النص المفهرس

صفحات 1881-1900

٣١٥٠
كتاب الأشربة
حرم شربها حرم بيعها))(١). وقول عبد الله بن عمر: إنى أشهد الله عليكم وملائكته
ومن سمع من الجن والإنس أنى لا آمركم أن تبيعوها ولا تبتاعوها، أى إنى لا أترككم
إلى التجارة فيها، وطلب الرزق ببيعها وشرائها كما آمركم بطلب ذلك فى غيرها.
وقد يستعمل الأمر فى مثل هذا بمعنى الإباحة، فيكون معناه إنى لا أبيح لكم، وهذا
مما اتفق على منع بيعه وابتياعه، فإن باعها أحد من أحد، فلا يخلو أن يبيعها مسلم من
مسلم أو مسلم من نصرانى أو نصرانى من مسلم أو نصرانى من نصرانى، فإن باعها
مسلم من مسلم من نصرانى أو مسلم، فلا يخلو أن يعثر على ذلك، والخمر قائمة، أو
كانت عند المشترى، فإن كانت قائمة، فقد قال ابن حبيب: يفسخ الشراء وتكسر
حيث وجدت، ويرد الثمن إلى المشترى إن كان دفعه، فإن لم يكن دفعه لم يؤخذ منه
شىء.
قال الشيخ أبو بكر: وإنما قال ذلك مالك لأن النبى ﴿6﴾ قال: ((إن الذى حرم شربها
حرم بيعها)) فوجب كسرها حيث وجدت، ورد الثمن على المبتاع؛ لأن البائع لا يجوز
له أخذ مال عوضًا من الخمر، وكان الخمر إنما كسرت بيد البائع.
فرع: وإن كانت قد فاتت عند المشترى، فقد قال ابن حبيب: إنه قد فات موضع
الفسخ، ويؤخذ الثمن من البائع إن كان قبضه أو من المشترى إن کان لم يدفعه،
ويفرق على أهل الحاجة، ويعاقبان عقوبة موجعة ببيعها وابتياعها.
مسألة: وإن باعها مسلم من نصرانى، فلا يخلو أن يعثر على ذلك، وهى قائمة أو
بعد أن فاتت. قال ابن حبيب: فإن عثر على ذلك والخمر قليلة بيد البائع أو المشترى
النصرانى كسرت على المسلم ورد الثمن على النصرانى.
فرع: وإن عثر على ذلك بعد أن فاتت عند المشترى أخذ الثمن من المسلم إن كان
قبضه أو من النصرانى إن كان لم يدفعه؛ لأنه ثمن حرام، وفرق على أهل الحاجة، قاله
ابن حبيب، قال: وفيها الختلاف.
مسألة: وإن باعها نصرانى من مسلم، فلا يخلو أن يعثر على ذلك، وهى قائمة أو
بعد أن فاتت، فإن عثر على ذلك، وهى قائمة فى يد النصرانى قد أبرزها للمسلم، فقد
قال ابن حبيب عن مالك: تكسر عليه عقوبة له، ويرد الثمن على المسلم، إن كان
قبضه، ويسقط عنه إن كان لم يقبضه.
(١) تقدم تخريجه فى الحديث رقم ١٠٠٥.

کتاب الأشربة
٣١٦
وإن كان المسلم قد قبضها كسرت على المبتاع، فإن كان المسلم لم يدفع الثمن
سقط عنه، وإن كان النصرانى قد قبضه، لم ينزع منه الثمن. قال الشيخ أبو بكر: إنما
قال: إن الخمر تکسر فی ید المسلم لأنه لا يجوز له ملكها ولا إمساكها.
وقوله: وإن كان دفع الثمن لم يرد إليه أدبًّا له؛ لأنه قد فات بقبض النصرانى له،
فإن لم يكن نقد كسرت الخمر بيده لما ذكرناه، ولم يدفع الثمن إلى النصرانى عقوبة
له. وقد ذكر مالك أنه يؤخذ الثمن من المسلم فيتصدق به وألا تدفع إلى النصرانى.
فرع: وإن كان المسلم قد قبض الخمر، ففاتت عنده، فقد قال ابن حبيب: إن كان
الثمن بقى عنده قبض منه ودفع إلى أهل الحاجة، ويعاقبان، وإن كان الثمن قد صار
.. ](١).
...
إلی النصرانی [.
فصل: وقوله: ((ولا تعصروها، ولا تشربوها، ولا تسقوها، فإنها رجس من عمل
الشيطان)) ذهب والله أعلم إلى منع كل تصرف مقصود فيها، وعمل لها ثم بين علة
ذلك بأنها رجس وأنها من عمل الشيطان، يريد والله أعلم قوله تعالى: ﴿إنما الخمر
والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم
تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠].
تم کتاب الأشربة، والحمد لله.

كتاب الجهاد
الترغيب فى الجهاد
معنى الترغيب فى الجهاد، الإعلام بعظيم ثوابه، وجزيل أجره ليرغب الناس فيه،
وأكثر ما يوصف بالرغائب ما قصر عن رتبة الوجوب؛ لأن العمل إنما يوصف بأتم
أحواله إلا أنه لم يقصد هاهنا للوصف له بوجوب ولا غيره، وإنما قصد الحض على
فعله بالإخبار عن جزيل ثوابه، ويحتمل أن يوصف بأنه من الرغائب لمن سقط عنه
فرضه لقيام غيره به وبعده عن مكانه مع ظهور المجاورين العدو عليهم واستغنائهم عن
عون من بعد عنهم. وقد قال سحنون فى مثل هذا: كان أول الإسلام فرضًا على جميع
المسلمین، والآن هو مرغب فيه.
مسألة: الجهاد فرض فى الجملة إلا أنه من فروض الكفاية. ومعنى قولنا: من فروض
الكفاية، أنه يجب فى الجملة، فإذا قام به بعض الناس سقط فرضه عمن قام به وعن
غيره من المسلمين، وإذا عمت الحاجة إلى جميع الناس ودهمهم من العدو ما لا يقوم به
بعضهم، لزم الفرض جميعهم. والأصل فى وجوبه قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا
تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩].
مسألة: إذا ثبت وجوب الجهاد، فإن غايته أن يدخل الكفار فى الإسلام أو يدخلوا
فى الذمة بأداء الجزية وجريان أحكام الإسلام عليهم. والأصل فى ذلك قوله تعالى:
﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾، إلى قوله: ﴿وهم صاغرون﴾
[التوبة: ٢٩].
مسألة: وهذا مع ظهور الإسلام عليهم وغلبتهم لهم، فأما إذا ضعف أهل الإسلام،
فلا بأس مهادنتهم ومصالحتهم على غير شىء. وسأل أهل الأندلس سحنون، قالوا:
أرأيت لو انقطعت عنا الجيوش، وبعد أمير المؤمنين وعدونا قريب منا فى قوة، هل لأمير

٣١٨
..
کتاب الجهاد
الثغور أن يصالحهم على غير شىء إذ لا طاقة لنا بهم؟ قال: نعم، ولا يبعد فى المدة لما
يحدث من قوة الإسلام.
والأصل فى ذلك مهادنة النبى ﴿ قريشًا عام الحديبية على غير شىء يأخذه منهم
حتى قوى الإسلام، فلم يقبل ذلك منهم.
مسألة: وأما مصالحتهم على مال يعطيهم المسلمون إياه إذا عجزوا عن حماية زرعهم
أو حماية بيضتهم أو حصن من حصونهم، وخالوا التغلب، وأخذ العدو من فيها من
النساء والذرية، فهو جائز.
١٠٠٩ - مَالِكِ، عَنْ أَبِىِ الرِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ قَالَ: ((مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثّلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِى لا يَغْتُرُ مِنْ
صَلاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتّى يَرْجِعَ».
الشرح: قوله : ((مثل المجاهد فى سبيل الله)) السبيل فى كلام العرب هو
الطريق، يذكر ويؤنث، وجميع أعمال البر هى سبيل الله تعالى، إلا أن هذه اللفظة إذا
أُطلقت فى الشرع اقتضت الغزو إلى العدو.
وسئل مالك عن رجل أوصى بمال فى سبيل الله، فقال: سبل الله كثيرة، وأحب إلى
أن يجعل ذلك فى الغزو.
ووجه ذلك ما ذكرناه من أن إطلاق هذه اللفظة أظهر فى الغزو، وتمثيله المجاهد فى
سبيل الله بالصائم القائم، يريد فى عظم ثوابه وكثرته. ومعنى ذلك أن له من الثواب
على جهاده فى سبيل الله مثل ثواب المستديم للقيام والصيام، لا يفتر عنهما، وإنما
أحال على ثواب الصائم والقائم، وإن كنا لا نعرف مقداره لما قرر الشرع من كثرته،
وعرف من عظمته، والمراد بالقائم هاهنا المصلى، يقال فلان يقوم بالليل إذا كان يصلى
فیه.
١٠٠٩ - أخرجه البخارى فى الجهاد والسير ٢٥٧٩. والترمذى فى فضائل الجهاد ١٥٤٤.
والنسائى فى الجهاد ٣٠٧١، ٣٠٧٤، ٣٠٧٥. وأحمد فى باقى مسند المكثرين ٩١١٦،
٩٢٧٣، ٩٥٤٠. وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢٧٥/٥ وعزاه للطيرانى والبزار، وأحمد
عن النعمان بن بشير. وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٥/١ وعزاه إلى مسلم والترمذى
والنسائى والبيهقى فى الشعب عن أبى هريرة. وابن أبى شيبة ٢٨٧/٥ عن أبى هريرة.

........... ٣١٩
کتاب الجهاد
فصل: وقوله له: ((القائم الذى لا يفتر من صلاة ولا صيام، حتى يرجع)) يريد أن
حال المجاهد فى سيبل الله فى أجره وثوابه مثل أجر هذا؛ لأن جميع تصرف المجاهد
وأكله ونومه وغفلته يماثل ثوابه ثواب الذى يقرن بين الصلاة والصوم.
وقد روى ((أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﴾ فقال: دلنى على عمل يعدل الجهاد؟
فقال: لا أجد، هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل المسجد تصلى لا تفتر، وتصوم
لا تفطر؟ قال: من يستطيع ذلك))(١).
١٠١٠ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الرِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ
﴿ قَالَ: ((تَكَفِّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِى سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلا الْجِهَادُ فِى سَبِيلِهِ
وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْحَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِى خَرَّجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ
أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)).
الشرح: قوله : ((تكفل الله لمن جاهد فى سبيله))(١) الكفالة الضمان، وإنما
أضاف الكفالة إلى البارئ فى هذا العمل؛ لأنه أوفى كفيل على سبيل التعظيم لشأن
الجهاد والتصحيح لثواب المجاهد.
وقوله: ((لا يخرجه من بيته إلا الجهاد فى سبيله)) يريد أن يكون خروجه فى جهاده
خالصًا لله تعالى، لا يشوبه طلب الغنيمة، ولا العصبية للأهل والعشيرة، ولا حب
الظهور، ولا سمعة، ولا شىء من المعانى غير الجهاد فى سبيل الله لتكون كلمة الله
هى العليا، وإذا كانت نيته وعقده الجهاد، فلا ينقص أجره، ولا ينقض عقده ما نال من
غنيمة بل هى رزق ساقه الله إليه وأجره وافر كامل، وإنما يكره أن يكون سبب
خروجه وعقده ومقصده فى قتاله الغنيمة أو إظهار النجدة.
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ٣٧٨٥. مسلم حديث رقم ١٨٧٨. النسائى فى الصغرى
حديث رقم ٣١٢٨. أحمد فى المسند حديث رقم ٨٣٣٥.
١٠١٠ - أخرجه البخارى فى الإيمان ٣٥، فرض الخمس ٢٨٩١، التوحيد ٦٩٠٣، ٦٩٠٩. ومسلم
فى الإمارة ٣٤٨٤، ٣٤٨٥. والنسائى فى الجهاد ٣٠٦٩، ٣٠٧٠، ٣١٢٢، ٣١٢٣،
٣١٢٤، الإيمان وشرائعه ٤٩٤١، ٤٩٤٢، الزينة ٥٠٢٩، ٥٠٣٠. وابن ماجه فى الجهاد
٢٧٤٣، ٢٧٥٣. وأحمد فى باقى مسند المكثرين ٦٨٦٠، ٨٦٢٠، ٨٨٠٩، ٩١١١،
١٠٠٠٤. والدارمى فى الجهاد ٢٢٨٤.
(١) تكفل الله: قال النووى: أى أوجب بفضله وكرمه، قال: وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِن
الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ الآية.

کتاب الجهاد
٠٣٢٠
فصل: وقوله : ((وتصديق كلماته))(٢) يحتمل أن يريد به الأمر بالقتال فى سبيل
الله، وما وعد الله عليه من الثواب، ويحتمل أن يريد به الشهادتين، وأن تصديقه بهما
ما يثبت فى نفسه عدواة من كذبهما والحرص على قتله والمجاهد له.
وقوله: ﴿44: ((أن يدخله أو يرده إلى مسكنه الذى خرج منه)) يريد والله أعلم أن
يدخله الجنة إن أصيب بموت أو قتل؛ لأنه ليس فى اللفظ ما يختص بالقتل دون غيره.
أَّ: ((يدخله الجنة)) يحتمل وجهين، أحدهما: أن يدخله الجنة بأثر قتله
فصل: وقوله :
ويكون هذا تخصيصًا للشهداء كما خصوا بأنهم يرزقون، قال الله تعالى: ﴿ولا تحسبن
الذين قتلوا فى سيبل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من
فضله﴾ [آل عمران: ١٦٩].
والثانى أن يدخله الله الجنة بعد البعث، ويكون فائدة تخصيصه أن ذلك يكون كفارة
لجميع خطاياه، وإن كثرت إلا ما خصه الدليل، وأنه لا موازنة بين ما اكتسب من
الخطايا، وبين ثواب ما خرج له من الجهاد، فلم يرجع، ويؤيد هذا التأويل حديث أبى
قتادة فى الذى سأل النبى 49 ((أرايت إن قتلت صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر أيكفر
الله عنى خطاياى؟ فقال ﴿1: نعم) ثم قال له بعد أن رد عليه: ((إلا الدين كذلك قال
لى جبريل))().
فصل: وقوله 458: ((مع ما نال من أجر أو غنيمة))(٣) يريد والله مع الذى ينال
منهما، فإن أصاب غنيمة، فله أجر وغنيمة، وإن لم يصب الغنيمة، فله الأجر على كل
حال، فتكون أو بمعنى الواو کقول جرير.
نال الخلافة أو كانت على قدر كما أتى ربه موسى على قدر
وقد روى عن أبى عبد الرحمن الحلبى، سمعت رسول الله ﴾ يقول: ((ما من غازية
تغزو فى سبيل الله، فيصيبوا غنيمة إلا تعجلوا ثلثى أجرهم من الأجرة، ويبقى لهم
(٢) قال النووي: أى كلمة الشهادتين وقيل تصديق كلام الله تعالى فى الإخبار بما للمجاهدين
من عظم الثواب. قال: والمعنى لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى.
(*) أخرجه مسلم حديث رقم ١٨٨٥. الترمذى حديث رقم ١٧١٢. النسائى فى الصغرى
حديث رقم ٣١٥٦. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٠٣٦، ٢٢١٢٠.
(٣) قال النووى: قالوا معناه مع ما حصل له من الأجر بلا غنيمة إن لم يغنموا أو من الأجر
والغنيمة معًا إن غنموا، وقيل: إن (أو)) هنا بمعنى الواو كما وقع فى رواية مسلم، وفى أبى
داود.

.............. ٣٢١
کتاب الجهاد
ثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم))(٤) وهذا الحديث لا يثبت، رواه أبو هانئ
حميد بن هانئ، وليس بمشهور، ولو ثبت لكان معناه أن يصيبوا غنيمة على غير وجهها،
أو يكونوا قد خرجوا قاصدين لها مع إرادة الجهاد، ولا يصح حمله على عمومه؛ لأنا لا
نعلم غاريًا أعظم أجرًا من أهل بدر على ما أصابوا من الغنيمة.
وقد روى عن رفاعة بن نافع الزرقى، وكان ممن شهد بدرًا قال: «جاء جبريل عليه
السلام إلى النبى ﴿لَ﴾ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين أو
كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة»(٥).
وروى عنه ﴿﴿ أنه قال لعمر بن الخطاب: «ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر،
فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم))(٦).
١٠١١ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِى صَالِحِ السَّمَّانِ(١)، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَخْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا
الَّذِى هِىَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ لَهَا فِى مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا
(٤) أخرجه مسلم حديث رقم ١٩٠٦. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٣١٢٥. أبو داود
حدیث رقم ٢٤٩٧، ابن ماجه حديث رقم ٢٧٨٥. أحمد فى المسند حديث رقم ٦٥٤١.
(٥) أخرجه البخارى فى كتاب المغازى حديث رقم ٣٩٩٢.
(٦) أخرجه البخارى حديث رقم ٣٠٠٧، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠٠. مسلم حديث رقم
٢٤٩٤. الترمذى حديث رقم ٣٣٠٥. أبو داود حديث رقم ٢٦٥٠، ٤٦٥٤. أحمد فى
المسند حديث رقم ٦٠١، ٧٨٨٠. الدارمى حديث رقم ٢٧٦١.
١٠١١ - أخرجه البخارى فى المساقاة ٢١٩٨. ومسلم فى الزكاة ١٦٤٧. والترمذى فى فضائل
الجهاد ١٥٦٠. والنسائى فى الطلاق ٣٥٠٤، الخيل ٣٥٠٥، ٣٥٢٤. وابن ماجه فى الجهاد
٢٧٧٨. وأحمد فى باقى مسند المكثرين ٧٢٤٧، ٨٦١٩.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٩٥/٦: أبو صالح السمان اسمه ذكوان، وهو والد سهيل
بن أبى صالح، مدنى، نزل الكوفة، ثقة مأمون على ما روى وحمل من أثر فى الدين، من خيار
التابعين، وهو مولى لجويرية: امرأة من غطفان. روى عنه من أهل المدينة: سمى، وزيد بن
أسلم، والقعقاع بن حکیم، وعبد الله بن دينار، وابنه سهيل. وروى عنه من أهل الكوفة:
الأعمش، والحكم بن عتيبة، وعاصم بن أبى النجود، وتوفى أبو صالح السمان بالمدينة سنة
إحدى ومائة. وكان أبو هريرة إذا نظر إلى أبى صالح هذا، قال: ما على هذا أن لا يكون من
بنی عبد مناف.

......... کتاب الجهاد
٣٢٢
أَصَابَتْ فِى طِلِهَا (١) ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهٌ حَسَنَاتٌ، وَلَوْ أَنْهَا قُطِعَتْ
طِيَّلَهَا ذَلِكَ، فَاسْتَنْتْ(٢) شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاتُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ
أَنْهَا مَرَّتْ بِنَهَرِ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِىَ بِهِ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ، فَهِىَ لَهُ
أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبِّطَهَا تَغْنَيَا وَتَعَفِّقًا، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّاللَّهِ فِى رِقَابِهَا، وَلا فِى ظُهُورِهَا،
فَهِىَ لِذَلِكَ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَْرًا وَرِيَاءً وَيِوَاءً لأَهْلِ الإسْلامِ، فَهِىَ عَلَى ذَلِكَ
وِزْرٌ».
وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنِ الْحُمُرٍ، فَقَالَ: (لَمْ يُنْزَلْ عَلَىَّ فِيهَا شَىْءٌ إِلا هَذِهِ الآيَةُ
الْحَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَهُ﴾)) [الزلزلة ٨،٧].
الشرح: قوله : ((الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر)) يريد أن
أتخاذها وربطها فى الغالب يكون لأحد هذه الثلاث الأحوال إما لمجرد الأجر، وهو لمن
ربطها فى سبيل الله، وإما للستر، وهو لمن ربطها ليكتسب عليها، وإما للوزر، وهو لمن
ربطها على الوجه الممنوع منه، وارتباط الخيل وربطها، هو اقتناؤها. وأصله من الربط
بالحبل والمقود.
ولما كانت الخيل لا تستبد من ذلك، وكان كل من اقتنى فرسًا ربطه، وكثر ذلك
من استعمالها حتى سموا اقتناءها واتخاذها ربطًا، فمعنى ربطها فى سبيل الله إعدادها
لهذا الوجه واتخاذها بسببه، وهو من وجوه البر یثاب عليه صاحبه فى حال مقامه دون
استعماله فى الجهاد وغزو العدو؛ لأنه من باب الإنفاق فى سبيل الله والإعداد له،
والإرهاب على العدو، فإذا غزا به كان له أجر الجهاد والغزو وأجر الاتخاذ والرباط.
فصل: الرباط يكون على وجهين، أحدهما: رباط الخيل، وهو ما ذكرناه. والأصل
فيه قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠]
الآية، رباط الخيل يكون اتخاذها فى موطن المتخذ لها، وغير موطنه سواء كان فى الثغر
وقرب العدو أو فى معظم الإسلام، وبالبعد من العدو؛ لأن ذلك كله من باب إعداد
القوة؛ لأنه قد يأتيه النفير ويحتاج إلى الغزو ولا يجد من المهلة ما يتخذ فيه الخيل، ولأن
(١) طيلها: الحبل الذى تربط فيه.
(٢) استنت: أی جرت.

کتاب الجهاد
٣٢٣٠
المغازى بها يحتاج إلى اختبارها وتأديبها قبل ذلك، ولا يتم له مراده منها إلا باتخاذها
قبل الغزو بها.
والوجه الثانى من الرباط الرجل نفسه، وهو أن يربط نفسه لحفظ الثغور ويكثر
سوادها، والإرهاب على من جاوره من العدو. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها
الذين آمنوا اصبروا وصابروا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وما روى عن سهل بن سعد ((أن رسول الله ﴿4﴾ قال: رباط يوم فى سبيل الله خير
من الدنيا وما فيها))(*).
مسالة: إذا ثبت ذلك، فرباط الرجل نفسه هو أن يترك وطنه، ويلزم ثغرًا من الثغور
المخوفة لمعنى الحفظ وتكثير السود. وأما من كان وطنه الثغر، فليست إقامته به رباطًا،
رواه ابن حبیب عن مالك.
ووجه ذلك أن يحبس نفسه، ويقيم لهذ الوجه خاصة، فإن أقام لغير ذلك، فإنه منزلة
تصرفاته، فلم يربط نفسه لمدافعة العدو، وليس كذلك رباط الخيل، فإن جمهور الناس
يستغنى عن اتخاذها، هذا الذی ذکره أصحابنا.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وعندى أن من اختار المقام والاستيطان بالثغر
وموضع الخوف للرباط خاصة، وأنه لولا ذلك لأمكنه المقام بغير ذلك من البلدان له
حکم الرباط، والله أعلم.
مسألة: إذا كان الثغر رباطًا لموضع الخوف، ثم ارتفعت المخافة لقوة الإسلام بذلك
الموضع أو بعد العدو عنهم، فإن حكم الرباط یزول عنهم.
· وقد سئل مالك عمن جعل شيئا فى سبيل الله، أيجعله فى جدة؟ قال: لا. قيل له:
فإنه قد کان بها خوف؟ قال: فإنه قد ذهب.
مسألة: ورباط الخيل والنفس من عدة الجهاد، وقد سئل مالك أيما أحب إليك،
الرباط أم الغارات فى العدو؟ قال: أما الغارات، فلا أدرى كأنه كرهها، وأما السير فى
أرض العدو على الإصابة، يريد السنة، فهو أحب إلىّ.
ووجه ذلك أنه كره الغارات لما كانوا يقصدون بها من أخذ الأموال، وربما غلوا.
(*) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٨٩٢. الترمذى حديث رقم ١٦٦٤. أحمد فى المسند
حدیث رقم ٢٢٣٦٥.

کتاب الجهاد
٣٢٤
وأما السير فى أرض العدو وهو الغزو على الإصابة للحق والسنة لتكون كلمة الله هى
العليا، ولا يغل ويطيع الأمير فى الحق، فهو أفضل؛ لأن فيه زيادة على الرباط دخول
أرض العدو وإهانته.
وروى عن عبد الله بن عمر أنه قال: فرض الله الجهاد لسفك دماء المشركين،
والرباط لحقن دماء المسلمين، وحقن دماء المسلمين أحب إلى من سفك دماء
المشتركين. قال ابن حبيب: وإنما ذلك حين دخل فى الجهاد ما دخل.
قال القاضى أبو الوليد: ووجه ذلك عندى والله أعلم، أن يكون الخوف بثغر من
الثغور قد اشتد حتى خيف على أهله من عدوهم، فاستنفروا لإدراك. ذلك الثغر، فإن
قصد ذلك الثغر حينئذ يكون الأولى؛ لأن حقن دماء أهله أفضل من سفك دماء
المشتر کین.
وأما أن يكون رجل من المسلمين يقصد ثغرًا للرباط فيه لا لعدو يترقب نزوله ويترك
الغزو إلى بلاد العدو، فقد ترك الأفضل، لأن دخوله إلى أرض العدو نكاية فيهم وإهانة
لهم وفيه مع ذلك حفظ للمسلمين؛ لأن نكاية العدو تضعفهم عن غزو المسلمين وقد
قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: ما غزا قوم فى عقر دارهم إلا ذلوا.
فصل: وقوله :﴿1: ((فأما الذى هى له أجر، فرجل ربطها)) فذكر أنه الربط فى سبيل
الله، ثم وصف أن جميع تصرفها أجر، وإن لم يكن غزو، فإن أطال لها فى مرج أو
روضة للرعی، فإن ما أصابت من ذلك يكون له حسنات.
وقوله : ((ولو أنها قطعت طيلها ذلك، فاستنت شرفًا أو شرفين كانت آثارها،
وأروائها حسنات له)) يريد ﴿﴿ أن تصرف هذه الخيل، وإن كان بغير سببه يكون
حسنات له.
ولذلك وصف أولا ما كان بسببه من الإطالة لها فى المرج والروضة ثم ذكر ما
يكون بغير سببه ومن غير اختياره من قطع الطيل، وهو ما أطال لها فيه من الحبل
واثتنان الشرف هو الجرى إلى ما يعلو من الأرض، ورأيت لبعض أهل اللغة أن الشرف
والطلق واحد، فيكون معناها على هذا جريها طلقًا أو طلقين، والله أعلم، وذكر بعد
ذلك ما لم يرد فعله من أن تشرب من غير أن يريد سقيها، وأخبر أن ذلك كله
حسنات له من ربطها، وإنما أتى بذلك والله أعلم ليستوعب أنواع تصرفها، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا)) يريد أنه ربطها ليستغنى بها ويعف عن

٣٢٥
کتاب الجهاد
السؤال، وهو مع ذلك من قصدہ فیھا «لم ینس حق الله فتی رقابها ولا ظهورها» يريد
والله أعلم، أن اتخاذها لهذا الوجه لا يسقط حق الله فيها، فإن ضيع حقوق الله فيها لم
توصف بأنها ستر له خاصة لما يلحقه من المآثم والوزر بسببها، وإنما يوصف بذلك من
لم يأثم باتخاذها؛ لأنه أدى حق الله تعالى فى رقابها وظهورها والحقوق التى تتعلق لله
برقابها أن تؤدى منها الحقوق إذا تعينت فيها باختصاصها بها أو ليضيق ذمته عنها
واحتياجه إلى أدائها من رقاب هذه الخيل.
وما يتعلق بذلك من ظهورها أن يتعين عليه فرض الجهاد بها إذا ادعت إلى ذلك
ضرورة، وإن لم يتخذها للجهاد إلا أنه يتعلق حق الله تعالى بها إذا تعين عليه الجهاد
بها ويتعين عليه حمل الضعيف عليها إذا خاف عليه الهلكة ولم يجد محملا غيرها وما
أشبه ذلك من الحقوق.
فصل: وقوله : ((ورجل ربطها فخرًا ورياء لأهل الإسلام)) يريد أن يفتخر بها
ويرائى بها الإسلام، وأما لو افتخر بها على أهل الشرك ورئائهم بها لكان ذلك من
باب الخير الذى يرجو عليه الأجر.
وأما النواء فهو المقاومة على وجه العداوة من قولهم فلان ناوى فلانًا إذا قاومه على
عداوة، فمن اقتنى فرسًا يفتخر بها على أهل الإسلام، ويناويهم بها فهى عليه وزر،
والله أعلم.
فصل: ((وسئل رسول الله (198 عن الحمر)) يريد والله أعلم أن السائل له لم يعلم،
إن كان حكم الحمر حكم الخيل، فيما ذكر من أنها لرجل أجر، لرجل ستر، وعلى
رجل وزر، أو ليكون مخالفًا لحكم الخيل فى ذلك؛ لأنها لا تتخذ غالبًا لجهاد، ولا تربط
فيه وهى مما جرت العادة أن يناوى بها، ولا يفتخر باقتنائها، ولا هى مما يتكيب
بركوبها وأن تكسب بالحمل عليها كالإبل والبغال.
فقال ﴿: ((لم ينزل علىَّ فيها شىء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة))(٣) يريد والله أعلم
أنه لم ينزل عليه فيها من التقسيم والتفسير ما نزل فى الخيل؛ لأنها غير مشاركة لها فى
ذلك، ولكنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل
مثقال ذرة شرًا يره﴾ [الزلزلة: ٧]، والحمر وإن لم تبلغ مبلغ الخيل فى الجهاد فقد
(٣) قال ابن عبد البر: لأنها آية مفردة فى عموم الخير والشر ولا آية أعم منها. وقال النووى:
معنى الحديث لم ينزل علىَّ فيها نص بعينها لكن نزلت هذه الآية العامة.

کتاب الجهاد
..
٣٢٦
يحمل عليها راحلته من لم يستطع اقتناء الخيل، ويحمل عليها زاده وسلاحه، ويتكسب
علیها ضعفاء الناس.
وأما هى فيشتريها، ويستعين بها أهل الشرك والبغى على غزو الإسلام فيوزرون
بها، فهذا مستفاد من عموم الآية، لأن اقتناؤها لا يخلو أن يكون من عمل الخير أو من
عمل الشر، وقد أخبر تعالى من عمل شيئًا منهما، فإنه يراه، وهذا يدل على التعلق
بالعموم؛ لأنه ﴿3﴾ تعلق بعموم الآية، واستفاد منه حكمًا، وهذا يدل على وجوب
التعلق به لغة وشرعًا. وقوله (48: ((الآية الجامعة)) يريد والله العامة.
وقوله ﴿ ((الفاذة) يريد القليلة المثل فى هذا الحكم، يقال: كلمة فاذة وفذة، أى
شاذة.
١٠١٢ - مالك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ الأنْصَارِىِّ، عَنْ عَطّاء
ابْنِ يَسَارِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ه:(أَلا أُخْرُكُمْ بِخَيْرِ النّاسِ مَنْزِلًا، رَجُلٌ آخِذً
بِعِنَانِ فَرَسِهِ يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَّنْزِلا بَعْدَهُ، رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ
فِى غُنَيْمَتِهِ، يُقِمُ الصَّلاةَ، وَيُؤْنِى الزَّكَاةُ، وَيَعْبُدُ اللَّهَ ولا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
الشرح: قوله : ((ألا أخبر كم بخير الناس منزلة)) وقد علم أنهم يريدون ذلك على
سبيل التنبيه لهم على الإصغاء إليه والإقبال على ما يخبر به، والتفرغ لفهمه، ويحتمل أن
يريد بقوله : ((خير الناس منزلة) أكثرهم ثوابًا فى الآخرة، وأرفعهم درجة.
وقوله : ((رجل آخذ بعنان فرسه يجاهد فى سبيل الله)) يريد والله أعلم أنه
مواظب على ذلك، ووصفه بأنه آخذ بعنان فرسه يجاهد فى سبيل الله بمعنى أنه لا يخلو
فى الأغلب من ذلك راكبًا له، أو قائدًا، هذا معظم أمره، ومقصوده من تصرفه،
فوصف بذلك جميع أحواله، وإن لم يكن آخذًا بعنان فرسه فى كثير منها.
فصل: وقوله: ((ألا أخبركم بخير الناس منزلة بعده، رجل معتزل فى غنيمته)) وصف
رسول الله ﴿﴿ أفضل المنازل، ونص عليها، ورغب فيها من قوى عليها، وأخبر بعد
١٠١٢ - أخرجه الترمذى فى فضائل الجهاد ١٥٧٦. والنسائى فى الزكاة ٢٥٢٠. والدارمى فى
الجهاد ٢٢٨٨. والحاكم فى المستدرك ٦٧/٢ عن أبى هريرة. وابن أبى شيبة ٢٩٤/٥ عن ابن
عباس.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٠٧/٦: هذا حديث مرسل من رواية مالك، لا خلاف عنه فيه،
وقد يتصل من وجوه ثابتة عن النبى ﴿﴿ من حديث عطاء بن يسار وغيره.

٣٢٧
........
کتاب الجهاد
ذلك بفضل من قصر عن هذه المنزلة، وضعف عنها، فليس كل الناس يستطيع الجهاد،
ولا يقدر على أن يكون آخذًا بعنان فرسه فيه، ففى الناس الضغيف والكبير وذو العاهة
والفقير، ووصف ﴿ هذا المعتزل فى أنه فى غنيمته بلفظ التصغير إشارة والله أعلم،
إلى قلة المال، وقد يكون اعتزاله ضعفًا عن الجهاد.
وقد روى عنه ﴿٤﴾ أنه قال فى غزاة: إن أقوامًا بالمدينة خلفنا ما سكنا شعبًا ولا
واديًا إلا وهم معنا حبسهم العذر.
ويحتمل أن تكون له قوة على الجهاد، ولكنه يؤمر مع الغنى عنه بالانقباض
والاعتزال لما يرى أن ذلك أرفق به، وأوفق له فى دينه، فهذا أقام الصلاة وآتى الزكاة
وعبد الله تعالى، فمنزلته بعد منزلة المجاهد من أفضل المنازل لأدائه الفرائض وإخلاصه
لله العبادة، وبعده عن الرياء والسمعة إذا خفى موضعه ولم يكن ذلك شهرة له، ولأنه
لا يؤذى أحدًا، ولا يذكر ولا تبلغ درجته درجة المجاهد؛ لأن المجاهد يذب عن
المسلمین، ويجاهد الكافرین حتی یدخلهم فی الدین یتعدی فضله إلى غيره، ویکثر
الانتفاع به، وهذا المعتزل لا يتعدى نفعه إلى غيره.
ولو أن رجلاً رأی أن الانقباض أسلم لدينه، وأعدل حاله ورأى أن نفسه أطوع له
فى الصلاة والزكاة فأقبل عليها لهذا المعنى لكان ذلك والله أعلم الحظ له، فمن الناس
من يجد نفسه أطوع فى الصلاة، ومنهم من يجدها أطوع له فى الجهاد، ومنهم من
يجدها أطوع له فى غير ذلك من أبواب البر، وإنما ذلك بحسب ما يفتبح على الإنسان،
ویقسم له.
١٠١٣ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبُرَنِى عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةً
١٠١٣ - أخرجه البخارى فى الأحكام ٦٦٦٠. ومسلم فى الحدود ٣٢٢٣. والنسائى فى قسم
الفىء ٤٠٧٨، ٤٠٧٩، البيعة ٤٠٨٠، ٤٠٨١، ٤٠٨٢، ٤٠٨٩، ٤٠٩٠، ٤١٠٥،
٤١٣٧، الإيمان وشرائعه ٤٩١٤. وابن ماجه فى الجهاد ٢٨٥٧. وأحمد فى باقى مسند
الأنصار ٢١٦١٦، ٢١٦٤٢، ٢١٦٥٧، ٢١٦٦٦، ٠٢١٦٩٢
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢١٥/٦: هكذا روى هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد جمهور
رواته، وهو الصحيح، منهم: ابن وهب وابن القاسم ومعن وابن بكير وابن أويس وغيرهم،
وما خالفه عن مالك فليس بشىء ورواه القعنبى، فى جامع الموطأ، عن مالك، عن يحيى، عن
عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الصامت، ولم يذكر أباه؛ وتابعه عبد الله بن يوسف. ورواه
قتيبة عن مالك، عن يحيى، عن عبادة بن الوليد، أخبرنى أبى قال: بايعنا رسول الله ﴿1. ولم-

کتاب الجهاد
٣٢٨
ابْنِ الصَّمِتِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَدِّهِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللّهِ ﴿ عَلَى السَّمْعِ وَالطّاعَةِ
فِى الُْسْرِ وَالْعُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ، أَوْ
نَقُومَ، بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنّا، لا نَخَافُ فِى اللّهِ لَوْمَةً لائِمٍ.
الشرح: قوله رضى الله عنه: ((بايعنا رسول الله (5)) أصل البيع فى كلام العرب
المعاوضة فى الأموال ثم سميت معاقدة النبى له ومعاهدة المسلمين مبايعة بمعنى أنه
عاوضهم بما ضمن لهم من الثواب عوضًا عما أخذ عليهم من العمل، قال الله تعالى:
﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله
فيقتلون ويقتلون﴾، إلى قوله: ﴿الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١١١].
· فصل: وقوله: ((على السمع والطاعة)) السمع هاهنا يرجع إلى معنى الطاعة، ولعله
أن يكون أصله الإصغاء إلى قوله، والتفهم له يريد أن الذى شرط علينا السمع والطاعة
لأوامره، ونواهيه على كل حال فى حال اليسر، ويحتمل أن يريد به المال وعسره،
والتمكن من جيد الراحلة، ووافر الزاد والاقتصار على أقل ما يمكن منهما والمنشط
والمكره، يريد وقت النشاط إلى امتثال أوامره ووقت الكراهية لذلك، ولعله أن يريد
بالمنشط وجود السبيل إلى ذلك، والتفرغ له وطيب الوقت وضعف العدو، يريد بالكره
تعذر السبيل وشغل المانع وشدة الهواء بالحر والبرد وصعوبة السفر وقوة العدو.
فصل: وقوله: ((وأن لا ننازع الأمر أهله)) يريد الإمارة، ويحتمل هذا أن يكون شرطًا
على الأنصار، ومن ليس من قريش أن لا ينازعوا فيه أهله وهى قريش، ويحتمل أن
يكون هذا مما أخذه على جميع الناس أن لا ينازعوا من ولاه الأمر منهم، وإن كان فيهم
من يصلح لذلك الأمر إذا كان قد صار لغيره.
فصل: وقوله: ((وأن نقول أو نقوم)) شك من الراوى ((بالحق حيثما كنا)) يزيد أن
يظهروا الحق بالقول أو القيام به حيث كانوا من المواطن والأماكن لا يمنعهم من ذلك
مخافة ولا لومة لائم.
=يذكر عبادة بن الصامت، وتابعه أبو مسهر وأبو مصعب عن محمد بن زريق بن جامع منه.
وقد اختلف فيه على يحيى بن سعيد. فرواه بعضهم عنه، عن عبادة بن الوليد، عن أبيه، قال:
بايعنا رسول اللـه هه الحديث. لم يذكر عبادة بن الصامت، وزعم أن البيعة المذكورة فى هذا
الحديث ليست بيعة العقبة، وأن الوليد بن عبادة له صحبة، وأنه ممكن أن يشاهد هذه البيعة،
لأنها كانت على الحرب، وذلك بالمدينة.

٣٢٩
...
کتاب الجهاد .
١٠١٤ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْحَرَّاحِ إِلَى عُمَرَ
ابْنِ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ، وَمَا يَتَحَوَّفُ مِنْهُمْ، فَكْتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ
رَضِىَ الله عَنْهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مُنْزَلٍ شِدَّةٍ يَحْعَلِ اللَّهُ بَعْدَهُ
فَرَجًا، وَإِنّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنٍ، وَأَنَّ اللّهَ جل ثناؤه ◌َيَقُولُ فِى كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:
٢٠٠].
الشرح: قوله: ((كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه)) إذا كان أمير
المؤمنين يستشير فيما يفعله لما فجأ المسلمين من جموع الروم ويعلمه ما يتقى منهم،
ويخاف من ضعف مسلمى الثغور عنهم، ((فكتب إليه عمر رضى الله عنه)) بما ذكر فى
الحديث يريد أن عاقبة المؤمنين إلى الفرج.
وقوله رضى الله عنه: ((فإنه لن يغلب عسر يسرين)) قيل إن وجه ذلك أنه عرف
العسر اقتضى استغراق الجنس، فكان العسر الأول هو الثانى من قوله تعالى: ﴿فإن مع
العسر يسرًا﴾ [الشرح: ٥]، ولما كان اليسر منكرًا كان الأول منه غير الثانى.
وقد أدخل البخارى فى تفسير سورة ﴿ألم نشرح لك﴾، بأثر قوله تعالى: ﴿إن مع
العسر يسرًا﴾ [الشرح: ٦]، ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ [التوبة: ٥٢].
١٠١٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٣٤، وقال: قد روى هذا الخبر متصلا عن عمر
بأكمل من هذه الرواية: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا عبد الله بن يونس، قال:
حدثنا بقى، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن
أسلم، عن أبيه، قال: جاء أبو عبيدة الشام حضر هو وأصحابه، فأصابهم جهد شدید، فكتب
بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: سلامٌ عليك، أما بعد، فإنها لم تكن شدةً إلا جعل الله بعدها
مخرجًا، ولن يغلب عسر يسرين، وكتب إليه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا
واتقول الله لعلكم تفلحون﴾. فكتب إليه أبو عبيدة: سلام عليك، أما بعد، فإن الله عز وجل
يقول: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الأموال والأولاد﴾، إلى
قوله: ﴿متاع الغرور﴾ فقرأه عمر على الناس، وقال: يا أهل بالمدينة، إنما كتب أبو عبيدة يعرض
لكم، ويحض الناس على الجهاد. قال زيد: قال إنى لقائم فى السوق إذ أقبل قومٌ ينصون قد
اطلعوا من التيه، فيهم حذيفة بن اليمان يبشرون الناس، قال: فخرجت نشتد حتى دخلت على
عمر، فقلت: يا أمير المؤمنين! أبشر بنصر الله والفتح، فقال عمر: الله أكبر، رب قائلٍ لو كان
خالد بن الوليد.

کتاب الجهاد
٠٠٣٣٠
فهذا يقتضى أن اليسرين عنده الظفر بالمراد والأجر، فالعسر لا يغلب هذين اليسرين؛
لأنه لابد أن يحصل للمؤمن أحدهما.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وهذا عندی وجه ظاهر.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((فإن الله عز وجل يقول فى كتابه: ﴿يا أيها الذين
آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعكم تفلحون)))، وذكرهم هذه الآية،
ونبههم عليها لما تضمنت جميع ما يحتاجون إليه من أمر بالصبر ومداومته، وهو قوله:
﴿وصابروا﴾ والأمر بالرباط هو مقام بالثغر وسده والذب عنه وعن أهله.
النهى عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو
١٠١٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ
أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ.
قَالَ مَالِك: وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةً أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُّ(١).
الشرح: ((نهى رسول الله ﴿ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو)) يريد والله أعلم
الصحف لما كان القرآن مكتوبًا فيها سماه قرآنا، ولم يرد ما كان منه محفوظًا فى
الصدر؛ لأنه لا خلاف أنه يجوز لحافظ القرآن الغزو، وإنما ذلك لأنه لا إهانة للقرآن فى
قتل الغازى، وإنما الإهانة للقرآن بالعبث بالمصحف والاستخفاف به.
وقد روى مفسرًا نهى أن يسافر بالمصحف، رواه عبد الرحمن بن مهدى عن مالك
عن نافع عند عبد الله بن عمر ((أن رسول الله ﴾ نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض
العدو مخافة أن یناله العدو))(٢).
١٠١٥ - أخرجه البخارى فى الجهاد والسير ٢٧٦٨. ومسلم فى الإمارة ٣٤٧٥. وأبو داود فى
الجهاد ٢٢٤٣. وابن ماجه فى الجهاد ٢٨٧٠، ٢٨٧١. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة
٤٢٦٤، ٤٢٧٨، ٤٣٤٨، ٤٩٢٣، ٥٠٤٠، ٥٢٠٨، ٠٥٨٥٠
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٢٤/٦: هكذا قال يحيى والقعنبى وابن بكير وأكثر الرواة؛
ورواه ابن وهب عن مالك، فقال فى آخره: خشية أن يناله العدو. فى سياق الحديث، لم
يجعله من قول مالك؛ وكذلك قال عبيدالله بن عمر وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول
الله ﴿﴿ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو.
(٢) أخرجه بلفظه أحمد فى المسند حديث رقم ٥٤٤٢.

....... ٣٣١
کتاب الجهاد .
فصل: والسفر اسم واقع على الغز وغيره، قال ابن سحنون: قلت لسحنون: أجاز
بعض العراقيين الغزو بالمصحف إلى أرض العدو فى الجيش الكبير كالطائفة ونحوها،
وأما السرية ونحوها فلا.
قال سحنون: لا يجوز ذلك لنهى رسول الله ﴿﴿ عن ذلك عامًا، ولم يفصل وقد
يناله العدومن ناحية الغفلة.
والدليل على صحة ما ذهب إليه سحنون أنه لا قوة فيه على العدو، وليس مما
يستعان به على حربه، وقد يناله لشغل عنه كما قال سحنون، وقد يناله بالغلبة أيضًا.
مسألة: ولو أن أحدًا من الكفار رغب أن يرسل إليه بمصحف يتدبره لم يرسل إليه
به؛ لأنه نجس جنب، ولا يجوز له مس المصحف، ولا يجوز لأحد أن يسلمه إليه، ذكره
ابن الماجشون.
وكذلك لا يجوز أن يعلم أحد من ذراريهم القرآن؛ لأن ذلك سبب لتمكنهم منه،
ولا بأس أن يقرأ عليهم احتجاجًا عليهم به، ولا بأس أن يكتب إليهم بالآية ونحوها
على سبيل الوعظ كما كتب النبى 18 إلى ملك الروم: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى
كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤].
فصل: وقوله: ((مخافة أن يناله العدو)) يريد أهل الشرك؛ لأنهم ربما تمكنوا من نيله
والاستخفاف به، فلأجل ذلك منع السفر به إلى بلادهم.
*
النهى عن قتل النساء والولدان فى الغزو
١٠١٦ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ
١٠١٦ - أخرجه ابن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن كعب عن عمه مرفوعًا ٣٨١/١٢. والطحاوى
فى شرح معانى الآثار من طريق مالك عن كعب بن مالك مرسلا ٢٢١/٣.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٢٤/٦: هكذا قال يحيى، حسبت أنه قال عبد الرحمن بن
كعب. وتابعه ابن القاسم وبشر بن عمر وابن بكير وأبو المصعب وغيرهم. وقال القعنبى:
حسبت أنه قال: عبد الله بن كعب، أو عبد الرحمن بن كعب. ورواه ابن وهب عن مالك،
عن الزهرى، عن ابن لكعب بن مالك، لم يقل عبد الله ولا عبد الرحمن، ولا حسبت شيئا من
ذلك. واتفق هؤلاء كلهم، وجماعة رواة الموطأ: على رواية هذا الحديث مرسلا على حسب ما
ذكرنا من اختلافهم، لم يسنده واحد منهم. ولا علمت أحدا أسنده عن مالك فى كل رواية=

کتاب الجهاد
..
٣٣٢
قَالَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِى
الْحُقَيْقِ(١) عَنْ قَتْلِ النِسَاءِ وَالْوِلْدَانِ. قَالَ: فَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: بَرَّحَتْ بِنَا امْرَأَةٌ
ابْنِ أَّبِى الْحُقَيْقِ بِالصَِّاحِ، فَأَرْفَعُ السَّيْفَ عَلَيْهَا ثُمَّ أَذْكُرُ نَهْىَ رَسُولِ اللَّهِ و ◌َّ فَأَكُفُّ
وَلَوْلا ذَلِكَ اسْتَرَحْنَا مِنْهَا.
الشرح: قوله: ((نهى الذين قتلوا ابن أبى الحقيق عن قتل النساء والولدان)) يريد
حين أنفذهم لقتله فقتله عبد الله بن عتيك، ونهيه هذا عن قتل النساء والولدان أصل
فى المنع من ذلك، وسيرد بعد هذا مفسراً.
وقوله: ((برحت بنا)) يريد أظهرت أمرنا بصياحها، فكان يمنعه قتلها إذا رفع عليها
السيف ما يذكر من نهى ﴿٤﴾ عن قتل النساء والولدان.
ولولا ما يذكره من ذلك النهى لقتلها، فاستراحوا منها، وهذا يدل على التعلق
بالعموم، لأنه أجرى نهى رسول الله ﴾﴾ على عمومه فى سائر الحالات، ولم يقصره
على القصد إلى ذلك دون الحاجة إليه.
والذى يظهر من مذهب أصحابنا أنه لا تقتل المرأة إذا اجرى منها مثل هذا من
الإنذار بالصياح. وقد قال ابن سحنون: لا يقتل النساء فى الحراسة، خلافًا للأوزاعى
فى قوله: يقتلن فى الحراسة.
ووجه ذلك أن الحراسة على الأسوار والحصون ليست من باب المدافعة، وهذا مما
يمكن النساء والصبيان فعله كالنظر والمراعاة، ولا يستباح قتل هذين الصنفين، ولكن
يستباح قتلهم بالقتال والمدافعة التى ينفرد بها الرجال غالبًا.
١٠١٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، [َعَنِ ابْنِ عُمَرَ)(١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ رَأَى فِى بَعْضِ
=عنه من جميع رواته، إلا الوليد بن مسلم فإنه قال فيه: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك،
عن کعب بن مالك.
(١) ابن أبى الحقیق: رجل من یهود خیبر یسمی سلام، ویکنی أبا رافع و کان قد ذم رسول
الله فأمر بقتله.
١٠١٧ - أخرجه البخارى فى الجهاد والسير ٢٧٩١. ومسلم فى الجهاد والسير ٣٢٨٠. والترمذى
فى السير ١٤٩٤. وأبو داود فى الجهاد ٢٢٩٤. وابن ماجه فى الجهاد ٢٨٣١. وأحمد فى
مسند المكثرين من الصحابة ٤٥٠٩، ٥٢٠١، ٥٤٠٠، ٥٤٩٣، ٥٦٨٨، ٠٥٧٦٤ والدارمى
فی السير ٢٣٥٣.

٣٣٣
کتاب الجهاد
مَغَازِهِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةٌ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصَِّانِ.
الشرح: قوله: ((رأى فى بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك)) يحتمل أن يكون
◌َّ علم من حال تلك المرأة أنها لم تقاتل، ويحتمل أن يكون حمل أمرها على المعهود
من حال النساء فى بعدهن عن القتال والمنعة.
وقد روى رباح بن ربيع قال: ((كنا مع رسول اللـه ﴿﴿ فى غزوة، فقال: فرأى
الناس مجتمعين على شىء، فبعث رجلاً، فقال: انظر على ما اجتمع هؤلاء، فجاء،
فقال: امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد،
فبعث رجلاً، فقال لخالد: لا تقتل امرأة ولا عسيفًا))(٢).
فهذا يقتضى أن المنع من قتل النساء والصبيان؛ لأنهم لا يقاتلون، وفيهن معنى آخر
أنهن من الأمور التى يستعان بها على العدو، وينتفع بها دون مخافة منهن، فأما إن
قاتلوا، فإنهن يقتلن؛ لأن العلة التى منعت من قتلهن عدم القتال منهن، فإذا وجد منهن
وجدت علة إباحة قتلهن؛ لأن الحاجة داعية إلى دفع مضرتهن وإزالة منعهن الموجود فى
الرجال.
مسألة: وهذا إذا قاتلن بالسلاح والرمح وشبهه. وأما الرمى بالحجارة، فهل يبيح
قتلهن أم لا؟ قال ابن حبيب: لا يستباح بذلك قتلهن، ورواه ابن نافع عن مالك.
وجه ذلك أن مضرة هؤلاء ضعيفة وغناهن عن قومهن قليل، فلا حاجة بنا إلى
قتلهن ومنع الانتفاع بهن. وقال سحنون: يرميهن المسلمون بالحجارة، وإن قتان فى
ذلك.
ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾
[الشورى: ٤١ ].
فرع: فإذا قلنا تجب مقاتلتهن، ولم يستطع عليهن إلا بعد أسرهن، فهل يقتلن؟
(١) ما بين المعقوفتين لم يرد فى التمهيد لابن عبد البر. وقال ابن عبد البر ٢٢٢/٦: هكذا
رواه يحيى، عن مالك، عن نافع مرسلا؛ وتابعه أكثر رواة الموطأ، ووصله عن مالك، عن نافع،
عن ابن عمر مرفوعا. جماعة منهم: محمد بن المبارك الصورى، وعبد الرحمن بن مهدى،
وإسحاق بن سليمان الرازى، والوليد بن مسلم، وعتيق بن يعقوب الزبيرى، وعبد الله بن
يوسف التنيسى، وابن بكير، وأبو مصعب الزهرى، وإبراهيم بن حماد، وعثمان بن عمر.
(٢) أخرجه أبو داود حديث رقم ٢٦٦٩. ابن ماجه حديث رقم ٢٨٤٢.

کتاب الجهاد
٣٣٤ ٠٠
اختلف أصحابنا فى ذلك، فروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم أنه يقتلن. وفى كتاب
ابن سحنون: لا یقتلن بعد الأسر.
وجه الرواية الأولى أنهن بالقتال قد استحققن القتل، ولا يسقط ذلك عنهن بالأسر
كما لو قتلن أحداً من المسلمين.
ووجه الرواية الثانية أنهن ممن يقر على غير جزية، فلم يجز قتلهن بالأسر كما لم
يقاتلن.
١٠١٨ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ رضى الله عنه بَعَثَ
حُيُوشًا إِلَى الشَّامِ، فَخَرَجَ يَمْشِى مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِى سُفََّانَ، وَكَانَ أَمِرَ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ
الأَرْبَاعِ، فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لأبِى بَكْرٍ: إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ، فَقَالَ أَبُو
بَكْرٍ: مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ، وَمَا أَنَا بِرَاكِبٍ، إِّى أَحْتَسِبُ خُطَاىَ هَذِهِ فِى سَبِيلِ اللّهِ، ثُمَّ
قَالَ لَهُ: إِنْكَ سَتَجِدُّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنْهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلّهِ فدعهم وَمَا زَعَمُوا أَنْهُمْ
حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لَّهُ، وَسَتَحِدُ قَوْمًا، فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ مِنَ الشَّعَرِ،
فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّفِ، وَإِّى مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلا صَبِيًّا وَلَا
كَبِيرًا هَِمًا، وَلا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلا بَعِيرًا
إِلاَ لِمَأْكُلَّةٍ، وَلا تَحْرِقَنَّ نَحْلًا، وَلا تُغَرِّقَنَّهُ وَلا تَغْلُلْ وَلا تَحْبُنْ.
الشرح: ((أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه بعث جيوشًا إلى الشام، فخرج يمشى
مع يزيد بن أبى سفيان)) يحتمل أنه خرج معه على سبيل البر له والتشييع، فيكون ذلك
سنة فى تشييع الخارج إلى الغزو والحج وسبل البر، وأضاف مشيه إلى يزيد بن أبى
سفیان إما لأنه اختص عماشاته والقرب منه والمكالمة له، وإما لأنه كان خروجه بسببه،
فقال: خرج مع يزيد يشيعه بمعنى أنه قضد بخروجه تشييعه)، وإن لم يخرجا معًا.
فصل: وقوله: ((فزعموا أن يزيد، قال لأبى بكر: إما أن تركب، وإما أن أنزل)) على
معنی الإ کرام لأبی بکر والتواضع له لدينه وفضله وخلافته لئلا تکون حاله فى الركوب
أرفع من حاله فى المشى.
١٠١٨ - أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ٨٥/٩. ومعرفة السنن والآثار ١٨٠٧٦/١٣ عيد
الرزاق فى المصنف ١٩٩/٥. السرخسى فى شرح السير الكبير ٣٩/١. وذكره ابن عبد البر
فی الاستذكار برقم ٩٣٨. المغنی ٣٥٣/٨.