النص المفهرس

صفحات 1981-2000

٤١٥٠
.......
کتاب الجهاد
فيقال لى إنه يجاهد فى مواطن كذا، وأن الواحد منكم يقتل زيدًا أو يقتله عمر،
وكما شاهدت من حال هؤلاء، فلذلك لا أكون شهيد لكم بنفس الأعمال وتفصيلها
كنا أشهد على تفصيل عمل هؤلاء، وإن شهدت لبعضكم بجملة العمل بالوحى،
وإعلام الله، فعلى هذا يكون قوله، ولكن لا أدرى ما تحدثون بغدى، متوجهًا إلى جميع
الصحابة من أبی بکر وغيره.
فصل: وقوله: ((فبكى أبو بكر ثم بكى، ثم قال: أثنا لكائنون بعدك)) يريد أنه أطال
البكاء وكرره، وأظهر معنى بكائه بقوله: ((أثنا لكائنون بعدك)) كائنة للإشفاق من البقاء
بعد النبی څڈ والانفراد دونه، وفقد بر كته، ونعمة الله على أمته به.
وهذا يدل على أنه قد فهم أبو بكر رضى الله عنه من قول النبى ﴿4﴾: ((ولكن لا
أدرى ما تحدثون بعدى)) أنه لا يخاف أو يجوز أن يكون من أبى بكر حدث يضاد
الشريعة، ويخالف به من أجله عن سبيل النبى ﴿﴿ لأن بكاءه لذلك كان أولى له، وكان
حكمه على ذلك بأن يقول أثنا المحدثون بعدك حدثا يصد عن سبيلك، وتخالف به
طريقتك، ولما لم يقل ذلك، ولا بكى من أجله، وإنما يكى من أجل فراقه النبى
وبقائه بعده علمنا أنه فهم منه ما قدمنا ذكره، والله أعلم.
١٠٤١ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ حَالِسًا وَقَبْرٌ
يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ، فَاطَّعَ رَجُلٌ فِى الْقَبْرِ، فَقَالَ: بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ
: (َفْسَ مَا قُلْتَ) فَقَالَ الرَّحُلُ: إِنَّى لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْمَا أَرَدْتُ الْقَتْلَ
فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿١: (لا مِثْلَ لِلْقَثْلِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ مَا عَلَى الأَرْضِ
يُقْعَةٌ أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِى بِهَا مِنْهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ» يَعْنِى الْمَدِينَ.
الشرح: قوله: ((كان رسول اللـه ﴿ جالسًا، وقبر يحفر بالمدينة)) أن يكون قصد
ذلك لمواصلة من كان القبر يحفر بسببه أو لفضل المقبرور فيه وديته، وقرب محله من
النبى ﴿ أو للاتعاظ به، ويحتمل أن يكون جلس لغير ذلك، فصادف حفر القبر.
وقول المطلع فى القبر: ((بئس مضجع المؤمن))، ويحتمل ظاهر اللفظ أن يريد بذلك
١٠٤١ - ذكره السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/٥ وعزاه لابن جرير وابن أبى حاتم عن أبى هريرة.
وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٦١. والتمهيد ٣٠٨/٦، وقال ابن عبد البر فى
التمهيد: وهذا الحديث لا أحفظه مسندا، ولكن معناه موجود من رواية مالك وغيره.

کتاب الجهاد
..
٤١٦
المكان، وقد يتأوله على ذلك من يسمعه منه، فلو أقره النبى ﴿﴿ لاعتقد بعض السامعين
له أن النبى ﴾ قد أقره على قوله أن المدينة بتس مضجع المؤمن.
فصل: وقول النبى ﴿﴿ له: ((بئس ما قلت)) يحتمل إما أنه قد أراد عيب القبر
وتفضيل الشهادة لكن اللفظ لما كان فيه من الاحتمال ما ذكرناه أنكر عليه اللفظ دون
المعنى، ويحتمل أن يكون على هذا الوجه أنكر عليه اللفظ والمعنى؛ لأنه لا يجوز أيضًا أن
يقول فى القبر بئس مضجع المؤمن لأنه روضة من رياض الجنة، وسبب إلى الرحمة،
والدرجة الرفيعة، وإنما يجب أن يقول إن الشهادة أفضل من هذا، وإذا كان الأمران
فاضلين، وأحدهما أفضل من الآخر، وجب أن يقال هذا أفضل من هذا، ولا يجوز أن
يقال فى المفضول بئس هذا الأمر.
وأما المعنى الثانى فأن يكون ﴿ اعتقد أنه أراد بذلك ذم الدفن بالمدينة، ولذلك لم
ينكز على القائل إذ قال: ((لم أرد هذا يا رسول الله، وإنما أردت القتل فى سبيل الله))
ولو كان فهم منه هذا لكان الأظهر أن يقول له: قد فهمت مرادك، ولكن هو مع ذلك
خطأ، فإنك قد جئت بلفظ مشترك أو عبت المفضول مع فضله.
فصل: وقوله : ((لا مثل للقتل فى سبيل الله)) يقتضى تفضيله، وظاهر هذا
يقتضى تفضيله على سائر الأحوال، وأنه لا مثل له من أحوال الحياة والموت، ويحتمل
أن يريد به لا مثل له من أحوال الميتات، وصفات الموت لأنه سبب القول، فيجوز أن
يحمل عليه.
فصل: وقوله :﴿43: (ما على الأرض بقعة من الأرض أحب إلىّ من أن يكون قبرى
بها منها)) ظاهره تفضيل المدينة على ما سواها من الأرض، وذلك أحب أن يكون قبره
بهان وهذا يقتضى أنه أحب أن یکون قبره بها دون مكة، وقد قيل إن ذلك لمعنى
الهجرة.
قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: وليس عندى بالبين؛ لأنه لو كان كذلك لم
يعلق الحكم بالبقعة ولعلقه بالهجرة، والله أعلم. وهذا فى حال الإخبار، وليس فيه دلیل
على أنه فضل أن يكون قبره بالمدينة إلى القتل فى سبيل الله على صفة لا يقبر فيها،
وإنما قال ذلك ثلاث مرات لما علم من حاله إنه كان إذا قال قولاً كرر ثلاثًا، لعله أن
يريد بذلك الإفهام والبيان، والله أعلم.

٤١٧
....
کتاب الجهاد
ما تكون فيه الشهادة
١٠٤٢ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى
أَسْألُكَ شَهَادَةٌ فِى سَبِيلِكَ، وَوَقَةً بِبَلَدِ رَسُولِكَ.
الشرح: قوله رضى الله عنه: ((اللهم إنى أسألك شهادة فى سبيلك، ووفاة ببلد
رسولك)) دعاء منه رضى الله عنه بأن يجمع له بين الشهادة ظن والوفاء ببلد النبى
ليكون قبره بها، وهذا يقتضى تفضيله على سائر بقع مكة وغيرها، ولو كانت مكة
عنده أفضل لتمنى أن يقتل بها مسافرًا أو حاجًا، ولا يكون نقضًا لهجرته.
وقد علم من رأى عمر رضى الله عنه تفضيل المدينة، وقد أجمع المسلمون على أن
هذا الدعاء مستجاب وأنه رضى الله عنه شهيد، وهذا يقتضى أن من قتل على هذا
الوجه، وإن لم يقتل فى حرب ولا مدافعه، فإنه شهيه، والله أعلم.
١٠٤٣ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: كَرَمُ الْمُؤْمِنِ
تَقْوَاهُ، وَدِينُهُ حَسَّبُهُ، وَمُرُوءَتُ خُلُقُهُ، وَالْحُرَأَةُ وَالْحُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللَّهُ حَيْثُ شَاءً
فَالْجَبَانُ يَفِرُّ عَنْ أَبِهِ وَأُمِّهِ، وَالْحَرِىءُ يُقَاتِلُ عَمَّا لا يَقُوبُ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، وَالْقَبْلُ
حَتْفٌ مِنَ الْحُوفِ، وَالشَّهِيدُ مَنِ احْتَسَبَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ حُلَّ وَعَزَّ.
الشرح: قوله رضى الله عنه: (( كرم المؤمن تقواه)) يحتمل أن يكون من قوله تعالى:
﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]، يريد أن كرمه فى نفسه وفضله
تقواه الله تعالى.
وقد روى عن النبى ﴿) أنه قال: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف
ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»(١) فوصف كل واحد منهم بالكرم لما كانوا عليه
من التقوى.
وقوله رضى الله عنه: ((ودينه حسبه)) يريد أن انتسابه إلى الدين هو الشرف
والحسب الذى يخصه، فأما انتسابه إلى أب كافر على وجه الفخر به، فهو ممنوع،
١٠٤٢ - أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ٢٦٢/٥. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٦٢.
١٠٤٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٦٣.
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ٣٣٩٠، ٣٣٨٢، ٤٦٨٨. الترمذى حديث رقم ٣١١٦.
أحمد فى المسند حديث رقم ٥٦٧٩.

کتاب الجهاد
٤١٨
وانتسابه إلى أب صالح على أن له بذلك فضلاً لا بأس به غير أن انتسابه إلى دينه الذى
بخصه أتم فى الشرف والحسب.
وقوله رضى الله عنه: ((ومروءته خلقه)) يريد أن المروءة التى يحمل عليها الناس،
ويوصفون بأنهم من ذوى المروءات إنما هى معان مختصة بالأخلاق فى الصبر والحلم
والجود والمواساة والإيثار.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((والجرأة والجبن غرائز، يضعها الله حيث شاء)) يريد
أنها طبائع يطبع الله تعالى من شاء، ويضعها من الناس فيمن شاء، لا تختص بشريف
ولا وضيع ولا مؤمن ولا كافر ولا بر ولا فاجر، فقد توجد فى كل صنف من هذه
الأصناف.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((فالجبان يفر عن أبيه وأمه، والجرىء يقاتل عمن لا
يتوب إلى رحله)) على معنى التفسير لمعنى الجرىء والجبان، وأن ذلك إنما هو بالطبع
الذى طبع عليه لا باكتساب، ولا بتعلم، ولذلك يفر الجيان عن أبيه وأمه منع محبته
لهما، وحرصه على حياتهما، ويقاتل الجرىء على من لا يتوب إلى رحله، مع أنه لا
يلزمه أمره ولا یکاد یشفق عليه.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((والقتل حتف من الحتوف)) يريد أنه نوع من الموت
كالموت من المرض والموت بالغرق والموت بالهدم، فهو نوع من أنواع الموت، فيجب
أن لا يرتاع منه، فإن الموت لابد منه، وهو كله فظيع، فهذا نوع منه، فلا يجب أن
يهاب هيبة تورث الجبن، ثم قال: ((والشهيد من احتسب نفسه)) يريد من رضى بالقتل
فى طاعة الله رجاء ثواب الله تعالى.
العمل فى غسل الشهيد
١٠٤٤ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غُسِّلَ
وَكُفْنَ وَصُلّىَ عَلَيْهِ وَكَانَ شَهِيدًا يَرْحَمُهُ اللَّهُ.
١٠٤٥ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ الشُّهَدَاءُ فِى سَبِيلٍ
١٠٤٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٦٤.
١٠٤٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٦٥.

٤١٩
کتاب الجهاد
اللَّهِ لا يُغَسَّلُونَ وَلا يُصَلَّى عَلَى جَائِزِهِمْ وَإِنْهُمْ يُدْفَنُونَ فِى النِّيَابِ الْتِى قُتِلُوا فِيهَا.
قَالَ مَالِك: وَتِلْكَ السُّنَّهُ فِيمَنْ قُتِلَ فِى الْمُعْتَرَكِ، فَلَمْ يُدْرَكْ حَتَّى مَاتَ، قَالَ: وَأَمَّا
مَنْ حُمِلَ مِنْهُمْ فَعَاشَ مَا شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا عُمِلَ
بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
الشرح: قوله: ((غسل وكفن)) يريد غسل الميت المشروع، وقد تقدم فى كتاب
الجنائز من الاستيفاء والمنتقى أن الشهادة فضيلة تسقط فرض غسل الميت، واستئناف
كفنه، وتسقط فرض الصلاة عليه، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا يغسل،
ولكنه يصلى عليه. وقال سعيد بن المسيب والحسن البصرى: يغسل ويصلى عليه.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ما روى عن جابر بن عبد الله قال: كان
النبى ﴿لَّ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد فى ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذ
القرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما: قدمه فى اللحد، وقال: أنا أشهيد على هؤلاء يوم
القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يغسلون ولم يصل عليهم)).
ودليلنا من جهة المعنى أن هذا معنى يسقط فرض غسله، فوجب أن يسقط فرض
الصلاة عليه. أصل ذلك الخوف.
مسألة: وهذا لمن خرج مجاهدًا فى سبيل الله لا يختلف المذهب فى ذلك، وأما من
غزاه العدو فى قعر داره، فدفع عن نفسه فقتل، فقد قال ابن القاسم: يغسل ويصلى
عليه، وقال ابن وهب، وأشهب: لا يغسل ولا يصلى عليه.
وهذا إذا دفع عن نفسه. فأما لم يدفع وقتله العدو من غير مدافعة مثل أن يغلبوا
عليه فى منزله أو يقتل نائمًا أو يقتل بعد الأسر، فقد قال أشهب: يغسل ويصلى عليه.
وقال سحنون وأصبغ: لا يغسل، ولا يصلى عليه، وهذه كانت حال عمر رضى الله
عنه، فإنه فى حال غفلة لا فى قتال، ولا فى مدافعة، وقد غسل وصلى عليه بحضره
الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد، فثبت أنه إجماع.
فرع: وهذا إذا مات المقتول من هؤلاء فى موضع القتل، فأما من رفع من المعترك،
ثم مات بعد ذلك، فالمشهور من قول ابن القاسم أنه من لم ییق فیه إلا ما یکون منه فى
غمرة الموت، فإنه بمنزله من مات فى المعترك، ومن أكل بعد ذلك وشرب، فهو
کسائر الموتی یغسل ويصلى عليه.

کتاب الجهاد
٤٢٠
وقال سحنون: إن كل من به جرح لا يقتل قاتله إلا بقسامة فيغسل ويصلى عليه،
وإن كان به جرح يقتل قاتله من غير قسامة، فإنه لا يغسل، ولا يصلى عليه وعمر
رضى الله عنه كان قد أنفذت مقاتله، فعلى قول سحنون: هو بمنزله من قتل فى
المعترك، وكان يجب على أصله أن لا يغسل ولا يصلى عليه، ويجب على مذهب ابن
القاسم أن يغسل، ويصلى لمعنيين، أحدهما: أنه لم يقتل مدافعًا.
والثانى: أنه عاش بعد ذلك، وتكلم وشرب، وليست هذه شهادة تسقط فرض
الغسل والصلاة، فإن الشهداء كثير ويصلى عليهم، أى على جميعهم ويغسلون، إلا من
ذ کرناه.
ما يكره من الشىء فى سبيل الله
هكذا قال يحيى بن يحيى فى هذه الترجمة، وتابعه فى ذلك جماعة من أهل الموطأ،
ويحتمل أن يريد به أنه يكره الشىء الذى جعل فى سبيل الله يستعمل فى غيره، ويحتمل
أن يريد به أنه يكره أن يؤخذ على وجه التحيل، وعلى غير الوجه الذى يبيحه عليه من
جعله مثل ما فعل الرجل الذى قال لعمر: احملنى وسحيمًا.
وقال ابن بكير فى هذه الترجمة: باب ما يكره من الرجعة فى الشىء يحمل عليه فى
سبيل الله وتابعه عليه القعنبى. وذكره حديث الفرس الذى حمل عليه عمر رضى الله
عنه سبيل الله، ثم أراد أن يبتاعه(١).
١٠٤٦ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ يَحْمِلُ فِى
الْعَامِ الْوَاحِدِ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ بَعِيرٍ يَحْمِلُ الرَّحُلَ إِلَى الشَّامِ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَحْمِلُ
الرَّجْلَيْنِ إِلَى الْعِرَاقِ عَلَى بَعِيرٍ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالَ: احْمِلْنِى وَسُحَيْمًا
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أنشدتك اللّهَ أَسُحَيْمُ زِقٌّ؟ قَالَ لَّهُ: نَعَمْ.
الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب كان يحمل فى العام الواحد على أربعين ألف
بعير)) لكثرة من كان يحمله ممن يريد السفر، فلا يقدر على راحلة يركبها ويعجز عن
السفر مع حاجته إليه، إما لكونه من أهل الآفاق، فيعجز عن الرجوع إلى أفقه ووطنه
(١) یعنی حدیث عمر الذى سابق تخريجه فى كتاب الزكاة برقم ٦٨٩.
١٠٤٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٦٦.

........... ٤٢١
کتاب الجهاد
وأهله وولده، أو لغير ذلك من الوجوه التى لا يحصى عددها كثرة مما يضطر الإنسان
إلى السفر من أجلها.
فكان يحمل من كانت هذه حاله من أهل الحاجة، ولعله أن يكون كان يحمل من
يسعى فى أمور المسلمين ممن يتعذر عليه راحلة لسفره ذلك، فكان عمر بن الخطاب
يتخذ من الإبل ما يحمل عليه من مال الله تعالى، ويحمى لها الحمى.
فصل: وقوله: ((يحمل الرجل إلى الشام على بعير ويحمل الرجلين إلى العراق على
بعير)) قال الداودى: إنما ذلك ليسر أهل العراق، وقال غيره: إنما كان ذلك لكثرة العدو
بالشام، وحاجة الناس إلى الغزو فى تلك الجهة للجهاد.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: ويحتمل عندى أن يكون فعل ذلك؛ لأن طريق
العراق كانت أسهل وأعمر، وكان طريق الشام من المدينة أوعر وأشق وأخلى من
الناس، فكان من انقطع به فيها يتعذر عليه موضع مقام أو من يعين على بلاغ.
فصل: وقول العراقى له: ((احملنى وسحيمًا)) على وجه التورية والتحيل ليريه أن له
رفيقًا يسمى سحيمًا، فيدفع إليه البعير، فيأخذه العراقى، وينفرد بركوبه، وكان عمر بن
الخطاب رضى الله عنه ألمعيًا يصيب بظنه، فلا يكاد يخطئه، فسبق إلى ظنه أن سحيمًا
الذى ذكر هو الزق، فناشده الله ليخبره بالحق، فيعلم عمر صدق ظنه، فقال له الرجل
(نعم)).
وقد روى عن أبى هريرة عن النبى ﴿ أنه قال: «قد كان فيمن مضى قبلكم من
الأمم محدثون، فإن كان فى أمتى منهم فإنه عمر بن الخطاب))(١) يريد ﴿﴾ والله أعلم
من يلقى فى روعه الشىء، ويلهم إليه حتى كأنه يخبر به، فلا يخطئ ظنه.
الترغيب فى الجهاد
١٠٤٧ - مَالِك، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ٣٤٦٩، ٣٦٨٩. أحمد فى المسند حديث رقم ٨٢٦٣.
١٠٤٧ - أخرجه البخارى ٦٨/٤ كتاب الجهاد باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء عن
أنس. ومسلم ١٥١٨/٣ كتاب الإمارة باب ٤٩ رقم ١٦٠ عن أنس بن مالك. والترمذى
برقم ١٦٤٥، ١٧٨/٤ كتاب فضائل الجهاد وباب غزو البحر عن أنس بن مالك. والنسائى=

کتاب الجهاد
٤٢٢
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتٍ مِلْحَانَ
فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُّ حَرَّامٍ تَحْتَ عُبَادَةً بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ
يَوْمًا فَأَطْعَمَنْهُ، وَجَلَسَتْ تُفْلِى فِى رَأْسِهِ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَوْمًا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوّ
يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى ◌ُرِضُوا
عَلَىَّ غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللّهِ، يَرْكَبُونَ تَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُّوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ
الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، يَشُكُّ إِسْحَاقُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَّهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللّهُ أَنْ
يَحْعَلَنِى مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَتَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ
لَهُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةٌ فِى سَبِيلٍ
اللَّهِ، مُلُوكًا عَلَى الأسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، كَمَّا قَالَ فِى الأولَى، قَالَتْ:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ، قَالَ:
فَرَكِيَتِ الْبَحْرَ فِى زَمَانِ مُعَاوِيَةً فَصُرِعَتْ عَنْ دَأَتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ،
فَهَلَكَتْ.
الشرح: قال ابن وهب: أم حرام كانت حالة النبى
من الرضاعة، فلذلك كان
يقيل عندها، وينام فى حجرها، وتغلى رأسه(١).
=٤٠/٦ كتاب الجهاد باب فضل الجهاد فى البحر عن أنس بن مالك. وابن ماجه برقم
٢٧٧٦، ٩٢٧/٢ كتاب الجهاد باب غزو البحر عن أنس بن مالك. والبيهقى فى الكبرى
١٦٥/٩ عن أنس بن مالك. والبيهقى فى الدلائل ٤٥١/٦ عن أم حرام بنت ملحان.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣١٤/٦: هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ، فيما
علمت، جعلوه من مسند أنس بن مالك. ورواه بشر بن عمر الزهرانى عن مالك، عن
إسحاق، عن أنس، عن أم حرام بنت ملحان، قالت: استيقظ رسول الله ﴿، الحديث، جعله
من مسند أم حرام، هکذا حدث عنه به بندار محمد بن بشار.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣١٤/٦، ٣١٥: وأم حرام هذه حالة أنس بن مالك، أخت
أم سليم، بنت ملحان، أم أنس بن مالك، وأظنها أرضعت رسول الله ﴿﴾، أو أم سليم
أرضعت رسول الله ﴾، فحصلت أم حرام، حالة له من الرّضاعة، فلذلك كانت تغلي رأسه،
وینام عندها، و کذلك کان ینام عند أم سلیم، وتنال منه ما يجوز لذى المحرم، أن يناله من
محارمه، ولا يشك مسلم أن أم حرام، كانت من رسول الله ﴿ لمحرم فلذلك كان منها ما
ذکر فی هذا الحديث، والله أعلم.

٤٢٣
کتاب الجهاد
فصل: وقوله: ((فدخل عليها رسول الله ﴿﴿ فأطعمته، وجلست تفلى رأسه)) على
ما يفعله ذو المحارم ممن يزوره من ذى رحمه، ومن يكرم عليه، ويريد المبالغة فى
مواصلته من إطعامه مما عنده ثم اتباع ذلك بإماطة الأذى عنه، وإدخال الراحة عليه،
وإن أدى ذلك إلى مباشرة شعره وبعض جسده.
ويحتمل أن يكون ما أطعمته من مالها يسيرًا من كثير، فلذلك استجاز أكله،
ويحتمل أن يكون ما أطعمته من مال زوجها عبادة بن الصامت، وجاز له أكله لما علم
من حال عبادة بن الصامت أنه يسر بذلك، وقد يجوز للإنسان يمر بموضع فيه تمر أو
طعام لصديق مخلص له يعلم أنه يسر بما يأكل منه بحضرته ومغيبه أن يأكل منه.
ـّ ثم استيقظ، وهو يضحك)) وظاهر ذلك أن
فصل: وقوله: ((فنام رسول الله
ضحكه إنما كان من شىء رآه فى نومه أو تذكره عند يقظته، فسألته أم حرام عن
ذلك، وقالت: ((ما يضحكك يا رسول الله)) وعلمت أن ضحكه وسروره لا يكون إلا
من أمر فيه خير لأمته ﴿، فقال: ((ناس من أمتى عرضوا علىَّ)) يريد فى منامه ((غزاة
فى سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر)) يريد والله أعلم ظهره ((ملوكا على الأسرة أو
مثل الملوك)) يشك الرواى أيهما قال.
ويحتمل وجهين، أحدهما: أن يريد أن حالهم فى الدنيا حين ركوبهم ثبج البحر
حال الملوك على الأسرة فى صلاح أحوالهم، وسعة دنياهم، وقوتهم على العدو وكثرة
عددهم وسلاحهم وأسرتهم، وغير ذلك مما يحتاجون إليه فى غزوهم، وأنهم ليسوا
بحال ضيق ولا إقلال وأنه مع يسر ويضحك من حالهم، وهذا يدل على أنها حال
صلاح فى الدنيا مضافة إلى صلاح فى الدين، ولولا ذلك لما سر بها وَلا.
والوجه الثانى أنه يريد أنهم عرضوا عليه غزاة فى سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر،
وأنهم مع ذلك عرضوا عليه أو علم بحالهم فى الجنة ملوكًا على الأسرة كقوله تعالى،
فى أهل الجنة: ﴿على الأرائك متكئون﴾ [يس: ٥٦]. والأول أظهر.
فصل: وقولها: ((يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم)) يؤكد ما تقدم من أنها
سألت وتشفعت بالنبى ﴿﴿ أن يجعلها الله منهم، لما فهمت من أن سعيهم مقبول
وعملهم مبرور، وجهادهم مشكور، فإن حالهم فى الآخرة حال رضا ورضوان، فدعا
لها رسول الله ﴾ إشفاقًا لمن سأله الدعاء من أمته لاسيما بما يعود إلى صلاح الدين
ويتضمن هذا جوزا ركوب البحر للغزو والجهاد.

٤٢٤
کتاب الجهاد
قال القاضى أبو الوليد: والحج عندى يجب أن يكون مثله.
فصل: وقوله: ((وضع رأسه، فنام ثم استيقظ يضحك)) إلى قوله: ((ناس من أمتى
عرضوا على غزاة فى سبيل الله ملوكًا على الأسرة)) لم يذكر فى هذا الحديث جواز
ركوب البحر، ويحتمل أن يكون غزو هؤلاء فى غير البحر، فقالت أم حرام: ((ادع الله
أن يجعلنى منهم)) حرصًا على أن تنال أجر الغزوين، ويكون لها فضيلة الطائفتين، فقال
لها رسول الله له: ((أنت من الأولين)) إعلامًا لها بأنها لا تشهد غزوة الطائفة الثانية،
ولم يبين لها أن ذلك لموت يتعجل، ويمنع من لحاق الطائفة أو لمانع من حضور ذلك مع
بقاء حياتها.
ويحتمل أن يكون ﴿﴿ أوحى إليه، وأعلم بذلك كله غير أنه أظهر إليها من ذلك ما
أظهر، ولم يظهر لها أنها تموت قبل غزوة الطائفة الثانية، ويحتمل أن يكون لم يوح إليه
بأكثر مما أظهر إليها، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((فركبت البحر فى زمن معاوية بن أبى سفيان)) أهل السير يقولون:
إن غزوة معاوية هذه كانت فى زمن عثمان بن عفان، قال حنيفة بن خياط عن ابن
الكلبى: إن هذه الغزوة لمعاوية كانت سنة ثمان وعشرين.
وقال الزبير بن بكار: ركب معاوية البحر غازيًا بالمسلمين فى خلافة عثمان إلى
قبرس، ومعه أم حرام زوجة عبادة بن الصامت، فركبت بغلتها حين خرجت من
السفينة فصرعت، فماتت ورواية أهل السير لا يعتمد عليها أهل الحديث.
وظاهر قوله: ((فى زمن معاوية)) يقتضى فى وقت إمارته وخلافته، وهو الأظهر.
ورواية أئمة الحديث أصح، ولو صح ما يقوله أهل السير لجاز أن يريد بقوله: ((فى زمن
معاوية)) أى فى وقت ولايته على الشام، وذلك كان فى زمن عمر إلى آخر زمن عثمان
وبعده، وهذه فضيلة لمعاوية أبى سفيان إذا أخبر النبى 48 بفضيلة قوم غزاة هو منهم
حتی تمنت أم حرام أن تكون منهم، وسألت الدعاء بذلك، وأجابها إليه، ودعا لها به.
فصل: وقوله: ((فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت)) فكان هذا
تحقيقًا لقول النبى ﴿لَّه أنها من الأولين، وتبينًا أن المانع لها أن تكون من الآخرين أن
عمرها ينقضى قبل ذلك، وهذا من أعلام نبوته الواضحة أن يعلم بالأشياء على وجهها
قبل أن تكون، ثم تكون على حسب ذلك لا تخرم عنه، ويتكرر ذلك منه ﴿﴿ تكررًا
يوجد فى أكثر الأحوال، وكل من يتعاطى تكهنّا بتنجيم أو غيره، فإن الأغلب عليه

........ ٤٢٥
کتاب الجهاد
الخطأ، وإن أصاب فى بعض الأشياء على ما يفعل الظان والمخمن والحازر، والحمد
رب العالمين.
١٠٤٨ - مَالِكِ، عَنْ يَحْمَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لَأَحْبَيْتُ أَنْ لا أَتَخَلْفَّ عَنْ سَرِيَّةٍ
تَخْرُجُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنِّى لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلا يَحِدُونَ مَا يَتْجَمُّلُونَ
عَلَيْهِ، فَيَخْرُجُونَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلّفُوا بَعْدِى، فَوَدِدْتُ أَنِّى أَقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
فَأَقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ)(١).
الشرح: قوله: ((لولا أن أشق على أمتى لأحبيت أن لا أتخلف عن سرية)» يقتضى
إشفاقه على أمته، والجرى إلى الرفق بهم، والاجتناب لما یشق عليهم، وتر که كثيرًا من
عمل البر، خوفًا أن يتكلفوا منه ما لا يطيقون أو يشق عليهم القعود عن مثله عجزًا
عنه، وعدم ما يتوصل إليه، وذلك يدل على أن الجهاد ليس بفرض على الأعيان، ولو
تعین علیه فرض الجهاد لما جاز له أن يتخلف عنه لعجز غيره عنه.
فصل: وقوله : ((فوددت أنى أقاتل فى سبيل الله فأقتل)) تمنّ للشهادة وأعمال
البر.
وقوله : ((ثم أحيا فأقتل)) تمن من الخير لما علم أنه لا يكون؛ لأن الإحياء بعد
الموت فى الدنيا معلوم أنه لا يكون، وقد تمنى ﴾ إعلامًا بدرجة الشهادة وتحريضًا
لأمته عليها وإعلامًا لهم بما فيها.
١٠٤٨ - أخرجه البخارى فى الإيمان ٣٥، الجهاد والسير ٢٥٨٨، ٢٧٥٠، التمنى ٦٦٨٥،
٦٦٨٦. ومسلم فى الإمارة ٣٤٨٤، ٣٤٨٥. والنسائى فى الجهاد ٣٠٤٥، ٣٠٩٨، ٣٠٩٩،
النكاح ٣١٥١، ٣١٥٢. وابن ماجه فى الجهاد ٢٧٤٣، ٢٧٥٣. وأحمد فى باقى مسند
المكثرين ٦٨٦٠، ٧٠٤١، ٧٧٨٣، ٨٦٢١. ٩١١١، ٩٧٤٢، ٠١٠١١٩،١٠٠٣٨
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٢٦/٦: فى هذا الحديث دليل على أن الجهاد ليس بفرض
معين على كل أحد فى خاصته، ولو كان فرضا معينا ما تخلف رسول الله ﴿﴿ ولو شق على
أمته؛ والجهاد عندنا بالغزوات والسرايا إلى أرض العدو فرض على الكفاية، فإذا قام بذلك من
فيه كفاية ونكاية للعدو، سقط عن المتخلفين؛ فإذا أظل العدو بلدة مقاتلا لها، تعين الفرض
علی کل أحد حينئذ فى خاصته على قدر طاقته خفيفا وثقيلا، شابا وشیخا، حتى يكون فيمن
یکاثر العدو کفایة بهم.

٤٢٦
....
کتاب الجهاد
١٠٤٩ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿: (مَنْ يَأْتِى بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأنْصَارِىِّ؟) فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ،
فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَى، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ لَهُ
الرَّجُلُ: بَعْثَنِى إِلَيْكَ رَسُولُ اللِّ ﴿ لآتِيَهُ بِخَبَرِكَ، قَالَ: فَاذْهَبْ إِلَيْهِ فاقرئه مِنِّى
السَّلَامَ وَأَخْبِرُهُ أَنّى قَدْ طُعِنْتُ اثْنَشَىْ عَشْرَةً طَعْنَةٌ، وَأَنِى قَدْ أَنْفِذَتْ مَقَاتِلِى وَأَخْبِرْ
قَوْمَكَ أَنّهُ لاَ عُذْرَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ حَى(١).
الشرح: قوله : ((من يأتينى بخبر سعد بن الربيع)) اهتبال منه ﴿3﴾ بأصحابه، وبحثه
عن من فقد منهم بعد الموت ليعلم ما خبره، وما الذى غيبه، وإن كان أصيب أو سلم،
فانتدب الرجل ليحرز طاعة النبى ﴾ والمبادرة إلى ما يرغبه، وإن لم يعينه بالأمر وذهابه
بين القتلى لطلب سعد بن الربيع؛ لأن الظاهر أن من فقد فى ذلك الوقت، وفى مثل
تلك الحال أنه قتل أو ثخن بالجراح، فبادر إلى طلبه حيث ظن أنه يجده.
وقول سعد بن الربيع له: ((ما شأنك)) لعله قد توقع أن يكون أرسل للبحث عن
خبره أو خبر غيره، فيوصى معه بما أراد أن يوصى به إلى قومه، فأمره أن يقرئ النبى
وَّ سلامه لما اعتقد أنه لا يلقاه، وأن يخبره بما جرى عليه من عدد الطعان وإنفاذ
المقاتل.
وفى ذلك إعلام بفوات لقائه، ولعله قصد بذلك استدعاء ترحمه عليه واستغفاره
١٠٤٩ - أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢١/٣. البيهقى فى دلائل النبوة ٢٨٥/٣. وذكره الزبيدى
فى الإتحاف ٣٣٠/١٠ عن يحيى بن سعيد. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٦٩.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٢٧/٦: هذا الحديث لا أحفظه ولا أعرفه إلا عند أهل
السير، فهو عندهم مشهور معروف. ذكره ابن إسحاق قال: لما انصرف أبو سفيان ومن معه
8: (من رجل ينظر لى
من أحد ووجهوا إلى مكة، فزع الناس إلى قتلاهم؛ فقال رسول الله
ما فعل سعد بن الربيع، أفى الأحياء هو أم فى الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك
يا رسول الله ما فعل، فنظر فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق، قال: فقلت له: إن رسول الله
وَّ أمرنى أن أنظر أفى الأحياء أنت أم فى الأموات؟ قال: أنا فى الأموات، فأبلغ رسول الله
◌َّ عنى السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته؛
وأبلغ قومك عنى السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله إن
خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات؛ قال: فجئت إلى رسول الله
﴾ فأخبرته خبره)».

٤٢٧
کتاب الجهاد
ورضاه عنه، ثم أوصى إلى قومه بأن يفدوا النبى ﴿3﴾ بأنفسهم، وأن لا يوصل إليه،
ومنهم حى وإن من حى منهم بعد ذلك، فلا عذر له عند الله. وهذا يقتضى أنه كان
يجب على المسلمين وقايته 49 بأنفسهم وبذلها دونه.
١٠٥٠ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ رَغْبَ فِى الْجِهَادِ
وَذَكَرَ الْجَنَّةَ() وَرَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِاَ) يَأْكُلُ تَمَرَاتٍ فِى يَدِهِ، فَقَالَ: إِنِّى لَحَرِيصٌ عَلَى
الدُّنْيَا إِنْ جَلَسْتُ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْهُنَّ، فَرَمَى مَا فِى يَدِهِ، فَحَمَلَ بِسَيْفِهِ، فَقَاتَلَ خَتَّى
قُتْلَ.
الشرح: قوله: ((إنه ﴿﴿ رغب فى الجهاد)) تنبيهًا منه فى تجديد ذلك عند حضور
القتال، وتذكيرًا للناس بفضائل الجهاد، وترغيبًا لهم فى إحراز أجره، والصبر على شدة
الحرب، وما عسى أن يؤدى إليه من جراح أو شهادة، فأكد ذلك بأن شوقهم إلى
الجنة بأن وصف ما أعد الله فيها للمجاهد فى سبيله لاسيما لمن أكرمه الله بالشهادة.
فصل: وقوله: ((ورجل من الأنصار يأكل تمرات فى يده) ذكر أهل السير أن ذلك
كا. حمله تصديقه له
الرجل هو عمير بن الحمام الأنصارى السلمی ما ذکر به النبى
وتثبته لما قاله على أن طرح تمرات فى يده كان يأكلها، ورأى أن اشتغاله بأكلها عن
المبادرة إلى الشهادة المؤدية إلى ما وصف النبى وال﴾ من الجنة حرص على الدنيا واشتغال
· بيسير متاعها عن عظيم ما أعد الله تعالى لأوليائه، فطرحها وحمل بسيفه، وذكر أهل
السير أنه حمل، وهو يقول:
ركضًا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد
والصبر فى الله على الجهاد
وقد ذكر أهل السیر أن هذا کان یوم بدر، وقد کان مع النبى څ﴾ جماعة أصحابه،
وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، فيحتمل أن يكون حمل عمير هذا مع جماعة الناس، ويحتمل
١٠٥٠ - أخرجه البخارى بنحوه ٢١٥/٥ كتاب المغازى باب غزوة أحد. ومسلم ١٥٠٩/٣ كتاب
الإمارة باب ٤١ رقم ١٤٣ باب ثبوت الجنة للشهيد عن جابر. البيهقى فى السنن الكبرى
٤٣/٩. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٧٠.
(*) فى حديث أنس أن رسول الله ﴾ قال يوم بدر: ((قوموا إلى جنة عرضها السموات
والأرض ... )) الحديث. قاله السيوطى فى تنوير الحوالك ٣٠٩/١.
(*) قال السيوطى: هو عمير بن الحمام كما فى حديث أنس. وذكره ابن إسحاق وغيره.

کتاب الجهاد
٤٢٨
أن يكون انفرد بالحمل على جماعة من المشركين، وهذا جائز أن يحمل الرجل وحده
على الكتيبة لاسيما من علم من نفسه شدة وقوة، وكان من أصحابه من العدد ما يعلم
أنهم محتمون دونه.
وقد روى عن مالك أنه قال: يجوز للرجل إذا علم من نفسه قوة وغناء أن يبرز إلى
الجماعة، ولا يكون له تهلكة، وأما من كان رأس الكتيبة، وعلم أنه إن أصيب هلك
من معه من المسلمين، فالصواب له أن لا يتعرض للقتال إلا أن يضطر إليه؛ لأن فى بقائه
بقاء المسلمين.
١٠٥١ - مَالِك، عَنْ يَحْثَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: الْغَزْوُ غَزْوَانِ
فَغَرْوٌ تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِمَةُ، وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ، وَيُطَاعُ فِيهِ ذُوَ الأَمْرِ، وَيُخْتَنَبُ فِيهِ
الْفَسَادُ، فَذَلِكَ الْغَزَّوُ خَيْرٌ كُلُّهُ، وَغَزْوٌ لاَ تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيِمَةُ، وَلا يُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ،
وَلا يُطَاعُ فِيهِ ذُو الْأَمْرٍ، وَلا يُخْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ، فَذَلِكَ الْغَزْوُ لا يَرْجِعُ صَاحِبُهُ
کَفَافًا.
الشرح: قوله رضى الله عنه: ((تنفق فيه الكريمة)) يريد كرائم الأموال، ويحتمل أن
يريد به حلال المال دون خبيثه، ودون ما فيه شبهة، ويحتمل أن يريد به كثيره إذا أراد
بالنفقة النفقة على نفسه والصدقة، ويحتمل أن يريد بالكريمة أفضل المتاع مثل أن يغزو
على أفضل الخيل وأسبقها، ويقتنيها لذلك.
وكذلك يغزو بأفضل السلاح والآلة، فيكون إنفاقها فى سبيل الله ابتياعها لذلك،
ويكون استعمالها فى ذلك حتى يعطب الفرس، وتفنى الآلة والسلاح، وقد يحتمل أن
١٠٥١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٧١، وقال: هذا الحديث مرفوع إلى النبى
بإسناد حسن: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: وحدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود،
قال: حدثنا حيوة بن شريح الحضرمى، قال: أخبرنا بقية، قال: حدثنا بحير بن سعد، عن خالد
ابن معدان، عن أبى بحرية، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﴿﴿ أنه قال: ((الغزو غزوان فأما
من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه
ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد فى الأرض، فإنه لم
يرجع بالكفاف)). الحديث أخرجه الإمام أحمد، واللفظ له، فى المسند حديث رقم ٢١٥٣٧.
النسائی فی الصغری حدیث رقم ٣١٨٨. أبو داود حديث رقم ٢٥١٥. الدارمى حديث رقم
٢٤١٧.

٤٢٩
کتاب الجهاد
يريد بإنفاق الغازی ذلك فى سبيل الله أن يحبس فى سبيل الله أفضل ما يغزو به معه من
ذلك.
فصل: وقولها: ((ويباسر فيه الشريك)) میاسرته يريد موافقته فى رأيه مما يكون طاعة
ومتابعته عليه وقلة مشاحاته فيما يشاركه فيه من نفقة أو عمل وطاعة ذى الأمر امتثال
أمر الأمير بأن يمتنع مما يمنع منه ويمتثل ما يأمر به من الطاعة لله، ويجتنب مع ذلك
الفساد فيما لا يعود بموافقة الشريك، ولا تقدم للإمام فیه أمر ولا نھی.
مسألة: وهل له أن يبارز بغير الإمام. وقوله ((فذلك الغزو خير كله)) يريد أنه خير
لصاحبه فى الآخرة، وطاعة لله وقربة.
فصل: قوله: ((وغزو لا تنفق فيه الكريمة، ولا يياسر فيه الشريك، ولا يجتنب فيه
الفساد)) على حسب ما تقدم، ((فذلك الغزو لا يرجع كفَافًا)) يريد أنه لا يبقى سعيه
وغزوه بما يكسبه من المآثم.
ما جاء في الخيل والمسابقة بينها والنفقة في الغزو
١٠٥٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ:
(الْخَيْلُ فِى نَوَاصِيهَا الْغَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
الشرح: قوله : ((الخيل فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة)) يريد والله أعلم،
الأجر والغنيمة. وقد روى ذلك من طريق عبد الله عنه ﴿﴿ أنه قال: ((الخيل فى
نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والغنيمة))(*) وهذا حض على ارتباطها فى سبيل
الله واتخاذها للجهاد.
وقوله: ((إلى يوم القيامة))، دليل على أن ذلك ياق إلى يوم القيامة، وأن الإسلام لا
١٠٥٢ - أخرجه البخارى فى الجهاد والسير ٢٦٣٧. ومسلم فى الإمارة ٣٤٧٨. والنسائى فى
الخيل ٣٥١٥. وابن ماجه فى الجهاد ٢٧٧٧. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٤٣٨٧،
٤٥٨٥، ٤٨٥٦، ٤٩٥٣، ٥٥٠٨، ٠٥٦٤٨ والبيهقى فى الكبرى ٨١/٤ عن أبى هريرة.
والطبرانى فى الكبير ٣٠٦/٨ عن أبى أمامة. والبغوى فى شرح السنة ٣٨٥/١٠ عن ابن
عمر.
(*) أخرجه مسلم حديث رقم ١٨٧٢. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٣٥٧٢. أحمد فى
المسند حديث رقم ١٨٧١٤.

کتاب الجهاد
٤٣٠
يذهب جملة، ولا يغلب عليه حتى لا يبقى من أهله من يجاهد عن الدين، ويدل أيضًا أن
أهل الكفر، ومن يجاهد على الدين لا يخلو منهم وقت إلى يوم القيامة، فهذا اللفظ إلا أن
يرد تخصيصه ببعض الأزمان، فقد روى عن ابن عباس أنه قال فى تأويل قوله تعالى:
﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾(١) [محمد: ٤].
١٠٥٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾ سَابَقَ بَيْنَ
الْخَيْلِ الْتِى قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحُفْيَاءِ(١) وَكَانَ أَمَدُهَا نَّةَ الْوَدَاعِ(٢) وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ
الَّتِى لَّمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِى زُرَيْقٍ(٢) وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ مِمَّنْ
سَابَقَ بهَا.
الشرح: قوله: ((سابق بين الخيل التى أضمرت من الخفياء إلى ثنية الوداع)) قال محمد
ابن عبد الحكم: فى هذا دليل على إجازة الإضمار، وذلك لا يكون إلا منع بعض العلف
واستجلاب العرق.
وقال موسى بن عقبة: بين الحفياء وثنية الوداع ستة أميال أو سبعة، ومن الثنية إلى
مسجد بنى زريق ميل ونحوه، وهذا نص فى مجاوزة المسابقة بين الخيل لما فى ذلك من
تدريبها على الجرى والسبق، وتدريب من يسابق بها، ولما يبعث عليه من الاجتهاد فى
ذلك والمبالغة فيه لما جبلت عليه النفوس من الحرص على الغلبة.
(١) لم يوضح المصنف ما قاله ابن عباس فى ذلك. المحقق.
١٠٥٣ - أخرجه البخارى فى الصلاة ٤٠٣. ومسلم فى الإمارة ٣٤٧٧. والترمذى فى الجهاد
١٦٢١. والنسائى فى الخيل ٣٥٢٥، ٣٥٢٦. وأبو داود فى الجهاد ٢٢١١، ٢٢١٢،
٢٢١٣. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٤٢٥٧. والدارمى فى الجهاد ٢٣٢٢.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٣٥/٦: هكذا رواه جماعة أصحاب الموطأ عن مالك، لم يختلفوا
عليه فى إسناده، واختلفوا عنه فى بعض ألفاظه؛ فكان ابن بكير يقول: سابق بين الخيل التى لم
تضمر من الثنية التى عند مسجد بنى زريق، وخالفه جمهور الرواة، منهم: ابن القاسم والقعنبى
وابن وهب، فرورا كما روى يحيى من الثنية إلى مسجد بن زريق؛ وفى ألفاظ أصحاب نافع،
وألفاظ الرواة عنه فى هذا الحديث اختلاف.
(١) الحفياء بفتح الحاء وسكون الفاء: موضع خارج المدينة، بينه وبين ثنية الوداع ستة أميال أو
نحوها.
(٢) أمدها ثنية الوداع: أى غايتها إلى ثنية الوداع، وهو موضع خارج المدينة أيضا سمى بذلك
لأن الخارج من المدينة يمشى معه المودعون إليها، وهى فى طريق مكة.
(٣) بنى زريق: بضم الزاى وفتح الراء وسكون الياء: اسم قبيلة من الأنصار بينها وبين الثنية
ميل واحد.

.............. ٤٣١
کتاب الجهاد
فإذا سابق غيره كان اجتهاده لنفسه وفرسه واجتهاده أكثر من إجهاده واجتهاده إذا
انفرد بالجرى، وليس تعرف العرب المسابقة إلا بين الخيل والإبل، وكذلك فى الإسلام
قاله محمد بن عبد الحكم. وقد سابق رسول الله وَّه بين الخيل والإبل، ولا أعلم أنه
سابق بین غيرها.
فصل: وليس فى الحديث ما يدل على أنه كان بين تلك الخيل سبق، أخرجه أحد
المتسابقين أو غيرهم، وذلك لا يخلو من أحد حالين. وأما أن يكون السبق أخرجه غير
المتسابقين أو أحدهم، فإن أخرجه غيرهم كالإمام وغيره أنه لمن سبق، فلا خلاف فى
جوازه.
مسألة: وإن أخرجه أحد المتسابقين، فإن ذلك على وجهين، أحدهما: أن يخرجه
ويسابق على أنه إن سبق غيره، فهو للسابق، وإن سبق هو لم يكن له، ويكون للذى
يليه، فهذا أيضًا مما أجازه مالك وأكثر العلماء.
فرع: فإن لم يكن معه إلا فارس واحد، فسبق المخرج لم يرجع إليه الطعام، وكان
لمن حضر، رواه ابن مزين عن مالك.
مسألة: والوجه الثانى أن يخرجه المتسابقين على أنه سبق غيره، فهو للسابق وإن
سبق المخرج، فهو له، هذا كرهه مالك، ورواه ابن المواز عن ابن القاسم: لا خير فيه،
وروی أصبغ عن ابن وهب إجازته، ورواه ابن وهب عن مالك.
فصل: وقوله: ((وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها)) يحتمل أن يريد به التى
سابقت من الثنية إلى مسجد بنى زريق، وليس فى الراكبين حد من صغر ولا كبر ولا
خفة ولا ثقل ولیختر کل إنسان لر کوب دابته من أحب، وأمکنه، و کتب عمر بن عبد
العزيز: لا تحملوا على الخيل إلا من احتلم.
١٠٥٤ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَّبِ يَقُولُ: لَيْسَ
بِهَانِ الْخَيْلِ بَأْسٌ إِذَا دَخَلَ فِيهَا مُخَلِّلٌ، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ السَّبَقَ، وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَكُنْ
عَلَيْهِ شَىْءٌّ(١).
١٠٥٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٧٤.
(١) قال فى الاستذكار ٣١١/١٤ - ٣١٣: أنكر مالك العمل بقول سعيد، ولم يعرف
المحلل، ولا يجوز عنده أن يجعل المتسابقان سبقين يخرج كل واحد منهما سابقًا من قبل نفسه=

٤٣٢
...
کتاب الجهاد
الشرح: قوله: ((ليس برهان الخيل بأس)) يريد المسابقة.
وقوله: ((إذا كان بينهما محلل)) سماه محللاً؛ لأنه بدونه لم تجز المسابقة بينهما على
شىء يخرجه كل واحد منهما، وإن أخرج أحدهما سبقًا، وكان بينهما محلل إن سبق
أخذ، وإن سبق لم يكن عليه شىء، فهذا أجازه ابن المسيب. قال ابن المواز: وهو قياس
قول مالك الآخر. قال محمد: وبه آخذ، والمشهور عن مالك منعه.
=على أن من سبق منهما أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه. هذا لا يجوز عنده بمحلل ولا بغير
محلل، إنما السابق عنده أن يجعل السبق، أحدهما كالسلطان، فمن سبق أخذه، لا غير. وقد
روى عن مالك مقل قول سعيد بن المسيب، والأشهر عنه ما ذكرنا. وأجمع سائر العلماء على
أنه لا يجوز أن يجعل كل واحد منهما سبقه إلا أن يكون سبقهما فرس ثالث، لا يجعل شيئًا،
وهو مثلهما فى الأغلب، وهو الذى يدعى المحلل، فإن كان ذلك، فهو الذى اختلف فيه
العلماء قديمًا وحديثًا. فقال مالك ما وصفنا. وقال الشافعى: الأسباق ثلاثة: سبق يعطيه الوالى
أو الرجل غير الوالى من ماله متطوعًا به فيجعل للسابق شيئًا معلومًا ممن سبق أحرز ذلك
السبق، وإن شاء الوالى أو غيره، جعل أيضًا للمصلى، والثانى والثالث شيئًا شيئًا، فذلك كله
حلال لمن جعل له. والثانى: أن يريد الرجلان أن يتسابقا بفرسيهما ويريد كل واحد منهما أن
يسبق صاحبه، ويخرجا سبقين، فهذا لا يجوز إلا بمحلل بينهما، يكون فارسًا لا يأمنان أن
يسبقهما، فإن سبق المحلل، أخذ السبقين، وإن سبق أحد المتسابقين، أحرز سبقه وأخذ سبق
صاحبه، وإن سبق الاثنان الثالث، كانا كمن لم يسبق واحد منهما، ولا يجوز حتى يكون
الأمر واحدًا، والغاية واحدةً. قال: ولو كانوا مائة فأدخلوا بينهم محللاً، فكذلك. والثالث: أن
يسابق أحدهما صاحبه، ويخرج السبق وحده، فإن سبقه صاحبه أخذ السبق، وإن سبق صاحبه
أحرز السبق. وهذا فى معنى الوالى. قال: ويخرج المتسابقان ما يتراضيان عليه ويتواضعونه على
يدى رجلٍ. وأقل السبق يسبق بالهادى أو بعضه أو بالكفل أو بعضه. وقول محمد بن الحسن
فى هذا كقول الشافعى. قال محمد بن الحسن وأصحابه: إذا جعل السبق واحدة، فقال: إن
سبقتنى، فلك كذا وكذا، ولم يقل: إن سبقتك، فعليك كذا وكذا، فلا بأس. ويكره أن
يقول: إن سبقتك، فعليك كذا، وإن سبقتنى، فعلى كذا. هذا لا خير فيه، وإن قال رجل
غيرهما: أيكما سبق، فله كذا، فلا يأس، وإن كان بينهما محلل إن سبق، فلا يغرم، وإن سبق
أحد فلا بأس، وذلك كان يسبق ويسبق. وقالوا: ما عدا هذه الثلاثة الأسباق فيه قمارٌ، وأجاز
العلماء فى غير الرهان السبق على الأقدام. وهذا مأخوذ من خبر سلمة بن الأكوع أنه سابق
بين يدى رسول الله ﴾ مع الأنصارى. وسابق رسول الله ﴿ل عائشة فسبقها، فلما أسن
سابقها فسبقته، فقال: ((هذه بتلك)). وأما السبق فى الرهان، فلا يجوز إلا فى ثلاثة أشياء: هى
الخف، والحافر، والنصل. وفیه حدیث احتاج الناس فیه إلى ابن أبی ذئب، رواه عنه الثوری،
وابن عيينة، والقعنبى وغيرهم، عن نافع ابن أبى نافع، عن أبى هريرة، أن النبى ﴿ قال: ((لا
سبق إلا فی خف، أو نصل، أو حافر)».

٤٣٣
کتاب الجهاد
مسألة: وليس من شرط هذا الرهان أن يعرف كل واحد من المتراهنين جرى فرس
صاحبه، ولا صفة الراكب من ثقل وخفة، وإنما ذلك على حسب ما يتفق.
١٠٥٥ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَرُبِىَ، وَهُوَ يَمْسَحُ
وَجْهَ فَرَسِهِ بِدَائِهِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: (إِنِّى عُوِبْتُ﴾اللّيْلَةَ فِى الْخَيْلِ).
الشرح: مسحه . وجه فرسه بردائه على سبيل الإكرام له، والمبالغة فى مراعاته،
والإحسان إليه، وإنما سئل عن ذلك لما لم يعهد منه مثل هذا، فقال ﴿9: ((إنى عوتبت
الليلة فى الخيل))(١) وهذا يقتضى أنه إنما عوتب فى المبالغة فى مراعاتها والتعاهد لها
والإحسان لما خصها الله به من أن جعلها سبًا للخير من الأجر والمغنم عونًا عليه.
١٠٥٦ - مَالِك، عَنْ حُمَيْدٍ الطَِّيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾
حِينَ خَرَجَ إِلَى خَيْرَ أَتَاهَا لَيْلًا، وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلِ لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَلَمَّا
أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوَهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ
وَالْخَمِيسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ه: (اللّهُ أَكْبُ خَرِبَتْ خَيْرُ، إِنَّا إِذَا بَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ
﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾)) [الصافات:" ١٧٧].
الشرح: قوله: ((أن رسول الله ﴿﴿ حين خرج إلى خيبر أتاها ليلاً) يحتمل أن يكون
﴾ قصد ذلك ليستتر المسلمون فى مكانهم، فإذا أصبح خرج من اليهود من جرت
١٠٥٥ - أخرجه البخارى فى الصلاة ٣٥٨، الجهاد والسير ٢٧٢٦. ومسلم فى الجهاد والسير
٣٣٦٠. والترمذى فى السير ١٤٧٠. والنسائى فى المواقيت ٥٤٤، النكاح ٣٣٢٥، الصيد
والذبائح ٤٢٦٣. وأحمد فى باقى مسند المكثرين ١١٦٣٥، ١٢٢٠٨، ١٢٦٦٥، ١٣٠٨٦،
٠١٣٢٧٢
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٤٣/٦: هكذا هذا الحديث فى الموطأ عند جماعة رواته فيما
علمت، وقد روى عن مالك مسندا عن يحيى بن سعيد، عن أنس، ولا يصح.
(١) قال السيوطى: فى رواية أبى عبيدة فى إذالة الخيل وله من مرسلاعبد الله بن دينار،
وقال: ((إن جبريل بات الليلة يعاتبنى فى إذالة ... )) أى امتهانها. انظر: تنوير الحوالك ٣١١/١.
١٠٥٦ - أخرجه البخارى كتاب المغازى ٢٧٥/٥ عن أنس. ومسلم ١٠٤٣/٢، ١٠٤٤ برقم ٨٤
كتاب النكاح عن أنس. والنسائى ١٣٢/٦ عن أبى طلحة. والبيهقى فى الكبرى ٢٣٠/٢ عن
أنس. وابن أبى شيبة ٤٦١/١٤ عن أنس. والبيهقى فى الدلائل ٢٠٣/٤ عن أنس. وذكره
الهيثمى فى المجمع ١٤٩/٦ وعزاه لأحمد والطبرانى عن أبى طلحة. وأحمد عن أنس ١٠٢/٣.

کتاب الجهاد
٤٣٤
عادته بالخروج، فيظفر بهم، ويحتمل أنه أراد أن يأتى ليلاً ليعلم بقاءهم على كفرهم
بتركهم الأذان وانتقالهم عنه بالأذان قبل أن ينذروا، ويحتمل أن يكون قصد بذلك
الرفق بأصحابه ليقيهم بذلك حر الشمس ووهج الحر، والله أعلم بذلك.
فصل: وقوله: ((وكان إذا أتى قوما بليل)) يحتمل أن يكون كان يفعل ذلك ﴿لَّ لأن
الليل ليس بوقت إغارة لاسيما فيما يقرب من الحصون والقرى؛ لأن من خشى أن يغار
عليه يبيت فيها، فلا يظفر به، فإذا خرج عند الصباح وانتشرت العمال وسائر الناس
المتصرفين أغار حينئذ ليظفر بهم أو ببعضهم، ويحتمل أن يكون كان يفعل ذلك تثبتًا،
فإن سمع اذانًا عند الصباح أمسك، وإن لم يسمعه أغار.
مسألة: وليس فى هذا الحديث ذكر الدعوة إلى الإسلام قبل القتال، ويحتمل أن
يكون ذلك، ولم ينقل إلينا. وقد روى أبو حازم عن سهل بن سعد، قال يوم خيبر
لعلى بن أبى طالب: ((انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام
وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لإن يهدى الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك
حمر النعم)»(٢).
ويحتمل أن يكون ترك الدعوة لما تقدم من دعائهم، وعلم من عنادهم وإصرارهم.
وقد اختلف العلماء فى هذا، فقال مالك: أحب إلى أن يدعى العدو قبل القتال، بلغتهم
الدعوة أو لم تبلغهم، إلا أن يعجلوا، سواء قربوا أو بعدوا. وقال عنه ابن القاسم: لا
يبتوا حتى يدعوا. وقال ابن الماجشون عن مالك: لا يدعى من قرب من الدرب مثل
طرسوس والمصيصة.
وروى ابن حبيب عن المدنيين من أصحاب مالك: إنما الدعوة اليوم فيمن لم يبلغه
الإسلام ولا يعلم ما يقاتل. فأما من بلغه الإسلام، وعلم ما يدعى إليه وحارب
وحورب كالروم والإفرنج ممن دانى أرض الإسلام، وعرفه، فالدعوة فيهم ساقطة. قال
ابن حبيب: فيجب أن يغار عليهم وينتهز فيهم الفرصة، وقد بعث النبى ﴿3﴾ من يقتل
كعب بن الأشرف وابن أبى الحقیق.
فوجه القول الأول، وهو رواية ابن القاسم ما روى أن على بن أبى طالب رضى الله
عنه قال للنبى ﴿لَ﴾ يوم خيبر: ((يا رسول الله، نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال رسول
(*) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٩٤٢، ٣٠٠٩، ٣٧٠١، ٤٢١٠. مسلم حديث رقم
٢٤٠٦. أبو داود حديث رقم ٣٦٦١. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٣١٤.