َِّ. فَقَالَ النَّبِيّ ◌َ: (( مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟!)). قَالَ: لاَ
تَعْجَلْ عَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ كُنْتُ امْرَأَ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَكَانَ مَنْ مَعَكُ مِنَ
الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِكَّةَ ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِى مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ
أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدَا يَحْمُونَ قَرَابَتِى ، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَلا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِ. فَقَالَ النَّبِيّ ◌َِّ: (( إِنَّهُ قَدْ
صَدَقَكُمْ)) . فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَ هذا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ: ((إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيَ
لَعَلَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شياءُتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)). فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ
وقَالَ: الله ورسولُهُ أُعْلَمُ . فَأَنْزَلَ اللهُ السُّوْرَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُوْنَ
إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَ كُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ - إلى قولِهِ - ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيْلِ﴾ [الممتحنة: ١].
رواه البخاري٤٢٧٤ ومسلم ٢٤٩٤.
شرح الغريب:
((رَوْضَة خَاخ)): بالقرب من حمراء الأسد من المدينة المنورة، في حدود العَقِيق، بين الشوطى والناصفة .
((ظَعِيْنَة)) : الظعينة في الأصل: المرأة ما دامت في الهودج، ثم جعلت المرأة إذا سافرت ظعينة، ثم نقل إلى
المرأة نفسها ، سافرت أو أقامت ، وظَعَنَ يَظْعَنُ : إذا سافر .
((عِقَاصها)»: العِقاص: الخيط الذي تعقص - أي تَشُدُّ - به المرأة أطراف ذوائبها، وأصل العقص: الضَّفْر
والليُّ.
((مُلْصَقاً)): المُلْصَق: هو الرجل المقيم في الحي وليس منهم بنسب .
((حُجْزَتها)»: احتجز الرجل: شد إزاره على وسطه، والحُجْزَة : موضع الشَّدِّ.
من فوائد الحديث :
١ - أن المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يقطع له بالجنة فإنه لا يعصم من الوقوع في الذنب ، لأن حاطباً دخل
فيمن أوجب الله لهم الجنة ووقع منه ما وقع.
٢- وفيه الرد على من كفَّر المسلم بارتكاب الذنب ، وعلى من جزم بتخليده في النار ، وعلى من قطع بأنه
لابد وأن یعذب .
١١٠

٣- وفيه أن من وقع منه الخطأ وظهر للناس لا ينبغي له أن يجحده ، بل يعترف به ويعتذر لئلا يجمع بين
ذنبین .
٤- وفيه هتك ستر الجاسوس .
٥- وفيه من أعلام النبوة إطلاع الله نبيه وَله على قصة حاطب مع المرأة.
٦- وفيه غفران الله ما تأخر من الذنوب لمن شاء.
٧- وفيه شدة عمرچ على المخالفين لأمر الله ورسوله، وتأدبه مع رسول الله وَ الال وانصياعه لأمره .
٨- وفيه منقبة عظيمة لأهل بدر رضي الله عنهم.
٩- وفيه البكاء عند السرور ، ويحتمل أن يكون عمر بكى حينئذ لما لحقه من الخشوع والندم على ما قاله
في حق حاطب.
حديث المرأة صاحبة المزادتين
٥٣- عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِ لَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا فِ سَفَرٍ مَعَ النَّبِيّ ◌َّهِ، وَ إِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى كُنَّا فِ آخِرِ
الَّيْلِ ، وَقَعْنَا وَقْعَةً ! ، وَلاَ وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا ، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّ حَرُّ الشَّمْسِ ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ
اسْتَيْقَظَ فُلاَنٌ ثُمَّ فُلاَنٌ ثُمَّ فُلاَنٌ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ ، وَكَانَ النَّبِيّ ◌َهَ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ
هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لِأَنَّا لا نَدْرِى مَا يَحْدُثُ لَهُ فِ نَوْمِهِ، فَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلاً
جَلِيدًا، فَكَبََّ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِيّ ◌َِّهِ.
فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِى أَصَابَهُمْ. قَالَ: ((لاَ ضَيْرَ - أَوْ لاَ يَضِيرُ - ارْتَحِلُوا)). فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ
نَزَلَ، فَدَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وَنُودِىَ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ
يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ: ((مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلََّ مَعَ الْقَوْمِ؟)). قَالَ: أَصَابَتْنِى جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ. قَالَ: ((عَلَيْكَ
بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيَ)).
ثُمَّ سَارَ النَّبِيّ ◌َّهِ. فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلانًا وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: ((اذْهَبَا فَابْتَغِيَا
الْمَاءَ)). فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ - أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَلاَ لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ:
عَهْدِى بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ ، وَنَفَرُّنَا خُلُوفًا. قَالَا لَهَا: انْطَلِى إِذَا. قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟. قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
وَهِ. قَالَتِ: الَّذِى يُقَالَ لَهُ: الصَّابِىُّ؟. قَالَا: هُوَ الَّذِى تَعْنِينَ فَانْطَلِى. فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيّ ◌َّهِ وَحَدَّثَاهُ
الْحَدِيثَ. قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيّ ◌َّه ◌ِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ - أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ-
وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْعَزَالِىَ، وَنُودِىَ فِىِ النَّاسِ: اسْقُوا وَاسْتَقُوا. فَسَقَى مَنْ شَاءَ ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ،
وَكَانَ آخِرَ ذَكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِى أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ: ((اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ)). وَهْىَ قَائِمَةٌ
تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا. وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُفْلِعَ عَنْهَا ، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَّهَا أَشَدُّ مِلأَّةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا،
١١١

فَقَالَ النَّبِّ ◌َِّ: (( اْمَعُوا لَا)). فَجَمَعُوا لَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ ، حَتَّى جَمَعُوا لَا طَعَامًا،
فَجَعَلُوهَا فِى ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا. قَالَ لَهَا: «تَعْلَمِينَ مَا رَزِتْنَا مِنْ مَائِكِ
شيئاً، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى أَسْقَانَا)).
فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ. قَالَوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلاَنَةُ ؟ قَالَتِ: الْعَجَبُ !، لَقِيَنِى رَجُلاَنٍ فَذَهَبَا
بِ إِلَى هَذَا الَّذِى يُقَالَ لَهُ الصَّابِىُّ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ ، وَقَالَتْ
بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ - تَعْنِى السَّمَاءَ وَالأَرْضَ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. فَكَانَ
الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِى هِىَ مِنْهُ. فَقَالَتْ يَوْمًا
◌ِقَوْمِهَا: مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِ الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِ الإِسْلاَمِ.
رواه البخاري٣٤٤ ومسلم٦٨٢.
شرح الغريب:
((أَسْرَيْنَا)) : سَرَيْتُ وَأَسْرَيْتُ : إذا سِرْتُ ليلاً.
((جَلِيْداً)) : من الجلادة بمعني الصلابة ، وزاد مسلم هنا : ((أَجْوَف)) أي: رفيع الصوت ، يخرج صوته من
جوفه بقوة . ( لا ضَيْرَ)) أي : لا ضَرَر .
((عَلَيْكَ بالصَّعِيْد)): الصَّعِيد: وجه الأرض، وفي رواية مسلم: فأمره رسول الله وَّل أن يتيمم بالصعيد.
(فَابْتَغِيَا»: ابْتَغِ الشيء أي: تَطَلََّهُ ، وابْغِ الشيء أي: اطْلُبْهُ ، وَأَبْغِنِي أي : اطْلُب ◌ِي.
((مَزَادَتَيْنِ)): المَزَادَة: قِربة كبيرة يزاد فيها جِلد من غيرها، وتسمى أيضاً: ((السَّطِيْحَة)) إذا كانت من
جِلدَين سطح أحدهما على الآخر. ((نَفَرُّنا)»: النَّفَر: ما دون العشرة، وأرادت به هنا قومها. ((خُلُوفً)) : جمع
خالِف ، والخالف المستَقِي ، ويقَالَ أيضاً لمن غاب.
(وَأَطْلَقَ)) أي : فتح .
((الصَّابِئ)): مِن صَبَأَ صُبُوءًا أي: خرج من دين إلى دين. ((وأَوْك)) أي: ربط .
((العَزَالِ)) : جمع عزلاء: وهي مَصَبُّ الماء من المزادة ، ولكل مزادة عَزْلاَوَانِ من أسفلها . (وَايْمُ اللهِ)): من
صيغ القَسَمِ .
((اسْقُوا واسْتَقُوا» : المراد أنهم سقَوا غيرهم كالدواب ونحوها واستقَوا هم.
(دَقِيْقَة)): طحين. ((سَوِ يْقَة)): القمح أو الشعير المَقْلُو ثم يُطحَنُ. ((رَزِثْنَا)) أي : نَقَصْنَا .
((وقَالَتْ بإصْبَعَيْها)) أي : أشارت : وهو من إطلاق القول على الفعل .
((يُغِيْرُوْنَ)): من أغار أي: دفع الخيل في الحرب. ((الصِّرْم)) : أبيات مجتمعة من الناس.
١١٢

من فوائد الحدیث :
١ - مشروعية تيمم الجنب .
٢ - الحث على الصلاة في الجماعة .
٣- حسن الملاطفة والرفق في الإنكار.
٤- ومشروعية الأذان للفوائت من الصلوات.
٥- ومشروعية الجماعة للفوائت من الصلوات أيضاً .
٦ - جواز استعمال أواني المشركين ما لم يتيقن فيها النجاسة.
٧- فیه من أعلام نبوة محمد ێ .
٨- وأن الخوارق لا تغير الأحكام الشرعية .
حديث طعام أم سليم
٥٤- عَنْ أَنَسِ رَضِلَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمَّ سُلَيْمِ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ ضَعِيفًا،
أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىْءٍ؟. قَالَتْ: نَعَمْ. فَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيْرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا
فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِى وَلاَتَتْنِى بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِى إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ،
فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه فِىِ الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ: («آرْسَلَكَ أَبُو
طَلْحَةَ؟» . فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِطَعَامٍ؟. فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه لِمَنْ مَعَهُ: ((قُومُوا)) . فَانْطَلَقَ
وَانْطَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمِ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتِ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَانْطَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِىَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ: (( هَلُمَّى يَا أُمَّ سُلَيْم مَا عِنْدَكِ)). فَأَتَتْ بِذَلِك
الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه فَفُثَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمِ عُكَّةً فَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ فِيهِ مَا شَاءَ
اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: (( اقْذَنْ لِعَشَرَةٍ)). فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: (( اثْذَنْ
لِعَشَرَةٍ». فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: (( اتْذَنْ لِعَشَرَةٍ)) . فَذِنَ لَهُمْ، فَأَكُلُوا حَتَّى
شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: (( اتْذَنْ لِعَشَرَةٍ)) . فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ - أَوْ ثَمَانُونَ -
رَجُلاً.
رواه البخاري٣٥٧٨ ومسلم ٢٠٤٠ .
وفي رواية : فما زالَ يَدْخُلُ عَشَرَةٌ ويَخْرُجُ عَشَرَةٌ ، حتى لم يَبْقَ منهم أَحَدٌ إلا دَخَلَ فَأَكَلَ حتى شَبعَ،
ثُمَّ هَيََّهَا فإذا هِيَ مِثْلُها حِينَ أَكَلُوا منها .
١١٣

وفي رواية: فَأَكُلُوا عَشَرَةً عَشَرَةً، حتى فَعَلَ ذلك بثمانينَ رجلاً، ثم أكلَ النَّبِيُّ نَّه بعد ذلك وأهلُ
البيتِ ، وَتَرَكُوا سُؤْراً.
وفي رواية : ثم أَفْضَلُوا مَا أَبْلَغُوا جِيْرَانَهم.
شرح الغريب :
(دَسَّتْهُ)): دَسَّ الشيء يَدُسُّهُ دَسّاً: إذا أدخله في الشيء بقهر وقوة .
(لانَّتْنِي) : لَقَّتْ عَلَيّ بعضه وأَدَارَتْهُ عليَّ «أَفْرَاص)»: جمع قُرْص وهو الخُبْزَةِ .
(عُكَّةٌ)) : إناء من جلد مستدير يجعل فيه السمن غالباً والعسل .
((فَأَدَمَتْهُ)) أي: صَيَّرَتْ ما خرج من العُكَّة له إداماً ، والإدام هو ما يؤكل مع الخبز. ((هَيَّأَهَا)) أي : جمعها
بعد الأكل. ((سُؤْراً)): فَضْلَة.
من فوائد الحديث :
١- جواز الدعوة إلى الطعام وإن لم يكن وليمة.
٢ - واستدعاء العدد الكثير من الناس إلى الطعام القليل.
٣- وأن المدعو إذا علم من الداعي أنه لا يكره أن يحضر معه غيره فلا بأس باحضاره معه.
٤- وأن العدد الكثير يجلسون على المائدة عشرة عشرة استحبابا.
٥- وفيه جواز الأكل حتى الشبع.
٦- وفيه من أعلام نبوة محمد ◌ّله: إشباع الطعام القليل العدد الكثير من الناس وبقاء فضلة منه لأهل
البیت والجيران.
٧- وفيه منقبة لأبي طلحة وأَمِّ سُلَيم رَضي اللهُ عنهما ، ونباهة أبي طلحة إذ عمل بالقرائن فعلم جوع النَّبِيّ
ۉالآ بضعف صوته .
حديث أضياف أبي بكر الصديق
٥٥- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصَّدِّيْقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ
النَّبِّ ◌َِّ قَالَ مَرَّةً: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ
بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ)). أَوْ كَمَا قَالَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاَثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيّ نَّه بِعَشَرَةِ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى
عِنْدَ النَّبِيّ وَّةِ، ثُمَّ ◌َبِثَ حَتَّى صَلَى الْعِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ فَبِثَ حَتَّى تَعَثَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى
مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟. قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ؟. قَالَتْ: أَبُوْا حَتَّى
تَجِىءَ، قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ. فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ. فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا
لا هَنِيْئاً، وَ اللهِ لا أَطْعَمُهُ أَبَدًا .
١١٤

قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنَ اللُّقْمَةِ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، حَتَّى شَبِعُوا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا
كَانَتْ قَبْلُ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ لإِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِى فِرَاسٍ ما هذا؟ ! . قَالَتْ: لا وَقْرَّةٍ عَيْنِى لَهْىَ
الآنَ أَكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ بِثَلاثِ مَرَّاتٍ !. فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ: إِنََّا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِى ◌َمِينَهُ - ثُمَّ
أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ ◌َلَهَا إِلَى النَّبِيّ ◌َِّ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ بَيْتَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَتَفَرَّقْنَا
اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَاسٌ ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكُلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ !.
رواه البخاري ٣٥٨١ ومسلم ٤٥٣.
شرح الغريب:
((غُنْثَرَ)) : ذُباب أسود ، شبَّهه به لتحقیره.
((فَجَدَّعَ)) أي: دعا عليه بالجَدْعِ وهو قطع الأُذُن أو الأنف أو الشَّفَة . (رَبَا)) : زاد.
((أُخْتِ بَنِي فِرَاس)» : هي أُمُّ رُوْمَان زوجة أبي بكر ، وبنو فراس بن غنم بن مالك بن كنانة ، وأم رومان
من ذرية الحارث بن غنم وهو أخو فراس بن غنم.
((وقُرَّة عَيْنِي)): قُرَّة العين يُعَبَّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبه الإنسان ويوافقه، يقَالَ ذلك لأن عينه قَرَّتْ أي
سكنت حركتها من التلفُّت لحصول غرضها فلا تستشرف لشيء آخر .
(يَمِيْنِه): يعني: قَسَمُهُ، وهو قوله: ((واللهِ لا أَطْعَمُهُ أبداً)).
من فوائد الحديث :
١- التجاء الفقراء إلى المساجد عند الاحتياج إلى المواساة ، إذا لم يكن في ذلك إلحاح ولا إلحاف
ولا تشويش على المصلين .
٢- ومواساة الفقراء والتوظيف في المخمصة .
٣- وجواز الغياب عن الأهل والولد والضيف إذا أُعِدَّت لهم كفايتهم.
٤- وفيه جواز تصرف المرأة فيما تقدم للضيف ، والإطعام بغير إذن خاص من الرجل .
٥- وفيه جواز سَبِّ الوالِد للوَلَد على وجه التأديب والتمرين على أعمال الخير وتعاطيه .
٦- وجواز الحلف على ترك المباح واستحباب الحنث إذا كان ذلك خير .
٧- وفيه منقبة لآل أبي بكر إذا بارك الله في طعامهم فأكلوا وأكل أضيافهم وأكل بعدهم العدد الكثير ،
وهي من أعلام نبوة محمد ◌َّ ظهرت في بيت أبي بكر، وهذا مثل السكينة التي تنزَّلت لأُسَيْد بن الحُضَيْرِ
عندما كان يقرأ القرآن ، ومثل هذا وغيره مما ظهر في بيوت الصحابة أو في نفوسهم أو أهلهم ، في حياة
النَّبِّ وَّةِ، إنما هو من معجزات النَّبِيّ ◌َّ، وقد انقطعت هذه الأمور العجيبة بعد وفاة النَّبِيّ ◌َّ.
١١٥

حدیث العنبر
٥٦- عَنْ جَابِرِ رَضِ لَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيْرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا
جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ. فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَخْرَةً تَمْرَةً. قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا ؟.
قَالَ: نَصُّهَا كَمَا يَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا
الْخَبَطَ ثُمَّ فَبُّهُ بِالْمَاءِ فَتَأْكُلُهُ. قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْنَةِ الْكَئِيبِ
الضَّخْمِ ، فَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَ . قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ
اللّهِ وَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا. قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ، حَتَّى سَمِنًا. قَالَ:
وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبٍ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ ، وَتَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، فَقَدْ أَخَذَ
مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبٍ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ
بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا! وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَه فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ
فَقَالَ: ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْ ءٌ فَتُطْعِمُونَا؟)). قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَّ
مِنْهُ فَأَكَلَهُ.
رواه مسلم ١٩٣٥.
شرح الغريب:
((الخَبَط)): ورق شجر معروف تأكله الإبل. ((الكَثِيْب)): التَّل من الرمل.
(وَقْب)» : الوَقْبُ: نُقْرة العين. «القِلَال)»: جمع قُلَّة وهي الَجَرَّة.
((وَشَائِقَ)) : الوَشَائِقِ : اللحم الذي اقتطع لِيُقَدَّدَ منه .
((الفِدَر)): جمع فِدْرة وهي القطعة من اللحم أو الليل أو الجبل .
((رَحَلَ)) الْبَعِيْرَ أي: جعل عليه الرَّحْلَ.
من فوائد الحديث:
١ - أخذ المجاهدين الزاد معهم.
٢- وأن أمير المجاهدين يشرف على توزيع الزاد على الجيش.
٣- وفيه ما كان عليه الصحابة من شدة العيش وشظفه .
٤- وفيه عون الله لمن خرج مجاهداً في سبيله.
حدیث المقترض ألف دینار
٥٧- عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ رَّعَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِ إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِى
إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَقَالَ: اثْتِى بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ . فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأَتِى
١١٦

بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً. قَالَ: صَدَقْتَ. فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، فَخَرَجَ فِىِ الْبَحْرِ ، فَقَضَى
حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا ، يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِى أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً، فَنَقَرَهَا
فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَنَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ
إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِى كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاناً أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِى كَفِيلاً، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً، فَرَضِىَ بِكَ ،
وَسَأَلِى شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِىَ بِكَ، وَأَنَّى جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِى لَهُ فَلَمْ
أَقْدِرْ ، وَإِنِى أَسْتَوْدِعُكَهَا. فَرَمَى بِهَا فِ الْبَحْرِ حَتَّى وَلَتْ فِيهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَهْوَ فِ ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا
يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ .
فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِى كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِى فِيهَا الْمَالُ ،
فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا ، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ. ثُمَّ قَدِمَ الَّذِى كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ ،
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِ طَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَهَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِى أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ: هَلْ
كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَىَّ بِشَىْءٍ قَالَ: أُخْبِرْكَ أَنِى لَمْ أَجِدْ مَرْكَبَا قَبْلَ الَّذِى حِثْتُ فِيهِ ! . قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ
الَّذِى بَعَثْتَ فِى الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا».
رواه البخاري ٢٢٩١.
شرح الغريب :
(زَجَّجَ)) أي: سَوَّى موضع النقر وأصلحه. ((وَلَجَتْ)) أي : دخلتْ.
من فوائد الحديث :
١ - جواز الأجل في القرض ، ووجوب الوفاء به.
٢- وفيه التحدث عما كان في بنى إسرائيل من العجائب للاتعاظ والائتساء.
٣- وفيه التجارة في البحر وجواز ركوبه.
٤- وفيه طلب الشهود في الدَّين وطلب الكفيل به.
٥- وفيه فضل التوكل على الله، وأن من صح توكله تكفل الله بنصره وعونه.
٦- وفيه جواز أخذ ما لَفَظَه البحر .
حديث الطاعون
٥٨- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَّهُعَنْهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا
كَانَ بِسَرْغَ ، لَقِيَّهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِىَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ. فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْتَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ
بِالشَّامِ ، فَاخْتَقُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرِ ، وَلا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ
١١٧

النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ وَ له وَلا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّى. ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِىَ
الأَنْصَارَ. فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنَّى .
ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ. فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ
رَجُلانِ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. فَنَادَى عُمَرُ فِ النَّاسِ: إِنَّى مُصَبِّحُ عَلَى
ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟! فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَمَا يَا أَبَا
عُبَيْدَةً! ، نَعَمْ ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَّأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا
خَصِبَةٌ ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ
اللَّهِ؟ !. قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِى بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِى فِ هَذَا عِلْمًا،
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ﴿ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضِ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا
تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ)). قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ.
رواه البخاري ٥٧٢٩ ومسلم ٢٢١٩.
شرح الغريب:
(بِسَرْغ)): سَرْغ : موضع بالشام بين المغيثة وتبوك.
(الأَجْنَاه)): جمع جند ، وكان عمر قسَّم الشام أجناداً أربعة وقيل خمسة ، فَوَلَّى على كل جند منها أميراً.
((عُدْوَتَانِ)) : العُدْوَة : جانب الوادي.
من فوائد الحديث :
١ - مشروعية الاستشارة فى النوازل .
٢ - وأن الرجوع عند الاختلاف إلى النص .
٣ - وأن النص يُسمَّى عِلماً.
٤- وأن الامور كلها تجرى بقدر الله وعلمه .
٥- وأن العالم قد يكون عنده من العلم ما لا يكون عند غيره ممن هو أعلم منه .
٦- وفيه وجوب العمل بخبر الواحد ، وهو من أقوى الأدلة على ذلك لأن ذلك كان باتفاق أهل الحل
والعقد من الصحابة ، فقبلوه من عبد الرحمن بن عوف ولم يطلبوا منه مقوِّياً و شاهداً.
٧ - وفيه الترجيح بالأكثر عدداً والأكثر تجربة ، لرجوع عمر لقول مشيخة قريش مع من انضم إليهم
ممن وافقهم من المهاجرين والأنصار، فان مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين
والأنصار، وَوَازَنَ ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد الفضل فى العلم والدين ما عند المشيخه من
السن والتجارب ، فلما تعادلوا من هذه الحيثية رجَّح بالكثرة ، وكل ذلك عند عدم النص ، فإذا وُجِدَ
النص فلا مجال لكل ذلك، ويعمل بالنص .
١١٨

٨- وأن المجتهد إذا وافق اجتهاده النص فإن ذلك نعمة يحمد الله عليها ويفرح بها .
حدیث لا نورث ما تركنا صدقة
٥٩- عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ وَجِّ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِ بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ
اللَّهِ وَه ◌ِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدََكَ، وَمَا بَقِىَ مِنْ خُمُسٍ خَيْبَرَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِوَّ
قَالَ: (( لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، إِنَّا يَأْكُلُ أَلُّ نُحَمَّدٍ فِى هَذَا الْمَالِ)). وَإِنَّى وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شيئاً مِنْ صَدَقَةٍ
رَسُولِ اللهِ وَلَهعَنْ حَالِهَا الَّتِى كَانَ عَلَيْهَا فِ عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ
وَ. فَأَبِى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شيئاً، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِ بَكْرٍ فِ ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ ، فَلَمْ
تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيّ ◌َّه ◌ِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَمَّا تُوُفِّيَتْ، دَفَهَا زَوْجُهَا عَلِىٌّ لَيْلاً، وَلَمْ يُؤْذِنْ
بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا.
وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهُ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُقِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِىٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَةَ أَبِ
بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَابِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِ بَكْرٍ: أَنِ اثْتِنَا، وَلا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ - كَرَاهِيَّةً
◌ِمَحْضَرِ عُمَرَ - فَقَالَ عُمَرُ: لا وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَلَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِى؟،
وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ. فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ ، فَتَشَهَّدَ عَلِىٌّ فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ، وَمَا أَعْطَالَكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ
عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَلَّ نَصِيبًا.
حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِ بَكْرٍ ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ
أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِى، وَأَمَّ الَّذِى شَجَرَ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَّمْوَالِ، فَلَمْ أَلُّ فِيهَا عَنِ الْخَيْرِ ، وَلَمْ أَتْرُكُ أَمْرًا
رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ بَّه يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِىٌّ لِأَّبِ بَكْرٍ : مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ.
فَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرِ الظُّهْرَ رَقِىَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ، وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِى
اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ. وَتَشَهَّدَ عَلِىٌّ فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِ بَكْرٍ ، وَحَدَّثَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِى صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى
أَبِ بَكْرٍ ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِى فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِى هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِى
أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالَوا: أَصَبْتَ. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ.
رواه البخاری ٤٢٤٠ ومسلم ٤٢٤٠.
شرح الغريب :
((فَدَك)) : مدينة تبتعد عن المدينة مسافة يومين .
(نَنْفَس)) أى: لم نحسدك على الخلافة، يُقَالَ: نَفِسْتُ أَنْفَسُ نفاسة .
((فَوَجَدَتْ)) أي : غَضِبَتْ. من المَوْجِدة وهي الغضب.
١١٩

((وكان لِعَلِيٍّ من النَّاسِ وَجْهُ)) أي: كان الناس يحترمونه إكراماً لفاطمة ، فلما ماتت واستمرَّ على عدم
الحضور عند أبى بكر قَصَّرَ الناس عن ذلك الاحترام لإرادة دخوله فيما دخل فيه الناس ، ولذلك قَالَت
عائشة فى آخر الحديث لمَّا جاء وبايع: كان الناس قريباً إليه حين راجع الأمر المعروف.
((لَمْ آَلُ)) أي: لم أُقَصِّر.
من فوائد الحديث :
١ - أن ما تركه النَّبِيّ ◌َِّ من مالٍ فإنه لا يورَث وهو صدقة.
٢ - وأن أبا بكر وعَلِيّاً رَضِيَ اللهُ عَنْهُما كانت قلوبهم متفقة على الاحترام والمحبة وكان الطبع البشرى قد
يغلب أحياناً، لكن الدِّيانة تَرُدُّ ذلك .
٣- وفى الحديث رَدٌّ على الرافضة الطاعنين فى أبى بكر وخلافته ، فإن علياً قد بايع أبا بكر فى آخر الأمر
واعترف بفضله وحقه واعتذر عن تأخره فى المبايعة ، واستمر فى موالاته لأبى بكر حتى تُوفّى أبو بكر ،
ثم كذلك مع عمر وعثمان، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما جميعاً، وَلَعَنَ الله من أبغَضَهم أو طعن فى خلافتهم.
حديث تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم
٦٠ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضّ ◌َُّعَنْهُ عَنِ النَّبِّ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ الَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْتَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَّةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو
الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)). ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّ شَهْرِ هَذَا؟)). قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: ((أَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَأَُّّ بَدٍ
هَذَا؟)). قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ
الْحَرَامَ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَأَيُّ يَوْمِ هَذَا؟)). قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ
بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟)). قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَ كُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ،
حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ
أَعْمَالِكُمْ ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا أَوْ ضُلَّلَا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ، أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ،
فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ)). ثُمَّ قَالَ: أَلَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)). قُلْنَا:
نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ».
رواه البخاري ٤٤٠٦ ومسلم ١٦٧٩ .
شرح الغريب:
((إِنَّ الزَّمانَ قد اسْتَدَارَ)): الزمان: المراد به: السَّنة ، واستدار: أي رجع كحالته يوم خلق الله السموات
والأرض . وقد كانوا في الجاهلية يبدلون الأشهر الحُرُم ويقدمون بعضها ويؤخرون وهو النَّسِيْء الذي
١٢٠

قَالَ الله فيه: ﴿إِنََّا النَّسِيْءُ زِيَادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا يُحِلُّوْنَهُ عاماً ويُحَرِّمُوْنَهُ عاماً لِيُوَاطِئُوا
عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: ٣٧].
وفي السَّنة التي حَجَّ فيها النَّبِيُّ ◌َِّ عادت الأشهر الحُرُم إلى موضعها الصحيح الذي وضعه الله تعالى
فيه كما ذكرها النَّبِيّ ◌َّ في هذه الخطبة .
((رَجَبُ مُضَر)): مُضَر: قبيلة عربية ونُسب إليها شهر رجب لأنها كانت أشد العرب تعظيماً له.
من فوائد الحدیث:
١ - تعظيم حرمة يوم النحر وشهر ذي الحِجَّة والبلد الحرام .
٢ - تغليظ حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
٣- وجوب تبليغ العلم على الكفاية وقد يتعين في حق بعض الناس .
٤- جواز تحمُّل الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقهه إذا ضبط ما يحدِّث به، ويجوز وصفه بكونه من أهل
العلم.
٥- جواز أن يكون في الزمان المتأخر من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدمه إلا أن ذلك
يكون في الأقل .
٦- إطلاق لفظ الكفر على ما ليس بمخرِج من المِلَّة كضرب المسلمين بعضهم رقاب بعض ، وقد وصف
الله المتقاتلين من المسلمين بالإيمان فقَالَ: ﴿وإنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الُؤْمِنِيْنَ اقْتَتَلُوْا فَأَصْلِحُوْا بَيْنَهُمَا﴾ وسَمَّاهم
إخوة لنا فقَالَ: ﴿إََّا المُؤْمِنُوْنَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوْا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
حدیث بئر أریس
٦١ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِىِّ رَضَ لَُّعَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِى بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: لَأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِليه
وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِى هَذَا. قَالَ: فَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيّ ◌َّهِ، فَقَالُوا: خَرَجَ، وَجَّهَ هَا هُنَا. قَالَ:
فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى دَخَلَ بِثْرَ أَرِيْسٍ. قَالَ: فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ. وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ . حَتَّى
قَضَى رَسُولُ اللّهِ وَهِ حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ عَلَى بِثْرِ أَرِيسٍ وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ
عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِىِ الْبِثْرِ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ ، فَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ
رَسُولِ اللّهِ وَّهِ الْيَوْمَ.
فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟. فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ. قَالَ: ثُمَّ ذَهَبْتُ
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ. فَقَالَ: ((اقْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)». قَالَ: فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لأَّبِىِ
بَكْرٍ : ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ. قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ مَعَهُ فِى
الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِىِ الْبِثْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيّ ◌َّهِ وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ. ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِى
١٢١