النص المفهرس

صفحات 1961-1980

٣٩٥٠
.....
کتاب الجهاد
فأجاب بنفى الصدقة عن الخيل اقتضى ذلك أن البراذين عنده من الخيل، وإلا كان مجيبًا
عن غير ما سئل عنه، وهذا لا يجوز، فثبت بذلك أن البراذين من جملة الخيل، واسم
الخيل يتناولها، ولذلك فهم من سعيد بن المسيب نفى الزكاة عن البراذين بنفيها عن
الخيل، والله أعلم.
*.
*
ما جاء فى الغلول
قال ابن قتيبة: سمى غلولاً؛ لأن من أخذه كان يغله فى متاعه أى يدخله فى
أضعافه، ومنه سمى الماء الجارى من الشجر غللاً. وقال يعقوب: يقال فى المغنم غل
یغل، وغل یغل إذا خان.
١٠٣٠ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه
حِينٌ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ، وَهُوَ يُرِيدُ الْحِرَّانَةَ، سَأَلَهُ النَّسُ حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقْتُهُ مِنْ
شَحَرَةٍ، فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ حَتّى نَزَعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: ((رُدُّوا عَلَىَّ
رِدَائِى، أَتَخَافُونَ أَنْ لا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَقَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ
اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرٍ تِهَامَةَ نَعَمَّا لَقَسَمْتُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لا تَحِدُونِ بَخِيلا وَلا جَبَانًا وَلا
كَذّابً) فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَامَ فِى النّاسِ، فَقَالَ: ((أَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيُطَ، فَإِنَّ
الْغُلُولَ عَارٌ وَثَارٌ وَشَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: ثُمَّ تْنَاوَلَ مِنَ الأَرْضِ وَبَرَةٌ مِنْ
بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: ((وَالْذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا لِى مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلا مِثْلُ هَذِهِ
إِلا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ)(١).
١٠٣٠ - أخرجه النسائى فى الصغرى حديث رقم ٣٦٢٦، قسم الفىء ٤٠٦٨. وأبو داود فى
الجهاد حديث رقم ٢٣١٩. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ١٨١٤٦/١٣. وذكره الهيثمى
فى مجمع الزوائد ٢٣٨/٥، وعزاه للطبرانى فى الأوسط. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار
برقم ٩٥٠.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٨٣/٦: لا خلاف عن مالك فى إرسال هذا الحديث عن
عمرو بن شعيب، وقد روى متصلاً، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبى ﴿وَا
بأكمل من هذا المساق وأتم ألفاظ من رواية الثقات. وروى هذا الحديث أيضا الزهرى، عن
عمر ابن أخى محمد بن جبير بن مطعم، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه. ورواه معمر =

٣٩٦.
کتاب الجهاد
الشرح: قوله: ((إن رسول الله ﴿﴿ حين صدر من حنين)) يريد حيث أصاب هوازن،
فأظفره الله بهم، وغنم أموالهم وذراريهم فصدر، يريد الجعرانة، وهى طريقه إلى مكة،
ولعله أراد أن يعتمر منها، وحنين يقرب من الجعرانة، فسأله الناس، قسم تلك الغنائم،
وضايقوه فى طريقه لإلحاحهم عليه بالمسألة حتى الجؤه إلى سمرة، فدنت ناقته منها
فعلقت بردائه، وهو الثوب الذى يلقيه على ظهره، فنزعه عن ظهره.
فصل: وقوله : ((ردّوا علىَّ ردائى)) يريد ثوبه الذى انتزعته السمرة منه ((أتخافون
أن لا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم))(٢) يريد الإنكار لكثرة سؤالهم إياه؛ لأن ذلك
سؤال من یخاف أن يمنع حقه.
وأما من كان له حق فى الغنيمة يتيقن أنه سيعطاه ويستوفيه، فلا يجب أن يسأل،
ومن لم يكن له حق فى الغنيمة، فيستغنى عن الإلحاح لما علم من حال النبى ﴿﴾، وأنه
سيعطى من له سهم سهمه، ويعطى من لا سهم له من الخمس على قدر ما يستحقه،
وتلك قسمة أخرى فى الخمس تتناول من له حق فى الغنيمة، ومن لا حق له فيها.
فصل: وقوله: ﴿13: ((والذي نفسي بيده لو أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة لقسمته
بينكم)) قسمه الَّ على سبيل الإنكار عليهم لفعلهم، وكثرة إلحاحهم عليه بالسؤال
فيما قد عرف من حاله أنه لا يمنعه حتى أنهم قد اعتقدوا فيه المنع، وهذا مما لا يفعله
فقهاء الصحابة ولا فضلاء المهاجرين والأنصار، وإنما يفعله قوم من المؤلفة قلوبهم أو
ممن قرب إسلامه، ولم يتمكن الفقه بعد فى نفسه، ولا عرف أن على النبى
لا من
أحكام الشريعة تفريقه أربعة أخماس من الغنمية على الغانمين، ورد الخمس عليهم، وعلى
غيرهم من المؤمنين، فأقسم ﴾ لو كان ما أفاء الله عليهم فى الكثرة مثل سم تهامهة
نعما لما منعه ذلك أن يقسمه بينهم.
=ویونس بن یزید، عن ابن شهاب، عن عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده.
وروى أيضًا عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبى ﴿﴾.
(٢) قال ابن عبد البر فى التمهيد: قسمة. الغنائم فى دار الحرب موضع اختلف فيه العلماء،
فذهب مالك والشافعى والأوزاعى وأصحابهم إلى أن الغنائم يقسمها الإمام على العسكر فى
دار الحرب، قال مالك: وهم أولى برخصها. وقال أبو حنيفة: لا تقسم الغنائم فى دار الحرب.
وقال أبو يوسف: أحب إلىّ ألا تقسم فى دار الحرب إلا أن لا يجد حمولة فيقسمها فى دار
الحرب. قال أبو عمر: القول الصحيح فى هذا المسألة ما قاله مالك والشافعى والأوزاعى، ولا
وجه لقول من خالفهم فى ذلك من معنى صحيح، مع ثبوت الأثر عن النبى ﴿ بخلافه.

٣٩٧
کتاب الجهاد
فصل: وقوله: ﴿®: ((ثم لا تجدوننى بخيلاً، ولا جبانًا، ولا كذابًا)) يحتمل أن تكون
هاهنا ((ثم)) بمعنى الواو، فيكون تقديره إنى أقسم عليكم ما أفاء الله عليكم، ولا
تجدونی بخيلاً بشىء من ذلك، ولا تجدونى جبانًا ولا كذابًا، ويحتمل أن تكون (ثم)»
على بابها فى الترتيب والمهلة، فيكون معنى ذلك أنى أقسم عليكم جميع ما أفاء الله
عليكم، ثم لا تجدونى بعد هذا بخيلاً بما يكون لى منعه وصرفه إلى سواكم ولا كذابًا
ولا جبانًا، وخص هذه الصفات بنفيها عن نفسه.
قال بعض المفسرين: لأن وجود أضدادها من الجود والصدق والشجاعة من صفات
الإمام، فنفى ﴿﴿ عن نفسه النقائص التى لا يصح أن تكون فى الإمام، ولا يصح أن
یکون إماما من كانت فيه.
وعلى هذا ما قاله عمر أن صفات الإمام أكثر من هذه الصفات، وهى إحدى
عشرة صفة، فقد كان يجب على هذا أن ينفى عن نفسه أضداد جميعها.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: والأظهر عندى أن يكون إنما نفى عن نفسه هذه
الثلاث الخلال؛ لأنها مختصة بالحالة التى كان عليها لأنهم كانوا سألوه ما أفاء الله من
الغنائم والمال، فأقسم أنه يقسم جميعها بينهم، ولا يجدوه بخيلاً ولا كذابًا فيما يعد به
من قسمتها ولا جبانًا يحتمل أن يريد به عن عدو يظهر فى الله عليه، وأغنم مثل هذه
الغنيمة وأكثر منها، ويحتمل أن يريد جبانًا عن السائلين له وأن قسمته الفىء عليهم لا
يفعله عن جبن وضعف عن منعه، وإنما يفعله طاعة لله تعالى فى أمره، وتفضلاً على
أمته.
فصل: وقوله: ((فلما نزل رسول الله 4 قام فى الناس، فقال: أدّوا الخائط
والمخيط)) يريد لما نزل من مركبه ذلك، ولعل نزوله كان بالجعرانة لقسمة الغنائم
وكانت الجعرانة إذا ذاك دار حرب، وهذا يقتضى أن قسمة الغنيمة إنما تكون فى دار
الحرب، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا يقسم فى دار الحرب.
والدليل على صحته فى الحرب ما ذهب إليه مالك.
مسألة: وأما ((الخائط والمخيط))(٣)، فإن الخائط واحد الخيوط والمخيط الإبرة، ومن
(٣) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٨٥/٦: أدوا الخياط والمخيط، فإن الخياط قد يكون
الخيوط، وقد يكون الخياط والمخيط بمعنى واحد وهى الإبرة ومنه قول الله عز وجل: ﴿حتى
يلج الجمل فى سم الخياط﴾. يعنى ثقب الإبرة، ولا خلاف أن المخيط، بكسر الميم، الإبرة .=

کتاب الجهاد
٣٩٨
رواه الخياط، فقد يكون الخياط الخيوط، ويكون الإبرة، قال الله تعالى: ﴿حتى يلج
الجمل فى سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠].
ومعنى ذلك الأمر بأداء القليل التافه، وإذا وجب رد القليل، فبأن يجب رد الكثير
الذى له القدر، والقيمة أولى، وهذه المسألة كقوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من أن
تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك﴾ [آل عمران: ٧٥].
فمن أدى القنطار، فهو أقرب إلى أن يؤدى الدينار، ومن لم يؤد الدينار، فهو أبعد
إلى أن يؤدى القنطار، فإذا وجب أداء الخيط والإبرة من الغنيمة، فبأن يجب أداء الثوب
والعين أولى وأحری.
وفى الموازية وسع ابن القاسم فيما لا ثمن له مثل الخرقة يرقع بها أو الخيط يخيط به
أو مسلة أو إبرة، فقال: له أن ينتفع به، وقاله أصبغ، وقال: لا خلاف فيه.
قال مالك: والذى يرد الخيط والكبة ومثله مما ثمنه دائق وشبهه أخاف أن يرائى
بذلك، ولیس یضیق علی الناس.
وروى أشهب عن مالك فى العتبية: ما كان ثمنه درهم ونحوه له أن يحبسه ولا
يبيعه، فمعنى قوله ﴿13: ((أدوا الخائط والمخيط)) إنما هو على وجه المبالغة لا على معنى
إنما يقع عليه اسم خيط من وبر أو أقل من ذلك يجب نقله ورده إلى الغنائم.
وهذا كما قال ﴿﴾: ((ما لى مما أفاء الله عليكم، ولا مثل هذا ثم تناول وبرة من
الأرض))، ومعلوم أن مثل هذا لا يجب أداؤه، ولا يكن الاحتراز منه، ومن أخذه من
بعیر غيره لغیر أذى، فلا يأثم بذلك.
فصل: قوله ﴿ه): ((فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة)) الغلول
السرقة من المغنم، فمن خان منه شيئًا، فقد غل وأما الشنار، فهو العيب والعار. وقال
أبو عبيدة: الشنار العيب والعار. وأنشد للقطامى:
ونحن رعية وهم رعاة ولولا رعيهم شنع الشنار
=وقال الفراء: ويقال: خياط ومخيط، كما قيل: لحاف وملحف، وقناع ومقنع، وإزار ومئزر،
وقرام ومقرم؛ وهذا كلام خرج على القليل، ليكون ما فوقه أحرى بالدخول فى معناه؛ كما
قال الله عز وجل: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾. ومعلوم
أن من يعمل أكثر من مثقال ذرة أحرى أن يراه. وفى هذا الحديث دليل على أن الغلول كثيره
وقليله حرام نار، قال الله عز وجل: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾.

......... ٣٩٩
کتاب الجهاد
فأمر ﴿3﴾ بأداء القليل والكثير من الغنم، فمن أخذ منه شيئًا بغير حقه، فهو عليه يوم
القيامة عار ونار وشنار.
فصل: وقوله: ((ثم تناول من الأرض وبرة من بعير أو شيئًا)) يريد ما هو غاية فى
النذارة والقلة والقدز، ثم قال ﴿4: ((والذي نفسي بيده ما لى مما أفاء الله عليكم إلا
الخمس)) يريد أن أربعة أخماسه لهم لا حق له ﴿٤﴾ فيه، وإنما له أخذ الخمس، فهو له
بمعنى التصرف والاجتهاد فى رده عليهم ولذلك قال: ((والخمس مردود عليكم» يريد
ذلك الخمس؛ لأنه ليس فى الغنيمة شىء يوصف بالخمس ينفرد بحكم غير الخمس
الذى تقدم ذكره، وهذا يدل على أن الخمس إنما يصرفه الإمام على قدر ما يرى من
اجتهاده فی مصالح المسلمین، وأنه ليس فیه حق معین لأحد.
١٠٣١ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْتَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّ زَيْدَ
ابْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِىَّ قَالَ: تُوُفّىَ رَجُلٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّهُمْ ذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ فَهَا، فَرَعَمَ
زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ:((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النّاسِ لِذَلِكَ،
فَرَعَمَ زَّيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللِّ :﴿ه قَالَ: ((إِنَّ صَاحِبَّكُمْ قَدْ غَلَّ فِى سَبِيلِ اللَّهِ). قَالَ:
فَفَتَحْنَا مَتَّعَهُ، فَوَجَدْنَا حَرَزَاتٍ مِنْ خَرَزِ يَهُودَ مَا تُسَاوِينَ بِرْهَمَیْنِ.
الشرح: قوله: ((توفى رجل يوم حنين))(١) كذا وقع فى كثير من النسخ، وهو غلط،
١٠٣١ - أخرجه النسائى فى الجنائز ١٩٣٢. وأبو داود فى الجهاد ٢٣٣٥. وابن ماجه فى الجهاد
٢٨٣٨. وأحمد فى مسند الأنصار ٢٠٦٨٦. والبيهقى فى الكبرى ١٠١/٩ عن زيد بن خالد
الجهنى. والحاكم فى المستدرك ١٢٧/٢ عن زيد بن خالد الجهنى. والطبرانى فى الكبير
٢٦٢/٥ عن زيد بن خالد الجهنى. والبيهقى فى الدلائل ٢٥٥/٤ عن زيد بن خالد الجهنى.
والطحاوى فى المشكل ١٦/١ عن زيد بن خالد الجهنی.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٧٨/٦: هكذا فى كتاب يحيى وروايته: عن مالك، عن يحيى بن
سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، أن زيد بن خالد لم يقل عن أبى عمرة، ولا عن ابن أبى
عمرة، وهو غلط منه، وسقط من كتابه ذكر أبى عمرة، واختلف أصحاب مالك فى أبى
عمرة، أو ابن أبى عمرة فى هذا الحديث أيضا: فقال القعنبى وابن القاسم ومعن بن عيسى
وأبو المصعب وسعيد بن عفير، وأكثر النسخ عن ابن بكير كلهم، قالوا: فى هذا الحديث عن
مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن أبى عمرة، أن زيد بن خالد
الجهنی، قال: توفی رجل، فذكروا الحديث.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٧٩/٦: كان عند أكثر شيوخنا فى الموطأ عن يحيى فى=

کتاب الجهاد
٤٠٠ ٠٫
والصواب يوم خيبر، وكذلك رواه الأثبات، ويدل على ذلك أنه قال: ((فوجدنا
خرزات من خرز یھود» ولم یکن یوم حنين يهود يؤخذ خرزهم، والقصة مشهورة،
وإنما كان ذلك إذ فتحت خيبر.
فصل: وقوله: ((فذكروا وفاته للنبى (8)) لكى يصلى عليه رجاء بركة صلاته
ودعائه
٠٠
وقوله ﴿لَّ: ((صلوا على صاحبكم)) امتناعًا مما قصدوه، فذكر ذلك له من الصلاة
عليه وقد علم من حاله ﴿﴿ أنه لا يمتنع من الصلاة إلا على من لا ترضى حاله، وأنه قد
علم أنه أحدث حدثًا يمنعه من الصلاة عليه، إما بخبره بذلك عند من يشهد عليه أو
بوحى يوحى إليه وهذه سنة فى امتناع الأئمة، وأهل الفضل من الصلاة على أهل
الكبائر على وجه الردع والزجر عن مثل فعلهم، وأمر غيره بالصلاة عليه دليل على أن
لهم حكم الإيمان لا يخرجون عنه بما أحدثوه من معصية.
وقد روى ابن الماجشون عن أبيه عن معن عن مالك أنه قال: لا بأس أن يصلى على
من غل، وذلك يحتمل وجهين، أحدهما: أن يريد به أن يصلى عليه غير الإمام. والثانى
أن الإمام مخير، إن شاء صلى، وإن شاء ترك، وأن ما فعل النبى 48 من الامتناع من
الصلاة على من غل لم يكن على وجه المنع من الصلاة عليه وإنما كان ذلك لأنه رأى
ذلك فى ذلك الوقت أفضل، وأن لمن رأى الصلاة فى وقت تكون الصلاة أفضل أن
یصلی، وقد قال :
◌َّ فى الصلاة على المنافقين: ((إنى خيرت فاخترت))(٢).
فصل: وقوله: ((فتغيرت وجوه الناس)) يحتمل أن يريد به وجوه المؤمنين لامتناعه ؟
«هذا الحديث: ((توفى رجل يوم حنين))، وهو وهم، وإنما هو يوم خيبر، وعلى ذلك جماعة
الرواة، وهو الصحيح، والدليل على صحته قوله: فوجدنا خرزات من خرزات يهود، ولم يكن
بحنین یهود، والله أعلم.
(٢) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى حديث رقم ١٣٦٦، من حديث عمر بن
الخطاب، وتمامه: ((عن عمر أنه قال: لما مات عبدالله ابن أبى بن سلول، دعى له رسول الله
﴿ ليصلى عليه فلما قام رسول الله له وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلى على ابن
أبى وقد قال: يوم كذا وكذا، كذا وكذا، أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله ﴿ وقال: ((أخر
عنى يا عمر))، فلما أكثرت عليه، قال: ((إنى خيرت فاخترت، لو أعلم أنى إن زدت على
السبعين يغفر له، لزدت عليها))، قال: فصلى عليه رسول الله ﴾ ثم انصرف فلم يمكث إلا
يسيرا، حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ إلى قوله: ﴿وهم
فاسقون﴾ قال: فعجبت بعد من حرأتى على رسول الله 8$ يومئذ، والله ورسوله أعلم.

............ ٤٠١
کتاب الجهاد
من الصلاة على من هو من جملتهم، ولا يعلمون له ذنبًا انفرد به فخافوا أن يكون ما
منع من الصلاة عليه أمرًا يشملهم، فيهلكوا بذلك، ويحتمل أن يريد به قبيلة، وطائفة
تغيرت وجوههم لما يخصهم من أمره، ولما خافوا أن يكون ذلك لمعنى شائع فيهم.
فصل: وقوله 18: ((إن صاحبكم قد غل) على وجه التبيين للمعنى الذى منعه من
الصلاة عليه، وفى ذلك زجر عن الغلول ، وإذهاب لما فى نفس من لم يغل وأمان له
من امتناعه 18 من أن يصلى عليه، ولما سمع المسلمون ذلك فتحوا متاعه لينظروا هل
يجدوا مما غل فيه فيردوه إلى الغنائم ولعله قد فعل ذلك أولياؤه، فوجدوا خرزات من
خرز يهود، يحتمل أنهم عرفوا أنها من الغنائم؛ لأنهم انفصلوا عن غنائم اليهود بخيبر،
ولم يكن عنده مثل هذا من المتاع لاسيما فى ذلك الموضع الذى لا يحمل فيه الخرز
لزينة ولا لبيع، فعلموا بذلك أنها غل من الغنائم.
ويحتمل أن يكون عرف ذلك من رآها من دور اليهود، فظن أنه قد أداها، فلما
وجدها فى متاعه بعد موته عرفها ووصفها بذلك على معنى الإعلام بجنسها، وقلة
الانتفاع بها كما أخبر بقيمتها ليعلم بتفاهة قيمتها، وأن أخذ هذا المقدار على تفاهته
على هذا الوجه من جملة الكبائر التى تمنع من صلاة النبى ﴿٤﴾ وصلاة الأئمة وأهل
الفضل على من فعل ذلك ورضيه، واستأثر به على جماعة المسلمين، والله أعلم.
١٠٣٢ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِى بُرْدَةً
الْكِنَانِىِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَتَى النَّاسَ فِى قَبَائِهِمْ يَدْعُو لَهُمْ، وَأَنْهُ تَرَكَ قَبِيلَةٌ
مِنَ الْقَبَائِلِ، قَالَ: وَإِنَّ الْقَبِيلَةَ وَحَدُوا فِى بَرْذَعَةٍ رَجُلٍ مِنَّهُمْ عِقْدَ خَرْعٍ غُلُولا فَأَتَاهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَكَبِّرَ عَلَيْهِمْ كَمَا يُكَبِرُ عَلَى الْمَّيِّتِ.
الشرح: قولة: ((إن رسول الله (8 أتى الناس فى قبائلهم يدعو لهم) يريد أن
١٠٣٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٥٢. والتمهيد ٢٨٠/٦.
وقال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٨٠/٦: هذا الحديث لا أعلمه فى حفظى أنه روى مسندا
بوجه من الوجوه، والله أعلم. وأما تركه الدعاء للقوم الذين وجد عند بعضهم الغلول، فعلى
وجه العقوبة والتشديد والإعلام بعظيم ما جنوه؛ وقد مضى القول فى عقوبة الغال وما للعلماء
فى ذلك من المذاهب فى باب ثور بن زيد من هذا الكتاب، وهذا الحديث عندى لا يوجب
حكما، لأنه منقطع عمن لا يعرف بكبير علم، وليس مثل هذا مما يحتج به لأن عبد الله بن
المغيرة هذا مجهول، قوم يقولون فيه: عبد الله بن المغيرة بن أبى بردة.

کتاب الجهاد
..
٤٠٢
القبائل تتحيز فى نزولها تنزل كل قبيلة فى جهة، فأتى النبى ﴿﴿ الناس فى قبائلهم،
يريد فى مواضعهم التى تحيزوا فيها بالقبائل، يدعو لهم، يريد أن إتيانه القبيلة إنما كان
للدعاء لها استلافًا للمسلمين، وإحسانًا إليهم وإرادة أن تعمهم بركة دعائه ﴿ على
وجه التخصيص به لكل قبيلة، وتركه ﴿ قبيلة من تلك القبائل لم يأتهم، ولا دعا
لهم تنبيهًا على فعل وجد منهم، منع من ذلك، ويحتمل أن يكون ﴿﴿ فعل ذلك الفعل
بعينه بالوحى ويحتمل أن يعلم أن ثم معنى يجب أن يمتنع من أجله، وإن لم يعين ذلك له
الفعل.
فصل: وقوله: ((وإن القبيلة وجدوا فى برذعة رجل منهم عقد جزع غلولاً)) والجزع
حجارة يتخذ منها أمثال الخرز، فتنظم فيه القلائد والعقود، وكان ذلك الرجل قد غل
ذلك العقد وصيره فى برذعته، وهى الفراش المبطن، فلما علم القوم أن رسول الله ﴿
لم يدع الإتيان إليهم، والدعاء لهم، وقد فعل ذلك لسائر القبائل إلا لحدث فيهم
كشفوا عن ذلك الحدث، وفتشوا متاعهم حتى وجدوا عندهم الغلول.
فصل: وقوله: ((فأتاهم رسول الله ﴿، فكبر عليهم كما يكبر على الميت)) يحتمل
أن يكون 98 فعل ذلك على وجه الزجر عن مثل ما وجه عندهم من الغلول، ولعله
◌َ﴾ قد أشار بتكبيره عليهم أربعًا كما يكبر على الميت إلى أن حكمهم حكم الموتى
الذين لا يسمعون الوعظ، ولا يمتثلون الأوامر، ولا يجتنبون النواهى، وقد قال الله
تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ [النمل: ٨٠].
ويحتمل أن يكون ◌َ قد أشار بذلك إلى أنهم بمنزلة الموتى الذين انقطع عملهم؛
وذلك إن كان يعلم أن من فعل ذلك منهم لا يقضى له بتوبة، فكان ذلك بمنزلة الإعلام
بسوء مصيره كما قال لّ للرجل المسمى قزمان، وقد بلى فى قتال المشركين بلاء
عظيمًا فقال: (إنه من أهل النار))(١) فكانت خاتمته أن قتل نفسه.
فيكون فى هذا الحديث على من غل خاصة وتمادى على كتمان ما غله وستره، ولم
يأت به إذا امتنع النبى 38% من إتيان قبيلته. والدعاء لها، ولا صرفه عن سوء معتقدده فى
الإصرار على الغلول حتی فتش متاعه، ووجد الغلول عنده.
ولعل معتقده فى الإيمان كان على مثل هذا، فكان تكبير النبى ولا كتكبيره على
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٨٩٨، ٣٠٦٢. مسلم حديث رقم ١١٢. أحمد فى المسند
حديث رقم ٢٢٣٠٦.

٤٠٣٠
کتاب الجهاد
الميت إعلاما بأنه فى حكم الميت على ذلك الفعل والمعتقد وأنه لم يقض له بتوبة،
ونسأل الله تعالى العفو والعافية والعصمة برحمته.
١٠٣٣ - مَالِك، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِىِّ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ سَالِمٍ مَوْلَى ابْنٍ
مُطِيعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ عَامَ خَيْرَ، فَلَمْ نَغْتُمْ ذَهْبًا وَلا
وَرِقًّا إِلَا الأَمْوَالَ الثّيَابَ وَالْمَنَاعَ، قَالَ: فَأَهْدَى رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿﴾ غُلامًا
أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ، فَوَجَّهَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ إِلَى وَادِى الْقُرَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِى
الْقُرَى بَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَخُطُ رَحْلَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ إِذْ حَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ فَأَصَابَهُ فَقْتَلَهُ،
فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((كَلا وَالْذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ
الشَّمْلَةَ الَّتِى أَخَذَ يَوْمَ خَيْرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لْتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا)). قَالَ:
فَلَمَّا سَمِعَ النّاسُ ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((غِيْرَاكْ أَوْ شِيرَا كَانٍ مِنْ نَارٍ».
الشرح: قوله: ((عام حنين))(١) كذا قال عن مالك يحيى بن يحيى وابن القاسم
والقعنبى. وقال جماعة من الرواة عن مالك: عام خيبر.
وقوله: ((فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا إلا الأموال الثياب والمتاع)» الذى يظهر أن المراد
من الأموال الثياب والمتاع دون الورق والذهب، ويقال إنها لغة دوس. والأظهر من لغة
سائر العرب أن المال كل ما تمول.
وعلى هذا التأويل يكون قوله: ((إلا الأموال المتاع والثياب)) استثناء من غير جنس؛
لأنه استثنى الأموال التى هى المتاع والثياب مما ليس بمال، وهى الذهب والورق، ويحتمل
وجهًا آخر، وهو أن يكون اسم المال واقعًا على الورق والذهب والثياب والمتاع، فيكون
١٠٣٣ - أخرجه البخارى فى المغازى ٣٩٠٨. ومسلم فى الأيمان ١٦٦. والنسائى فى الأيمان
والنذور ٣٧٦٥. وأبو داود فى الجهاد ٢٣٣٦.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٨١/٦: هكذا قال يحيى: خرجنا مع رسول الله ﴿لَّه عام
خيبر، وتابعه على ذلك عن مالك قوم، منهم: الشافعى وابن القاسم والقعنبى، وقال جماعة من
الرواة عن مالك فى هذا الحديث: خرجنا مع رسول الله ﴿1، عام حنين، والله أعلم
بالصواب، وقال يحيى: إلا الأموال والثياب والمتاع، وتابعه قوم، وقال ابن القاسم: إلا الأموال
والثياب والمتاع.

کتاب الجهاد
٤٠٤
قوله: ((فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا)) بمعنى أنه لم يغنم من المال ما هذه صفته، ثم استثنى من
ذلك فقال: إلا الأموال التى هى الثياب والمتاع، فيكون استثناء من الجنس.
فصل: قوله: ((فأهدى رفاعة بن زيد الجذامى لرسول الله ﴾ غلامًا أسود يقال له
مدعم)) ومعنى ذلك أن النبى ﴿﴿ كان يقبل الهدية من كل فرد منهم. قال سحنون فى
كتاب ابنه: ولذلك قبل هدية المقوقس أمير مصر والإسكندرية، وهدية أکیدر دومة،
ولم يقبل هدية عياض المجاشعى.
وقد قال بعض من تكلم على هذا الحديث: إن هذا خاص بالنبى ﴿﴿ دون غيره من
الأمراء، وتعلق فى ذلك بحديث أبى حميد أن النبى ﴿ استعمل على الصدقة رجلاً يقال
له ابن اللتبية، فلما جاء قال: هذا لكم، وهذا أهدى لى، فقال رسول الله ﴾: ((أفلا
جلس فى بيت أبيه، فينظر هل یهدی له»(٢).
وهذا التأويل غیر صحیح، وذلك أن قبوله لهدية مشرك لیس فى طاعته، ولا يجرى
عليه حكمه لا يخلو من إحدى حالتين، إما أن يكون الكافر المهدى فى حال منعة وقوة،
فأهدى إلى الخليفة أو الأمير، فقد قال سحنون: إنه لا بأس أن يقبلها، وهى له خاصة،
وليس عليه أن يكافئه. وقال الأوزاعى: يكافئه من بيت المال، وهى للمسلمين. وقال
سحنون: وإن كان الروم فى ضعف، والمسلمون مشرفون عليهم، فقصدوا بذلك توهين
عزمهم، فهذه رشوة لا يحل قبولها.
وقاله ابن القاسم من رواية عيسى عنه، قال: وهو بخلاف أن يهدى العلج لرجل من
المسلمين هدية، تكون له خاصة، زاد ابن المواز عن ابن القاسم، وقال: إلا أن يتبين له أنه
يهدى للأمير لغير سبب الجيش لمودة قرابة، ومكافأة أو غير ذلك مما يدل على أنه
خاصته، فذلك له.
وأما رده ﴿ لهدية عياض المجاشعي، وقوله: ((إنا لا نقبل هدايا المشركين))(٣)
فيحتمل إن صح الحديث أن يكون على الوجه الممنوع، وأنه أراد بذلك إبطال حق من
حقوق المسلمین.
(٢) أخرجه البخارى حديث رقم ٦٩٧٩. مسلم حديث رقم ١٨٣٢. أبو داود حديث رقم
٢٩٤٦. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٠٨٧. الدارمى حديث رقم ١٦٦٩.
(٣) أخرجه الترمذى حديث رقم ١٥٧٧. أبو داود حديث رقم ٣٠٥٧. أحمد فى المسند
حديث رقم ١٧٠٢٨.

٤٠٥
کتاب الجهاد
وأما إنكاره ﴿ على ابن اللتبية قوله: ((هذا أهدى لى))، فإنه كان عاملاً وهذه رشوة
لأن عامل الصدقة لا يهدى إليه إلا ليترك للمهدى حقًا وجب عليه أو يكف عنه ظلمه
وإذایته، وذلك لازم له من غير رشوة.
وإذا ثبت ذلك، فقد قال ابن حبيب: إنه يقبلها الأمير، وتكون لأهل الجيش، قال:
ولا حجة لأحد فى هدية المقوقس للنبى ﴾، يريد الاختصاص بها دون قبولها، وهذا
وجه محتمل.
وأما ردها، فليس بقول لأحد من أصحابنا على أن قول ابن حبيب بين فى
التخصيص، فإنه كان ما يأخذه من ذلك لا يتميز له، ولا يورث عنه، وإنما يستعمله فى
مصالح المسلمين ثم يرجع إليهم بعد ذلك، ولو استعمله الأمير اليوم على هذا الوجه
لجاز له ذلك، والله أعلم.
مسألة: وأما إن كان المهدى يجرى عليه أحكام حكم المهدى إليه، فقد قال سحنون
وأشهب: لا تقبل هديته، مسلمًا كان أو كافرًا.
ووجه ذلك أن هديته إليه تكون لدفع مظلمة يجب عليه دفعها أو ترك حق، لا يحل
له تركه. وقد روى ابن نافع عن مالك فى السرية يبعثها الوالى، فيرجعون بالفواکه،
فيهدون إليه مثل قفة عنب أو تين: لا بأس به، وتركه أمثل لأنا نكره له قبول مثل هذا
فى الغزو.
ووجه إباحة ذلك أن مثل هذا لا يهدى إلا لموضع الحاجة إليه، وعدم وجوده مع
تفاهة قيمته هناك.
فصل: وقوله: ((حتى إذا كنا بوادى القرى بينما مدعم يحط رحل رسول الله
بمعنى الاستخدام بالعبد والاستعانة به فى مثل هذا من الأعمال لاسيما لمن يجب أن
يفرغ نفسه للنظر فى أمور المسلمين، ومكان نزولهم؛ وتحفظهم من عدوهم، وتحصنهم
مما يتقى عليهم منه فى بلد الحرب، ومكان القتال.
فصل: وقوله: (جاء سهم عائر فأصابه، فقتله السهم العائر، الذى لا يدرى من رميٍ
به)) يريد أنه أصابه فى غير قتال، وإنما رمى به من قصد الجملة، ولم يقصد مقاتلاً
برمتیه، والله أعلم.
فصل: وقول: ((فقال الناس: هنيئًا له الجنة)) على اعتقدوا من أنه شهيد إذ قتل فى

کتاب الجهاد
٤٠٦
خدمته النبى 8% فى سبيل الله، فقال : ((كلا والذى نفسى بيده إن الشملة التى
أخذها يوم حنين أو خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا)) ظاهر هذا
القول أنها تشتغل عليه نارًا لأنه أخذها من المغانم بغير قسمة، ولا حق، وإنما أخذها
غلولاً، ويحتمل أن يكون أخذها غير محتاج إليها للبسه، فلذلك اشتعلت علیه نارًا أو
أخذها محتاجًا إليها، ثم أمسكها بعد القسمة وبعد الرجوع إلى بلاد المسلمين.
وقد قال ابن القاسم فى الموازية: وما احتاج إليه فى السرية من ثوب يلبسه أو دابة
یر کبها أو يحمل عليها، فذلك له إذا کان إذا بلغ العسكر، واستغنى عنه جعله فى
المقاسم. وروى ابن وهب وعلى بن زياد عن مالك فى المدونة: لا تنتفع بدابة ولا
سلاح ولا ثوب.
فرع: فإذا قلنا بقول ابن القاسم، فمن أخذ شيئًا من ذلك محتاجًا إليه فى المغنم إذا
استغنى عنه، فإن فاته ذلك، فقد روى أشهب عن مالك يبيع ذلك ويتصدق بثمنه.
ووجه ذلك أنه قد تعذر رده إلى مستحقه، فلزمه أن يبيعه ويتصدق بثمنه لتعم
منفعته المسلمين بسد فاقة فقير من فقرائهم أو مرفق لجماعة فقرائهم.
فصل: وقوله: ﴿﴿: ((لتشتعل عليه نارًا)) يدل على أن من المؤمنين من يعاقب
بالمعاصى ممن شاء الله أن يعاقبه إلا أن الإيمان سيعود عليه بعد ذلك بالجنة، يدل على
ذلك أن من سمع ذلك من المسلمين أتوا بما عندهم من الغلول مخافة أن يصيبهم مثل
ذلك.
ولو فهموا منه أن ذلك يختص بأهل الكفر لما رد مؤمن ما عنده لأنه لا يخاف ذلك
مع وجود إيمانه، ولما خاف المؤمنين.
وقال النبى ﴿﴿ لما ردوه من الشراك: ((شراك أو شراكان من نار)) علم أن الإيمان لا
يمنع من ذلك، وإنما يمنع من ذلك تفضل اله تعالى بالعفو عن المعاصى، وإنما الذى يمنع
منه الإيمان بفضل الله الخلود فى النار.
فصل: وقوله: ((فجاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله 58، فقال رسول
الله ﴿: شراك أو شراكان من نار)) يقتضى أن من غل مثل هذا، فإنما يعاقب بمثله من
النار، وقد يحتمل أن يكون الشراك والشراكان لهما القيمة، ويكون ثمنه الدراهم، فمثل
هذا لا يحل أخذه على رواية ابن وهب وابن نافع؛ لأنه ليس بطعام، ويجوز أخذه على
رواية ابن القاسم للحاجة إليه، وعدم وجوده للشراء لأنه يلزم رده عند الاستغناء عنه.

.. .............
کتاب الجهاد
مسألة: فمن أخذ مثل هذا على مذهب ابن وهب، على أى وجه كان، أو على
مذهب ابن القاسم، غير محتاج، ثم تاب فجاء تائبًا به، فإنه يؤخذ منه، ولا نكال علیه.
قال ابن حبيب: وقاله ابن القاسم: وذلك أن من تاب قبلت توبته، وسقطت عنه
العقوبة التى تمنع التغرير وإنما تثبت الحدود، والله أعلم.
مسألة: فإن تفرق الجيش، تصدق عنهم، قاله مالك. وقال الليث: إن تفرق الجيش،
جعل خمسه فی بیت المال، وتصدق بما بقی.
مسألة: وإن ظهر عليه قبل أن ينفصل منه، فإنه يؤدب ويتصدق مثله، قاله مالك فى
كتاب ابن المواز وأنكر مالك أن يحرق رحله، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. وقال
الأوزاعى: يحرق متاعه كله إلا سلاحه وثيابه، وبه قال أحمد وإسحاق، والحديث الذى
روى صالح بن محمد بن زائدة عن سالم عن ابن عمر عن النبى لا أنه قال: ((من غل،
فأحرقوا متاعه))(٤) انفرد به صالح بن محمد، وهو مدنى تركه مالك، وليس ممن يحتج
بحديثه.
١٠٣٤ - مَالِك، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:
مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِى قَوْمٍ قَطُ إِلا أَلْقِىَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ، وَلا فَشَا الرِّنَا فِ قَوْمٍ قَطْ
إِلا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلا نَقَّصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ، وَلا
حَكَّمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ الْحَقِّ إِلا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلا سَلْطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ
الْعَدُوَّ.
الشرح: قوله: «ما ظهر الغلول فى قوم قط إلا ألقى فى قلوبهم الرعب)) يحتمل أن
يكون هذا عما بلغه من الكتب المتقدمة، وصحح ذلك عنها التجربة، ويحتمل أن يكون
ذلك بتجربة، قد جربها الناس قبله، فصحح قولهم، وما زعموا من ذلك، ويحتمل أن
یکون ذلك بتوقیف من النبى
والأظهر أنه لو كان بتوقيف لبينه لأنه إنما قصد الزجر والردع عن مثل هذا الفعل،
(٤) أخرجه أبو داود حديث رقم ٢٧١٣. الترمذى حديث رقم ١٤٦١. الدارمى حديث رقم
٢٤٩٠.
١٠٣٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٥٤. والتمهيد ٢٨٠/٦. وقال ابن عبد البر فى
التمهيد ٢٨٠/٦: هذا حديث قد رويناه متصلا عن ابن عباس، ومثله، والله أعلم، لا يكون
رأيا أبدا.

کتاب الجهاد
٤٠٨
والزجر إنما يكون عن مثل هذا بقول النبى ﴿3﴾، فلو نقله عن النبى لكان ذكره عن
النبى ﴿3﴾ أبلغ فى الزجر، وأتم فى الموعظة، وأقرب من القبول.
وما ذكر من هذه العقوبات أنها تكون عند ذكر من المعاصى، يحتمل أن يكون ذلك
إذا كثرت هذه المعاصى، وأعلن بها، ولم يكن منكر لها، قال الله تعالى: ﴿فلولا كان
من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد فى الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا
منهم﴾ [هود: ١١٦]، وروى عنه ◌َّ
الشهداء فى سبيل الله
١٠٣٥ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الرِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ قَالَ: (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِى أُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ؟
ثُمَّ أُحْيَا فَأَقْتَلُ)) فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ثَلاَثًا أَشْهَدُ بِاللّهِ.
الشرح: قوله : ((والذي نفسي بيده، لوددت أنى أقاتل فى سبيل الله، فأقتل))
قسمه وقلَّ على معنى التحقيق والتأكيد، لا على معنى استفادة التصديق؛ لأنه قد علم
صدقه من غير يمين، فقال: ((لوددت أنى أقاتل فى سبيل الله فأقتل)) بمعنى أن يجاهد فى
سبيل الله ويقاتل فيه دون أن يكون لحمية، ولا لظهور مكافأة، ولا لاستجلاب أمر من
أمور الدنيا، فيقتل فى ذلك.
وكرر ذلك ثلاثًا على المعروف من حاله أنه كان إذا ذكر القول، كرره ثلاثًا، وقد
تمنى النبى ﴿﴿ هذه الدرجة، وتكرر القتل فى سبيل الله، وإن كان قد عرف أنه لا يجوز
ذلك، وأن أحدًا لا يحيا فى الدنيا بعد موته لما فى ذلك من تعظيم ثواب الشهادة،
واستسهال القتل، وألم الجراح ثلاث مرات لما علم من تعظيم ثواب الشهيد، وتمنی
الثواب، والعمل الصالح جائز، وإن تمنى المكلف منه ما لا يطيقه، ولا سبيل له إليه؛ لأنه
تمنى خير وعمل صالح يقرب من الله.
١٠٣٥ - أخرجه البخارى فى الإيمان ٣٥، التمنى ٦٦٨٦. ومسلم فى الإمارة ٣٤٨٥. والنسائى فى
الجهاد ٣٠٤٥، ٣٠٩٨، ٣٠٩٩. وابن ماجه فى الجهاد ٢٧٤٣. وأحمد فى باقى مسند
المكثرين ٦٨٦٠، ٨٦٢١، ٩١١١، ٩٧٤٢، ١٠٠٣٨، ٠١٠١١٩

٤٠٩٠
کتاب الجهاد
١٠٣٦ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
قَالَ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُقَائِلُ
هَذَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُقَاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ).
الشرح: قوله ﴿: ((يضحك الله إلى رجلين)) يريد والله أعلم أنه يفعل بهما
ويتلقاهما من الثواب والإنعام والإكرام بما يتلقى به الضاحك المسرور لمن يقدم عليه من
ذلك، ويحتمل أن يريد به يضحك ملائكته، وخزنة جنته أو حملة عرشه إلى هذين
الرجلين على معنى التبشير لهما، والإعلام لهما بما يقدمان عليه من فضل الله تعالى
ورحمته و نعمته.
فصل: وقوله : ((إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة)) وذلك أن
مثل هذا غير معهود؛ لأن قتل أحدهما الآخر على معنى المخالفة فى الدين والشريعة
يقتضى مستقر الشرع أن يكون أحدهما، وهو المحق من أهل الجنة، وأن يكون الثانى،
وهو المبطل من أهل النار، وهذه القصة على خلاف ذلك، فإنهما يدخلان الجنة،
ولعلهما يكونان من الذين، قال الله تعالى: ﴿ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا
على سرر متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧].
فصل: وقوله : ((يقاتل هذا فى سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل))
يحتمل أنه كان كافرًا، فيتوب من كفره بالإيمان، فيسقط عنه جميع ما فعله فى حال
كفره من قتل المسلم وغيره، وقد قال الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم
ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿إنما التوبة على الله الذين يعملون السوء
بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيمًا﴾
[النساء: ١٧]، فإن كانت التوبة بالإيمان تسقط القتل للمسلم وغيره، فإذا قاتل بعد
ذلك، فاشتشهد دخل الجنة مع الذى قتله.
١٠٣٧ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
١٠٣٦ - أخرجه البخارى فى الجهاد والسير ٢٦١٤. ومسلم فى الإمارة ٣٥٠٤. والنسائى فى
الجهاد ٣١١٢، ٣١١٣. وابن ماجه فى المقدمة ١٨٧. وأحمد فى باقى مسند المكثرين
٧٠٢٤، ٧٨٧٧، ٠١٠٢٢٥،٩٥٩٧
١٠٣٧ - أخرجه البخارى فى الجهاد والسير ٢٥٩٣. ومسلم فى الإمارة ٣٤٨٥. والترمذى فى
فضائل الجهاد ١٥٨٠. والنسائى فى الجهاد ٣٠٩٤. وابن ماجه فى الجهاد ٢٧٨٥. وأحمد=

کتاب الجهاد
٤١٠٠
قَالَ: ((وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِى
سَبِيلِهِ، إِلاَ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَنْعَبُ دَمًّا، اللّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ
الْمِسْكِ)).
الشرح: قوله ﴿): ((لا يكلم أحد)) لا يجرح والكلوم الجراح، ثم قال : ((والله
أعلم بمن يكلم فى سبيله))(١) على معنى أن هذا الحكم ليس على الظاهر أن من كان
يقاتل فى حيز المسلمين أنه ممن يقاتل فى سبيله ويكلم فى سبيله؛ لأنه قد يكون فى حيز
المسلمين، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، ويقاتل للمغنم، ولا يكون لأحد من
هؤلاء هذه الفضيلة حتى يقاتل فى سبيل الله لتكون كلمة الله هى الغليا، فتكلم على
الوجه فحينئذ يكون ممن يجىء يوم القيامة ((وجرحه يثعب(٢) دمًا)) يريد والله أعلم أن
لون ذلك الدم لون الدم وريحه ريح المسك.
وهذا دليل على فضيلته وعلو درجته، وما له عند الله من الثواب الجزيل.
١٠٣٨ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا
تَحْعَلْ قَتْلِى بِيَّدٍ رَجُلٍ صَلَّى لَكَ سَحْدَةً وَاحِدَةٌ، يُحَاجُّنِى بِهَا عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
الشرح: فى سماع ابن القاسم، سئل مالك عن قول عمر هذا، فقال: يريد بذلك
أنه ليس لغير أهل الإسلام حجة عند الله.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: ومعنى ذلك عندى أن يكون عمر بن الخطاب
رضی الله عنه علم أنه یقتل إما بخبر النبی ۵، فکان قول ذلك فی صحته.
وإما أن يكون إنما علم ذلك بعد أن جرح، وعلم أنه يموت من جرحه ذلك، فكرر
قوله ذلك حنقًا على من قتله، وإشفاقًا من أن يكون من الموحدين الذين سجدوا لله
سجدة، فیکون لهم بها حجة تمنع من خلودهم فى النار.
=فى باقى مسند المكثرين ٦٨٦٠، ٧٠٠١، ٧٨٥٨، ٨٦٢١، ٨٧٢٥، ٨٨٠٩، ٠٨٨٢١
١٠٢٤١، ١٠٣٢٣، ١٠٤٥٠، ٠١٠٥١٤ والدارمى فى الجهاد ٢٢٩٩.
(١) جملة معترضة للإشارة إلى اعتبار الإخلاص. قاله السيوطى فى تنوير الحوالك ٣٠٦/١.
(٢) يثعب: أى منفجرًا أى كثيرًا.
١٠٣٨ - أخرجه مسلم فى الإمارة ٣٤٩٧. والترمذى فى الجهاد ١٦٣٤. والنسائى فى الجهاد
٣١٠٣، ٣١٠٤، ٣١٠٥. وأحمد فى باقى مسند الأنصار ٢١٥٠٢،، ٢١٥٣٩، ٢١٥٧٧.
والدارمی فى الجهاد ٢٣٠٥.

.................. ٤١١
کتاب الجهاد
ويحتمل أن يقولها إشفاقًا على المؤمنين أن يصيبه مؤمن، فيعذب بقتله لعمر رضى
الله عنه، ويحاج عمر فى الموقف بأنه مومن سجد لله تعالى، فتكون حجته بالإِيمان تمنع
عمر من الحرص على تعذيبه بالنار، وإن كان قد تولى قتله وأذاه بألم الجراح التى أدته
إلى الموت.
١٠٣٩ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلا غَيْرَ مُدْيٍ، أَيُّكَفْرُ اللَّهُ عَنِّى
خَطَايَاىَ؟ فَقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (نَعَمْ) فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ نَادَهُ رَسُولُ اللّهِ ﴿ أَوْ أَمَرّ
بِهِ فُنُودِىَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((كَيْفَ قُلْتَ)) فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَقَالَ لَهُ النّبِىُّ
﴿: «نَعَمْ إِلَا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِى جِبْرِيلُ)).
الشرح: للنبى ﴿1: ((إن قتلت صابرًا محتسبًا)) يريد صابرًا على ألم الجرح وكراهية
الموت ومحتسبًا لذلك عند الله تعالى ((ومقبلاً على الموت، وقتال العدو غیر مدبر» یرید
غیر فار، ولا متحرف، وذلك أعظم للأجر أیکون ذلك کله مما يكفر الله به عنی ما
اكتسبت من الخطايا؟ فقال رسول الله (48: نعم)) يريد أن القتال على هذا الوجه يكفر
خطاياه.
فصل: وقوله: ((فلما أدبر الرجل)) يريد ولى عنه راجعًا ومستوعبًا لجوابه عما سأل
عنه، ((ناداه رسول الله ﴿﴿ أو أمر به فنودى له)) على وجه الشك من الراوى، فسأله
عما قال أن يعيده عليه مبالغة فى تفهم سؤال السائل وتحقيقًا لسؤاله.
وذلك أنه لما استوعب كلامه أولا ثم جاوبه عنه السؤال، ويحتمل أن يكون ذكر
ذلك اللفظ كله غير أنه بان له بعد أن جاوبه أن سؤاله يحتمل وجهًا غير ما حمله عليه
من المعنى.
١٠٣٩ - أخرجه مسلم كتاب الإمارة برقم ١١٧، ١٥٠١/٣ باب من قتل فى سبيل الله عن أبى
ـتادة.
قال ابن عبد البر ٢٩٩/٦: هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن
سعيد بن أبى سعيد؛ وتابعه على ذلك جمهور الرواة للموطأ عن مالك، وممن تابعه ابن وهب
وابن القاسم ومطرف وابن بكير وأبو المصعب وغيرهم.

٤١٢
کتاب الجهاد
......
وإن كان المعنى الذى حمله سائغ فيه، والأظهر منه، فأمره بإعادة السؤال ليتحقق
احتماله لما اعتقد احتماله له، وذلك بأن يريد فى سؤاله إذا أعاده شيئًا يؤكد عنده ما
ظهر إلیه من احتماله أو ینفیه عنه.
وقوله: ((فلما أعاد عليه سؤاله)) يحتمل أن يريد أنه أعاده عليه مثله مطابقًا لمعناه،
ويحتمل أن يكون أعاد عليه السؤال، وإن كان قد زاد أو نقص، غير أن الأول أظهر.
فصل: وقوله: ﴿: ((إلا الدين كذلك قال لى جبريل)) يريد إلا الدين، فإنه من
الخطايا التى لا يكفرها القتل فى سبيل الله. وقد قال بعض العلماء: إنما ذلك لأنها من
حقوق الآدميين وحقوق الآدميين لا تكفرها الحسنات. وهذا وجه محتمل، وقد كان
فى أول الإسلام يمتنع النبى ﴿3﴾ من الصلاة على من مات وعليه دين، لم يترك له قضاء.
وظاهر ذلك أنه لئلا يتسرع الناس فى أكل أموال الناس بغير حاجة، ولا رفق فى
إنفاق ثم يموت من مات منهم على ذلك، ولا يترك له قضاء، فيذهب بأموال الناس
بغير حاجة، ولا رفق فى إنفاق ثم لما فتح الله عليه ) قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من
أنفسهم من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلاّ أو دينًا أو ضياعًا فعلىَّ وإلى أننا أولى
بالمؤمنين من أنفسهم»(١).
ويحتمل أن يكون النبى ﴿! قال لهذا السائل: إلا الدين، إذ كان يمتنع من الصلاة
على من ترك دينًا لا أداء له، فيكون على عمومه، ويحتمل أن يكون قاله بعد ذلك،
ويكون معنى قوله: إلا الدين لمن أخذه، يريد إتلاف أموال الناس، ويأخذه من غير
وجهه وينفقه فى سرف أو معصية، فهذا حكمه باق فى المنع وما ثبت أن أحدًا من
الأئمة قضى دين من مات وعليه دين من بيت مال المسلمين بعد النبى ﴿، فيحتمل أن
بين ذلك قوله : («أنا أولى بالمؤمنين من
يكون هذا الحكم اختص بالنبى
أنفسهم)) وهذا لا يكون لأحد بعده.
فصل: إذا ثبت ذلك، فإن قوله ﴿لَّ للسائل: ((إلا الدين)) فاستثنى الدين بعد أن قال:
((نعم)) ولم يستثن شيئًا، يحتمل وجوهًا أن يكون سؤاله أولا اقتضى الجواب على العموم
دون الاستثناء، وسؤاله آخرًا اقتضى الاستثناء، ويحتمل أن يكون السؤال واحدًا غير أنه
(١) أخرجه مسلم حديث رقم ٨٦٧. أبو داود حديث رقم ٢٩٥٦، ٣٣٤٣. النسائى فى
الصغرى حديث رقم ١٥٧٨. ابن ماجه حديث رقم ٤٥. أحمد فى المسند حديث رقم
١٣٩٢٤، ٠١٤٥٦٦

٤١٣٠
کتاب الجهاد
جاوب أولا بلفظ عام، أو أمر أن يجاوب به ليكون للمجتهد، حمله على عمومه، أو
تخصيصه بالدليل، ثم أعلمه جبريل ﴿ أنه يجب أن يعجل تخصيصه بالنص عليه لئلا
يفوت الحكم فيه بأن يكون السائل إنما سأل ليستبيح الأخذ بالدين، ولا ينظر فى
القضاء، فإن قتل فى سبيل الله كان ذلك يكفر عنه ما اكتسبه من أخذه دينًا، لم ينو
قضاءه فيتعجل عند خروجه، ويأخذ الدين فأمره جبريل عليه السلام، بأن يعلمه بأن
الدين ليس مما يكفره القتل فى سبيل الله.
ويحتمل أن يكون النبى ﴾ قد اعتقد حمل ذلك على العموم، إما لاجتهاده أو للفظ
عام ورد عليه فى ذلك، فأوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بتخصيص الدين،
والله أعلم.
١٠٤٠ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنٍ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ قَالَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ: ((هَؤُلاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ)). فَقَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: أَلَسْنَا يَا
رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِمْ، أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا؟ فَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ ﴿: (بَلَّى وَلَكِنْ لا أَدْرِى مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِى)) فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ بَكَى ثُمَّ قَالَ:
أَيِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ.
الشرح: قوله ﴿﴿ لشهداء أحد: ((هؤلاء أشهد عليكم)) يحتمل أمرين، أحدهما: أن
يشهد على ظاهر أمورهم من الإيمان، وإقام العبادات والجهاد فى سبيل الله تعالى،
واستدامة ذلك إلى أن قتلوا فى مجاهدة عدوهم، وأن غيرهم ممن بقى بعده لا يشهد
على استدامتهم لذلك إلى موتهم؛ لأنه لا يعلم بما يحدثون بعده، ويحتمل أيضًا أن يكون
شهد على ظاهرهم بما رآه، وعلى باطنهم بما أعلم به، وأوحى إليه؛ لأنه لو كان فيمن
قتل منهم منافق لم ينتفع بهذه الشهادة، ولم ينجه من النار قتاله بین یدی النبى
كما لم ينتفع بذلك قزمان حيث أعلم النبى 13 يباطنه وأنه من أهل النار مع غنائه
وانتفاع المسلمين بجهاده واجتهاده؛ لأن ذلك لا ينفع إلا مع الإيمان والنية السالمة أن
يكون جهاده لتكون كلمة الله هى العليا، فعلى هذا لم يشهد لمن يبقى بعده؛ لأنه لا
يعلم باستدامتهم للظاهر الصالح، ولم يطلع عند موتهم على أنهم ختموا عملهم بما
یرضی الله تعالى.
١٠٤٠ - أخرجه أحمد بنحوه ٤٣١/٥ عن جابر. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٦٠،
وقال هذا حديث منقطع، لم يختلف عن مالك فيه، وقد روى معناه مسنداً متصلاً من وجوه
من حديث عقبة بن عامر وحديث جابر، وحديث أنس وغيره.

٤١٤
کتاب الجهاد
وقوله: لم يبلغنا أنه قال ذلك لمن قتل فى غير أحد، ولا قاله لمن مات فى زمنه غير
مقتول، فلو كان هذا الحكم يثبت لمن استصحب لظاهر العمل الصالح، إلى أن مات فى
حياة النبى ﴿ لقال: من مات فى حياتى، فأنا أشهد لهم، ولم يخص بذلك أهل أحد،
فقال: هؤلاء أنا شهيد عليهم، فدل تخصيصهم على أنهم قد اختصوا بأمر، وظاهره
يحتمل أنه أوحى إليه بباطنهم، وبتقبل الله تعالى لعملهم، والله أعلم.
فصل: وقول أبى بكر رضى الله عنه: ((ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما
أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا)) على وجه الإشفاق لما رأى من تخصيصهم بحكم كان
يرجو أن يكون حظه منه وافرًا، وأن يكون حظ جميع من شركه فيه من الصحابة ثابتًا،
فقال: إن عملنا كعملهم فى الإيمان الذى هو الأصل والجهاد الذى هو آخر عملهم،
فهل تكون شهيد لنا كما أنت شهيدًا لهم، فقال ﴿3﴾: ((بلى ولكن لا أدرى ما تحدثون
بعدی)) قال قوم: إن الخطاب وإن کان متوجهًا إلى أبى بكر، فإن المراد به غيره ممن لم
يعلم ﴿﴿ بمآل حاله وعمله، وما يموت عليه.
شهید له بذلك
وأما أبو بكر رضى الله عنه، فقد أعلم أنه من أهل الجنة، والنبى 198
لظاهر عمله الصالح، ولما قد أوحى إليه وأعلم من رضوان الله تعالى عنه، ولكنه لما سأل
أبو بكر، واعترض بلفظ عام، ولم يخص نفسه بالسؤال عن حاله كان الجواب عامًا،
وقد تبين بأنه ليس ممن يحدث بعد النبى ﴿ شيئًا مما يحبط عمله بما تقدم، وتأخر عن هذا
الحال من تفضيل النبى ﴿ له، وإخباره بما له عند الله من الخير وجزيل الثواب وكريم
المآب.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى وجهًا آخر وهو أن يكون
قال: أنا شهيد عليهم بما شاهدت من عملهم فى الجهاد الذى أدى إلى قتلهم فى
سبيل الله، ولذلك لم يقل إنه شهيد من حضر ذلك اليوم، وقاتل وسلم من القتل كعلى
وطلحة وأبى طلحة وغيرهم، ممن أبلى ذلك اليوم، ومن هو أفضل من كثير ممن قتل
حّ جهاده إلى أن قتل.
ذلك اليوم، لكنه خص هذا الحکم من شاهد النبی
وليكون على هذا معنى قوله لأبى بكر رضى الله عنه: ((بلى ولكن لا أدرى ما
تحدثون بعدى)) لم يرد به الحدث المضاد للشريعة، وإنما أراد به جميع الأعمال الموافقة
للشريعة والمخالفة لها، فيكون معنى ذلك أن ما تعملونه بعدى لا أشاهده، فلا أشهد
لكم به، وإن علمت أن منكم من يموت على ما يرضى الله من الأعمال الصالحة إلا أنها
لم تعین لی.