النص المفهرس
صفحات 1941-1960
٣٧٥ .... کتاب الجهاد الشرح: وهذا كما قال أن الرجل إذا خرج إلى أرض العدو فى المفاداة أو التجارة، الخروج إلى أرض العدو على ثلاثة أضرب، الجهاد، والمفاداة، والتجارة. فأما دخول أرض الحرب للجهاد، فقد تقدم ذكره وفضله. وأما دخولها للمفاداة ودخولها للتجارة، فقال سحنون: من ركب البحر إلى بلاد الروم فى طلب الدنيا فهى جرحه، ونهى عن التجارة إلى أرض السودان، لأن أحكام الكفر تجزى هناك عليه. فصل: وقوله: ((فيشترى الحر أو العبد أو يوهبان له، أما شراء الحر، فإنه لا يصح إلا بأن لا يعلم أنه حر، فاشتراه ثم تبين له ذلك، ولعله سمى الفداء شراء)). والأصل فى ذلك أن فداء المسلمين وتخليصهم من أيدى المشركين واجب لازم، رواه أشهب عن مالك، قال: ولو لم يقدروا أن يفتدوهم إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم. وقال أشهب: لما سئل عن فدائهم بالخمر لا يفدون بها، ولا يدخل فى نافلة بمعصية فسماها نافلة، ولعل هذا أن یکون رأی أشهب. وروى عن مالك خلافه وجمهور أصحابنا على قول مالك. والأصل فى ذلك ما روى عن النبى قل﴾ أنه قال: ((أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العانى))(١). والدليل على ذلك من جهة المعنى ما احتج به مالك من أنه يلزم القتال لاستنقاذهم، وفيه إتلاف المهج وسفك الدماء، فبأن يلزم استتقاذهم بالمال أولى. وفى هذا الباب خمس مسائل، إحداها: فيما يجوز فداؤهم به. والثانية: فى الحكم بيننا وبينهم، إن لم يتفق الفداء. والثالثة: فى وجوب الرجوع على الأسير ما فدى. والرابعة: فى تبيين من لا يرجع عليها الفداء. والخامسة: فى تداعى الأسير والمفادى فى مبلغ الفداء. فأما الأولى، فاختلف أصحابنا فيها، فذهب ابن القاسم إلى أنه يفدى من الأموال بما يجوز أن يملكهم إياه ولا يتقوون به. فأما ما لا يجوز أن يملكهم إياه من رقيق المسلمين، فلا يفدون به؛ لأنه فداء مسلم بمسلم وحقهما واحد فى وجوب الاستنقاذ منهم، وكذلك الخمر والخنزير، فإنه لا يجوز أن يملكهم شيئًا منه، وكذلك ما يتقوون به على المسلمين كالخيل والسلاح؛ لأنهم يرفعون إلينا أسيرًا واحدًا ويتقوون بما يصير إليهم من الخيل والسلاح على جماعة المسلمين. (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٥٣٧٣، ٥٦٤٩. أبو داود حديث رقم ٣١٠٥. أحمد فى المسند حديث رقم ١٩٠٢٣. الدارمی حديث رقم ٢٤٦٥. کتاب الجهاد ٣٧٦ وقال ابن الماجشون وأشهب: يفدون بجميع أنواع المال مما يمكننا نحن أن تملكه، ونملكهم إياه، فأجازا فداءهم بالخيل والسلاح. ووجه ذلك أن الخيل والسلاح قوتهم بها مترقبة مؤجلة وإذايتهم لهذا المسلم موجودة. وقال سحنون: يفدون بكل شىء حاشا المسلمين، فجوز فداءهم بالخمر، فقال: تبتاع لهم الخمر للفداء، وهى ضرورة. ووجه ذلك الضرورة تبيح الانتفاع بالمحرمات، ولذلك أبيح أكل الميتة، وضرورة هذا الأسير مثل ذلك وأشد، فكان له الانتفاع بالخمر والخنزير لإزالة ضرورته. وأما المسألة الثانية، وهى أن يأتى أهل الحرب بأسرى المسلمين للفداء، فيطلبون فيهم ما لا يستطاع، فيريدون صرفهم إلى بلد الحرب، قال مالك وابن القاسم: لهم أن يرجعوا بهم، ولا يؤخذون منهم إلا برضاهم. وقال ابن الماجشون وغيره: إن أراد الذى فى يده الأسير قيمته وأكثر من ذلك بيسير دفعت إلیه، وإلا أخذ منهم قهرًا، ودفعت إليهم قيمته. وجه قول مالك أنهم نزلوا علی عهد فلا يجوز نقضه وغلبتھم علی ما بیدیھم. ووجه القول الثانى ما احتج به أصبغ أننا لم نعاهدهم على مخالفة أحكام الله تعالى، وإنما عاهدناهم على أن نفى لهم بشروطهم ما لم يخالفوا الحق. فرع: وأما الذى يراعى فى قيمتهم، قال سحنون: يراعى فى ذلك فداء مثلهم، ليس القرشى والعربى كالأسود والمولى. قال ابنه: فقد فديت الأسارى الذين كانوا بسردانية على قيمتهم عبيدًا. قال: إنما ذلك؛ لأنهم غير معروفين عندى من ذوى القدر. وأما المسألة الثالثة، وهى وجوب الرجوع على الأسير بالفداء لمن شاء ذلك، فالذى عليه جمهور أصحابنا أن الأجنبى يرجع على الأجنبى بما فداه به، وإن كان أضعاف ثمنه، قاله ابن القاسم وسحنون، فإن وحده عنده أخذه منه، قال عبد الملك وسحنون: وهذا أحق بماله من غرمائه حتى يستوفى الفداء. واحتج عبد الملك بأن الفداء آكد من الدين؛ لأنه يجبر على فدائه بأضعاف قيمته ودينه، إنما يدخل فى ذمته باختياره. وقال محمد بن المواز: إنما هذا ماله الذى أحرزه العدو مع رقبته. فرع: فإن كان ما اشتراه به مما له مثل رجع عليه بمثله، وإن كان مما يرجع إلى القيمة رجع عليه بقيمته، فإن كان خمرًا أو خنزيرًا، فقد قال سحنون: إن كان المشترى مسلمًا لم يرجع عليه بشىء، هذه رواية ابنه عنه. ٣٧٧ کتاب الجهاد ويحتمل على قوله إنه اشتراه بالخمر والخنزير، أنه يرجع على الأسير بثمن ذلك، قال سحنون: إن كان المشترى ذميًا رجع عليه بقيمة الخمر والخنزير؛ لأنه مال، وإن كان ممن یتمول الميتة، فهذا حكمها. وأما المسألة الرابعة، وهى تميز من يرجع عليه بالفداء من غيره، فالناس فى ذلك على ثلاثة أضرب، أجانب، وذو محارم ومن يعتق علیه. فأما الأجانب، فإنه يرجع عليهم على كل حال، إلا أن يريد الصدقة عليهم، وكذلك الأقارب ممن ليسوا بذى محارم، فلذلك جعلناهم فى جملة الأجانب. وأما من يعتق عليه، فلا رجوع له عليهم فيما فداهم به عرفهم أو لم يعرفهم إلا أن يقول له: افد ولك الفداء علىَّ. وأما ذو المحارم غيرهم والزوجة، فإنه إن فداهم، وهو لا يعلم من هم، فله الرجوع عليهم، لأنه لم يقصد الهبة، فإن عرفهم، فلا رجوع له عليهم إلا أن يأمروه هم بفدائهم لیرجع علیهم. قال سحنون: والأصل فى ذلك أن كل من لا يرجع عليه بثواب الهبة فإنه لا يرجع عليه بالفداء، ومن يرجع عليه بثواب الهبة، فإنه يرجع عليه بالفداء. وقد قال القاضى أبو محمد فى هبة أحد الزوجين الآخر، روايتان عن مالك، إحداهما: لا ثواب عليه، وعلى هذا بنى سحنون هذه المقالة. والثانية: عليه الثواب، فيجب أن يرجع أحد الزوجين على الآخر بالفداء قياسًا على هبة الثواب. وأما المسألة الخامسة، وهى تداعى الأسير والمفادى فى الفداء، فاختلف أصحابنا فيه، فذهب أكثرهم إلى أن القول قول الأسير فى إنكار الفداء جملة، وفى إنكار بعضه، فإن أتى بما يشبه حكم عليه به، ولم يقض عليه بغيره، سواء أخرجه من أرض الحرب أو لم يخرجه منها، رواه ابن حبيب عن ابن القاسم وابن الماجشون ومطرف وأصبغ. قال ابن حبيب: وقيل إذا أقر الأسير. أنه فداه، واختلفا فى قدر الفداء، الفادى مصدق، ويصير كالرهن فى يديه، وهذا خلاف قول مالك، وقد قال سحنون مثل هذا القول قول الفادى إذا كان الأسير بيده. فصل: وقوله: ((وأما العبد، فإن سيده الأول مخير فيه، فإن شاء أن يأخذه، ويدفع إلى الذى اشتراه ثمنه، فذلك له، وإن أحب أن يسلمه أسلمه))، هذا حكم العبد القن، سيده مخير فيه، وكذلك المكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل. کتاب الجهاد ٣٧٨ ........... وأما أم الولد، فإنه يجبر على أخذها بالثمن الذى اشتريت به. والفرق بينهما أنه يجوز بيع ما له فى المكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل، وأخذ العوض عنه، ولا يجوز له ذلك فی أم الولد. ما جاء فى السلب فى النفل ١٠٢٦ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِى مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِى قَادَةً، عَنْ أَبِى قََّادَةً بْنِ رِبْعِىٌّ أَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌َ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ حَوْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَحِلا مِنَ الْمُشْرِ كِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَيْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلٍ عَاتِقِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَىَّ، فَضَمَّنِى ضَمَّةٌ وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِى، قَالَ: فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ النّاسِ؟ فَقَالَ: أَمْرُ اللَّهِ ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿: ((مَنْ قَثَلَ قَبِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُ)). قَالَ: فَقُّمْتُ ثُمَّ قُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِى ثُمَّ جَلَسْتُ ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ قَبِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَّةٌ فَلَهُ سَلَبُ»، قَالَ: فَقُمْتُ ثُمَّ قُلْتُ: مَنْ يَشْهَدٌ لِى ثُمَّ جَلَسْتُ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثّالِثَةَ، فَقُمْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: ((مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟) قَالَ: فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَبِيلِ عِنْدِى، فَأَرْضِهِ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا هَا اللَّهِ إِذَا لا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ)) ١٠٢٦ - أخرجه البخارى فى البيوع ١٨٥٨. ومسلم فى الجهاد والسير ٢٣٩٥. والترمذى فى السير ١٤٨٧. وأبو داود فى الجهاد ٢٣٤٢. وابن ماجه فى الجهاد ٢٨٢٧. وأحمد فى باقى مسند الأنصار ٢١٤٨٠، ٢١٥٥٩. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٥٥/٦: هكذا قال يحيى: عن مالك فى هذا الحديث، عن يحيى ابن سعید، عن عمرو بن کثیر، وتابعه قوم، وقال الأكثر: عمر بن كثير بن أفلح. وقال الشافعى: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن كثير بن أفلح ولم يسمه؛ والصواب فيه، عن مالك عن عمر بن كثير، وكذلك قال فيه: كل من رواه عن يحيى بن سعيد؛ منهم: ابن عيينة وحفص بن غياٹ. ٣٧٩ کتاب الجهاد فَأَعْطَانِيهِ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِى بَنِى سَلِمَةَ، فَإِنُّ لِأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَلْتُهُ فِى الإِسْلامِ. الشرح: قوله: ((فلما التقينا كانت للمسلمين جولة)) يريد بعض الانهزام، وإنما انهزمت مقدمة الجيش، والنبى ﴿﴿ ثابت، ولذلك قال رجل البراء بن عازب: ((يا أبا عمارة، أكنتم فررتم يوم حنين؟ قال: لا والله، ما ولى رسول الله ﴿﴿ ولكنه خرج سباق أصحابه وخفافهم حسرًا ليسوا بسلاح، فأتوا قومًا رماة جمع هوازن وبنى نضر، ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقًا، ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى النبى ◌َّ وهو على بغلته البيضاء وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر ثم قال: أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، ثم صف أصحابه))(١). فصل: وقوله: ((فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين)) يحتمل أن يريد ظهر عليه وأشرف على قتله، ويحتمل أن يريد أنه صرعه. وقوله: ((فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، فضربته بالسيف على حبل عاتقه)) ظاهر هذا أنه لم يبرز أحدهما إلى صاحبه، ويؤكد هذا قوله: ((فلما التقينا كانت للمسلمين جولة)) وأنه إنما لقى أحدهما الآخر بالتقاء الجيش، ولو كان كل واحد منهما برز إلى صاحبه لم يجز لأبى قتادة أن يقتله إذا ظهر على المسلم. واختلف أصحابنا فى جواز دفع المشرك عن المسلم إذا تبارزا وظهر عليه، وخيف عليه أن يقتله، فقال أشهب وسحنون: يعان، ويدفع عنه المشرك ولا يقتل؛ لأن مبارزته عهد أن لا يقتله إلا من بارزه. وقال سحنون أيضًا: لا يعان بوجه، ارواه ابن المواز عن ابن القاسم. وسئل مالك، أيعان؟ فقال: إن خاف الضعف، فلا یبارز. فرع: فإن قتل المشرك غير الذى يبارزه، فقد روى ابن المواز عن ابن القاسم: على الذی قتله دیته. وقال أشهب: لا دیة علیه. مسألة: فإن بارز ثلاثة من المسلمين ثلاثة من المشركين، فلا بأس لمن قتل صاحبه من المسلمين أن يعين صاحبه فى القتل، والدفع كما فعل على بن أبى طالب رضى الله عنه، وحمزة بن عبد المطلب فى معوذة عبيدة بن الحارث يوم بدر. (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٨٦٤. مسلم حديث رقم ١٧٧٦. الترمذى حديث رقم ١٦٨٨. أحمد فى المسند حديث رقم ١٨٠٠٧، ١٨٠٦٩، ١٨٢٣١. کتاب الجهاد ٣٨٠ ووجه ذلك أنهم قد رضوا بتعاونهم، فهم كجماعة الجيش تلقى جماعة جيش آخر، فلا بأس بتعاونهم. فصل: وقوله: ((فضمنى ضمة، وجدت منها ريح الموت)) يريد أنه وجد من شدتها ألّا يقرب من ألم الموت، ويحتمل أن يريد أنه خاف من شدتها الموت. وقوله: ((ثم إن الناس رجعوا)) يحتمل أن يريد رجعوا من جولتهم، ويحتمل أن يريد رجعوا من القتال بعد الفراغ منه، وقال رسول 48: ((من قتل قتيلاً له عليه بينة، فله سلبه)). والذى ذهب إليه مالك أن رسول الله ﴾ قال ذلك بعد أن برد القتال، ولو لم يقله لم يكن للقاتل سلب، فإن السلب الذى نفله رسول للقاتل، إنما هو من الخمس. والدليل على أن هذا القول إنما كان بعد الفراغ من القتال الذى فيه وقع القتال قوله: (ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله ﴿19: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) وهذا يقتضى أن قوله ﴿﴿ كان بعد رجوعهم، فإن كان رجوعهم ذلك من القتال، فهو ما قلناه. وإن كان رجوعهم من الهزيمة، فإنه يقتضى أنه ﴿﴾ قال ذلك بعد التراجع من الهزيمة، فيمن قتل قبل التراجع، ولذلك قام أبو قتادة فيمن قتله قبل التراجع، وقضى له بسلبه. ووجه آخر، وهو أن القعنبى، وهو أوثق الناس وأحفظهم لحديث مالك، قال فى هذا ﴾ فقال: ((من قتل قتيلاً، فله سلبه)) وهذا الحدیث: ثم إن الناس رجعوا، وجلس النبى يدل على أنه بعد الفراغ من القتل؛ لأن النبى ﴿﴿ كان راكبًا على بغلته فى حال القتال، ومعلوم أنه لا يرجع عنه إلى الجلوس والراحة إلا بعد الفراغ منه. إنما قال ذلك بعد الفراغ، ورجوع وو جه آخر، وهو أنه لا خلاف أن النبى الناس من الهزيمة، وهذا يدل على أنه لم يرد به التحريض، ولو أراد به التحريض على القتال ذلك اليوم لقاله فى أول القتال، وقبل الهزيمة. ووجه رابع، وهو ما روى أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه أن رجلاً سأل النبى ! فقال: ((الرجل يقاتل للغنيمة، ويقاتل للحمية، ويقاتل ليرى مكانه من الشهداء، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا، فذلك فى سيبل الله))(٢). (٢) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٨١٠، ٣١٢٦. مسلم حديث رقم ١٩٠٤. الترمذى= ........... ٣٨١ کتاب الجهاد وإذا قال ذلك الإمام بعد تقضى الحرب كانت النيات قبله سليمة صحيحة، ولم يقاتل أحد إلا لتكون كلمة الله هى العليا، وإذا قاله فى أول القتال أثر ذلك فى النيات وعرض الناس ليقاتلوا لما يحصل لهم من السلب. والدليل على أنه من الخمس حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﴾ بعث سرية قبل نجد فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا(٣). فوجه الدليل منه أنه ذكر أن سهمانهم بلغت أحد عشر بعيرًا، ثم نفلوا بعيرًا بعيرًا، وهذا يدل على أن النفل من غير الأربعة الأخماس، ولا مكان له غير الخمس، ومما يبين ذلك من جهة المعنى أن الأربعة الأخماس من الغنيمة للغانمين تجب المساواة بينهم فيه لا يزاد أحد منهم لغنائه، ولا لقتال. ولو كان فيه تفضيل لقتل أو قتال لوجب أن يفاضل بينهم للغناء، فلا يأخذ عبد الله بن مسعود وأبو هريرة ما يأخذ على بن أبى طالب والزبير بن العوام وخالد بن الوليد والبراء بن مالك وأبو قتادة الأنصارى رضى الله عنهم، ولما أجمع المسلمون على أن أخذهم سواء له، وإن اختلفوا وتباينوا فى القتل والقتال، بطل أن يكون للقتل مزية لأحد من الأربعة الأخماس، وإنما يكون التفاضل فى الخمس، فإنه محل للتفاضل والعطاء لبعض دون بعض على قدر اجتهاد الإمام. وأما الأربعة الأحماس، ليست بمحل لاجتهاده، ونحرر من هذا قياسًا فنقول: إن هذه مزية غناء، فلم يجز أن يعاوض عليها بمزية عطاء من الأربعة الأخماس. وأصل ذلك لشدة القتال وحماية المسلمين والمدافعة عنهم، والانفراد بأخذ الغنائم العظيمة، والأموال الجسيمة. مسألة: إذا ثبت ذلك، فلو أن إمامًا قال قبل القتال من قتل قتيلاً، فله سلبه أو نقل رجلاً سلب قتيل قتله من غير الخمس، فإنه لا ينقض؛ لأنه من الإمام حكم حاكم بقول بعض العلماء، فلا ینقض، قاله سحنون. = حديث رقم ١٦٤٦. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٣١٣٦. أبو داود حديث رقم ٢٥١٧. ابن ماجه حديث رقم ٢٧٨٣. أحمد فى المسند حديث رقم ١٩٠٤٩. (٣) أخرجه البخارى حديث رقم ٣١٣٤، ٤٣٣٨. مسلم حديث رقم ١٧٤٩. أبو داود حديث رقم ٢٧٤٤، ٢٧٤٥. أحمد فى المسند حديث رقم ٤٥٦٥، ٥١٥٨، ٥٢٦٦، ٥٤٩٤. الدارمی حديث رقم ٢٤٨١. ٣٨٢ ........... کتاب الجهاد وفى هذا أربع مسائل، إحداها: فيما يقتضيه قول الإمام من ذلك. والثانية: فى ذكر من يستحق ذلك من الغانمين. والثالثة: فى وصف من يستحق ذلك بقتله من المقتولين. والرابعة: فى وصف السلب الذى يستحق بذلك. فأما ما يقتضيه قول الإمام من ذلك، فإن الإمام إذا نادى فى ذلك بلفظ يعمه ويعم الناس مثل أن يقول من قتل قتيلاً، فله سلبه، فإن هذا الحكم ثابت له ولجميع الناس، وإن خض نفسه بأن قال: إن قتلت قتيلا، فلی سلبه، لم يكن له من ذلك شىء؛ لأنه قد حانی نفسه، وأظهر ما نهى عنه من ترك المعدلة، فلم جز حکمه، ووجب نقضه، وإن قال: من قتل منكم قتيلاً فله سلبه، فإن هذا الحكم ثابت للناس دونه؛ لأنه قد أخرج نفسه منه بقوله منکم، قال ذلك كله سحنون. مسألة: وإذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، فكان القاتل ممن لا يسهم له، فقد روى ابن سحنون عن أبيه: إن كان القاتل ذمّيًا، فلا شىء له من السلب. وكذلك لو قتلت امرأة، قال: وأشهب يرى أن يرضخ لأهل الذمة على قياس قوله: له السلب من الخمس؛ لأنه نفل. واختلف قول الشافعى فى العبد والمرأة والصبى. والأظهر عندى على مذهبه أن من قتل قتيلاً منهم فله سلبه، فإن اللفظ عام. وأما إن كان القاتل مخذلاً أو مرحفًا على المسلمين، فإنه ليس له من السلب شىء؛ لأنه لم يقاتل عن الله ورسوله. مسألة: وإذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، فقتل امرأة أو صبيًا، فقد حكى سحنون عن الأوزاعى إن قاتلا، فله سلبهما، وهذا يقتضى أن يكون المذهب، وقد رأيت لسحنون ما يقتضيه. وأما من قتل مستأسرًا أو من لا يدافع، فليس له من سلبه شیء. مسألة: وأما السلب الذى يستحقه القاتل بهذا القول، قال سحنون: قال أصحابنا: لا نفل فى العين، وإنما هو العرس وسرجه ولجامه وخاتمه ودرعه وبيضته ومنطقته فى - ذلك من رجليه إلى ساعديه وساقيه ورأسه والسلاح ونحوه، وحلية السيف تبع للسيف، ولا شىء له فى الطوق والسوارين والعين كله، ولا فى الصليب يكون معه. وقال ابن حبيب: يدخل فى السلب كل ثوب عليه وسلاحه ومنطقته التى فيها نفقته وسواراه وفرسه الذی هو عليه أو كان يمسكه لوجه قتال عليه. فأما إن كان يجنب أو كان منفلتًا، فليس من السلب، فتحقيق مذهب سحنون أن ما ٣٨٣ کتاب الجهاد كان معه من لباسه المعتاد، وما يستعين به على الحرب من فرس أو سلاح، فهو من السلب. ومذهب ابن حبيب أن ما كان عليه من اللباس والحلى والنفقة المعتادة وما يستعان به على الحرب، فهو من السلب. فصل: وقوله: ((فقمت فقلت: من يشهد لى، ثم جلست)) يريد أنه قام ليطلب سلب القتيل الذى قتله لما سمع من النبى ﴿3﴾: ((من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه))، ثم تأمّل قوله ﴿﴿: ((له عليه بينة)) ولم يعلم بأن أحدًا رآه يشهده له بذلك، فقال فى نفسه: من يشهد لى بذلك؟ فلما استبعد أن تكون له بينة بما فعل من ذلك يصل بها إلى استحقاق سلب القتيل الذى قتله جلس عن القيام فى ذلك، وسكت عن طلبه. فصل: وقوله: ((ثم قال: من قتل قتيلاً له عليه بينة، فله سلبه)) تكرار النبى ﴿4 ذلك ثلاث مرات، يحتمل أن يكون قالها فى ساعات مفترقة لكى يسمع قوله من يأتى بعد قوله الأول والثانى، ويحتمل أن يكون جرى فى ذلك على عادته ﴿3﴾ أنه إذا قال قولاً أعاده ثلاثًا، فیکون قال ذلك قولاً متقاربًا، وقيام أبى قتادة عند قوله الأولى والثانى بعد أن جلس فى الأول والثانى لما كان يتحدد له من الأمل فى سلب قتيله بقول النبي ® بما كان يثبت فى نفسه أنه مستحق لسلب ذلك القتيل لعلمه بقتله، ثم كان يجلس بعد ذلك عندما تبين له أنه لا يدفع إليه إلا ببينة، وكان عنده أن بينته على ذلك معدومة، وما الذى يثبت به هذا فى مثل تلك المواضع أما من شهد له شاهدان بأنه قتله، فلا خلاف فى ذلك. واحتجاج أصحابنا بخبر أبى قتادة أنه دفعه إليه بقول واحد دون يمين، يدل على أنه يجوز أن يقبل فيه قول الواحد، إذ قال الإمام: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه. قال أبو بكر بعد ذلك للذى شهد له به: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه، فأضاف السلب إلى ملكه بقول الشاهد الواحد، وإذا كان هكذا فطريقه طريق الخبر، لا طريق الشهادة. مسألة: وأما إذا قال من قتل قتيلاً فله سلبه، ولم يشترط البينة، فقد قال ابن سحنون: من جاء برأس، فقال: أنا قتلته، فلقد اختلف فيه قوله، فعلى قوله الأول السلب له، وعلى قوله الآخر لا شىء له إلا ببينة. فأما إن جاء بسلب، فقال: أنا قتلت صاحب هذا السلب، فلا يأخذ السلب إلا ہبینة. ٣٨٤ کتاب الجهاد وجه القول الأول فى التفريق بين الرأس والسلب فى الأغلب لا يكون إلا بيد من قتله؛ لأنه أقرب إليه من غيره، وهو يمنع منه من أراده، وقد علم أن الإمام نفله سلبه، فهذا لا یشهد له. وأما السلب، فليس كونه بيده شاهدًا له لأنه موضع سلب ولا يمنعه منه غيره؛ لأنه لا حق له فیه إلا کحقه. وأما على القول الآخر، فلا فرق بينهما أنه لا يصدق صاحب الرأس ولا صاحب السلب. قال القاضى أبو الوليد: إنه يجوز أن يقبل فى ذلك الشاهد الواحد على ما تقدم من احتجاج أصحابنا بقول أبى قتادة، وإلا فظاهر لفظ البينة يقتضى الشهادة، ولا يكون أقل من الشاهدين، ولا يجوز على هذا القول فى ذلك الشاهد واليمين؛ لأن الشهادة لا تتناول المال، وإنما تتناول القتل، وهو حكم فى الجسد. فصل: وقوله: ((فقال رسول الله (48: مالك يا أبا قتادة)) يحتمل أن يكون رأى قيامه مرة بعد مرة اعتقد أنه ممن يستحق مثل هذا أو ممن فى نفسه شبهة من استحقاقه، فإن كان مستحقًا له وجه استحقاقه، وهذاه إليه، فإن لم يكن على ذلك الوجه بين له أنه غير مستحق له أو تفضل عليه ابتداء، ويحتمل أيضًا أن يكون اعتقد فيه أن له حاجة، فمنعه الحياء من إبدائها، وتبعته حاجته على القيام إليها مرة بعد مرة، فأراد أن يسهل عليه استفتاح الكلام فيها. فصل: وقوله: ((فاقتصصت عليه)) يريد أنه أورد عليه ما جرى له والواجب لقيامه وجلوسه، فقال رجل من القوم: ((صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندى، فأرضه منه یا رسول الله)). وقول الرجل: ((صدق)) شهادة لأبى قتادة بقتله، وبإضافة السلب عندى إلى ذلك القتيل؛ لأن القاتل للقتيل يحتاج أن يبين وجهين، أحدهما: مباشرة قتله. والثانى: أن ذلك السلب له، إذا وجد السلب عليه ومعه، فإن قلنا إن كون رأس القتيل معه شهادة له يقبل قوله، فيجب أن يكون مع ذلك سلب القتيل بيده شهادة له به، هذا، إن قلنا إن طريقه طريق الشهادة، وإن قلنا طريقه طريق الخبر، فإنه ظاهر فيما يدعيه. فصل: وقول ذلك الرجل: ((وسلب ذلك القتيل عندى)) عدة ورغبة إلى النبى فی أن يهبه إياه من غير أن يكون قتله، ويعوض أبا قتادة من ذلك ما يرضى به. ....... ٣٨٥ كتاب الجهاد فصل: وقوله رضى الله عنه: ((لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه)) يريد أبا قتادة من أسد المؤمنين، فأضافه إلى الله لما كان عمله لله كما قال تعالى: ﴿يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦]، فأضافهم إلى الله تعالی لما کانوا عاملین له. وقوله: ((يقاتل عن الله ورسوله)) يريد أنه يقاتل لتكون كلمتهما العليا ودينهما الظاهر، وأضاف السلب إلى القاتل بقوله: ((فيعطيك سلبه)) لما كان قد استحقه بقوله ﴿﴿): «من قتل قتیلاً له عليه بینة فله سلبه) فاستحق بذلك کل قاتل سلب قتیله بعينه، وإنما وقف تسليمه لوجود البينة بذلك، ولما استحق أبو قتادة سلب ذلك القتيل بعينه ملك أعيان السلب، ولم يكن لأحد أن يعوضه منه إلا باختياره، فلذلك منع أبو بكر رضی الله عنه من أن یعطی غيره شيئًا من ذلك بغير رضاه، إن عوض منه. فصل: وقوله: ((يقاتل عن الله ورسوله)) يقتضى أن كل من كان من المقاتلين على هذا الوجه مستحق سلب القتيل بما تقدم من قول النبى : ـّ ومن كان منهم لا يقاتل عن الله ورسوله، فإنه غير داخل تحت ذلك. وقوله : ((صدق، فأعطه إياه)) تصديقًا لقول أبى بكر بالمنع من أخذ الرجل لسلب قتيل أبى قتادة، وأمرًا له بإعطائه أبا قتادة بها كان عنده من سلبه؛ لأنه ﴿﴾ قد كان أوجبه له بقوله: من قتل .قتيلاً، فله سلبه، فأعطاه إياه الرجل، فباع أبو قتادة الدرع، وهذا يدل على أن ذلك كان من جملة ذلك السلب. قال أبو قتادة: ((فابتعت به مخرفًا))، والمخرف البستان فيه الفاكهة من التمر وغيره، والخرفة هى الفاكهة. وهذا يدل على أن التمر من جملة الفاكهة؛ لأنه سمى بساتين المدينة بها، وليس فيها شىء غير النخيل. وأما قوله تعالى: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨]، بعطف ·النخل والرمان على الفاكهة، فعلى معنى التأكيد، وكذلك قال تعالى: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨]، فعطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وهما من أفاضل الملائكة. فصل: وقوله: ((وإنه لأول مال تأثلته فى الإسلام)) يريد بالمال هاهنا الأصل الذى لا ينقل ولا يحول؛ لأنه لا خلاف أنه قد ملك قبل ذلك ما يقع اسم مال من السلاح وغيرها، ويحتمل أن يريد بذلك غير ذلك من الأموال، ولكنه لم يكن اتخذها على معنى کتاب الجهاد ...... ٣٨٦ التأثل، وإنما اتخذها للحاجة إليها بالاستعمال كالثوب يلبسه وغير ذلك، فلم يكن على معنى التأثل. ١٠٢٧ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلا يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ عَنِ الأَنْفَالِ، فَقَالَ ابْنُ عَّاسٍ: الْفَرَسُ مِنَ النَّفَلِ، وَالسَّلَبُ مِنَ النّقَلِ، قَالَ: ثُمَّ عَادَ الرَّجُلُ لِمَسْأَلَتِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ذَلِكَ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: الأَنْقَالُ الَّتِى قَالَ اللَّهُ تعالى فِى كِتَابِهِ: مَا هِىَ؟ قَالَ الْقَاسِمُ: فَلَمْ يَزَّلْ يَسْأَلُهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُحْرِجَهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاس: أَتَدْرُونَ مَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ صَبِيغٍ الَّذِىِ ضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَّطَّابِ. الشرح: سؤال الرجل عبد الله بن عباس عن الأنفال ظاهره أننه سأله عن الأنفال المذكورة فى قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: ١]، قال عكرمة ومجاهد وابن عباس: هى غنائم، قيل والأنفال جمع نفل، وإنما سميت الغنيمة نفلاً؛ لأنها تفضل من الله على الناس. وروى عن ابن عمر وابن عباس أيضًا: أن الأنفال هى الزيادات التى يزيدها الأئمة للناس إذا شاءوا ذلك، ولو كانت فيه مصلحة . . وقال الحسن: الأنفال ما شذ من العدو من عبد أو دابة للإمام أن يعطى ذلك من شاء، فمن قال: إن الأنفال هى الغنائم، قال: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فإن لله خمسه وللرسول﴾ [الأنفال: ٤١]، ومن قال بالقولين بعده جعلها محكمة، فإذا تقرر ما ذكرنا، واحتمل أن يكون سؤال الرجل عن الأنفال المذكور، فكان سؤاله عن معنى هذه اللفظة، ومقتضاها، فأجابه عيد الله بن عباس بذكرها ما يصح أن يكون منها، وهو بعضها، وإنما يكون هذا جوابًا لمن عرف أن الأنفال هى الزيادة التى ثبت بالشرع أو بالعرف فى الشرع. ١٠٢٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٤٧، وقال: هكذا هو الخبر فى الموطأ عند جمهور الرواة. ورواه الوليد بن مسلم، عن مالك مثله، فقال فى أخره: السلب من النفل، والفرس من النفل، يريد أنه للقاتل، وأظن أنه يريد لنفسه أقل من قول الوليد بن مسلم، فهو مذهبه ومذهب الأوزاعى شيخه والشافعى، ومن ذكرنا معهم. وليس ذلك فى الموطأ فى أخر هذا الحدیث. .... ٣٨٧ کتاب الجهاد وأما من سأل عن نفس الأنفال فليس هذا جوابه، ولعل ذلك الرجل لم يتبين سؤاله، ولا تبین مراده، فاعتقد عبد الله بن عباس أنه لما كان يسأله عما قد جاوبه به أو لعله قد اقترن بسؤاله التأويل، وإظهار الإعجاب بقوله، وادعاء المعرفة بما سأل عنه، وانفراده بمعرفة ذلك ما اقتضى أن يجاوبه ابن عباس بما جاوبه به، أو لعله رأى أنه ممن لا يستحق السؤال عن هذه المسألة، وأنه ممن يجب عليه أن يسأله عن مسائل وضوئه وصلاته لقلة معرفته، فيغفل ذلك، ويقبل على السؤال عن مثل هذه المسائل التى لا تليق به، ولا يفهمهما، ولا يحتاج إلى معرفتها، فلذلك قال له ابن عباس: ((أتدرون ما مثل هذا، مثل صبیغ الذی ضربه به عمر بالدرة». وقصة صبيغ المذكور ما روى سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التيمى إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه: فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنى عن: ﴿والذاريات ذروا﴾ [الذاريات: ١]، قال: هى الرياح، قال: فأخبرنى عن ﴿فالحاملات وقرا﴾ [الذاريات: ٢]، قال: هى السحاب. قال: فأخبرنى عن ﴿فالجاريات يسرًا﴾ [الذاريات: ٣]، قال: هی السفن، ثم أمر به فضربه مائة، وجعله فى بيت، فلما برأ دعا به فضربه مائة أُخرى، وحمله على قتب، وكتب إلى أبى موسى الأشعرى: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد فى نفسه مما كان يجد شيئا، فکتب فى ذلك إلی عمر، فکتب عمر: ما إخاله إلا قد صدق، فخل بینه وبین مجالسته الناس. سُئِلَ مَالِك عَمَّنْ قَّلَ قَبِيلًا مِنَ الْعَدُوِّ، أَيَكُونُ لَهُ سَلَبُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ؟ قَالَ: لا يَكُونُ ذَلِكَ لأَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ وَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الإِمَامِ إِلَا عَلَى وَجْهِ الاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَبْلُغْنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ إِلَا يَوْمَ خیْنِ. ء الشرح: وهذا كما تقدم من أن سلب المقتول لا يكون للقاتل إلا بإذن الإمام، وهو قوله فى العموم: ((ومن قتل قتيلاً فله سلبه)) وقوله فى الخصوص لرجل بعينه: إن قتلت قتيلاً فلك سلبه، وإن قتلت فلانًا لرجل من المشركين فلك سلبه أو يقول من قتل قتيلاً من بنى فلان من المشركين، فله سلبه، فيكون ذلك على حسب ما قاله، ولا يكون لغيره، وإنما يحب للإمام أن يقوله على ما يؤديه إليه اجتهاده من النظر للمسلمين. فصل: وقوله: ((ولم يبلغنى أن رسول الله ﴿) قال من قتل قتيلاً فله سلبه إلا يوم كتاب الجهاد ....... ٠٠٣٨٨ حنين)) يحتمل معنيين، أحدهما: أنه إذا كانت المغازى قبل حنين وبعده عريت من هذا القول، ومن هذا الحكم، فلم يكن لمن قتيل قتيلاً سلبه إلا يوم حنين، فإن ذلك يقتضى أن ذلك لا یکون إلا بإذن الإمام و حکمه، وأنه إن قاله، وحکم به، نفذ حکمه به، وإن لم يقله لم یکن لمن قتل قتيلاً سلبه. والمعنى الثانى أن قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شىء فإن الله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١]، وأجمع المسلمون على أن أربعة أخماسه للغانمين من هذه الآية، وهذه الآية نزلت فى غزوة بدر. وقوله ﴿: ((من قتل قتيلاً فله سلبه، يوم حنين)) فلا يجوز أن يكون الأول ناسخًا للثانى، بل لابد أن يكون الحديث ناسخًا لبعض حكم الآية أو مخصصًا لعمومها أو مفسرًا لحكمها، وهو أن هذا الخمس الذى لله ولرسوله منصرف بعضه، وهو سلب المقتول للقاتل إذا رأى ذلك الإمام، وما قاله من أنه لم يبلغه أن ذلك كان إلا يوم حنین، فهو علی ما قال، فإنه لا يثبت فيه شىء قبل يوم حنين، وما روى من ذلك فى يوم بدر، فمن طرق ضعيفة لا تصح، والله أعلم. ما جاء فى إعطاء النفل فى الخمس ١٠٢٨ - مَالِكِ، عَنْ أَبِىِ الرِّنَادِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُعْطَوْنَ النّفَلَ مِنَ الْخُمُسِ. قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ. الشرح: وهذا كما قال سعيد بن المسيب رحمه الله: الناس كانوا يعطون النفل، وهو الزيادة على أنصبائهم من الخمس؛ لأنه لا يجوز أن يعطوا من غيره؛ لأن الخمس معرض لمثل هذا إنما هو موقوف لمصالح المسلمين، وليعط منه ما ينتفع به المسلمون. وأما أربعة أخماس الغنيمة، فهو لقوم معينين، وهو مبنى على المساواة لا يفضل فيه أحد لغناء، ولا ينقص منه أحد لقلة غناء، وهو أحب الأقوال إلى مالك هذا يقتضى أنه أحب إليه من قول من قال غير الخمس، ولا يخمس، وإنما يخرج أولا الأنفال للقاتلين، ثم يخمس الباقى، وليس معنى قوله أن هذا القول أحب إليه من الآخر أن الآخر عنده ١٠٢٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٤٨. کتاب الجهاد ٠٠ ٣٨٩ .... صحيح، وأنه مما يحبه، ولهذا عليه مزية، وإنما معناه أن هذا أولى بأن يؤخذ به كما يقال إقامة الحقوق أولى من تضييعها. قال يحيى: وسُئِلَ مَالِك عَنِ النَّلِ، هَلْ يَكُونُ فِى أَوَّلِ مَغْثَمٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الاجْتِهَادِ مِنَ الإِمَامِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا فِى ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَوْقُوفٌ إلا احْتِهَادُ السُّلْطَانِ، وَلَمْ يَبْلُغْنِى أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ه ◌َقْلَ فِى مَغَازِيهِ كُلُّهَا، وَقَدْ بَلَغَنِى أَنَّهُ نَفْلَ فِى بَعْضِهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الاخْتِهَادِ مِنَ الإِمَامِ فِى أَوَّلِ مَغْنَمٍ وَفِيمَا بَعْدَهُ(). الشرح: قوله: ((أنه سئل عن النفل هل يكون فى أول مغنم)) معناه أن ينفل قومًا يخصهم بشىء من الغنيمة لأمر ينفردون به سرية أو نحوها مثل أن يبعث سرية، وينفلها الربع بعد الخمس، فإن ذلك لها لأنه أمر قد حکم لها به الإمام، وحکمه نافذ. مسألة: فلو غنمت هذه السرية، ثم لقيها عسكر آخر للمسلمين أخرجه الخليفة إلى جهة أخرى، فإن كانت السرية ضعيفة عن النفوذ بما غنمته، ولم يكن لها من العسكر الذى انفصلت عنه عون على ذلك، فإن العسكر الثانى يشركهم فى النفل والغنيمة، فما صار للسرية من نفل أخذته، وما صار لها من مغنم ضم إلى ما يأتى العسكر الأول من المغانم، وإن كانت السرية قوية على التخلص لم يشركهم العسكر الثانى فى نفل ولا سهم. (*) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٦٧/١٤، وقال: اختلف العلماء فى النفل فى أول مغنم، وفى النفل فى العين من الذهب والورق: فذهب الشاميون إلى لا نقل فى أول مغنم، وهم: رجاء بن حيوة، وعبادة بن نسى، وعدى بن عدى الكندى، ومكحول، وسليمان بن موسى، والأوزاعى، ويزيد بن يزيد بن جابر، والقاسم بن عبد الرحمن، ويزيد بن أبى مالك. وقال الأوزاعى: السنة عندنا أن لا نفل فى ذهب ولا فظة، ولا لؤلؤ. وهو قول مالك، وسليمان بن موسى، وسعيد بن عبد العزيز. وأنكر أحمد بن حنبل قول الشاميين: لا نقل إلا فى أو مغنم. قال أبو عمر: لما أرى مالك، رحمه الله، اختلاف الناس فى النفل فى أول مغنم، وفيما بعده، ولم ير فى شىء من أقوالهم حجة توجب المصير إليها، فجاز النفل للوالى على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده، كان فى أول مغنم أو غيره. هذا ويكون ذلك من الخمس على ما ذكره سعيد بن المسيب. وروى محمد بن سيرين أن أنس بن مالك كان مع عبيد الله ابن أبى بكرة فى غزاة، فأصابوا شيئًا، فأراد عبيد الله أن يعطى أنسًا من الشىء قبل أن يقسم، قال أنس: لا ولكن أعطنى من الخمس، فقال عبيد الله: لا إلا من جميع غنائم، فأبى أنس أن يقبل، وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخمس. ٣٩٠ کتاب الجهاد مسألة: وإن أنفذ الأمير سرية على أن الربع بعد الخمس نفل لهم، فلما فصلت أشهد أنه قد أبطل ذلك، فقد قال سحنون: له ذلك، ما لم يغنموا ولا يكون له ذلك بعد أن یغنموا. فصل: وقوله: ((أن ذلك على وجه الاجتهاد، ليس فيه حد معروف)) يريد أنه على وجه الاجتهاد من الإمام فى مصالح المسلمين، وما يعود لمنافعهم، ((ليس فيه حد معروف)) يريد مؤقت يلزم المصير إليه على كل حال؛ لأن ما كان مصروفًا إلى اجتهاد الإمام يفعله إذا رأى ذلك، ويتركه وما حد بالشرع ليس له النظر فيه، ولذلك لما كان الخمس من المغتم لله ولرسوله مؤقتًا لم يكن للإمام أن يزيد فيه، ولا ينقص منه باحتهاده، ولما كان أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين على السواء لم يكن للإمام أن يزيد من ذلك أحدًا لغنائه، ولا ينقص من حظه لضعفه لرأى يراه، ولا لمصلحة يعتقدها. وأما النفل، فله الزيادة فيه والنقص منه، فبان الفرق بينهما. فصل: وقوله: ((ولم يبلغنى أن رسول الله ﴿ نفل فى مغازيه كلها)) يقتضى نفى ذلك من وجهين، أحدهما: أن يروى عن أحد من الثقات أنه نفل فى مغازيه. والثانى: أن يروى عن ثقة أنه نفل يوم أحد ويوم كذا حتى يستوعب ذلك مغازيه، وهذا اللفظ يقتضى نفى الوجهين، وإنما أثبت أنه بلغه أن النبى ﴿3﴾ نقل فى بعضها، وهو يوم حنين وإنما أراد أن يثبت أن ذلك أمر غير لازم بالشرع، وإنما هو بحسب ما يراه الإمام، ويأذن فيه فى بعض المواطن دون بعض. ولو كان الأمر لازمًا فى كل غزوة لحكم به النبى ﴿لَ﴾ فی سائر مغازيه كما حكم به يوم حنين، ولما أثبت أنه حكم به فى بعض المواطن، ولم يبلغنا أنه حكم به فى غيرها، ولو حكم به لبلغلنا كما بلغ حكمه بذلك يوم حنين، ثبت أنه إنما يحكم به فى بعض المواطن لما كان يرى فيه من المصلحة فى ذلك اليوم، ولا يحكم به فى غيره لما كان يرى من المصلحة فى ترك الحكم به فى ذلك اليوم. فصل: وقوله: ((وإنما ذلك على وجه الاجتهاد من الإمام فى أول مغنم وفيما بعده)) يريد أنه قد يرى الإمام وجه الصواب فى أن يأمر به فى أول المغنم،، وهو ما ذكرناه من أن ينفل السرية، فيعطيها ثلث ما يغنمه أو ربعه تختص به دون الجيش لما يرى من المصلحة فى ذلك للسرية والجيش وغيرهم، قد يرى الصواب أن يحكم به فى آخر المغنم على حسب ما فعل يوم حنين، فيفعل ذلك فى آخر المغنم، والله أعلم. ............. ٣٩١ کتاب الجهاد ........ القسم للخيل فى الغزو ١٠٢٩ - قال مَالِك: بَلَغَنِى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَقُولُ: لِلْفَرَسِ سَهْمَانٍ وَلِلرَّجُلِ سَهْمٌ. قَالَ مَالِك: وَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ ذَلِكَ. الشرح: يريد للفرس سهم يخصه، وهذا يقتضى أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم واحد؛ لأنه إذا كان للفرس خاصة سهمان، وللراجل الذى يركبه سهم كالرجل المفرد، فإنه يكون للفارس ثلاثة أسهم، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: للفرس سهم واحد ولفارسه سهم واحد، فللفارس سهمان، وللراجل سهم. والدليل على ما نقوله ما روى أبو داود عن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ((أن رسول الله ﴾ أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهمًا له، وسهمين لفرسه(١)). ودليلنا من جهة المعنى ما ذكره الشيخ أبو بكر أن الفرس لما كانت مؤنته أكثر من مؤنة فارسه، وغناؤه أكثر من غناء الفارس، زيد فى القسم من أجل ذلك. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنه يسهم للفرس الرهيص يدرب به كذلك. قال مالك: فأما المريض، فاختلف أصحابنا فى سهمه، فقال مالك: يسهم له. وقال أشهب وابن نافع: لا یسهم له. وجه القول الأول أنه على حالة يرجى برؤه ويترقب الانتفاع به كالذى يصيبه القىء الخفيف. ووجه القول الثانى أنه لا يمكن القتال عليه الآن، فأشبه الكسير. مسألة: وأما الكسير يدرب كذلك، فلا خلاف أنه لا يسهم له، ولو أصابه ذلك بعد الإدراب لا سهم له، قاله أشهب وأصبغ. ١٠٢٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٤٩. (١) أخرجه البخاری حدیث رقم ٤٢٢٨. الترمذى حديث رقم ١٥٥٤. أبو داود حديث رقم ٢٧٣٣. ابن ماجه حديث رقم ٢٨٥٤. أحمد فى المسند حديث رقم ٤٤٣٤، ٤٩٧٩. الدارمی حدیث رقم ٢٤٧٢. کتاب الجهاد ٣٩٢ ووجه ذلك أنه حالة لا یرجی برؤه، ولا يترقب الانتفاع به .. وقوله: أنه لا يسهم له إذا أصابه بعد أن أدرب، ليس بمقتضى قول مالك، وإنما مقتضى قول مالك أنه إنما يسهم له إذا أصابه بعد حضور القتال به، وإنما ذلك القول مبنى على قول ابن الماجشون، وهو ينحو إلى قول أبى حنيفة. وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ حَضَرَ بِأَفْرَاسٍ كَثِيرَةٍ، فَهَلْ يُقْسَمُ لَهَا كُلِّهَا؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ بِذَلِكَ، وَلا أَرَى أَنْ يُقْسَمَ إِلا لِفَرَّسٍ وَاحِدٍ الَّذِى يُقَاتِلُ عَلَيْهِ. الشرح: وهذا كما قال أن من حضر بأفرس كثيرة فکان ممن يسهم له، فإنه لا يسهم له منها إلا مع فرس واحد، ولا يسهم لسائرها، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى. وقال الأوزاعى وأحمد بن حنبل: يسهم لفرسين، ولا يسهم لأكثر من ذلك، وبه قال ابن وهب من روایة سحنون عنه. والدليل على ما نقوله أنه إنما يسهم لفرس يركبه فارس، وأما فرس لا يركبه أحد، ولا يقاتل عليه، فلا منفعة فيه، وهذا الفارس إذا كانت عنده عدة أفراس، فإنه لا يمكنه أن يقاتل على اثنين منها فى وقت واحد، ولا يكون فارس يركب فرسين فى وقت واحد، فوجب أن لا یسهم إلا لفرس واحد. مسألة: وإذا كان الفرس بين رجلين، فسهماه للذى حضر به القتال، وإن كان الآخر ركبه فى أكثر طريقه، وعليه للآخر أجرته، وإن شهدا عليه القتال جميعًا، فلكل واحد منهما بمقدار ما حضر عليه من ذلك، وعليه نصف الإجارة، قاله مالك فى کتاب ابن سحنون. ووجه ذلك أن المراعى فى استحقاق السهم حضور القتال، فكان أحقهما يسهمی الفرس من حضر عليه القتال، وعليه نصف الأجرة كالذى يعمل على الدابة بينه وبين شريكه، فإن له ما أصاب فى ذلك العمل، وعليه نصف كراء الدابة فى مثل ذلك العمل. قَالَ مَالِك: لا أَرَى الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ إِلا مِنَ الْخَيْلِ لأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِى كِتَابِهِ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِقَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨] وَقَالَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيَّلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَأَنَا أَرَى الْرَاذِينَ وَالْهُجُنَ مِنَ الْخَيْلِ إِذَا أَجَازَهَا الْوَالِى، ٣٩٣ کتاب الجهاد . وَقَدْ قَالَ سَعِيدٌ بْنُ الْمُسَّيِّبِ: وَسُئِلَ عَنِ الْبَرَاذِينِ هَلْ فِيهَا مِنْ صَدَقَةٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فِى الْخَيْلِ مِنْ صَدَقَةٍ. الشرح: وهذا كما قال أن البراذين والهجن من الخيل. قال ابن حبيب: البراذين هى العظام، يريد الخلقة الغليظة الأعضاء، وليست العراب كذلك، فإنها أضمر وأرق أعضاء وأحلى خلقة. وأما الهجن، فهى التى أبوها عربى، وأمها من البراذين، فهى من الهجن. وذهب مالك رحمه الله فى قوله هذا إلى أحد معنيين، أحدهما: أن اسم الخيل واقع على جميعها، وإن افترقت فى أنواعها، فمنها العراب، ومنها الهجن، والمعنى أن يريد أنها من الخيل أى أن حكمها حكمها، وإن لم يكن اسم الخيل يتناولها. ومن ذلك ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((إن الأشعريين إذا أملقوا جمعوا أزوادهم وتساووا فيها، فهم منى، وأنا منهم)) (٢) لم يرد أنه من الأشعريين فى النسب، ولا أنهم من قريش، وإنما أراد أن خلقهم فى المساواة أقرب الأخلاق إلى خلقه الكريم العظيم واستدلال مالك بالآية على أنه أراد أن اسم الخيل يتناول البراذين والهجن؛ لأنه تعالى قال: ﴿والخيل والبغال والحمير﴾ [النحل: ٨]، فالظاهر أنه استوعب ذكر الحيوان المشار إلى ركوبه، والحمل عليه ليعدد نعمه علينا بذكر الأنعام، وما نحمل عليه منها ثم ذكر الخيل والبغال والحمير، فالظاهر أنه استوعب هذا الجنس، ولم يذكر الهجن ولا البراذين، فدل ذلك على أن اسم الخيل يتناولها. فصل: وقوله: ((وقال: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) الآية)) ومعنى ذلك أنه إذا ثبت بالآية المتقدمة أن الهجن والبراذين من الخيل، ثم قال تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ ثبت أن البراذين والهجن مما سمى الله؛ لأنها مما قد أمر الله بأن يربط فى سبيل الله ليذهب بها إلى العدو. فصل: وقول مالك: ((وأنا أرى أن البراذين والهجن من الخيل إذا أجازها الوالى)) (٢) أخرجه البخارى حديث رقم (٢٤٨٦) من حديث أبى موسى بلفظ: ((إن الأشعريين إذا أرملوا فى الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم فى ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم فى إناء واحد بالسوية، فهم منى وأنا منهم». وكذلك أخرجه مسلم بهذا اللفظ حدیث رقم ٢٥٠٠. کتاب الجهاد ٣٩٤ يريد أن حكمها إن سهم لها كحكم الخيل. قال ابن حبيب: إذا أشبهت الخيل فى القتال علیھا والطلب بها أسهم لها. ووجه ذلك أن هذا المقصود من الخيل الكر والفر عليها والطلب بها، ولم يشترط ابن حبيب إجازة الوالى لها، وإنما اشترطه مالك لئلا يكون من التخلق والدناءة بحيث لا ينتفع بها، ولا يمكن القتال عليها، فمثل هذا يجب أن لا يجيزه الوالى. وقال الشيخ أبو بكر: إذا لم يكن بها عيب لا يقاتل على مثلها. قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: ذلك عندى إلى العيب إذا كان العيب أمرًا ثانيًا لا يرجى برؤها منه. وأما ما يرجى برؤها منه بالقرب كالرهيص، فإنه لا يمنع السهم. قال سحنون: وإذا دخل دار الحرب بفرس لا يقدر أن يقاتل عليه من كبر أو ممن صعب لا يركب، فهو راجل، ولم يكن ينبغى للإمام أن يجيزه، فهذا يدل على أن على الإمام أن يتفقد أمر الخيل، فيميز منها ما يجب إجازته، ويرد منها ما يجب رده مما لا منفعة فیه، ولا يمكن القتال عليه. مسألة: وإناث الخيل بمنزلة ذكورها يسهم لها، رواه ابن عبد الحكم عن مالك. ووجه ذلك أنه يمكن عليها القتال والطلب ما يمكن على ذكورها، فوجب أن يسهم لها کما یسهم للذکور. مسألة: وأما صغار الخيل لا مركب فيها، ولا حمل، فلا يسهم لها، فإن كان فيه القوة علی ذلك أسهم له، قاله ابن حبيب . ووجه ذلك أن هذا مما لا يقاتل على مثله، ولا ينتفع به فى فرار ولا طلب، فلا یسهم له کالکثیر. فرع: ولو دخل بفرس صغير، فبقى فى أرض العدو حتى كبر وصار يقاتل عليه، فله من يومئذ سهم فرس دون ما قبل ذلك، رواه ابن سحنون عن أبيه منزلة من بلغ من الصبيان بأرض العدو، فلا سهم له، إلا فيما غنموا بعد ذلك. مسألة: وأما راكب البغل والحمار أو البرذون الذى لا يجيزه الوالى، فإنه لا يسهم له ولا یرضخ له. فصل: قال: ((وقد قال سعيد بن المسيب، وسئل عن البراذين هبل فيها من صدقة، فقال: وهل فى الخيل من صدقة)) يريد أن سعيد بن المسيب لما سئل عن صدقة البراذين،