النص المفهرس
صفحات 81-100
رَسُولُ اللهِ وَلَه وَأَبُو بَكْرٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا. فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا، ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ . ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَه فَقَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ، لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلَّغُ عَنَّ قَوْمَكَ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ؟». فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّ قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ فَإِّ قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. فَأَتَيْنَا أُمَّنَا فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا فَإِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ . فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ الّهِوَ﴿ِ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا. فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ الْبَاقِي. وَجَاءَتْ أَسْلَمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ فَأَسْلَمُوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ:(( غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَا، وَأَسْلَمُ سَالَهَا اللَّهُ)). رواه مسلم ٢٤٧٣. شرح الغريب: ((فَتَثَا)): نَا الحديثَ يَنْتُوْهُ نَثْواً: إذا أظهره. ((لا جِمَاعَ)) أي: لا مجامعة لنا مع معك ولا مقام. ((صِرْمَتَنا)): الصِّرْمة : القطعة من الإبل نحو الثلاثين . ((فَنَافَرَ)): المنافرة: المحاكمة تكون في تفضيل أحد الشيئين على الآخر. ((خِفَاء)): الخِفاء كساء يطرح على السِّقاء. ((فَرَاثَ عَلَىَّ)) : أَبْطَأَ عَلَيَّ. ((أَقْرَاء الشِّعْر)) : طرائقه وأنواعه، واحدها : قَرْء. ((فَتَضَعَّفْتُ رَجُلاً منهم)) أي: نظرتُ إلى أضعفهم فسألته. (مَدَرَة)): المَدَرَة: الطينة المستحجرة. ((نُصُب)) : الحجر أو الصنم الذي كانوا ينصبونه في الجاهلية . ((ُكَن)): جمع عُكْنَة ، وهي ما انطوى وتثني من لحم البطن من السِّمَن . (سُخْفَة جُوْع)): رِقَّتُهُ وهُزاله. ((ليلةً قَمْراء إضْحِيان)) أي : مضيئة لا غيم فيها . (أَصْمِخَتِهِم)) : جمع صماخ وهو ثقب الأذن . ((إِسَافاً ونائِلة)): صنمان تزعم العرب أنهما كانا رجلاً وامراة زَنَيَا في الكعبة فَمُسِخا . ((هَنّ)): الذَّكّر. ((لا أَكْنِي): يعني أنه أَفْصَح باسمه . ((تُوَلْوِلَانِ)): الوَلْوَلة: الاستغاثة والصياح.(أَنْفارُنا)) : جماعتنا . ((فَقَدَعَنِي)) : منعني وكَفَِّي. ((طَعَامُ طُعْم)) : طعام شبع يعني أنه يُشبع ويكف الجوع ويكفي منه. ((غَبَرْتُ)) : أبقيتُ ، والغابر الباقي. ٨٢ من فوائد الحديث : ١ - فيه أن أباذر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كان على فطرة التوحيد قبل قدومه على النَّبِي ◌ِّ . ٢- فضل ماء زمزم . ٣- وفيه منقبة لأبي ذر وأهله بمسارعتهم للدخول في الإسلام . ٤ - فضل قبيلة غفار وأسلم . حديث إسلام عمرو بن عبسة السلمي ٣٨- عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ رَضَلَّهُعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلِ بِكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ وَلِ مُسْتَخْفِيًا، جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا أَنْتَ؟. قَالَ: ((أَنَا نَبِيُّ)). فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيُّ؟. قَالَ: (أَرْسَنِي اللَّهُ)). فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟. قَالَ: أَرْسَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَخَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ ؟)). قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟. قَالَ: (حُرٌّ وَعَبْدٌ)). قَالَ: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ مِمِّنْ آمَنَ بِهِ. فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ. قَالَ: ((إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، أَلَا تَرَى حَالِيٍ وَحَالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنْ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِ قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِي)). قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي. وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ الْمَدِينَةَ، وَكُنْتُ فِي أَهْلِي، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟. فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ. فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ:((نَعَمْ ، أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِكَّةَ؟». قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى. فَقُلْتُ: يَا نَبِيّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ. قَالَ: ((صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَخْضُورَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظَّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَخْضُورَةٌ ، حَتَّى تُصَلَّيَّ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ)). قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَالْوُضُوءَ حَدِّثْنِي عَنْهُ. قَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ، إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحِيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ٨٣ فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِوَلِّ. فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ: يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ، انْظُرْ مَا تَقُولُ، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟! فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلِيٍ، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِ اللهِ، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِوَّه ◌ِلَّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ - مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا، وَلَكِنِّ سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. رواه مسلم ٠٨٣٢ شرح الغريب: (جُرَءَاءُ عليه)) أي : جريئون عليه متسلِّطين عليه . ((مَشْهُودة مَخْضُورة)) أي : تشهدها الملائكة وتحضرها . (يَسْتَقِلُّ الظَّلُّ بالرُّمح)): هو أن يصير الظل مثل صاحب الظل. (تُسْجَر)): توقد . ((الفَيْء)) : الظل الذي يكون بعد ميل الشمس عن كبد السماء. من فوائد الحديث : ١ - فضل أبي بكر وبلال رَضِيَ اللهُ عَنْهُما وسبقهما في الإسلام. ٢- وفيه بيان الأوقات التي تحل فيها الصلاة والتي لا تحل فيها . ٣- فضل الوضوء وأنه كفارة للذنوب ، وفضل الصلاة بعده . ٤ - تثبُّت الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم في رواية الحديث . حديث إسلام عبد الله بن سلام ٣٩- عَنْ أَنَسِ رَضِ لَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللّهِ وَهِ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ ، فَقَالَ: إِنِّى سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِىٌّ، قَالَ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُّهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمِنْ أَىِّ شَىْءٍ يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِهِ؟ وَمِنْ أَىِّ شَىْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أَخْوَالِهِ؟. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (( خَّرَنِ بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ)). قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَاَ عَدُوُّ الْيُهُودِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ. فَقَرَأْ هذه الآيةَ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيْلَ فإنَّهُ نَزَلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بإذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: ٩٧]: (( أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةٌ كَبِدِ حُوتٍ . وَأَمَّا الشَّبَهُ فِىِ الْوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِىَ الْمَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ ، وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا)). قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلََّ اللهُ، وأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ . ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيُهُودَ قَوْمُ بُهُتُ، إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلاَمِى قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِ عِنْدََ. ٨٤ فَجَاءَتِ الْيَهُودُ وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَيْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ((أَىُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلام؟». قَالُوا: أَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، وَأَخْيَرْنَا وَابْنُ أَخْتَرِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (( أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ؟)). قَالَوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ . فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ تُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا ، وَوَقَعُوا فِيهِ !. رواه البخاري ٣٣٢٩. شرح الغريب: ((أَشْراطُ السَّاعة)): علاماتها. ((يَنْزِعُ الوَلَدُ إلى أبيه أو إلى أُمِّه)): إذا جاء يشبه أحدهما . ((قَوْمُ بُهْتٌ)) : بَهَتَ فلانٌ فلاناً: إذا كذب عليه، فهو باهِتٌ ، وقومٌ بُهْتُ. من فوائد الحديث : ١ - أن العلم سبيل إلى الهداية بإذن الله تعالى. ٢ - وأن الإنسان ينبغي له أن لا يعرض نفسه إلى وقوع السفهاء في عرضه. ٣- وأن اليهود من شأنهم الكذب والبهتان. حديث إسلام سلمان الفارسي ٤٠- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالَ لَا جَيُّ ، وَكَانَ أَبِ دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ ، وَاَجْتَهَدْتُ فِي الْجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا لا يَتْرِكُهَا تَخْبُو سَاعَةً، قَالَ: وَكَانَتْ لِأَبِ ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ: فَشْغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا ، فَقَالَ لِي: يَا بُنَّيّ ، إِنِّيٍ قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِ هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي ، فَاذْهَبْ فَاطَِّعْهَا ، وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَكُنْتُ لاَ أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسٍ أَبِي إِيَّيَ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِهِمْ، وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ ، دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ ، قَالَ: فَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلاتُهُمْ، وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ ، وَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِيِ وَلَمْ آتِهَا، فَقُلْتُ لَهُمْ : أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ ؟ قَالُوا : بِالشَّامِ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي، وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، قَالَ: فَلَمَّا جِئْتُهُ، قَالَ : أَيْ بُنَيَّ، أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتِ ، مَرَرْتُ بِنَاسِ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَازِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، قَالَ: أَيْ بُنَّيَّ ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ : كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا، قَالَ: فَخَافَتِي، فَجَعَلَ ٨٥ فِي رِجْلَيَّ قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ. قَالَ: وَبَعَثَتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَارٌ مِنَ النَّصَارَى فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى، قَالَ: فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلاَدِهِمْ فَآذِنُونِي بِهِمْ، قَالَ: فَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلادِهِمْ أَخْبَرُوِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلِيَّ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: الأَسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ ، قَالَ: فَجِثْتُهُ، فَقُلْتُ : إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ أَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ ، وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ ، قَالَ: فَادْخُلْ فَدَخَلْتُ مَعَهُ ، قَالَ : فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا ، فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا أَشْيَاءَ ، اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ ، قَالَ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغَّبُكُمْ فِيهَا فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَوا: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ ، قَالَوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ ، قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ ، قَالَ: فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقَا، قَالَ: فَمَّا رَأَوْهَا قَالَوا: وَاللَّهِ لاَ نَدْفِئُهُ أَبَدًا، فَصَلَبُوهُ، ثُمَّ رَجُوهُ بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ جَاؤُوا بِرَجُلٍ آخَرَ، فَجَعَلُوهُ بِكَانِهِ ، قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ : فَمَا رَأَيْتُ رَجُلاً لا يُصَلِي الْخَمْسَ، أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا، وَلاَ أَرْغَبُ فِي الآخِرَةِ ، وَلا أَدْأَبُ لَيْلاً وَنَهَارَا مِنْهُ، قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبَّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَهُ ، فَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَةُ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ إِّ كُنْتُ مَعَكَ وَأَحْبَبْتُكَ حُبَّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللهِ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي ، وَمَا تَأْمُرُ نِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إِلاَّ رَجُلاً بِالْمَوْصِلِ ، وَهُوَ فُلانٌ، فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ ، فَالْخَقْ بِهِ . قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ ، لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ، إِنَّ فُلانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَنْحَقَ بِكَ ، وَأَخْبَرَ بِ أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي ، فَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، قُلْتُ لَهُ : يَا فُلانُ، إِنَّ فُلانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ ، وَأَمَرَفِي بِاللُّحُوقِ بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي ، وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلاً عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلاَّ بِنَصِيْبِيْنَ، وَهُوَ فُلانٌ ، فَالْحَقْ بِهِ ، قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبٍ نَصِيِينَ ، فَجِثْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ خَرِي ، وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي ، قَالَ : فَأَقِمْ عِنْدِي ، فَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبَيْهِ، فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا حَضَرَ ، قُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ، إِنَّ فُلانًا كَانَ أَوْصَى بِي إِلَى فُلانٍ، ثُمَّ أَوْصَى ◌ِي فُلانٌ إِلَيْكَ ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي ، وَمَا تَأْمُرُبِيِ؟ قَالَ: أَيْ ٨٦ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلَّا رَجُلاً بِعَمُّورِيَّةَ، فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ ، قَالَ : فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا . قَالَ : فَمَّا مَاتَ وَغَيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبٍ عَمُّورِيَّةَ ، وَأَخْبَرْتُهُ خَرِي ، فَقَالَ : أَقِمْ عِنْدِي ، فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيٍ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ، قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ ، قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللهِ، فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلانٍ، فَأَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَى فُلانٍ ، وَأَوْصَى بِ فُلانٌ إِلَى فُلانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي ، وَمَا تَأْمُرُنِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضِ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بَيْنُهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لاَ تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلادِ فَافْعَلْ، قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغَيَّبَ ، فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ ، وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ؟ قَالَوا: نَعَمْ، فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِ، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِي الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُوِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقْ لِي فِي نَفْسِي. فَبَيْنَهَا أَنَّا عِنْدَهُ، قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمِّ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي ، فَقَمْتُ بِهَا وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ، فَأَقَامَ بِّكَّةَ مَا أَقَامَ لاَ أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقٌّ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمِّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ: فُلانُ ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ ، وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيُّ، قَالَ: فَمَّ سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِ الْعُرَوَاءُ ، حَتَّى ظَنَنْتُ سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي ، قَالَ: وَنَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ ؟ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَغَضِبَ سَيِّدِي فَلَكَمَنِي لَكْمَةَ شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ، قَالَ: قُلْتُ: لاَ شَيْءَ ، إِنَّا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَهُ عَمَّا قَالَ . وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَهُوَ بِقُبَاءَ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَّةِ ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ قَالَ: فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ لِأَصْحَابِهِ : ((كُلُوا)) وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ فَجَمَعْتُ شَيْئًا ، وَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِوَه إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِهِ ، فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ لاَ تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا، قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِوَِّ مِنْهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ اثْنَتَانِ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: وَقَدْ تَبِعَ جَنَازَةً مِنْ أَصْحَابِهِ ، عَلَيْهِ شَمْلَتَانِ لَهُ ، وَهُوَ ٨٧ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي؟ فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللهِ وَِّ اسْتَدَبَرْتُهُ، عَرَفَ أَنِي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِ ، قَالَ: فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَمْ فَعَرَفْتُهُ، فَانْكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِلُهُ وَأَبْكِي ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَّهِ: (تَحَوَّلْ)) فَتَحَوَّلْتُ ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللهِوَّهِ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ . ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ بَدْرٌ، وَأُحُدٌ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَهُ : (كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ )). فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلاَثِ مِنَّةِ نَخْلَةٍ أُحْبِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ ، وَبِأَرْبَعِينَ أُوْقِيَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِأَصْحَابِهِ: أَعِينُوا أَخَاكُمْ فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ: الرَّجُلُ بِثَلاَثِينَ وَدِيَّةً ، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ - يَعْنِي: الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ - حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلاثُ مِنَّةِ وَدِيَّةٍ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَا ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَتِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ)) قَالَ : فَفَقَّرْتُ لَهَا ، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي ، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا حِثْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَِّ مَعِي إِلَيْهَا فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِيَدِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ ، مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ، وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ، فَأَنِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضٍ الْمَغَازِي ، فَقَالَ: ((مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتَبُ؟)) قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ ، فَقَالَ: ((خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ)) فَقُلْتُ : وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ قَالَ: ((خُذْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ)) قَالَ: فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا، وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ ، أَرْبَعِينَ أُوْقِيَّةً ، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ ، وَعَتَقْتُ ، فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَِّ الْخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ . رواه أحمد (٤٤١/٥-٤٤٤) بإسناد صحيح. شرح الغريب : ((دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ)»: الدِّهْقَانُ هو زعيم فلاحي العجم ، ورئيس الإقلیم . ((قَطَنَ النَّارِ)): وقَاطِنَ النار أي: خادمها ، وهي نار يوقدها المجوس يعبدونها ولا يدعونها تنطفئ أبداً . (( ضَيْعَتِي)) : الأرض المُغِلَّة والعقار. «فاطَّلِعْها»: اطََّعَ الأرضَ: بَلَغَها . (الأَسْقُفُّ)) : رئيس دين النصارى، وهو فوق القِسِّيس ودون المَطْران. ((ذَهَبٍ وَوَرِقٍ)) : الوَرِقُ، بكسر الرَّاء، هو الفِضَّة. ((فما رأيتُ رَجُلاً لا يصلِّي الْخَمْسَ)) أي: فما رأيت رجلاً كافراً، لأن الكافر لا يصلّي الخمسَ وهي الصلوات الخمس التي يصليها المسلم. ((أَدْأَبُ ليلاً ونهاراً)) : أكثرُ دَأَباً أي: أكثرُ تَعَباً واجتهاداً . (ِنَصِيِْيْنَ)) نَصِییین : بلد من بلاد الجزيرة . ((على هَذْىٍ أصحابه)): على سَمْتِهِم وطريقتهم. ٨٨ ((بينَ حَرَّتَيْنِ)) الحَرَّةُ : أرض ذات حجارة سود . ((نَفَرُ من كَلْبٍ)): جماعة من قبيلة كَلْب. ((عَذْقٍ)): عُنْقُود . (بَنِي قَيْلَةَ)»: هم الأَّوْسُ والخَزْرَجُ ، وقَيْلَةٌ هي أُمُّهم الكبرى . ((الْعُرَوَاءُ)) : بَرْدُ الْحُمَّى ورِعْدَتُها . (بَقِيْعِ الغَرْقَدِ)): مقبرة المدينة ، والغَرْقَدُ شجرٌ عظام . ((بالفَقِيْرِ)): الفَقِير هنا معناها الحفرة التي تُغرس فيها الفسيلة، وجمعها ((فُقُرٌ))، وقوله: ((فَفَقِّرْ لها)) أي : احفرلها فَقِيراً. ((وَدِيَّةً)): الفسيلة الصغيرة . (مَشْهَدٌ)): مَحْضر الناس، وجمعها مشاهِد، والمراد بها غالباً الغزوات. من فوائد الحديث : ١- البحث عن الدِّين الحق ، والصبر على المشاق في سبيل ذلك . ٢- السؤال عن أهل الخير والصلاح وصحبتهم. ٣- فطنة سلمان چ ورجاحة عقله، إذ عمل بالقرائن والدلائل فهداه الله إلى نبي الإسلام وحَثل . ٤- وفيه إعانة العبد المكاتب ليؤدي ما عليه حتى يُعتَق . ٥ - وفيه ما كان عليه النبي ◌َّ والصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم من عون بعضهم بعضاً. ٦ - وفيه تواضع النبي ◌َّل وعمله بيده مع سلمان في غرس الفسائل. ٧- وفيه من دلائل النبوة صلاح كل فسيلة غرسها النبي وَّ بيده، وما كان قدر بيضة الدجاجة من الذهب قد وزن أربعين أُوقِيَّة ! . ٨- وفي الحديث مناقب ظاهرة لسمان الفارسي رَضِ اللَّهُ عَنْهُ . حديث أبي الیسر ٤١- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا. فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِوَ لَّهَ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ، وَعَلَى أَبِيِ الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ. فَقَالَ لَهُ أَّبِيِ: يَا عَمِّ إِنَّ أَرَى فِى وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ. قَالَ: أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى قُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْخَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ؟ قَالَوا: لَا. فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنُ لَهُ جَفْرٌ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَيْنَ أَبُوَكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي. فَقُلْتُ : اخْرُجْ إِلَيَّ فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ. فَخَرَجَ فَقُلْتُ: مَا حَمَكَ عَلَى أَنْ اخْتَبَأْتَ مِنِّ؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّتُكَ ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ وَأَنْ أَعِدَلَكَ فَأُخْلِفَكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا. قَالَ: قُلْتُ: اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قُلْتُ: اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ . قُلْتُ: آللَّهِ؟. قَالَ: اللَّهِ. قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ ٨٩ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي وَإِلَّا أَنْتَ فِي حِلِّ ، فَأَشْهَدُ ، بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ - وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ - وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا - أَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ وَلَه وَهُوَ يَقُولُ: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلّهِ)). قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ . فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، يَا ابْنَ أَخِي، بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ وَ له وَهُوَ يَقُولُ: (( أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ))، وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . رواه مسلم ٣٠٠٦ . شرح الغريب: ((ضِمَامة)) : الأشياء المضمومة من كتب وغيرها . ((مَعَافِرِيّ)) : ثوب منسوب إلى موضع باليمن يقَالَ له مَعَافِر . (سَفْعَة)): سواد، وبه سَفْعَة من غضب إذا كان لونه متغيراً من الغضب . ((جَفْرٌ): الغلام الصغير. ((أَرِيْكَة)): سرير من دونه ستر. ((مَنَاطَ قَلْبِهِ)) : عِرق معلق بالقلب. (أَنْظَرَ)): أَخَّرَ وَأَمْهَلَ. (مُعْسِراً)): الذي لا يستطيع سداد الدَّين. «حُلَّة)) : ثوبان من جنس واحد . من فوائد الحديث : ١ - الخروج في طلب العلم. ٢ - فضل الصدق . ٣- فضل إنظار المعسر . ٤- إكرام الخدم والعبيد وعدم الترفع عليهم في مطعم أو ملبس . حديث الترهيب من منع الزكاة ٤٢- عن أبي هُرَ يْرَةَ رَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِوَّهِ: «مَا مِنْ صَاحِبٍ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحِْيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ ، فَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِمَّا إِلَى النَّارِ)). ٩٠ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: (( وَلَا صَاحِبُ إِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا - وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا- إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَوَّهُ بِأَخْفَافِهَا ، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّ إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِمَّا إِلَى النَّارِ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: ((وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَم ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شيئاً، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا ، وَتَطَؤُّهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِمَّا إِلَى النَّارِ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: ((الْخَيْلُ ثَلَاثَةُ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَِّي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ ، إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَّهُ عَدَدَ أَزْوَاتِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفَا أَوْ شَرَفَيْنِ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْقَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ . رواه مسلم ٩٨٧ وروى البخاري ٢٣٧١ ذِكر الخيل والحُمُر فقط ولم يذكر أوله. شرح الغريب: (يَوْم وِرْدِها) أي: يوم تَرِد الماء فيسقي من لبنها من حضره من المحتاجين إليه. ((بِقَاعٍ قَرْقَرٍ)): القاع المكان المستوي من الأرض الواسع، والقَرْقَر: الأَملس. ((عَقْصَاء)): الشاة الملتوية القرنين. ((جَلْحَاء)»: الشاة التي لا قرن لها . (عَضْبَاء)): الشاة المكسورة القرن. ((مَرْج)): مرعى. ((طِوَلَها)): الطِوَل: الحبل. ((فَاسْتَنَّتْ)): الإستِنان: الجري. (شَرَفاً)): الشوط والمَدى. (نِوَاءً)): مناوءة ومعاداة. ((الحُمُر)): جمع حمار. ((الفَاذَّة)»: النادرة الواحدة. من فوائد الحديث : ١ - الترهيب من منع الزكاة . ٢- أن هناك أنواعاً من العذاب لمن استحقه قبل دخوله الجنة أو النار. ٩١ ٣- فضل الخيل وربطها في سبيل الله تعالى. ٤ - وفيه العمل بظواهر العموم حتى يأتي دليل التخصيص . ٥- فضل قوله تعالى : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ الآية ، وأنها جامعة بعمومها لأحكام الدين. حديث كتاب الصدقات ٤٣- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضَ عَنْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيْقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَّا اسْتُخْلِفَ: كَتَبَ لَهُ - حِيْنَ وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ - هَذَا الْكِتَابَ، وَكَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرِ: ((نُحَمَّدٌ)): سَطْرٌ، و((رَسُوْلُ)): سَطْرٌ، و(الله): سَطْرٌ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، هَذِهِ فَرِيْضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُوْلُ اللهِوَّه عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُوْلَهُ وَّةِ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا ، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَها ، فلا يُعْطِ : فِي أَرْبَعٍ وٍعِشْرِيْنَ مِنَ الإِلِ فَمَا دُوْنَهَا مِنَ الغَنَمِ ، فِي كُلِّ خَمْسٍ : شَاةٌ ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً وَعِشْرِيْنَ ، إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِيْنَ: فَفِيْهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى. فإِنْ لَمَ يَكُنْ فِيْهَا ابْنَةُ ◌َاضٍ ، فَابْنُ لَبُوْنٍ ذَكَرٌ . فَإِذَا بَلَغَتْ سِتّاً وَثَلَاثِيْنَ، إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ: فَفِيْهَا بَنْتُ لَبُوْنٍ أُنْثَى ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّا وَأَرْبَعِيْنَ إِلَى سِتَّيْنَ : فَفِيْهَا حِقَّةٌ ، طَرُوْقَةُ الَجَمَلِ ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتَّيْنَ ، إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ : فَفِيْهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّا وَسَبْعِيْنَ إِلَى تِسْعِيْنَ: فَفِيْهَا ابْتَتَا لَبُوْنٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَّةٍ : فَفِيْهَا حِقَّتَانِ ، طَرُوْقَتَا الْجَمَلِ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَّةٍ : فَفِيْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ: ابْنَةُ لَبُوْنٍ ، وَفِيْ كُلِّ خَمْسِيْنَ: حِقَّةٌ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الْإِبِلِ: فَلَيْسَ فِيْهَا صَدَقَةٌ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُهَا ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً مِنَ الْإِلِ ، فَفِيْهَا : شَاةٌ . وَصَدَقَةُ الغَنَمِ : فِيْ سَائِمَتِهَا، إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِيْنَ إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ شَاةٍ : شَاةٌ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَّةٍ ، إِلَى مِائَتَيْنِ: فَفِيْهَا شَاتَانِ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ: فَفِيْهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ ، فِإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثمائَةٍ : فَفِيْ كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِيْنَ شَاةٍ شَاةٌ وَاحِدَةٌ : فَلَيْسَ فِيْهَا صَدَقَةٌ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا . ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمع، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ: فإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ حَرِمَةٌ ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ ، وَلَا تَيْسُ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ، وَفِيْ الرِّقَةِ: رُبُعُ العُشْرِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِيْنَ وَمِائَةً: فَلَيْسَ فِيْهَا صَدَقَةٌ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا ، ومَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِلِ صَدَقَةُ الَجَذَعَةِ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ: فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ ، ويَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَماً، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ ، وَعِنْدَهُ الَجَذَعَةُ: فإِنَّهَا تُقبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ ، ويُعْطِيْهِ الْمُصَّدِّقُ عِشْرِيْنَ دِرْهَما أَوْ شَاتَيْنِ ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّ ابْنَةُ لَبُوْنٍ : فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُوْنٍ ، وَيُعْطِيْ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَماً، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُوْنٍ ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ: فَإِنَها تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، ويُعْطِيْهِ الْمُصَّدِّقُ عِشْرِيْنَ دِرْهَمَاً، أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ ٩٢ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُوْنٍ ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ خَخَاضٍ: فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ ، وَيُعْطِيْ مَعَهَا عِشْرِيْنَ دِرْهَمَا، أَوْ شَاتَيْنِ ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ نَخَاضٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُوْنٍ : فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيْهِ الْمُصَّدِّقُ عِشْرِيْنَ دِرْهَماً، أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا ، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُوْنٍ: فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ)). رواه أبوداود ١٥٦٧ والنسائي ١٨/٥ وابن ماجه ١٨٠٠ . ورواه البخاري ١٤٥٣ مفرقاً. شرح الغريب : ((بنتُ ◌َخَاض)): بنت المخاض من الإبل وابن المخاض : ما استكمل السنة الأولى ودخل في الثانية ، ثم هو ابن مخاض وبنت مخاض إلى آخر الثانية، سُمِّي بذلك لأن أمه من المخاض ، أي الحوامل ، والمخاض : اسم للحوامل ، لا واحد له من لفظه . ((بنت لَبُوْن)): ابن اللبون من الإبل: ما استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة ، وهو كذلك إلى تمامها، سمي بذلك لأن أمه ذات لبن . ((حِقَّة)) : والحِقُّ من الإبل: ما استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة ، وهو كذلك إلى تمامها ، سمِّي بذلك لاستحقاقه أن يحمل أو يركبه الفحل ، ولذلك قَالَ فيه: ((طَرُوْقة الفَحْل)) أي : يَطْرُقها ويركبها . ((جَذَعَة)): الْجَذَعَة والجَذَع من الإبل: ما استكمل الرابعة، ودخل في الخامسة إلى آخرها. ((سَائِمَتِها)): السائمة من الغنم : الراعية غير المعلوفة. ((لا يجمع بين متفرق، ولا يفرِّق بين مجتمع خشية الصدقة)) : الجمع بين المتفرق في الصدقة : أن يكون ثلاثة نفر مثلاً، ويكون لكل واحد أربعون شاة ، وقد وجبت على كل واحد منهم في غنمه الصدقة ، فإذا أظلهم المصَدِّق جمعوها ؛ لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة ، فنُهُوا عن ذلك ، ((ولا يُفَرَّق بين مُجتَمِع)) أنَّ الخليطين مثلاً يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة ، فيكون ثلاث شياه ، فإذا أظلهم المصَّدِّق، فرَّقا غنمهما ، فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة واحدة ، فنُهي عن ذلك. والخطاب في هذا للمصَّدِّق ولربِّ المال ، والخشية خشيتان : خشية الساعي أن تقل الصدقة ، وخشية رب المال أن يقل ماله، فأمر كل واحد منهما أن لا يُحْدِث في المال شيئاً من الجمع والتفريق خشية الصدقة. ((فإنهما يَتَرَاجَعَانِ بينهما بالسَّوِيَّة)»: التراجع بين الخليطين: أن يكون لأحدهما مثلاً أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون بقرة ، ومالهما مشترك ، فيأخذ الساعي عن الأربعين مُسِنَّة ، وعن الثلاثين تَبِيْعاً، فيرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعه على خليطه ، وباذل التبيع بأربعة أسباعه على خليطه ؛ لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع، كأن المال ملك واحد، وفي قوله: ((بالسوية)) دليل على أن الساعي إذا ظلم أحدهما، فأخذ منه زيادة على فرضه فإنه لا يرجع بها على شريكه، وإنما يغرم له قيمة ما يخصه من الواجب دون الزيادة ، وذلك معنى قوله : ((بالسوية)) ومن أنواع التراجع : أن يكون بين رجلين أربعون شاة ، لكل ٩٣ واحد منهما عشرون ، ثم عرف كل واحد منهما عين ماله ، فيأخذ المصدق من نصيب أحدهما شاة ، فيرجع المأخوذ من ماله على شريكه بقيمة نصف شاة ، وفي ذلك دليل على أن الخلطة تصح مع تمييز أعيان الأموال عند من يقول به . ((هَرِمَة)): الهَرِمَة : الكبيرة الطاعنة في السن . ((ذات عَوَار)): العَوَار - بفتح العين - : العيب وقد يُضَمُّ . ((إلا أن يشاءَ الْمُصَّدِّق)): عامِل الصدقة، وهو الساعِي أيضاً، قَالَ الخطابي: كان أبو عبيد يرويه: ((إلا أن يشاء المصَّدَّق) بفتح الدال ، يريد صاحب الماشية ، وقد خالفه عامة الرواة ، فقَالَوا بكسر الدال ، يعنون به العامل . وقوله : ((إلا أن يشاء المصدق)) يدل على أن له الاجتهاد؛ لأن يده كيد المساكين ، وهو بمنزلة الوكيل لهم. ((الرِّقة)) : الدراهم المضروبة . ((اسْتَيْسَرَتَا له)): استيسر الشيء وتيسَّر: إذا أمكن، وتَأَتَّى سهلاً، وهو اسْتَفْعَلَ من اليُسْرِ، ضد العُسْرِ. من فوائد الحديث : ١ - استحباب اتخاذ الخاتم والنقش فيه . ٢- استحباب كتابة البسملة في أول الكتاب. ٣- وفيه تقيد الصحابة بما أمر به النبي وَّ من مقادير الزكاة . ٤- وفيه نهي الشركاء عن التحايل في إخراج الزكاة . حديث ميضأة أبي قتادة ٤٤- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضَ لَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا)). فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ وَهُ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، قَالَ: فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِوَِّ فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ، مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ: فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ ، مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيْنِ ، حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: ((مَنْ هَذَا؟)) قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ . قَالَ: ((مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي؟)) . قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّْلَةِ. قَالَ: ((حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ). ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ؟)) ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟)). قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ. ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ. قَالَ: فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَنْ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: ((احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا))، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللّهِ وَلّهِ وَ الشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ. قَالَ: فَقُمْنَا فَزِعِينَ ٩٤ ثُمَّ قَالَ: ((ارْكَبُوا)) فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ، نَزَلَ ثُمَّ دَعَا بِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ. قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ . قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ. ثُمَّ قَالَ لِأَبِ قَتَادَةَ:((احْفَظْ عَلَيْنَا مِيْضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَا نَبَأْ). ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ یَوْمٍ . قَالَ: وَرَكِبَ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَ﴿ وَرَكِبْنَا مَعَهُ. قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ: مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِ يطِنَا فِي صَلَاتِنَا؟. ثُمَّ قَالَ: (أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟)). ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، إِنَّا التَّفْرِ يطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِي ءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلَّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلَّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا)». ثُمَّ قَالَ: ((مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا؟)) قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بَعْدَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلَّفَكُمْ، وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌َ﴿ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا)). قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ، وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطِشْنَا، فَقَالَ: (لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ)). ثُمَّ قَالَ: ((أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي)) قَالَ: وَدَعَا بِالْمِضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ الَّهِ وَهِ يَصُبُّ وَأَبُو فَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءَ فِي الْمِضَأَةِ تَكَابُوا عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: (أَحْسِنُوا الْمَلَأَّ، كُلُّكُمْ سَيَرْوَى)). قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ الَّهِ وَلَّهِ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ. قَالَ: ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِوَهِ فَقَالَ لِ: ((اشْرَبْ)) فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا)) قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ وَ. قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحِ: إِنَّ لَأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ إِذْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: انْظُرْ أَيُّهَا الْفَتَى كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِّ أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ. فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ الْأَنْصَارِ . قَالَ: حَدِّثْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ الْقَوْمَ، فَقَالَ عِمْرَانُ: لَقَدْ شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ. رواه مسلم ٦٨١ ، وروى البخاري ٥٩٥ بعضه بذكر الوضوء والصلاة . شرح الغريب : (لاَيَلْوِي)) عَلَى كَذَا أي: لا يلتفت إليه . ((ابْهَارَّ الليلُ)» : مضي نصفه وقيل: استنار بكوا كبه. ((فَدَعَمْتُهُ)): أَقَمْتُهُ وَأَسْنَدْتُهُ. (تَهَوَّرَ الليلُ)): ذهب معظمه وبقي أيسره . ((يَنْجَفِلُ)): ينقلب عن راحلته ويسقط. ((المِيْضَأَة)»: المطهرة وهي إناء يتطهر به . ((غُمَرِي)): الغمر: القدح الصغير. ((أَحْسِنُوا الْمَلَأَ)): الملأ: معناه هنا: الخُلُق. (جِامِّيْنَ)) أي: مستريحين من التعب والإعياء. ((رِوَاءً)): جمع راوٍ وهو المستكفي من الماء. ٩٥ من فوائد الحديث : ١ - فضل أبي قتادة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ باعتناءه بالنَّبِيّ وَِّ ودعاء النَّبِيّ ◌َّ له بالحفظ . ٢ - أن النَّبِيّ وَّه بشر يطرأ عليه ما يطرأ على البشر من النوم حتى يخرج وقت الصلاة. ٣- وأنه لا تفريط في النوم وإنما التفريط في اليقظة. ٤- وأنه ينبغي الائتساء بأفعال النَّبِيّ ◌َِّ . ٥- وفي الحديث معجزة للنبي وَّ بتكثير الماء القليل حتى كفى الجم الكثير. ٦ - وأن ساقي القوم يشرب آخِراً. حديث رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ٤٥ - عن أَبي هُرَ يْرَةَ رََّلَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ لّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبََّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((هَلْ تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟)). قَالَوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((هَلْ تُضَارُّوْنَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟)). قَالَوا: لَا يَا رَسُولَ اللّهِ. قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِك، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شيئاً فَلْيَتَبِعْهُ، فَيَتَبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ ، وَيَشَبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِهِمْ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِهِمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَتَّبِعُونَهُ. وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُّجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّ الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلَّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ السَّعْدَانَ؟)) قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ: ((فَإِنَّا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِلُكُ بِاللَّهِ شيئاً، مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ ، تَأْكُلُ النَّارُ مِنْ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مِنْ النَّارِ وَقَدْ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِيَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَتِي ذَكَاؤُهَا. فَيَدْعُو اللَّهَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَهُ. ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا ٩٦ أَسْأَلُك غَيْرَهُ. وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللَّهُ. فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ. فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِقَكَ لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكُ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ. وَ يَدْعُو اللّهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ . فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ. فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُّ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِقَكَ أَنْ لَا تَسْأَّلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللَّهُ مِنْهُ قَالَ: ادْخُلْ الْجَنَّةَ. فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهْ. فَيَسْأَّلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيْذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)). قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدِ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شيئاً، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: ((وَمِثْلُهُ مَعَهُ)) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: ((وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ)) يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: (( ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ قَوْلَهُ: ((ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ. رواه البخاري ٨٠٦ ومسلم ١٨٢. شرح الغريب : ((لا تُضَارُّوْنَ فِي رُؤْيَتِهِ)) أي: لا يضرُّكم أحد فيحجبكم عن رؤيته بمزاحمة أو مضايقة أو منازعة أو تكذيب ، وفي رواية: (( لا تُمارُون)) من المراء، وفي حديث أبي سعيد: ((لا تُضَامُون)) من الضَّيم وهو الظلم . ((الطَّوَاغِيْت)): جمع طاغوت وهو كل ما يُعبَد من دون الله من صنم وغيره . ((كَلَالِيْب)): جمع كلُّوب أي: خُطَّف. ((السِّعْدَان)): واحدها سِعْدَانة، وهي نبات ذو شوك ((الُوْبَق)) : المُهْلَك . ((المُخَرْدَل)) : المقطوع تقطعه الكلاليب فيهوي في النار، وقيل المخردل : المصروع. ((امْتَحَشُوا)) أي: احترقوا ، والمَحْش : احتراق الجلد وظهور العظم . ((الحِبَّة)): جمعها حِبَب وهي بزور الصحراء. ((حَمِيْل السَّيْل)): ما يحمله السيل. ((قَشَبَنِي رِيحُها)) : مَلَأَّ خَيَاشِيْمِي. ((ذَكَاؤُها)» : الْتِهَابُها . ٩٧ من فوائد الحديث : ١ - رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ، ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وُجُوْهُ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّها نَاظِرَةٌ ﴾ [ القيامة: ٢٢، ٢٣]. أما الكفار فلا يرونه سبحانه، قَالَ تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَحْجُوْبُوْنَ﴾ [المطففين: ١٥]. ٢- فضل الدعاء وقوة الرجاء في إجابة الدعوة . ٣- وفيه أن من الموحدين المسلمين المذنبين من يعذبون بالنار، ثم يخرجون بالشفاعة والرحمة إلى الجنة . ٤ - وأن تعذيب من دخل النار من المسلمين بخلاف تعذيب الكفار . ٥- فضل السجود وأن له علامة تظهر على أهله تكون علامة لنجاتهم. ٦ - وفيه فضيلة الإيمان والتوحيد وأن صاحبه لا يخلد في النار إذا دخلها . ٧- وفيه طمع ابن آدم وحرصه، ونقضه للعهود والمواثيق بسبب ذلك . ٨- وفيه ذم النفاق ، وأن المنافقين والكفار يوم القيامة سواء في العذاب . ٩- وأن الصراط حق، والناس فيه بحسب أعمالهم . ١٠ - فضل الرسل ، وأنه لا يتكلم أحد غيرهم يوم القيامة . ١١ - عظم نعيم الجنة ، وأن آخر من يدخلها له قدر ما يمتنى وعشرة أمثاله ، وفي حديث ابن مسعود في صحيح مسلم: ((لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها)). حدیث مقتل کعب بن الأشرف ٤٦- عن جابرٍ رَضِ لَُّ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ لِكَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)). فَقَامَ تُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: فَأُذَنْ لِ أَنْ أَقُولَ شيئاً . قَالَ: (قُلْ)). فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلْنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا، وَإِنِّى قَدْ أَتَيْئُكَ أَسْتَسْلِفُكَ. قَالَ: وَأيضاً وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَهُ. قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَلا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَىِّ شَىْءٍ يَصِيرُ شَأْتُهُ ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ. فَقَالَ: نَعَم، ارْهَنُونِ. قَالُوا: أَىَّ شَىْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِ نِسَاءَ كُمْ. قَالَوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا، وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ !. قَالَ: فَارْهَنُونِ أَبْنَاءَ كُمْ . قَالَوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالَ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟! هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَُّمَةَ - قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِىِ السِّلاحَ - فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ ، فَجَاءَهُ لَيْلاً وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهْوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّا هُوَ تُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأَخِى أَبُو نَائِلَةَ - وفي رواية: قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ! قَالَ: إِنَّا هُوَ أَخِى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِى أَبُو نَائِلَةَ - إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِىَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لأَجَابَ. قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ ٩٨ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِى قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، ثُمَّ أُشِمُّكُمْ. فَإِذَا رَأَيْتُمُونِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِ بُوهُ. فَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشّحًا وَهْوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطَّيِبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا - أَىْ أَطْيَبَ - قَالَ: عِنْدِى أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ. فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِ أَنْ أَشَمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَشَمَّهُ ، ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ. فَقَتَلُوهُ. ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيّ ◌َّهِ فَأَخْبَرُوهُ. رواه البخاري٤٠٢٧ ومسلم ١٨٠١. شرح الغريب : ((عَنَّانَا)): أَتْعَبَنا، من العَنَاء وهو التعب. ((لَتَمَلُنَّهُ)): من الملال. ((وَسْقاً)): ستون صاعاً. ((ارْهَنُوْنِي)) أي : ادفعوا لي شيئاً يكون رهناً على التمر الذي تريدونه. ((اللَُّمَة)»: الدِّرْع، وفسَّرها سفيان بالسلاح وهو من إطلاق اسم الكل على البعض. ((قائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ)): هو من إطلاق القول على الفعل، و((أَشَمُّهُ)) و((أَشُمُّهُ)) بفتح الشين وضمها، من الشَّمّ . من فوائد الحديث : ١ - جواز قتل المشرك المعاهد إذا آذى الله ورسوله بسب ونحوه . ٢ - جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته. ٣- فيه دلالة على قوة فطنة امرأة كعب في إطلاقها أن الصوت يقطر منه الدم. حديث مقتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق ٤٧ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَعَثَ رسولُ اللهِوَّهِ إِلَى أَبِ رَافِعِ الْيَهُودِىِّ رِجَالاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِى رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ وَيُعِينُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ ، فَمَّا دَنَوْا مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِّ مُنْطَلِقٌ، وَمُتَطٌَّ لِلْبَّوَّابِ، لَعَلَّى أَنْ أَدْخُلَ. فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِى حَاجَةً ، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ ، فَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ. فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ ، ثُمَّ عَلَّقَ الأَغَالِيقَ عَلَى وَقَدٍ . قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالَيَدِ، فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ. وَكَانَ أَبُو رَافِع يُسْمَرُ عِنْدَهُ ، وَكَانَ فِ عَلَاَلِّ لَهُ ، فَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَّ مِنْ دَاخِلٍ ، قُلْتُ: إِنِ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِ لَمْ يَخْلُصُوا إِلَّ حَتَّى أَقْتُلُهُ. فَانْتَيْتُ إِلَيْهِ ، فَإِذَا هُوَ فِى بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ، لاَ أَدْرِى أَيْنَ هُوَ مِنَ الْبَيْتِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، وَأَنَا دَهِشْ فَمَا أَغْنَيْتُ شيئاً، وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ ، فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا ٩٩ الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِع؟. فَقَالَ: لِأُمَّكَ الْوَيْلُ، إِنَّ رَجُلاً فِى الْبَيْتِ ضَرَبَنِى قَبْلُ بِالسَّيْفِ. قَالَ: فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلُهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ظُبَةَ السَّيْفِ فِى بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِى ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِى قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ بَابًا بَابًا، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ ، فَوَقَعْتُ فِى لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِى، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ: لاَ أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ؟. فَلَمَّ صَاحَ الدِّيُ قَامَ النَّاعِى عَلَى السُّورِ فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعِ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ. فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِ فَقُلْتُ: النَّجَاءَ، فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ. فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِّ ◌َ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: ((ابْسُطْ رِجْلَكَ )) . فَبَسَطْتُ رِجْلِى، فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ . رواه البخاري ٤٠٢٩ . شرح الغريب: ((و ◌َرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِم)) أي: رجعوا بمواشيهم التي ترعى. (تَفَنَّعَ)): تَغَطَّى . ((فَكَمَنْتُ)): اختبأتُ . ((الأَغَالِيْقِ)): جمع غَلَق وهو ما يغلق به الباب والمراد بها المفاتيح. ((الأَقَالَيْد)): جمع إقليد وهو المفتاح. ((يُسْمَرُ عنده)) أي: يجتمع عنده قوم للسَّمَر وهو الحديث ليلاً. ((عَلَالِي)) : جمع عَلِيَّة وهي الغرفة العالية . ((نَذِرُوا بي)) أي: علموا وأصله من الإنذار وهو الإعلام بالشيء الذي يحذر منه. ((يَخْلُصُوا إِلَّ)): يصِلوا إلَىَّ. ((فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصوت)) أي: قصدتُ نحو صاحب الصوت. ((دَهِشُ)): ذَهِلٌ، من الذُّهُول . ((ما أَغْنَيْتُ شيئاً)): لم أَصِلْ إلى شيء أي : لم أقتله. ((ضَبِيْب السيف)): طَرَفُهُ. ((أَثْخَنَتْهُ)): أَثْقَلَتْهُ بالجراحِ. «فَعَصَبْتُها» : فربطتُها . ((أَنْعَى)) : النَّعْيُ : خبر الموت والناعي اسم الفاعل وهو الذي يَنْعَى الميت. ((النَّجَاءَ)) : السلامة . من فوائد الحديث : ١- قتل من أعان على رسول الله وَليل أو آذاه بيده أو لسانه أو ماله. ٢ - جواز التجسس على أهل الحرب وتطلب غرتهم. ٣- الأخذ بالشدة في محاربة المشركين . ٤ - جواز إبهام القول للمصلحة . ٥- تعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين . ٦ - الحكم بالدليل والعلامة ، لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته . ١٠٠ ٧- فيه علامة النبوة النَّبِيّ ◌َّ إِذ مسح رجل ابن عتيك فشفيت في الحال . حديث سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد ٤٨- عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رَضِلَُّ عَنْهُ قَالَ: قَدِمْنَا الْخُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَله وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَّةً وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيِهَا. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ، فَإِمَّا دَعَا وَ إِمَّا بَصَقَ فِيهَا، قَالَ: فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ الَّهِ وَ لَهِدَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ. قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنْ النَّاسِ قَالَ: ((بَايِعْ يَا سَلَمَةُ)). قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ. قَالَ: ((وَأَيْضا). قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّه عَزِلًا - يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ - قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ،وَ لَه حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً ثُمَّ بَايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ؟)). قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ. قَالَ: ((وَأَيْضاً)). قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ. ثُمَّ قَالَ لِ: ((يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَفِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ الَّهِ وَله وَقَالَ: ((إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبْغِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي)). ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ، حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ وَاصْطَلَحْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ وَأَخْدِمُهُ وَآَكُلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَِّ. قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضِ ، أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا. قَالَ: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكََّ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَأَبْغَضْتُهُمْ فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى، وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ وَاضْطَجَعُوا، فَبَيْنَهَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا لِلْمُهَاجِرِ ينَ قُتِلَ ابْنُ زُنَّيْمٍ. قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ، فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُّهُ ضِغْتًا فِي يَدِي. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ تُحَمَّدٍ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ. قَالَ: ثُمَّ حِثْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لِهِ. قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنْ الْعَبَاتِ يُقَالَ لَهُ مِكْرَزٌ يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَّه عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ، فِي سَبْعِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ بِ لِهِ فَقَالَ: ((دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ)). فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكََّ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ الْآيَةَ كُلَّهَا. قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَا وَبَيْنَ بَنِي ◌َحْيَانَ جَبَلٌ وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهْ لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ، كَأَنَّهُ طَلِعَةٌ لِلنَّبِّ ◌َّهِ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ وَّه بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحِ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ وَه وَأَنَا مَعَهُ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَّدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ. فَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ١٠١