النص المفهرس

صفحات 1921-1940

............... ٣٥٥
كتاب الجهاد
ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم أن هذا مما وصل إليه بجماعة المسلمين، فلم يكن له
دونهم إلا سائر الغنائم.
مسألة: وأما ما كان مملوكًا فى الأصل، فليس لأحد من أهل الجيش الاستبداد به
كالرقيق والثياب والمتاع، فهو فى كله، قليله وكثيره، ما أمكن إخراجه ونقله.
فإن عجز عن ذلك وتركه الإمام أو أراد إحراقه، فأتى من أخذه، فروى ابن المواز
عن مالك: هو له دون الجيش ولا خمس فيه. وقال أشهب: ليس لمن أخذه، وهو
کرجل من الجيش فيه.
ووجه قول مالك أن طرح الإمام له حكم بإزالة ملك الجيش عنه، وقطعًا لحقهم
منه، وانتفاع الحامل له أولى من تركه، ولو شاركه فيه غيره لأدى ذلك إلى أن يتركه.
ووجه قول أشهب أن أهل الجيش قد ملكوه بالغنيمة فلا يزول ملكهم عنه بالعجز
عن حمله كما لو كان ذلك فى بلاد المسلمين.
*
الباب الرابع فى بيان من له حق، وسيأتى بعد هذا إن شاء الله تعالى
الباب الخامس فى بيان قسم الغنيمة
قال ابن المواز: إن رأى الإمام الأفضل فى أن يقسمها خمسة أقسام بالسوية بأن
يجعلها خمسة أنصباء فى كل سهم صنف، وكذلك النساء والصبيان والإبل حتى تعدل
ثم يسهم بينهما، ویکتب فى سهم منها الخمس لله أو لرسول الله، فحيث خرج ذلك
السهم كان الخمس وكانت الأربعة الأخماس للجيش، وإن رأى أن يبيع الجميع ثم
يقسم الأثمان، فذلك له. وحكى ابن سحنون عن أبيه بيع الإمام ثم يقسم الأثمان،
وإن لم يجد من يشترته قسم العروض خمسة أجزاء بالقرعة.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: والأظهر عندى من فعل النبى ﴿ قسمه ذلك
دون بيع، وعلى ذلك ورد حديث عبد الله بن عمر فى السرية التى توجهت قبل نجد،
فبلغت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا، إلا أنه تحتمل أن ذلك البيع بعذر.
وقوله فى حديث سعيد بن المسيب: ((كان الناس إذا اقتسموا غنائمهم يعدلون البعير
بعشر شياه))(٢). وهذا يقتضى تكرار فعل الصحابة له، ولا يعلم مخالف فيه، فثبت أنه
(٢) سبق تخريجه برقم ١٠٢٤.

کتاب الجهاد
٣٥٦ ..
إجماع. ومن جهة المعنى حقهم متعلق بالعين، فليس له أن يبيع عليهم إلا لحاجة داعية
إلى ذلك.
فصل: وقوله: ((كانوا إذا اقتسموا غنائمهم يعدلون البعير بعشر شياه)) يحتمل أن
تكون تلك كانت قيمتها يومئذ، وكذلك يجب أن يفعل الإمام إذا اختلف أجناس
الغنيمة، واختار القسمة واحتاج إليها أن يعدل بينهما بالقيمة.
قال يحيى: سمعت مالكا يقول فِى الأخيرِ فِى الْغَزْوِ: إِنّهُ إِنْ كَانَ شَهِدَ الْقِتَالَ،
وَكَانَ مَعَ النّاسِ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَكَانَ حُرَّا فَلَهُ سَهْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَلَا سَهْمَ
لَهُ().
(*) قال فى الاستذكار ١٠٩/١٤: اختلف العلماء فى الأجير والتاجر، فقول مالك فى الأخير
ما ذكره فى موطئه، وذكر فى غير الموطأ: لا يسهم للتاجر، ولا للأجير إلا أن يقاتلوا. وقال
الحسن بن حى: يسهم للأجير. وقال الليث بن سعد: من أسلم، فخرج إلى العسكر، فإن
قاتل، فله سهمه، وإن لم يقاتل، فلا سهم له. قال: والأخير إذا اشتغل بالخدمة عن حضور
القتال، فلا شىء له. وقال أبو حنيفة وأصحابه فى التاجر والأجير: إن قاتلوا استحقوا، وإن لم
يقاتلوا، فلا شىء لهم. وهذا كقول مالك سواء. وروى الثورى، عن أشغث، عن الحسن وابن
سيرين، قالا: يسهم للأخير. قال الثورى: إذا قاتل الأخير أسهم له، ورفع عن من استأجره
بقدر ما شغل عنه. وقال الأوزاعى، وإسحاق: لا يسهم للعبد ولا الأجير المستأجر على خدمة
القوم. ذكر المزنى، عن الشافعى، قال: ولو كان لرجل أجير يريد الجهاد معه، فقد قيل: يسهم
له، وقد قيل: لا يسهم له، إلا أن يكون قتال، فيقاتل، كذلك التجار إن قاتلوا، قيل: لا يسهم
لهم، وقيل يسهم لهم. قال المزنى: قد قال فى كتاب الأسارى: يسهم للتاجر إذا قاتل، وهو
أولى بأصله. قال أبو عمر: جمهور العلماء يرون أن يسهم للتاجر إذا حضر القتال. وقال
الأوزاعى: لا يسهم للبيطار، ولا للشعاب والحداد ونحوهم. وقال مالك: يسهم لكل من قاتل
إذا كان حرًا. وبه قال أحمد بن حنبل. قال أبو عمر: من جعل الأخير كالعبد لم يسهم له،
حضر القتال أم لم يحضر، وجعل ما أخذه من الأجرة مانعًا له من السهمان، ومن حجته: ما
رواه عبد الرزاق، عن عبد العزيز بن أبى رواد، قال: أخبرنى أبو سلمة الحمصى، أن عبد
الرحمن بن عوف قال لرجل من فقراء المهاجرين: أتخرج معى يافلان إلى الغزو؟ قال: نعم،
فوعده، فلما حضره الخروج دعاه، فأبى أن يخرج معه، فقال عبد الرحمن: أليس قد وعدتنى؟
أتخلفنى؟ قال: ما أستطيع أن أخرج، قال: وما الذى يمنعك؟ قال: عبالى وأهلى، قال: فما
الذى يرضيك حتى تخرج معى؟ قال: ثلاثة دنانير، فدفع إليه عبد الرحمن ثلاثة دنانير، قبل أن
يخرج معه، فلما هزموا العدو، وأصابوا المغنم، قال لعبد الرحمن: أعطنى نصيبى من المغنم، فقال
عبد الرحمن: سأذكر أمرك لرسول الله ﴿ فذكره له؛ فقال له رسول الله ﴾: ((هذه الثلاثة
دنانیر حظه و نصيبه من غزوته، فی أمر دنياه وآخرته».

٣٥٧
کتاب الجهاد .
الشرح: وهذا كما قال أن الأجير لا سهم له إذا لم يشهد القتال؛ لأنه قد أخذ
عوضًا على دخوله إلى بلد الحرب ممن استأجره على ذلك، فلا يستحق بذلك غنيمة
لأن ذلك منافعه مستحقة عليه لغيره كالعبد.
فصل: وقوله: ((فإن شهد القتال، كان مع الناس عند القتال)) يريد أنه كان مع
المقاتلة لا أن يكون فى حملة الجيش، فإن كان فى المعترك موضع القتال، وكان من جملة
المقاتلين استحق حصة من الغنيمة؛ لأن القتال لم يأخذ له عوضًا، ولا يستحق ذلك
غيره، فاستحق به سهمًا من الغنيمة، وسقط عنه من الإجارة بقدر ما اشتغل عنه من
الخدمة. قال سحنون: فهذا المشهور من المذهب. وقد روى أشهب عن مالك: لا
يسهم للأجیر، وإن قاتل.
ووجه ذلك أنه ممن لا يسهم له مع الحضور إذا لم يقاتل، فإنه لا يسهم له، وإن
قاتل كالعبد. والأصل فى هذه المسألة على المشهور من المذهب أن الغنيمة إنما تجب
للجهاد والقتال والتعاون على الظهور على العدو.
فمن دخل أرض العدو ولم يظهر غرضًا غيره ولا مقصدًا سواه، كان وقوفه فى
الجيش ومقامه فى العسكر يقوم مقام القتال؛ لأنه لم يدخل لغيره، فأما أن يقاتل أو
يحفظ المقاتل أو يكثر السواد ومن أظهر غرضًا فى تجارة أو إجارة أو صناعة، فلا حق
له؛ لأن حضوره لم يكن معونة ولا جهادًا، فإن قتل ثبت حقه فى الغنيمة لأن المقصود
من الغزو والجهاد قد وجد منه، وليس اكتسابه فى طريقه وانتفاعه بعمله ما يبطل
جهاده إذا وجد مقصوده منه کالحاج یتجر.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنه يستحق الغنيمة ما ذكرناه من أنه ثبت له صفات
الكمال، وهى ست صفات: العقل والإسلام والبلوغ والذكورة والحرية والصحة.
فأما العقل فإن كان معه منه ما يمكنه به القتال أسهم له؛ لأن مقصود الجهاد يصح
منه، فإن كان مطبقًا لا يتأتى منه القتال لم يسهم له.
وأما الإسلام، فهو شرط فى استحقاق السهم؛ لأن من ليس مسلم لا يقاتل جهادًا،
وليس حضوره بجهاد ولا نصرة للإسلام؛ لأن معنى الجهاد أن يقاتل الناس حتى يقولوا:
لا إله إلا الله، والمشرك لا يقاتل لذلك، ولأنه ممن يلزم أن يقاتل عنه وتمنع الاستعانة به
فى الحرب، وإن استعين به فى الأعمال والصنائع والخدمة.
والأصل فى ذلك ما روى عن عائشة رضى الله عنها ((أن رسول الله خرج فى

کتاب الجهاد
٣٥٨
غزوة غزاها حتى كان بكذا وكذا لحقه رجل من المشركين کان شديدًا، ففرحوا به،
قال: يا رسول الله، جئت لأکون معك وأصیب. قال: إنا لا نستعين لمشرك. قال ذلك
ثلاث مرات، فأسلم فى الرابعة، فانطلق معه))(٣).
فإذا كان الأمر على ذلك، فلا يسهم له، وأما البلوغ، فهل يكون شرطًا فى
استحقاق السهم من الغنيمة أم لا؟ قال مالك: لا يكون البلوغ شرطًا فى استحقاق
السهم ويسهم للمراهق إذا أطاق القتال. وقال أبو حنيفة والشافعى: لا يسهم إلا البالغ.
وقال ابن حبيب: من بلغ خمس عشرة سنة وأنبت وأطاق القتال، فإنه يسهم له إذا
حضر القتال، وإن لم يقاتل، ومن كان دون ذلك، فلا يسهم له حتى يقاتل.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أنه حر مسلم ذكر وجد منه القتال ومكابدة
العدو، فوجب أن يسهم له كالبالغ. وأما الذكورة، فإنها شرط فى استحقاق السهم
عند جمهور أصحابنا، ولا يسهم لامرأة قاتلت أم لم تقاتل. وقال ابن حبيب: من قاتل
من النساء كقتال الرجال، إنه يسهم لها.
والدليل على ما نقوله أن هذا جنس لا يعد للقتال، فلم يسهم له كالعبيد.
ووجه ما قاله ابن حبيب ما احتج به من أن هذا حكم ثبت للرجال بالحضور،
فوجب أن يثبت للنساء بالمقاتلة كاستحقاق القتل.
مسألة: وأما الحرية، فهى شرط فى استحقاق الغنيمة، فلا يسهم لعبد؛ لأن منافعه
مستحقة لغيره استحقاقًا عامًا، لأن العبد من جملة الأموال التى تحمى ويقاتل عنها، فلا
يستحق سهمًا بقتال لا غيره.
مسألة: وأما الصحة، فإن كان معنى يمنع القدرة على القتال فى الحال والمآل، فإنه
يمنع استحقاق السهم من الغنيمة، وما لم يمنع من ذلك، فإنه لا يمنع السهم؛ لأننا قد
دللنا على أن سهم الغنيمة إنما يستحق بالإعداد للمدافعة والقتال.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فما غنمه من لا يسهم لهم ولم يخالطهم غيرهم وغنموا،
فإنهم على ضربين، أحدهما أن ينفرد أو يكون معهم ممن يسهم له العدد اليسير يكون
تبعا لهم. والثانى: أن يكون معظم العدد ممن يسهم له.
فأما إذا انفردوا أو كان معظم العدد لهم، فإنه تدفع إليهم الغنيمة، وتقسم بينهم، إن
(٣) أخرجه مسلم حديث رقم ١٨١٧. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٨٦٥.

کتاب الجهاد
٣٥٩
.....
كانوا مسلمين، وإن كانوا كفارًا أسلم إليهم، وقسمه بينهم أساقفتهم إلا أن يحكموا
بينهم مسلمًا، فيقسم بينهم ذلك على سنة المسلمين.
وأما إن كانوا معظم أهل المغنم، فلا يخلو أن يدخل غيرهم معهم بإذن الإمام أو بغير
إذنه، فإن دخلوا بغير إذنه، فلا سهم لهم، والغنيمة لسائر الجيش دونهم.
وإن أذن لهم، فبئس ما فعل، وهل يسهم لهم أم لا؟ قال ابن حبيب: إذا أذن الإمام
لقوم من أهل الذمة فى الغزو معه، سهم بينهم وبين المسلمين. وقال سحنون: لا يسهم
لأهل الذمة، إذا كانوا تبعًا، وإن رأى الإمام أن يرضح لهم فعل.
وجه قول ابن حبيب أن الإمام قد أذن لهم فى الغزو، فلهم حقهم من الغنيمة لأنهم
علی ذلك دخلوا.
ووجه قول سحنون أنهم تبع للمسلمين، فلا حكم لغزوهم، وليس للإمام أن يأذن
لهم فى أخذ سهام المسلمين، فإن كان وعدهم بعطاء، فليكن ذلك من الخمس؛ لأن
هذه الغنيمة إنما سلمت بالمسلمين، وهم المدافعون عنها، فلا اعتبار من شهدها معهم
من غيرهم، وهذا فيما أخذ على وجه الإعلان والمدافعة.
فأما ما أخذ على وجه السرقة والتلصص، فإن حكم أهل الإسلام وغيرهم فى ذلك
سواء، يأخذ كل واحد منهم حصته؛ لأنهم لم يأخذوها على وجه المدافعة والمغالبة،
فيكون المسلم أحق بها من الذمى والحر أولى بها من العبد.
وأما ما أخذ على وجه التلصص والسرقة، فقد استووا فى أمره، فكان بينهم على
السواء.
قَالَ: وَسَمَعْتُ مَالِكًا يقول: وَأَرَى أَنْ لا يُقْسَمَ إِلا لِمَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ مِنَ
الأحْرَارِ.
الشرح: وهذا كما قال أنه لا يسهم إلا لمن شهد القتال ومن لا يشهده لم يسهم
له، فمن جاء بعد القتال وإحراز السهم، لم يسهم له، وبه قال الشافعى. وقال أبو
حنيفة: من جاء بعد تقضى القتال وإحراز الغنيمة، وقبل الخروج من دار الحرب، فله
سهمه، ومن جاء بعد الخروج من دار الحرب، فلا سهم له.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فتحرير مذهب مالك فى هذه المسألة إن وجد منه الخروج
من منزله إلى الغزو، فقد وجد منه الشروع فى العمل، فمن لم يوجد منه اختيار

کتاب الجهاد
.....
٣٦٠
الرجوع عن الغرض المقصود من الغزو، وهو القتال أو حضوره، فحكمه حكم
الدخول إلى أرض الحرب، ولا اعتبار بما قبل ذلك.
ومتى وجد منه الدخول إلى أرض الحرب، فلا يخرجه عن ذلك، ولا يمنعه السهم هو
ولا غيره إلا الرجوع إلى أرض الإسلام باختياره.
وأما الرجوع على وجه الغلبة، فقد روى ابن المواز عنه: أن ذلك لا يخرجه عن أهل
السهم.
وفى هذا أربعة أبواب، أحدها: فى صفة الحضور للقتال. والباب الثانى: فيما
يستحق من الغنيمة بحضور القتال. والباب الثالث: فى المعانى التى تمنع الغنيمة وتميزها
من المعانى التى لا تمنعها. والباب الرابع: فيما تثبت به المعائلى التى لا تمنع الغنيمة.
الباب الأول فى صفة حضور القتال على المشهور
*
من قول مالك
فإن لم يحضر القتال بأن یکون فی الجیش وقته، وإن لم يقاتل، أو یکون فى حكم
من حضره، وهل يكون التقاء الجمعين دون مناشبة الحرب بمنزلة القتال؟ قال سحنون:
إذا قامت الصفوف منا ومنهم، ولم یناشب القتال، فلا سهم لمن مات حينئذ.
وروى ابن المواز نحوه عن مالك، وإنما السهم لمن مات بعد مناشبة القتال، فحضور
القتال عنده إنما هو حضور المناشبة لا حضور المقابلة والمواجهة. وقال ابن حبيب:
سمعت أن أصحاب مالك، قالوا: إن مشاهدة القرية أو الحصن أو العسكر كالقتال،
وإن لم یکن قتال.
وجه رواية ابن المواز ما روى عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما أنهما قالا. إنما
الغنيمة لمن شهد الوقعة. ولا مخالف لهما مع انتشار أقوالهما، فثبت أنه إجماع، واسم
الوقيعة إنما ينطلق فى عرف الاستعمال على الحرب دون غيرها من المواجهة والمقابلة
والرؤية.
ومن جهة المعنى أن المقصود من الغزو والقتال، وبه يتوصل إلى غلبة العدو وإحراز
الغنيمة، فوجب أن يكون الاعتبار به دون غيره.

٣٦١٠
کتاب الجهاد
الباب الثانى فيما أحرز من الغنيمة
أما ما أحرز من الغنمية، فإنه على ضربين، أحدهما: ما أحرز بالقتال، فإن من
حضر القتال يستحق فيه سهمه إذا كان مسندًا إلى القتال سببًا له مثل أن ينازل حصن،
فيناشب قتاله، فيموت رجل منهم، ثم يتصل قتاله، فيفتح بعد أيام، فإن للميت فيه،
سهمه.
والضرب الثانى، ما أحرز بغير قتال أو أحرز قبل القتال، فإنه لا يستحق فيه سهم
إلا بحضور إحرازه عند مالك رحمه الله؛ لأن الإحراز إنما يعتبر بالقتال إذا كان مسندًا
إليه، لم يكن ثم قتال يكون سببًا له اعتبر بنفسه.
*
الباب الثالث فيما يمنع استحقاق الغنيمة
وأما ما يمنع استحقاق الغنيمة بعد الخروج فى الجيش، فهو على ضربين، أحدهما:
أن تطرأ عليه قبل القتال حالة مؤثرة فى المنع من الغنيمة لمن حضرها، وقد تقدم ذكرنا
لها، ونحن نزيد الآن فيما ذكر الموت؛ لأنه يذهب بالصفات كلها ويمنع وجود الغازى،
فإذا كان لا يسهم للمطبق بالجنون، وهو موجود فبأن لا يسهم للميت أولى، وكذلك
للكفر إذا طرأ عليه، فإنه يمنع السهم، ويبقى سهمه فيما استحقه قبل كفره باق على
حكم مال المرتد.
مسألة: وكذلك الجنون، إذا كان مطبقًا يمنع القتال، فإنه يمنع السهم فيما أخذ بعده،
وقبل حضوره، ولا يمنع من سهمه فيما أخذ قبل ذلك؛ لأنه معنى يزيل التكلف
کالموت.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: والأصل فى ذلك عندى أن ما كان من
الأمراض التى يرجى برؤها كالحمى والرمد وما أشبه ذلك، فإنها لا تمنع السهم وما
كان يرجى برؤه، ويمعن القتال كالجنون فإنه يمنع السهم فى المستقبل ولا يمنع ما قد
استحق منه قبل حدوثه.
مسألة: وأما الضرب الثانى، فأن يغيب قبل القتال عن الجيش باختياره دون إذن
الإمام، فهذا لا يسهم له؛ لأنه لم يحضر الوقعة على الوجه المذكور.
مسألة: وهذا فيما استحق بالقتال، فأما ما استحق بالإحراز، فإنما يراعى فيه التغيب

کتاب الجهاد
٠٣٦٢
عند الإحراز على حسب ما تقدم، ومثل هذا ما يفوت به القادم الغنيمة باللاحق
بالجيش أو الذى يسلم أو العبد يعتق أو الأسير يطلق، فهذا يسهم له فى المستقبل دون
الماضى ولا تفوته الغنيمة بعد القتال بأن لا يحضر القتال إذا حضر إحرازها، وأخذها
فيصير القتال، فيستحق الغنيمة بحضوره من لم يشاهد إحرازها، ولا يفوت بفواته من
شاهد إحرازها.
الباب الرابع فيما تثبت به المعانى المؤثرة
فى منع الغنيمة
وأما ما تثبت به المعانى المؤثرة فى الغنيمة، فإن ذلك على ضربين، أحدهما: أن
يدعى على الغزى أمر فيقر به، ويدعى العذر فيه. والثانى: أن ينكره جملة.
فأما الضرب الأول، فمثل أن يقر بالرجوع ويدعى أنه رجع مغلوبًا أو ضالاً، فإن
ذلك على قسمين، أحدهما: أن يدعى من الأعذار ما له أمارات من ريح ردت مركبًا
كان فيه أو مخافة غرر طريق أو مرض أو تخلف دابة، ومنه ما لا تكون له أمارة
كالضلال ونحوه، فما كانت له إمارة يستدل بها، فإذا ثبتت أمارة عذره قبل قوله، وما
لم تكن له أمارة وكل إلى أمانته وقبل عذره.
مسألة: وأما إذا أنكر التخلف جملة، فإنه مدعى عليه التخلف بعد الإقرار له الغزو
والكون فى جملة الجيش، فلا يثبت تخلفه بقول أحد ممن يشاركه فى الغنمية لأنه جار
إلى نفسه نفعًا، وهل يقبل قول الأمير فى ذلك أم لا؟ روى يحيى عن ابن القاسم: لا
تقبل شهادة الأمير. وروى ابن سحنون عن أبيه: أنها ليست بشهادة، ويقبل قول الأمير.
وجه قول ابن القاسم أن هذا الأمیر له شر که فی المغنم، لم تقبل فيه شهادته کسائر
الجیش.
ووجه قول سحنون أن هذه ليست بشهادة، وإنما هو حكم ويجوز له أن يحكم
بعلمه فيما الضرورة إليه كمعرفته بأعيان الشهود.
*
ما لا يجب فى الخمس
قَالَ يحيى: سَمَعْتُ مَالِكًا يَقول فِيمَنْ وُجِدَ مِنَ الْعَدُوِّ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ بِأَرْضِ

٠٠ ٣٦٣
کتاب الجهاد
الْمُسْلِمِينَ، فَرَعَمُوا أَنْهُمْ تُجَّارٌ، وَأَنَّ الْبَحْرَ لَفِظَهُمْ، وَلا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ تَصْدِيقَ
ذَلِكَ إِلا أَنَّ مَرَاكِيَهُمْ تَكَسَّرَتْ أَوْ عَطِشُوا()، فَنَزَّلُوا بِغَيْرٍ إِذْنِ الْمُسْلِمِينَ: أَرَى أَنَّ
ذَلِكَ إلى الإِمامِ يَرَى فِيهِمْ رَأْيَهُ، وَلا أَرَى لِمَنْ أَخَذَهُمْ فِيهِمْ خُمُسًا.
الشرح: وهذا كما قال أن العدو إذا وجد بساحل المسلمين قد نزلوا دون أحد من
المسلمين أو لفظهم البحر فادعوا أنهم أتوا للتجارة، فإن لم يعلم صدق قولهم، فهم
فىء، لو علم صدقهم لم يعرض لهم، ووجب تركهم على ما نزلوا عليه أو يردون إلى
مأمنهم.
وفى هذا بابان، أحدهما: فى بيان حكمهم. والثانى: فى بيان حكم ما وجد معهم
من المال.
*
الباب الأول فى بيان حكمهم(٤)
قال مالك: إن بان صدقهم لم يعرض لهم، وإلا رأى الإمام فيهم رأيه. وروى ابن
حبيب عن غير واحد من أصحاب مالك عن مالك: أنهم وما معهم فىء، ولا يقبل
قولهم.
وإن كانت معهم التجارات مثل الجوز واللوز وغير ذلك، وليسوا على جهة حرب،
(*) قال فى الاستذكار ١١٧/١٤: يروى: وعطبوا، ويروى أو عطشوا. وهو أولى؛ لاختلاف
معنى اللفظين لدخول أو بينهما.
(*) قال فى الاستذكار ١١٧/١٤: الحكم فى هؤلاء مما يظهر من أمرهم بأن لم ير معهم
سلاحٌ، ولا آلة حربٍ، وظهر متاع التجارة، أو ما دل عليه، فحكم الإمام فيهم أن يقتل منهم،
أو يردهم إلى مأمنهم، وإن لم يظهر من أمرهم ما يدل على صدقهم، لم يكن لأهل بلدهم
صلح، ولا عهد مهادنة مأمون به، فهم فىء ساقه الله إلى المسلمين، لا خمس فيهم لأحد، لأنهم
لم يوجف عليهم بخيل ولا ركاب. وقد قيل: إنهم لمن أخذهم وقدر عليهم، وصاروا بيده،
وفيهم الخمس قياسًا على الركاز الذى هو من مال الكفار. وقد وردت السنة بإيجاب الخمس
فيه، فأجرى مجرى الغنيمة، وإن لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فإن لم يصيروا بيد أحد
حتى ارتفع أمرهم إلى الإمام، فلا خمس فيهم بإجماع، وهم فى ثلث مال المسلمين مع سائر
الفئ. ذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال سئل عطاء عن رجل من أهل الحرب يأتى المسلم
بغير عهد؟ قال: خيره إما أن تقره، وإما أن تبلغه مأمنه. قال ابن جريج: وقال غيره: لا يرده
إلا أن يكون له عهد، ولوجاء بغير سلاح، إن شاء الله.

کتاب الجهاد
٣٦٤
فهم أهل حرب أبدًا حتى يؤمنوا إلا أن يكونوا تعوّدوا الأمان على الاختلاف بالتجارة
قبل هذا، فهم على الأمان.
فوجه القول الأول أنه إذا عرف صدقهم فى أنهم تجار، فهم مستأمنون يلزم بذل
الأمان لهم أو ردهم إلى مامنهم.
ووجه رواية ابن حبيب أنهم أهل حرب، فلا أمان لهم ومتى غلبوا وظفر بهم قبل
بذل الأمان لهم، فهم فىء. وأما من اعتاد الاختلاف للتجارة إلى بلد المسلمين على
أمان، فقد تقدم الأمان له على هذا الوجه، فهو على ذلك.
فرع: إذا قلنا إنهم لا يسترقون إذا عرف صدقهم، فإن الذى يعرف به صدقهم قد
ذكره ابن المواز عن عبد الملك بن الماجشون: ولا يكاد يخفى أمرهم، فإن المركب يوجد
فيه العدد من المقاتلة، والكثير من السلاح، والمركب الكبير ليس فيه الكثير من المقاتلة،
ولا الكثير من السلاح، وإن كان فيهم بعض المقاتلة وبعض السلاح لأنهم يدفعون عن
أنفسهم، فليقبل قولهم فى مثل هذا أنهم جاءوا للتجارة.
وذكر فى موضع فى السفن تنزل موضع ومعهم التجارات والسلاح: أنه ينظر إلى
قلتهم وكثرتهم وضعف الموضع الذى نزلوا به وقوته، وما معهم من السلاح والأمتعة
والتجارات، فجعل هذه كلها من العلامات التى يستدل بها على صدقهم أو كذبهم،
وهذا على ما قال لأن مراكب المحاربين غير مراكب التجار، وعددهم فى الكثرة غير
عدد التجار، وليس معهم من التجارات ما له كبير معنى، والتجار معظم ما معهم
التجارات، وصفة مراكب المحاربين غير صفة مراكب التجار، فهذا كله يستدل به
علی صدقهم أو كذبهم، وعلى حسب ذلك يكون حكمهم، وبالله التوفيق.
الباب الثانى فى بيان حكم ما وجد معهم من المال
أما ما وجد معهم من أموالهم، فإنه على ثلاثة أضرب، أحدها: أن يكون الأخذ
لذلك من بلادهم ممن يتصرف فى بلادهم غير مغالب لهم كالأسير الذى قد ملكوه،
وصار بأيديهم أو دخل إليهم بأمان، فأخذ شيئًا من أموالهم، وخرج بها، فإن جميعه له،
ولا خمس فيه؛ لأن هذا بمنزلة المستأمن يأخذ شيئًا من أموالهم، ويخرج به إلينا، فإنه له.
والضرب الثانى: ما أخذ منهم على وجه المغالبة لهم بموضع يمكن خلاصهم منه،
فإن ذلك فىء من أخذه، وفيه الخمس.

٣٦٥
کتاب الجهاد
والضرب الثالث: ما أخذ من أموالهم ورقابهم بموضع لا ترجى فيه نجاتهم، كأن
كان بتكسر مراكبهم، فإنه لا خمس فيه، ولا هو لمن أخذه، وإنما للإمام أن يصرفه فيما
رآه من مصالح المسلمين، وهذا حكم رقابهم، وما كان معهم من أموالهم فى هذا
الضرب.
فأما إذا انفردت أموالهم، ووجد شىء منها ببلاد المسلمين على هذا الوجه، فقد
قال ابن المواز: هو لمن وجدہ، ولا تخمس عروضه، ویخمس ما فیه من ذهب أو ورق،
ورواه أشهب عن مالك.
ووجه ذلك أنه منزلة الكنز من أموال العدو، ولأنه ليس معه من تقدم له علیه ملك،
فأما الذهب والورق فيخمسان على ما ذكر عن مالك فى كنز الذهب والورق.
وأما العروض، فقال هاهنا: لا تخمس. وقد اختلف الرواة فى كثير العروض، فقال
مرة: لا تخمس. وقال مرة: تخمس، فعلى هذا يجب أن يكون الجواب فى هذه المسألة
علی الروایتین.
فرع: إذا ثبت ذلك، فما وجد فى هذه المراكب من الرقيق، ولم يصدقوا، ففى
كتاب ابن المواز عن ابن القاسم: يرى فيهم الإمام رأيه من أسر أو بيع أو فداء، ولم
يذكر القتل.
وقال فى العلج يوجد ببلاد المسلمين بعد طول مقام بها، فلما ظفر به، قال: جئت
لأقيم آمنا فى بلاد المسلمين، فإن الإِمام يرى فيه رأيه، وهو فىء، ولا يقتل، إلا أن يتهم
بالتجسس، فيقتل.
وقال ابن الماجشون، فى المراكب التى يكون فيها العدو، وتنكسر يبلاد المسلمين،
فيدعون أنهم جاءوا تجارًا، فيظهر من كثرة عددهم وكثرة مقاتلتهم، وقلة تجارتهم أنهم
كاذبون: فإنهم وما معهم فىء، وتقتل مقاتلتهم على هذا.
*
ما يجوز للمسلمين قبل الخمس
قَالَ مَالِك: لا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْعَدُوِّ مِنْ
طَعَامِهِمْ مَا وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الْمَقَاسِمُ.

کتاب الجهاد
٣٦٦
قَالَ مَالِك: وَأَنَا أَرَى الإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ يَأْكُلُ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ إِذَا
دخَلُوا أَرْضَ الْعَدُوِّ كَمَا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعَامِ.
قال يحيى: قال مالك: وَلَوْ أَنَّ ذَلِكَ لا يُؤْكَلُ حَتَّى يَحْضُرَ النَّاسُ الْمَقَاسِمَ وَيُقْسَمَ
بَيْنَهُمْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْحُيُوعِ.
قال يحيى: قال مالك: فَلا أَرَى بَأُسًا بِمَا أُكِلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى وَجْهِ
الْمَعْرُوفِ وَلا أَرَى أَنْ يَدَّخِرَ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا يَرْجِعُ بِهِ إِلَى أَهْلِهِ (١).
الشرح: وهذا كما قال، وقد تقدم من قولنا أن ينتفع به فى أرض العدو مما عندهم
على ضربين، مباح غير مملوك، وقد تقدم القول فيه. والثانى: أصله الملك، ولكنه أبيح
الانتفاع به للغذاء والقوة، وذلك كل مطعوم من أموال الروم وحده المسلمون فى
بلادهم.
فإن لمن وجده أكله فى دار الحرب، ويعلفه دوابه، ولا يحتاج فى استباحته إلى قسم
ولا إذن الإمام، وإنما يكون الآخذ له أحق لحاجته منه، وما فضل منه عنه أعطاه من
احتاج إليه من الغازين، فإن لم يجد محتاجًا إليه رفعه إلى صاحب المغانم.
والأصل فى ذلكما روى عن ابن عمر أنه قال: كنا نصيب العسل والعنب، فنأكله
ولا نرفعه.
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١١٩/١٤ - ١٢٠. وقال: أجمع جمهور علماء المسلمين
على إباحة طعام الحربيين مادام المسلمون فى أرض الحرب يأكلون منه قدر حاجتهم، وجاءت
بذلك آثار مرفوعة من قبل أخبار الآحاد العدول من حديث ابن عمر، وحديث ابن مغفل،
وحديث ابن أبى أوفى. وجملة قول مالك، والثورى، وأبو حنيفة، والأوزاعى، والليث بن
· سعد، والشافعى: أنه لا بأس أن يأكل الطعام والعلف فى دار الحرب بغير إذن الإمام، وكذلك
ذبح الأنعام للأكل. وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبى عبيد، وأبى ثور. وكان ابن شهاب
الزهرى لا يرى أخذ الطعام فى أرض الحرب إلا بإذن الإمام. ذكره عنه معمر وغيره، ولا أعلم
أحدا قاله غيره. وروى الثورى، عن مغيرة، عن إبراهيم، قالوا: كانوا يرخصون للغزاة فى
الطعام والعلف. وكره الجمهور من أهل العلم أن يخرج شىء من الطعام إلى أرض الإسلام إذا
كان له قيمة، أو كانت للناس رغبة، وحكموا الذى يحكم لقسمة الغنيمة فإن أخرجه، رده فى
المقاسم إن أمكنه وإلا باعه، ونظر فى ثمنه. وقال الأوزاعى: ما أخرجه من ذلك إلى دار
الإسلام فهو له أيضًا. قال أبو عمر: روى بشر بن عبادة، عن عبادة بن نسى، عن عبد الرحمن
ابن غنم، عن معاذ بن جبل، أنه قال: كلوا لحم الشاة، وردوا بها إلى المغنم فإن له ثمنا.

٣٦٧
کتاب الجهاد
مسألة: وأما الحيوان المباح أكله كالبقر والغنم والإبل، فإنها فى ذلك بمنزلة الطعام
عند مالك. وقال الشافعى: لا يذبح شىء من ذلك إلا لضرورة إذا عدموا الطعام.
والدليل على ما نقوله أن الحاجة إلى أكلها والاقتيات بها أشد من الحاجة إلى العسل
والعنب، فإذا جاز أكل العسل والعنب، فبأن يجوز الاقتيات بلحوم الغنم والبقر أولى
وأحری.
فصل: قوله: ((فلا أرى بأسا بما أكل من ذلك على وجه المعروف والحاجة إليه)) يريد
أن الذى أبيح له من ذلك أكله على وجه جرت العادة بأكله وأما ذبح الحيوان وإتلافه
أو ذبح الكثير منه الذى يكفى يسيره، ويخرج فيه عن حد الاقتيات البالغ إلى حد
الإفساد والانتهاب والتبذير، فإن ذلك ممنوع إلا أن يريد إفساده إذا لم يقدروا على
العدو إذا لم يطيقوا انتقاله.
فصل: وقوله: ((ولا أرى أن يدخر أحد من ذلك شيئًا يرجع به إلى أهله)) يريد ما له
من ذلك بال وقيمة، وإنما له أن يأكل منه حتى ينصرف، فإن فضل منه شىء تصدق به
إلا أن يكون التافه اليسير كالقديد والكعك مما يقل ثمنه.
مسألة: وأما ما أخذ من ذلك للقوة والاستعداد كالفرس والسلاح والثوب ينتفع به
حتى ينقضى غزوه، فهذا اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن القاسم: له أن يأخذ ذلك من
احتاج إليه بغير إذن الإمام، وينتفع به حتى ينقضى غزوه. وروى على بن زياد وابن
وهب: ليس له أن يأخذ شيئاً من ذلك ولا ينتفع به.
وجه ما قاله ابن القاسم أن هذا مما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به، فجاز أن ينتفع به
من أخذه دون قسمة كالطعام.
ووجه الرواية الثانية أن هذا مما ینتفع به مع بقاء عينه، وله قیمة، فلم یکن لأحد من
الغانمين الانفراد به كالذهب والورق والحلى والوطاء.
وسُئِلَ مَالِك عَنِ رَجُل يُصِيبُ الطَّعَامَ فِى أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيَتَزَوَّدُ،
فَيَفْضُلُ مِنْهُ شَىْءٌ، أَيَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ فَأْكُلَهُ فِى أَهْلِهِ أَوْ يَبِعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ بِلادَهُ
فَيَنْتَفِعَ بِثَمَنِهِ؟.
قَالَ مَالِك: إِنْ بَاعَهُ وَهُوَ فِى الْغَزْوِ، فَإِنِّى أَرَى أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ فِى غْنَائِمِ

کتاب الجهاد
٣٦٨
الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ بَلَغَ بِهِ بَلَدَهُ، فَلا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْكُلُهُ وَيَنْتَفِعَ بِهِ إِذَا كَانَ يَسِيرًا
تَافِهًا().
الشرح: وهذا كما قال أنه إن باع شيئًا مما فضل عنه من الطعام أو ما لم يفضل
منه، وكان محتاجًا إليه، فأراد بيعه من تجار معه، فإنه على ضربين، أحدهما: أن يرغب
فى بيعه رغبة فى ثمنه واختصاصًا به، فإن ذلك غير مباح له لأنه إنما أبيح له أكله
والانتفاع به وأما بيعه وأخذ ثمنه، فغير جائز.
ووجه ذلك أنه لا يملكه قبل الأكل، ولذلك لو أقرضه أحدًا من الغازين أو باعه منه
بنسيئة لم يلزم المبتاع أن يقضيه الثمن ولا المقترض أن يوفيه القرض.
مسألة: وأما إن باعه لحاجة أن يصرف ثمنه فيما يحتاج إليه من السلاح واللباس،
فقد قال ابن سحنون عن بعض أصحابنا: لا بأس بذلك؛ لأن له أن يأخذ هذا من المغنم
إذا وجده فيه، فإن لم يجده وأمكنه أن يأخذ من المغنم ما أبيخ ليتوصل به إليه، فإن له
ذلك كما لو بذل طعامًا لا يحتاج إليه فى طعام محتاج إليه. وهذا يقتضى أنه يجوز أن
یبتاع به طعامًا.
وقد قال ابن حبيب: هو مكروه؛ لأنه إذا صار ثمنًا وجب أن يرجع مغنمًا، وهذا
يقتضى أنه لا يجوز أن يبتاع به طعامًا، وأنه متى صار ثمنًا وجب أن يرجع مغنمًا كما
لو أخذ دینارًا أو درهمًا، فإنه لا يجوز أن ينفرد به.
*
ما يرد قبل أن يقع القسم مما أصاب العدو
١٠٢٥ - مَالِك عن نافع أَنَّ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَبَقَ، وَأَنَّ فَرَسًا لَهُ عَارَ
فَأَصَابَهُمَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ غَيِمَهُمَا الْمُسْلِمُونَ، فَرُدَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ، وَذَلِكَ
قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُمَا الْمَقَاسِمُ.
الشرح: قوله: ((أن عبدًا لعبد الله بن عمر أبق)) يريد ذهب، ((وأن فرسًا له عار())
(*) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٢٠/١٤. وانظر: الحاشية السابقة.
١٠٢٥ - أخرجه البخارى موصولاً كتاب الجهاد حديث رقم ٣٠٦٧، باب إذا غنم المشركون مال
مسلم ثم وجدہ المسلم.
(*) عار: أى انطلق هائمًا على وجهه.

کتاب الجهاد
٠ ٣٦٩
.....
يريد أيضًا ذهب. قال أبو عبد الله البخارى: عار الفرس، مشتق من العير، وهو حمار
الوحش، يريد أنه فعل مثل فعله فى النفار والفرار.
وقال ابن دريد فى جمهرته: عار الفرس يعير عيرًا، إذا انطلق من مربضه، فذهب
علی وجهه، و كذلك البعير.
وقوله: ((فأصابهما المشركون)) يريد صار ذلك بأيديهم وفى قبضتهم وحيازتهم، ((ثم
غنمهما بعد ذلك المسلمون، فردا على عبد الله بن عمر)) يريد أنهما ما ردا إلى ملكه
لما علم أنهما له ((قبل أن تصيبهما المقاسم) يريد مقاسم الغنائم من أهل الجيش، وفى
هذا ثلاث مسائل، إحدها: أن يعرف صاحبه. والثانية أن يعرف أنه لمسلم، ولا تعرف
عينه. والثالثة: أن لا يعرف شىء من ذلك. فأما إن عرف صاحبه، وكان حاضرًا، فإنه
يدفع إليه حدیث عبد الله بن عمر، ولأنه باق على ملکه لم ينزل عنه بتجدد ملك عليه.
فرع: فإن کان صاحبه غائبًا معروفًا بعينه، فإنه يوفق له، قاله سحنون. وقال ابن
المواز: ينظر الإمام فى ذلك للغائب، فإن رأى أن ينفذه إليه، وتكون عليه النفقة
والأجرة فعل، وإن رأى أن يبيعه عليه ويوقف له الثمن فعل. وروى ابن وهب عن
مالك: إن عرف صاحب، ولم يستطيع تسليمه إليه قسم.
وجه القول الأول أنه باق على ملكه لم تفته القسمة، فوجب أن لا يفوت عليه
بالقسمة كما لو كان حاضرًا. ووجه القول الثانى أنه لو كان حاضرًا لم يتقرر ملكه
عليه إلا أن يدعيه، فإذا كان غائبًا، وكان ثم من يستحقه لم يحكم له به كما لو كان
فی ید مالك معین.
مسألة: فإن عرف أنه لمسلم، ولم تعرف عينه، فالذى عليه جمهور أصحابنا أنه
مقسم بين الغانمين، ولا يكون له إذا قدم إلا بالثمن بمنزلة ما لم يعرف أنه لمسلم. وقال
القاضى أبو محمد: إن علم أنه لمسلم لم يجز للجيش تملكه وقسمته، ولزم تركه إلى أن
یأتی ربه.
وجه القول الأول أنه فى أيدى الغانمين مستحقين له، فلا يخرج عن أيديهم إلا بأن
يستحقه معین یدعیه.
ووجه الرواية الثانية أن الغانمين لا يدعون ملكه إلا من جهة الغنيمة، وقد ثبت لهم
مالك تقدم ملكه، فكان أحق بملكه.

کتاب الجهاد
٣٧٠
مسألة: فإذا لم يعرف أنه لمسلم، فلا خلاف فى أنه يباع فى المقاسم؛ لأنه بمنزلة
سائر الفىء، وهذا إذا كان المشركين قد أخذوا ذلك من غير اختياره.
فأما دفعه إليهم طوعًا مثل أن يبيعه منهم، فلا يوفوه ثمنه أو يخافهم فيصالحهم به،
فلا حق فيه إذا غنمه المسلمون، قاله سحنون.
ووجه ذلك أنه سلمه إليهم باختياره، وملكهم إياه، وذلك لخروجه عن ملكه، فلا
حق له فيه.
قَالَ يحيى: وسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: فِيمَا يُصِيبُ الْعَدُوُّ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّهُ إِنْ
أُدْرِكَ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْمَقَاسِمُ، فَهُوَ رَّدٌّ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْمَقَاسِمُ، فَلا
يُرَدَّ عَلَى أَحَدٍ().
الشرح: وهذا كما قال أنه إن أدرك قبل المقاسم، فإنه يرد على صاحبه يكون أحق
به من الغانمين وغيرهم، وأما إذا لم يعلم أنه له حتى وقعت فيه المقاسم، فإنه لا يرده
علی صاحبه.
ومعنى الرد هاهنا أنه لا يكون أحق به دون ثمن، وذلك إن أخذ أهل الشرك الشىء
على وجه القهرة شبهة تملك، وهكذا كل ما تملكوه على وجه لا يصلح للمسلم أن
يملك عليه، فإنه له، ويصححه إسلامه عليه أو الحكم له بصحته.
وقال الشافعى: لا يصح ملكهم لشىء إلا على الوجه الذى تملك عليه المسلمون،
ومن أسلم منهم، وفى يده شىء من أموال المسلمين، فلا شىء له فيه، ورد إلى صاحبه،
وكذلك ما أصابوا من أموال المسلمين ثم غنمه المسلمون، فلا يعلم بذلك حتى قسم،
فإن صاحبه أحق به يرد إليه بغير شيء، ويعطى من صار إليه فى قسمه قيمته من بيت
المال.
والدليل على ما نقوله أن القهر والغلبة جهة يملك بها المسلم على المشرك، فجاز أن
يملك بها المشرك على المسلم كالبيع والصلح.
مسألة: إذا ثبت ذلك، ففى هذا مسألتان، إحداهما: أن يجد الإنسان ملكه فى الغنيمة
قبل القسمة، فلهذا له أن يأخذه بغير قيمة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى. وقال عمرو
بن دينار: إذا وصل إلى دار الحرب، ثم أخذه المسلمون بعد هذا، فهو للغانمين.
(*) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٢٣/١٤.

٣٧١
...
کتاب الجهاد
والدليل على ما نقوله أن ملك المشركين على ما غنموه لم يستقر، ولو استقر لما
كان لصاحبه قبل القسمة ولا بعدها، وإنما يتقوى بشبهة الإسلام، فإذا لم تقترن به
شبهة الإسلام، فهو على ملك صاحبه الأول.
مسألة: فإن أثبته صاحبه بعد القسمة، فهو أحق به. وروى عن عمر بن الخطاب أنه
قال: من هو بیده أحق به.
والدليل على ما نقوله أن من صار بيده له فيه شبهة ملك، ومن كان له ملك ثابت
صحيح كان أولى، وحيازة المشركين له شبهة ملك لم تتم؛ لأن تمامها لا يكون إلا
بالإسلام، فبقی لصاحبها فيها حق.
ولو أسلم من هى فى يديه لبطل حق السيد منها لتمام ملكه لها، وحكم الإمام ببيع
العبد وقسمة ثمنه ليس بحكم بإبطال حقه منه، وإنما هو حكم بصحة أخذ الغانمين
ثمنه، ویبقی له فيه أن يفتدیه بذلك الثمن أو تتركه.
ولو حكم الإمام بإبطال حقه منه لما كان له رجوع فيه، على قول سحنون، ويرجع
فيه على قول ابن القاسم؛ لأنه لم يطالبه به أحد ولا دعته إليه ضرورة، فلم يكن فيه
غیر مجرد الضرورة، فیجب أن يرد فيه وینقض.
فرع: إذا ثبت لربه أخذه، فإنه لا يكون له أخذه إلا بالثمن يريد من عنده. وقال
الشافعى: تدفع إليه القيمة من بيت المال.
والدليل على صحة ما نقوله أن العبد لا يدفع إلى بيت المال، وإنما رد إلى سيده،
فوجب أن تكون القيمة على من يصير إليه العبد أو يكون استحقاقًا تامًا، فلا تجب فيه
القيمة على آخذه.
وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ حَازَ الْمُشْرِكُونَ غُلامَهُ ثُمَّ غَيِمَهُ الْمُسْلِمُونَ.
قَالَ مَالِك: صَاحِبُ أَوْلَى بِ بِغَيْرِ ثَمَّنٍ وَلَا قِيمَةٍ وَلا غُرٍْ مَا لَمْ تُصِبْهُ الْمَقَاسِمُ،
فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ الْمَقَاسِمُ، فَإِنِّى أَرَى أَنْ يَكُونَ الْغُلامُ لِسِِّ بِالثَّمَنِ إِنْ شَاءً(ً).
الشرح: قوله: ((إن صاحبه أولى به بغير ثمن ولا قيمة ولا غرم)) يريد أن له أن
يأخذ، ولا يدفع فيه قيمة، وهو ما يساوى يوم أخذه له ولا ثمنًا إن كان وقع تبايع بين
(*) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٢٣/١٤.

کتاب الجهاد
.......
٣٧٢
المشركين قبل أن يغنم، ولا يغرم بسبب ذلك من أنفق عليه ولا يكفه بسبب ذلك من
أنفق علیه ویكلف نفسه.
ووجه ذلك أن الغنيمة لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس الغنيمة، وإنما استقر
بالقسمة، وبه قال القاضى أبو الحسن، وهو مذهب أبى حنيفة، وملك صاحبه يتقرر
علیه حال الغنيمة، فكان له أخذه بغیر ثمن.
وأما ما بعد القسمة، فلا خلاف فى تقرر ملك الغانمين عليها، فلم يكن لصاحب
ذلك أخذه إلا بالثمن كالشفعة.
فصل: وقوله: ((فإن وقعت المقاسم، فإنى أرى أن يكون الغلام له بالثمن إن شاء)»
يريد بالثمن الذى ضار إلى الذى هو فى يده بالقسمة إن كان الفئ بيع وقسمت
الأثمان، إن كان الفىء قسم فبقيمته يوم دفع إليه فى القسمة، وسواء دخل العبد زيادة
أو نقصان عمى أو غيره، فإن صاحبه لا يأخذه إلا بجميع الثمن لأنه إنما يستحقه بسبب
قدیم كالشفعة.
مسألة: فإن ادعى من صار إليه العبد بالقسمة ثمنًا، وأنكره المستحق، فهو مصدق
فيما يشبه، فإن أتى لا يشبه رد إلى القيمة.
ووجه ذلك أنه يخرج العبد من يده بعوض، فكان القول قوله فى ذلك العوض ما لم
یتبین كذبه كالشفعة.
قَالَ مَالِك فِى أُمِّ وَلَدِ رَحُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَازَهَا الْمُشْرِكُونَ، ثُمَّ غَيِمَهَا
الْمُسْلِمُونَ، فَقُسِمَتْ فِى الْمَقَاسِمِ، ثُمَّ عَرَفَهَا سَيِّدُهَا بَعْدَ الْقَسْمِ: إِنَّهَا لا تُسْتَرَقُّ،
وَأَرَى أَنْ يَفْتَدِيَهَا الإِمَامُ لِسَيِّدِهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَى سَّيِّدِهَا أَنْ يَفْتَدِيَهَا وَلا يَدَعُهَا،
وَلا أَرَى لِلَّذِى صَارَتْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِقَّهَا وَلا يَسْتَحِلَّ فَرْجَهَا، وَإِنَّمَا هِىَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ
لأنَّ سَيِّدَهَا يُكَلِّفُ أَنْ يَفْتَدِيَهَا إِذَا جَرَحَتْ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةٍ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ أُمَّ
وَلَدِهِ تُسْتَرَقُ وَيُسْتَحَلُّ فَرْجُهَاأَ).
(*) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٢٩/١٤، وقال: اختلف العلماء فى هذه المسألة:
فقول مالك فيه ما ذكر فى موطئه. وقد روى عنه أن على صاحبها أن يغذيها إن كان موسرًا،
فإن كان معسرًا أتبع دينا به إن لم يعط ذلك من بيت المال. قال: وأرى على الإمام أن يفديها.
وقال الليث بن سعد فى ذلك كقول مالك، إلا أنه قال: يتبع السيد بقيمتها دينا إن لم يكن=

٣٧٣
کتاب الجهاد ..
الشرح: وهذا كما قال أن أم الولد قد ثبت ولاؤها لسيدها، ولم يكمل عتقها؛ لأن
سيدها قد بقى له فيها الاستمتاع وأكثر أحكام الرق من انتزاع المال والحجر وغير
ذلك.
فإذا غنمها المشركون، ثم صارت بأيدى المسلمين بالغنيمة، فإن علم بذلك قبل
القسمة، فهى لسيدها، وإن لم يعلم بذلك حتى تصيبها المقاسم، فإن مالكًا قال:
يفتديها الإمام لصاحبها، وقال ابن القاسم وغيره من أصحابنا: يفتديها لنفسه
صاحبها.
وجه قول مالك أن الإمام يفتديها له إنما ذلك؛ لأن صاحبها يجبر على افتكاكها،
وليس سبب ذلك من جهته، ولا من جهتها، وإنما ألزمه الإمام ذلك بما فعل من
القسمة، وليس هذا بمنزله الأمة لأن له تركها، وهذا ليس له إسلامها وتركها.
وجه الرواية الثانية أن لصاحبها فيها بقية ملك، فلزمه أن يفتدى ذلك المملوك منها
لأن القسمة شبة ملك، وإذا كان منها ما يصح ملكه جاز أن يصحح شبهة ملكه، فإذا
لم يصح الانتفاع بها إلا لسيدها أجبر على أن يفتدى تلك المنفعة منها؛ لأن غيره لا
ينتفع بها، ولا يجوز له تسليمها؛ لأنه لا يملك إباحة ما يملك منها لغيره.
فصل: وقوله: ((فإن لم يفتدها الإمام فعلى سيدها أن يفتديها)) يريد أن الإمام إن
ترك الواجب عليه من ذلك أو رأى فيه غير ما رآه مالك، فإن على سيدها أن يفتديها
على كل حال، وبماذا يفتديها؟ اختلف أصحابنا فى ذلك. فروى ابن القاسم عن مالك
أن عليه أن يفتديها بثمنها الذى أخذها به، كان أكثر من القيمة أو أقل. وحكى ابن
المواز عن أشهب والمغيرة أن على سيدها الأقل من القيمة والثمن.
وجه قول مالك أن ما افتدى من ذلك لحق القسمة، فإنما يفتدى بالثمن كالأمة.
ووجه الوجه الثانى أنه يجبر على افتدائها، فلزمته القيمة إن كانت أقل من الثمن،
وليس ذلك بمنزلة الأمة، فإنه مخير بين افتدائها وتركها، فلذلك لزمه الثمن الذى
اقتسمت به.
مسألة: فإن ماتت قبل الحكم للسيد بها، فلا شيء عليه من قيمتها لأن الثمن إنما هو
=عنده ما يفديها به. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يملك العدو علينا بالغلبة حرًا ولا أم ولدٍ ولا
مدبرًا. وقال الشافعى على أصله: ليس فى أم الولد على سيدها شىء ويدفع إليه أم ولده؛ لأن
العدو لا يملكون عنده شيئًا من أموال المسلمين.

کتاب الجهاد
٣٧٤
ليفتديها، فإذا ماتت، فلا شىء عليه من فدائها، وكذلك لو مات سيدها قبل أن يحكم له
بها فهىحرة، لا شىء عليها ولا علی تر کة سیدها، قاله سحنون.
ووجه ذلك أنها تعتق موته ولا تتبع تركة السيد بشىء؛ لأنه لا يقوم على ميت ولا
تتبع هی بشیء؛ لأن ذلك ليس بسببها بخلاف الجناية.
فصل: وقوله: ((ولا أرى للذى صارت له أن يسترقها، ولا يستحل فرجها)) يريد لأن
فيها ملكًا لسيدها، ولا تصح إزالته إلى رق، وإذا لم يحل للثانى استرقاقها لم يحل له
وطؤها، وإنما له على سيدها عوض ما يملكه سيدها منها، فلما لم يتقرر ذلك، ولم يتميز
كان عليه قيمه رقبتها لأن رقبتها مشغولة بما بقى لسيدها فيها من الملك، ولأنها لو قتلت
لكان له قيمتها، فإن كان غنيًا أخذ ذلك منه، وإن كان فقيرًا اتبع فى ذمته، وإن كان
میتا، بطل حقه.
فصل: وقوله: ((إنما هى بمنزلة الحرة)) يريد أنه لا يصح لمن هى فى يده أن يملكها، فهى
بمنزلة الحرة فى حقه.
وقوله: ((لأن سيدها يكلف أن يفتديها إذا جرحت)) يريد أنها لو جنت على أحد
لكلف سيدها أن يفتديها، فهذا بمنزلة ذلك فى وجوب افتدائها عليه، وقياسه على
الجناية يقتضى أن على سيدها أن يفتكها ممن هى فى يده بالأقل من الثمن والقيمة
كالجناية إنما هى الأقل من الأرش والقيمة.
فصل: وقوله: ((وليس له أن يسلم أم ولده تسترق، ويستحيل فرجها)) يريد أنه لا
يجوز له ذلك، فیجبر على افتكاكها.
وسُئِلَ مَالِك عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فِى الْمُفَادَاةِ أَوْ لِتِحَارَةٍ، فَيَشْتَرِىّ
الْحُرَّ أَوِ الْعَبْدَ أَوْ يُوهَبَانِ لَّهُ، فَقَالَ: أَمَّا الْحُرُّ، فَإِنَّ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَلا
يُسْتَرَقُّ، وَإِنْ كَانَ وُهِبَ لَهُ، فَهُوّ حُرٍّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَىْءٌ إِلا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَعْطَى
فِيهِ شَيِّئًا مُكَافَأَةً، فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى الْحُرِّ بِمَنْزِلَةِ مَا اشْتُرِىَ بِهِ، وَأَمَّنَا الْعَبْدُ، فَإِنَّ سَيِّدَهُ
الأَوَّلَ مُخَّرٌ فِيهِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَنْفَعَ إِلَى الَّذِىِ اشْتَرَاهُ ثَمَنَّهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ
أَحَبَّ أَنْ يُسْلِمَةُ أَسْلَمَهُ، وَإِنْ كَانَ وُهِبَ لَهُ، فَسَيِّدُهُ الأوَّلُ أَحَقُّ بِهِ وَلا شَىْءٌ عَلَيْهِ
إِلا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَعْطَى فِيهِ شَيْئًا مُكَافَأَةً، فَيَكُونُ مَا أَعْطَى فِيهِ غُرْمًا عَلَى سَيِّدِهِ
إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَدِيَهُ().
(*) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٣٠/١٤.