النص المفهرس
صفحات 1861-1880
٢٩٥٠٠ کتاب الأشربة ما ينهى أن ينبذ فيه ٩٩٨ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ حَطَبَ النَّاسَ فِى بَعْضِ مَغَازِيهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ، فَانْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَهُ، فَسَأَلْتُ مَاذَا قَالَ؟ فَقِيلَ لِى: نَهَى أَنْ يُنْبُدَ فِى الدِّبَّاءِ وَالْمُؤَّفْتِ(١). ٩٩٩ - مَالِك، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّ نَهَى أَنْ يُنْبَذَّ فِى الدُّاءِ وَالْمُؤَّفْتٍ. الشرح: قوله: ((أن النبى ﴿3﴾ خطب فى بعض المغازى)) على حسب ما كان يفعل من إلقاء الأحكام إليهم، وتعليم ما يجب عليهم فى المغازى، وعلى حسب ما يرى من الحاجة إلى ذلك. وقول عبد الله: ((فأقبلت تحوه)) يريد أنه أقبل إليه ليسمع ما يخطب به، ويتعلم ما يعلمه، وما يأمر به، وينهى عنه، وعلى حسب ذلك كانت الصحابة رضى الله عنهم تفعل حرصًا على الاقتباس منه، والأخذ عنه، ومسارعة إلى امتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فصل: وقوله: ((فانصرف النبى (8)) يريد عن خطبته قبل أن يبلغه عبد الله بن عمر، فسأل عبد الله بن عمر من حضر خطبته أو من علم ما خطب به ((ماذا قال)) لئلا يفوته ٩٩٨ - أخرجه مسلم فى الأشربة ٧١٦، ٣٧١٨، ٣٧١٩. والترمذى فى الأشربة ١٧٩١. والنسائى فى الأشربة ٥٥٢٨، ٥٥٢٩، ٥٥٣٥، ٥٥٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٤٧، ٥٥٤٩. وأبو داود فى الأشربة ٣٢٠٥. وابن ماجه فى الأشربة ٣٣٩٣. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٤٤٠١، ٤٦٧٧، ٤٧٥٣، ٤٧٧١، ٤٧٨٨، ٤٨٢٨، ٤٨٣٠، ٤٩٠٩، ٤٩٤٠، ٥١٥٨، ٥٢٢٠، ٥٣١٥، ٥٥٠٤، ٥٦٨٣، ٥٧٤٠، ٠٦١٥٢ (١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٩٢/٩: كان عبد الله بن عمر يرى أن النهى عن الانتباذ فى الظروف نحو الدباء، والمزفت غير منسوخ، وكان مالك يذهب إلى هذا، وتابعه طائفة من أهل العلم. ٩٩٩ - أخرجه مسلم فى الأشربة ٣٦٩٠، ٣٦٩١، ٣٦٩٢. والنسائى فى الأشربة ٥٤٩٣، ٥٥٣٤، ٥٥٤١، ٥٥٥٠، ٥٥٨٩، ٥٦٣٠، ٥٦٤٦. وأبو داود فى الأشربة ٣٢٠٨، الخاتم ٣٦٩٣. وابن ماجه فى الأشربة ٣٣٩٢، ٣٤٠١. وأحمد فى باقى مسند المكثرين ٦٩٨٧، ٧٤٢٥، ٨٩٨٦، ١٠١٠٦، ١٠٢٥٣، ٠١٠٥٤٨ كتاب الأشربة ... ٢٩٦ ٠٠ علم ذلك حين فاته حضوره، ((فقيل له أنه نهى % عن أن ينتبذ فى الدباء والمزفت)) ولم يحتج عبد الله بن عمر أن يذكر من أخبره بذلك لما قد علم أن مثله لا يأخذ إلا عمن يثق به على نقل الدين إليه مع أنه لا خلاف فى عدالة جميع الصحابة، ولا خلاف فى جواز الأخذ بمراسيلها، وكذلك يجب أن يكون من علم من حاله من الأئمة أنه لا يرسل إلا عمن يحتج بحديثه. فصل: ونهيه ) عن أن ينبذ فى الدباء والمزفت، الدباء هو القرع، والمزفت هو ما طلى بالزفت، وهو القار. قال ابن حبيب: قال أهل العلم: إنما نهى عنه لئلا يعجل تغيير ما ينبذ فيها. قال ابن حبيب: فأخذ مالك بكراهية نبيذ الدباء والمزفت. قال ابن حبيب: والتخلیل أحب إلى فيها، وبه اقول. وجه رواية المنع منع الفعل، وهو الانتياذ، ونهيه ﴿﴿ أن ينبذ فى الدباء والمزفت، والنهى يقتضى التحريم أو الكراهية. ودليلنا من جهة المعنى أن هذا معنى يعجل شدة النبيذ ويغيره، فوجب أن يكون ممنوعًا کالخليطین. ووجه ما ذهب إليه ابن حبيب ما زعم أنه منسوخ، وتعلق فى ذلك بما روى عن بريدة الأسلمى أن رسول الله ﴿﴿ قال: ((كنت نهيتكم عن النبيذ إلا فى سقاء، فاشربوا، واتقوا كل مسكر))(١). ومن جهة المعنى أنه شراب ليست فيه مطربة، فوجب أن يكون مباح الانتباذ. أصل ذلك إفراده، وانتباذه فى السقاء. فرع: فإذا قلنا بالمنع من الانتباذ فيها، فمن اجترأ على ذلك جاز أن يشرب النبيذ ما لم يسكر كتخليل الخمر من اجترأ عليها، وخللها لم يحرم عليه شربها. مسألة: وهذا إذا كان المزفت إناء غير الزقاق. وأما الزقاق، فقد روى أشهب عن مالك إباحة الانتباذ فى الزقاق المزفتة، والفرق بين الزقاق وبين غيرها من الظروف التى تجوز الانتباذ فيها من غير تزفيت أنه إذا زفت الجميع ليس ببين، والأظهر أن يمنع المزفت، وذلك كله زقاقًا وغيرها لأن النهى ورد عامًا عن المزفت، ولم يخص زقاقًا من غيرها. (١) أخرجه مسلم حديث رقم ٩٧٧، ١٩٧٧. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٤٤٩، ٢٢٥٠٦. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٤٣٠، ٥٦٥١. ٢٩٧ كتاب الأشربة . مسألة: وأما الجرار، فقد روى أشهب عن مالك أنه أجاز نبيذ الجرار. قال القاضى أبو الوليد: ويحتمل عندى أن يريد الجرار العارية من الحنتم، وقد روى عن عبد الله بن مسعود أن النبى ﴿1 أرخص فى نبيذ الجرار. ومن جهة المعنى أن معنى نبيذ لا يعجل الشدة المطربة، فلم يمنع الانتباذ كالأسقية. وما روى عن ابن عمر أن النبى ﴿3﴾ نهى عن نبيذ الجرار، فلعله أن يريد الذى طلى بالحنتم أو المزفت، والله أعلم. مسألة: وأما الحنتم، فقد روى ابن حبيب عن مالك أنه أرخص فیه، وقد روى القاضى أبو محمد المنع منه على التحريم. قال القاضى أبو الوليد: وعندى أن المنع منه كالمنع من المزفت لأنه يحدث من إسراع الشدة ما يحدثه المزفت. والأصل فى ذلك ما روى عن عبد الله ((أن وفد عبد القيس أتوا النبى ﴿﴿ فقالوا: إنا نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا هذا الحى من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا فى شهر حرام، فمرنا بأمر تخبر به من رواءنا، ندخل به الجنة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإِيمان بالله وحده هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﴿لَ﴾ وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من الغنم، ونهاهم عن الدب والحنتم والمزفت. وربما قال الراوى: النقير، وربما قال: المقير. قال ﴿: ((احفظوها وأخبروا بها من وراء کم))(٢). قال ابن حبيب: والحنتم الجر، وهو كل ما كان من فخار أبيض أو أخضر، وهذا الذى قاله ابن حبيب يحتاج إلى تأمل لأنه ليس كل فخار حنتمًا، وإنما الحنتم ما طلى من الفخار المعمول من الزجاج وغيره، وهو يعجل الشدة فى الشراب، وأما الفخار الذى لم يطل، فلا، وحكمه حكم الحجر. مسألة: وأما النقير، فهو العود المنقور. وقد روى ابن حبيب عن مالك أنه کرهه، وهو عنده كالمزفت. وجه الرواية الأولى أنه لا يبلغ من التعجيل مبلغ الدباء والمزفت، وقد ورد الحديث: ((وكنت نهيتكم عن الانتباذ فى الأوعية فانتبذوا فيها))(٣). (٢) أخرجه البخارى حديث رقم ٨٧، ٧٢٦٦. مسلم حديث رقم ١٧. النسائى فى الصغرى حدیث رقم ٥٦٩٢. الترمذى حديث رقم ٢٦١١. (٣) أخرجه النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٤٢٩، ٥٦٥٣. أحمد فى المسند حديث رقم ١٣٠٧٥، ٠١٣٢٠٣ ٢٩٨ كتاب الأشربة ووجه الرواية الثانية أن هذا ظرف يعجل تغيير ما ينبذ به، فوجب أن يمنع الانتباذ فيه کالدباء والمزفت، والله أعلم. ما يكره أن ينبذا جميعًا ١٠٠٠ - عَنْ مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَھَى أَنْ يُبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا، وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيِبُ جَمِيعًا. الشرح: قوله: ((نهى رسول الله 198 أن ينبذ البسر والرطب جميعًا والتمر، والزبيب جميعًا)) يقتضى المنع من ذلك على وجه التحريم. قال القاضى أبو محمد: أما إذا بلغ حد المسكر، فلا خلاف عنده فى تحريمه، وأما ما لم يسكر، فهو ممنوع منه. واختلف أصحابنا فى تأويل منع مالك منه، فقال قوم: هو منع تجريم. وقال قوم: منع كراهية. ووجه التحريم أنه نهى ﴿﴿ أن ينبذ البسر والرطب جميعًا، والنهى يقتضى التحريم. ومن جهة المعنى أنه معنى يعجل إحداث الشدة المطربة، فوجب أن يكون محرمًا، ولم يبلغ ذلك. أصله الانتباذ فى الحنتم والمزفت. ووجه القول بمنع التحريم، قوله :18: ((وكنت نهيتكم عن الانتباذ فى الأوعية، فانتبذوا، وكل مسكر حرام))(١). ومن جهة المعنى أن هذا شرب لم يحدث فيه شدة مطربة، فلم يحرم بها. أصل ذلك إذا أفرد أحدهما بالانتباذ. وأما الانتباذ فى الحنتم والمزفت، فقد تقدم ذکر الخلاف فيها. ١٠٠٠ - أخرجه البخارى ١٩٦/٧ كتاب الأشربة باب من رأى أن لا يخلط .. إلخ، عن أبى قتادة، عن أبيه. ومسلم ١٥٧٤/٣ كتاب الأشربة باب ٥ رقم ١٦، عن جابر بن عبد الله الأنصارى. والترمذى برقم ١٨٧٦، ٢٩٨/٤ كتاب الأشربة باب ٩، عن جابر بن عبد الله الأنصارى. والنسائى ٢٩١/٨ كتاب الأشربة باب ١١، عن جابر بن عبد الله والطبرانى فى الكبير ٣٨٠/١٢ عن ابن عمر موقوفًا. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٩٤/٩: هكذا رواه مالك بإسناده هذا مرسلا، لا خلاف عنه فى ذلك فيما علمت. وقد رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبى هريرة، أن رسول الله ﴿﴿ مثله. وذكره البزار، قال: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، وسلمة بن شبيب، قالا: حدثنا عبد الرزاق. وهو حديث يروى متصلا من وجوه صحاح کثيرة، منها: حديث ابن عباس، وجابر، وأبی قتادة، وأبی سعید» وأنس، وأبى هريرة. (١) تقدم تخريجه. ٠ ٢٩٩ كتاب الأشربة .. قال القاضى أبو الوليد: ويحتمل عندى أن يكون القولان جاريين فى كل ما يعجل حدوث الشدة المطربة. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن البسر ما قد أزهى من التمر، ولم يبد فيه إرطاب، والرطب ما قد جاوز حد البسر إلى الإرطاب، وإذا منع من جمعهما التبذ من البسر فى حكم جميعها، فيجب أن لا يجوز انتباذه. فصل: وقوله: ((نهى أن ينبذ البسر والرطب)) دليل على المنع من أن بنبذ شيئان، وإن كانا من جنس واحد ينبذان مفردین. قال ابن حبيب: لا يجوز شرب الخليطين ينبذان كذلك أو يخلطان عند الشرب، كانا من جنس واحد مثل عنب وزبيب، أو من جنسين مثل زبيب وتمر، فقد نهى عنه مالك إلا الفقاع، فقد حكى ابن حبيب عن أصبغ أنه يستحب تحليته بالعسل، فإنه يجب أن يكون ممنوعًا لأن كل واحد منها مما ينبذ مفردًا لأن الفقاع من القمح أو الشعير، وكل واحد ينبذ مفردًا، فالقياس أن يمنع الجمع بينهما. غير أن قول مالك قد اختلف فى العسل تطرح فيه قطع العجين أو الحريرة، وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه كرهه، قال ابن القاسم: وقد قال: لا بأس به، وهو أحب إلىّ. وجه القول الأول أنهما خليطان جنس كل واحد منهما ينتهى إلى السكر، فلم نجز ذلك فيهما كما لو خلطه بنبيذ تمر وزبيب. ووجه القول الثانى، وهو أن طرح قطع العجين تطرح فى العسل أن ذلك ليس من باب الانتباذ؛ لأن القمح والشعير لا يتبذ على هذا الوجه، وأما خلط العسل واللبن وشربهما، فلا بأس به، قاله ابن القاسم فى العتبية. ووجه ذلك أن هذا ليس بانتباذ، وإنما هو على معنى خلطه مشروبين كشراب الورد وشراب النيلوفر. ووجه ثان، أن اللبن لا يفضى أن يسكر، وقد شرطنا أن الخليطين إنما هما مما يفضى كل واحد منهما إلى الإسكار. مسألة: وهل يجوز خلطهما لغير الانتباذ لكن على وجه التخليل، روى ابن عبد الحكم عن مالك أنه قال: لا خير فى ذلك للخل والتخليل والانتباذ فى ذلك سواء، قال: وقد قال: لا بأس بذلك للخل. وجه الرواية الأولى ما قاله الشيخ أبو بكر التعلق بعموم نهى النبى 48 عن نبيذ کتاب الأشربة ٣٠٠ . الخليطين، فلا يجوز ذلك لخل ولا لغيره، ولأنه يصير نبيذًا ثم يصير خلاً، ولم يوجه الرواية الثانية. ووجهها عندى أنه لا يقصد بذلك النبيذ، وإنما يقصد به الخل، وقد قال: إنه لابد أن يكون نبيذًا ثم يكون بعد ذلك خلاً، فلا يضره ما يعجله للنبيذ يعجله للخل، وإنما يفسده الشرب، فإذا صار نبيذًا فسد عليه ولزمه إراقته. مسألة: إذا ثبت ذلك، فمن نبذ الخليطين، فقد أساء، فإن حدثت الشدة المطربة حرم، وإن لم يحدث، فقد قال القاضى أبو محمد: يجوز شربه ما لم يسكر، ولم يذكر غير هذا الوجه، فاقتضى هذا مع ما تقدم قوله فى الانتباذان فى تحريم الانتباذ قولاً واحدًا، وإن شرب ما قد نبذ من ذلك، ولم يبلغ أن يسكر مباح قولاً واحدًا. ١٠٠١ - مَالِك، عَنِ الثّقَةِ عِنْدَهُ، عَنْ يُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عَبْدٍ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحُبَابِ الأنْصَارِىِّ، عَنْ أَبِى قَادَةَ الأَنْصَارِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ نَهَى أَنْ يُشْرَبَّ الَّمْرُ وَالزَِّبُ جَمِيعًا، وَالرَّهْوُ وَالرُّطَبُ حَمِيعًا. قَالَ مَالِك: وَهُوَ الأَمْرُ الَّذِى لَمْ يَوَّلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنْهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِنَّهْىِ رَسُولِ اللّهِ وَ عَنْهُ. الشرح: قوله: ((نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعًا)) على ما قدمناه من أن يجمع ١٠٠١ - أخرجه البخارى الأشربة حديث رقم ٥٦٠٢. مسلم الأشربة حديث رقم ١٩٨٨. النسائى فى الصغرى، الأشربة ٥٥٥١، ٥٥٥٢، ٥٥٦١، ٥٥٦٦. أبو داود الأشربة حديث رقم ٣٧٠٤. ابن ماجه الأشربة حديث رقم ٣٣٩٧. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢١١٢. الدارمی حديث رقم ٢١١٣. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٠٠/٩: هكذا روى هذا الحديث عامة رواة الموطأ - كما رواه يحيى. وممن رواه هكذا: ابن عبدالحكم، والقعنبى، وعبدالله بن يوسف، وابن بكير، وأبو المصعب، وجماعتهم. ورواه الوليد بن مسلم، عن مالك، عن ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج. حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن عبدالله بن أحمد القاضى، حدثنا الحسن بن هاشم بن بشر الحرانى، حدثنا الوليد بن عتبة، حدثنا الوليد بن مسلم، عن مالك بن أنس، عن عبدالله ابن لهيعة، عن بكير بن عبدالله بن الأشج، عن عبدالرحمن بن الحباب السلمى، عن أبى قتادة الأنصارى، أن رسول الله : نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعا، والزهو والرطب جميعا. قال أبو عمر: روى عن النبى ﴾، هذا الحديث ومعناه من طرق شتى من حديث جماعة من أصحابه، منهم: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعائشة وأبو هريرة، ومعقل ابن يسار، وأبو سعید، وأنس. ٣٠١٠ کتاب الأشربة نبيذاهما أو يجمعا فى الانتباذ، فتناول ذلك ما كانا مختلطين عنده للشرب، فإذا نبذا مفترقين، ثم خلطا عند الشرب، فقد تناولهما النهى، وقد قدمنا ذلك، وإنما قال يشرب التمر والزبيب لعلم المخاطب، أنه إنما أراد أن يشربا على الوجه الذى يمكن ذلك فيهما، وهو بعد الانتباذ كما يقال فلان يأكل الحنطة، وفلان يأكل الشعير، ومعناه على الوجه المعتاد بعد الطحن والعجن والخبز وفلان يأكل الأنعام. ومعنى ذلك على الوجه المعتاد فيها من الذبح والطبخ. فصل: وقوله: ((أن يشرب التمر والزبيب جميعًا، والزهو والرطب جميعًا)) فى ذلك فى النهى بين التمر والزبيب، وهما جنسان وعن الجمع بين الزهو والرطب وهما من جنس واحد، فثبت بذلك المنع من انتباذ شيئين، يفضى كل واحد منهما إذا أفرد بالانتباذ إلى الإسکار، وجمعهما تعجيل لذلك، سواء کانا جنس واحد أو من جنسین. مسألة: وهذا إذا خلطا للانتباذ أو خلط النبيذان، وقد قال ابن حبيب: لا بأس بالمرىء الذى يعمل من العصير، ولا بأس بما طبخ من العصير أو ربب به من سفرجل وغيره، إذا کان یوم عمل به ذلك حلالاً. ووجه ذلك أن هذا لم يقصد به الانتباذ، وإن كان كل واحد منهم ينتهى إلى الإسكار إذا انتبذ؛ لأن العصير استعمل مع السفرجل والتفاح على غير وجه الانتباذ، بل على وجه الاعتقاد لمنعته، ورفع الفساد عنه، وكذلك المرىء يعمل من العصير، فإن تلك الصناعة ليست على وجه الانتباذ، وإنما يقصد بها وجهًا من المنفعة والمطاعم المعلومة، فإن أفضى ذلك إلى أن يصير له حكم النبيذ فى أثناء ذلك لم يمنع الوصول إلى المقصود منه كالخل. قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وهذا عندى على رواية إباحة تخليل الجنسين. وأما على رواية المنع من ذلك، فإنه أيضًا يجوز أن يقال فى هذا أنه مباح؛ لأنه ليس فى تخلیل الجنسین والجمع بينهما غرض مقصود مباح، فلذلك منع منه، وفى المرىء غرض مباح مقصود، فلذلك لم يمنع منه، والله أعلم. * * تحريم الخمر ١٠٠٢ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَّمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةً ١٠٠٢ - أخرجه البخارى فى الوضوء ٢٣٥، الأشربة ٥١٥٧، ٥١٥٨. ومسلم فى الأشربة= كتاب الأشربة ٠٣٠٢ زَوْجِ الِّّ :﴿ أَنْهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ ◌َّ عَنِ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)). الشرح: قولها رضى الله عنها: ((سئل رسول الله ﴿﴿ عن البتع)) على حسب ما كانوا يستفهمونه، ويسألونه عما يشكون من تحريم حرام أو تحليل حلال أو وجوب واجب أو غير ذلك، فسألوه عن البتع، وهو شراب العسل، وذلك أنه نزل تحريم الخمر، وعلموا تحريمها بنص الكتاب فسألوا عما يقع عليه هذا الاسم ليعلموا أن الذى ورد من ذلك محمول على عمومه أو مخصوص ببعض ما يتناوله اللفظ، فإن قيل لو كان اسم الخمر يقع على البتع وغيره من الأشربة لما سألت العرب إذا سمعت تحريم الخمر عن البتع؛ لأن البتع هو الخمر. فالجواب عنه من وجهين، أحدهما: لأنه يحتمل أن يسأل عن ذلك من لم يبلغه تحريم الخمر، وإن بلغه تحريم النبيذ أو بلغه تحريم الخمر باسم خاص مثل أن يبلغه تحريم حمر العنب أو تحریم خمر التمر. والوجه الثانى أن يكون نوع من الخمر غالبًا على بلد من البلاد، فيكون خمر التمر غالبًا على بلد مّا، وخمر التمر غالب على بلد آخر، وحمر الذرة أغلب فى بلد آخر، فيكون لفظ الخمر إذا أطلق فى ذلك البلد كان أظهر فيما هو الأغلب عندهم لكثرته، وكثرة استعمال هذا الاسم فيه دون غيره مما هو معدوم عندهم، فيسأل أهل كل بلد عن غيرها ما هو الأغلب عندهم لتحويز أن يكون الحكم مقصورًا على ما هو الأغلب عندهم. =٣٧٢٧، ٣٧٢٨. والترمذى فى الأشربة ١٧٨٦، ١٧٨٩. والنسائى فى الأشربة ٥٤٩٥، ٥٤٩٥، ٥٤٩٦، ٥٤٩٧، ٥٤٩٨. وأبو داود فى الأشربة ٣١٩٧، ٣٢٠٢. وابن ماجه فى الأشربة ٣٣٧٧. وأحمد فى باقى مسند الأنصار ٢٢٩٥٣، ٢٣٢٨٧، ٢٣٥١١، ٢٤٣٩٦، ٢٤٧٠٤. والدارمى فى الأشربة ٢٠٠٥. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٠١/٩: لا أعلم عن مالك خلافا فى إسناد هذا الحديث، إلا إبراهيم بن طهمان فى ذلك، وعنده أيضا حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، والمشهور فيه، عن مالك حديث أبى سلمة، وهو حديث صحيح مجتمع على صحته، لا خلاف بين أهل العلم بالحديث فى ذلك، وهو أثبت شىء يروى عن النبى ﴿3﴾ فى تحريم المسکر، وقد سئل یحیی بن معین، عن أصح حدیث روی فى تحريم المسكر؟ فقال: حديث ابن شهاب، عن أبى سلمة، عن عائشة: أن رسول الله ﴿ سئل عن البتع؟ فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)» قال: وأنا أقف عنده. ٣٠٣٠٠ .... .... كتاب الأشربة والوجه الثالث أن يكون هذا الحكم ورد أولاً على سبب، فظن هذا السائل لما جوز أن یکون مقصورًا علی سببه. والوجه الرابع أن يسأل عن ذلك من سمع تحريم الخمر، فجوز عليه التخصيص فسأل عن البتع لیعلم إن كان حكم العموم جاز فيه أم لا. وقد روى عن أبى موسى أنه سئل عن ذلك، فقال: ((بعثنى رسول الله ﴿﴿ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله إن بها أشربة، يقال لها البتع والمزر، قال: وما البتع؟ قلت: شراب يكون من العسل والمرز یکون من الشعير، فقال: کل مسکر حرام)»(١). فصل: وقوله : ((كل شراب أسكر حرام)) وقد سئل عن البتع، دليل على أنه أجاب عن جنس الشراب، لا عن مقدار ما حرم منه من وجهين، أحدهما: أنه سئل عن البتع، ولم يسأل عن مقدار منه، فلما جاوب عن السؤال اقتضى ذلك جوابه عن الجنس، وإلا كان عدولاً منه عما سئل عنه، وذلك غير جائر عليه، وإذا كان جوابًا لما تقدم من السؤال يقتضى الجنس، وجب أن يكون الجواب مثله، وإن كان أعم منه. والوجه الثانى أنه إنما سأل عن جنس شراب، هل هو حرام أو حلال، ولو سأل عن أبعاضه ومقاديره لقال ما يحل منه وما يحرم، فلما كان السؤال عن البتع يقتضى السؤال عن جمیعه، ثبت أنه سؤال عن جنسه. وجوابه ﴿﴿: ((كل شراب أسكر حرام)) يقتضى الجواب عن أجناس الشراب ليكون مقابلاً للسؤال، ولأنه ﴿ علق الحكم على الجنس، فقال: (( کل شراب اسكر حرام»، فكان ذلك جوابًا عنه، وعن غيره، ولو أراد الإخبار عن أبعاضه، وأن بعض مقاديره حرام، وبعضها حلال لقال كل مقدار أسكر فهو حرام، ولقال كل ما أسكر منه، فهو حرام، ولاستغنى عن إعادته لفظ الشراب؛ لأنه لا خلاف أن اسم الشراب واقع على الجنس دون بعض مقاديره، فإذا علق الحكم بالجنس، ولم يعلقه بالقدر كان الظاهر أنه أراد به الجنس دون القدر، والله أعلم. ١٠٠٣ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَهُ (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٤٣٤٣. مسلم حديث رقم ١٧٣٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٥٦٠٣، ٥٦٠٤. أبو داود حديث رقم ٣٦٨٤. أحمد فى المسند حديث رقم ١٩١٧٤. الدارمى حديث رقم ٢٠٩٨. ١٠٠٣ - وذكره فى بدائع المنن فى جمع وترتيب مسند الشافعى والسنن ٤٣٤/٢، عن عطاء بن يسار. وابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٥٧٣. وفى التمهيد ١٠٤/٩. = ٠٣٠٤ کتاب الأشربة سُئِلَ عَنِ الْغُبْرَاءِ فَقَالَ: ((لا خَيْرَ فِيهَا وَنَّهَى عَنْهَا)). قَالَ مَالِك: فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ مَا الْغُبَيْرَاءُ؟ فَقَالَ: هِىَ الأَسْكَرُكَةُ. الشرح: قوله ﴿): ((وقد سئل عن الغبيراء، قال: لا خير فيها، ونهى عنها)) يقتضى أنه علم حالها وصفتها، وهذا يدل أيضًا على أن السؤال كان على جنسها، وأنه عن ذلك أجاب ﴿﴿ لما قدمناه، وهو المعروف من كلام العرب المعتاد إذا سألوه عن الماء أحلوٌ هو أم مرٌّ؟ فإنما يسألون عن طعم جنسه، لا عن طعم قطرة منه لا يوجد لها طعم، ولا عن طعم الكثير منه دون القليل، وكذلك إذا سألوا عن شراب من الأشربة، أنافع هو؟ فإنما يقع السؤال عن جنسه. وإذا أجاب من سألوه عن مقدار بأن كل شراب سخن عند تناوله يجب أن يجتنبه، فإنما يفهم منه منع جنسه، وإذا أرادوا السؤال عن مقدار ما تخشى مضرته منه، قالوا: كم الشربة منه، أو كم مقدار ما يتناول منه، أو كم مقدار ما يجتنب منه؟. وإن جهل السائل، فسأل عن جنسه، فسأل عن شراب الورد فى جملته، وكان قليله مخالفًا لكثيره، لزم المسئول التفصيل، وأن يقول أما يسيره، فلا تبقى مضرته، فيجب أن يجتنب كثيره، ومقداره كذا، وأن يأتى بلفظ يحتمل المقدار، ويحتمل الجنس كان الأظهر أنه يريد الجنس؛ لأنه موافق لسؤال السائل، والله أعلم. ووجه آخر، وهو أن اللغة تمنع من هذا، وذلك أن عمر بن الخطاب، وهو من أهل اللسان، قال: والخمر ما خامر العقل، فلو كان المراد به الكثير دون القليل لوجب أن لا يسمى قليل الخمر خمرًا، وهذا باطل باتفاق، ولما أجمعنا. على أن يسير الخمر يسمى خمرًا، وأن بانفراده لا يخامر العقل، وإنما هو من جنس ما يخامر العقل، علم أن المراد بذلك كله الكلام فى الجنس دون المقدار. فصل: وقول زيد بن أسلم لما أساله مالك عن الغبيراء: ((هى الأسكركة))(١) دليل =قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٠٤/٩: هكذا رواه أكثر رواة الموطأ مرسلا، وما علمت أحدا أسنده عن مالك، إلا ابن وهب؛ وحديث ابن وهب فى ذلك: حدثناه إسماعيل بن عبد الرحمن بن على، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان، قال: حدثنا غير واحد، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله ابن عباس، عن النبى ﴾ أنه سئل عن الغبيراء؟ فذكره سواء. (١) الأسكركة: هى نبيذ الأرز، وقيل نبيذ الذرة. ٣٠٥ کتاب الأشربة على أن الأسكركة كانت معلومة عندهم، والغبيراء التى هى الأسكركة شراب. ١٠٠٤ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِى الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِ الآخِرَةِ». الشرح: قوله : ((من شرب الخمر فى الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها فى الآخرة)) بيان منه ﴿﴿ أن التوبة منها معرضة لشاربها ممكنة له مقبولة منه وفقه الله لها، وأنعم عليه بها، فاته ربما خيف على المكلف المدمن على معاصيه أن يمنع من التوبة، ويحرمها، ويحال بينه وبينها، نسأل الله العصمة، ونعوذ به من الحرمان. فصل: وقوله: ﴿: ((حرمها فى الآخرة)) يريد والله أعلم أنه وإن دخل الجنة بعد العقوبة له أو العفو عنه، فإنه يحرم خمر الجنة، ويقتضى أن فى الآخرة شرابًا يسمى الاسم، قال اله تعالى: ﴿وأنهار من خمر للشاربين﴾ [محمد: ١٥]، فيحرمه المصر على شرب الخمر، وإن دخل الجنة. * جامع تحريم الخمر ١٠٠٥ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنٍ وَعْلَةَ الْمِصْرِىِّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَبَّاسِ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴾ رَاوِيَةً حَمَّرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَ). فَقَالَ: لا، فَسَارَّهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: ((بِمَ سَارَرْتَهُ؟). فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيِعَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َّ: (إِنَّ الَّذِى حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا). فَفْتَحَ الرَّجُلُ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمًا. الشرح: سؤاله عما يعصر من العنب، يحتمل معنيين، أحدهما: أن يسأل عن جميع ١٠٠٤ - أخرجه البخارى فى الأشربة ٥١٤٧. ومسلم فى الأشربة ٣٧٣٧. والترمذى فى الأشربة ١٧٨٤. والنسائى فى الأشربة ٥٥٧٤، ٥٥٧٧. وأبو داود فى الأشربة ٣١٩٤. وابن ماجه فى الأشربة ٣٣٦٤. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٤٥٩٢، ٤٦٨٠. والدارمى فى الأشربة ١٩٩٨. ١٠٠٥ - أخرجه مسلم فى المساقاة ٢٩٥٧. والنسائى فى البيوع ٤٥٨٣. وأحمد فى مسند بنى هاشم ١٩٣٧، ٢٠٨١، ٢٨٢٤، ٠٣٢٠١ كتاب الأشربة ......... ٣٠٦ أنواع العصير من حين يعصر إلى أن ينتهى فى آخر أحواله، وذلك أن للعصير أربعة أحوال، أحدها: من حين يعصر، وقبل أن ينش. والثانية: إذا نش، وقبل أن يسكر. والثالثة: إذا أُسکر. والرابعة: إذا صار خلا. فأما الأولى، وهى حال حلاوته، وقبل أن ينش، فإنه حلال، ولا خلاف فيه إلا أن يدخل عليه ما يغير حكمه، فقد قال ابن حبيب: وأنهى عن شرب الخمر العصير الذى عصر فى المعاصر التى تردد العصر فيها، وإن كان ساعة عصر لما يبقى فى أسفلها خوفًا أن يكون قد اختمر، ولا شك أن بقايا ثفلها فى أسفلها تختمر، فتصير خمرًا ثم يلقى عليه طوى، فيختلط به، فيفسد جميعه؛ لأن قليل الخمر يخالط كثيرًا من عصير أو خل أو طعام، أما یشرب، فيحرم کله. قال الإمام أبو الوليد: ووجه هذا عندى أن الخمر لا يعود عصيرًا حلوًا، فلذلك إذا مازجت العصير نجسته، لأنها تبقى على نجاستها، ولو خالط بيسير الخمر الخل لم ينجسه؛ لأن أجزاء ذلك الخمر تستحيل خلا طاهرًا، فلا يبقى ثم لا ينجس الخل بمجاورته. وقد قال: لا يستعمل ذلك الخل حتى تبقى مدة يقدر فيها أن أجزاء ذلك الخمر قد استحالت خلا. مسألة: وأما نش، فإن مالكًا، رحمه الله، لا يراه حرامًا حتى يسكر. وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: إذا نش، فقد حرم. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله ﴿ا، وقد سئل عن البتع، فقال: ((كل شراب أسكر، فهو حرام))(١). فلنا من هذا الحديث دليلان، أحدهما: أنه قصد النبى إلى بيان ما حرم، وتميزه مما أحله الله، فقال: ((كل شراب أسكر، فهو حرام)) فعلق اسم التحريم بالإسكار، ولم يعلقه بالغليان، فدل ذلك على أن الإسكار حد بين الحلال والحرام دون الغليان. والوجه الثانى، أنه علق حكم التحريم على الإسكار، فكان الظاهر أنه علة له دون الغليان الذى لم يعلق عليه تحريمًا، ومحال أن يكون الغليان علة له، فيترك التعليل به، ويعلل بغيره مما ليس بعلة لة. مسألة: وإذا أسكر، فلا خلاف فى تحريمه، قليله وكثيره، وكذلك سائر الأشربة عند مالك، وقد تقدم ذكر اختلاف الفقهاء فيما يسوغ فيه الاختلاف عنه بما يغنى عن إعادته. (١) تقدم تخريجه فى الحديث رقم ١٠٠٢. ٣٠٧٠ ..... كتاب الأشربة فرع: إذا ثبت أن الخمر حرام، فهل تجب إراقتها ومن كانت عنده لا يخلو إذا عصرها أن يريد بها المحظور، وهو أن يتخذها خمرًا أو يقصد بها المباح، وهو أن يشربها عصيرًا أو يخللها أو يطبخها ربًا أو غير ذلك من الوجوه المباحة، فإن قصد بها المحظور، فلا خلاف فى المذهب نعلمه أنه يجب عليه إراقتها، فإن اجترأ عليها، فجللها، فعن مالك فى ذلك روايتان، وسنذكرهما بعد هذا إن شاء الله تعالى. وإن قصد بها أمراً مباحًا، فصار خمرًا، فقد قال ابن حبيب فيمن عصر عصيرًا يريد به الخل، فلا بأس أن يعاجله، وهو عصير يصب الماء فيه، ويطرحه على دردى الخل، فله أن يقره وحثالته، وإن داخلته الخمر ثم إن عجل ففتحه قبل أوانه، فوجده قد دخله عرق الخل فله أن يقره، ويعالجه وإن لم يجد فيه شيئًا من ذلك فى رائحة، ولا طعم، فهى خمر تهراق، ولا يحل له حبسها ولا علاجها لتصير خلاً. قال الإمام أبو الوليد: وفى كلام ابن حبيب نظر، وظاهر ما فى كتاب ابن المواز عن مالك خلاف هذا، وقد بسطت الكلام فيه فى الاستيفاء. فرع: فإن صارت خلاً بعد أن كانت خمرًا، فلا يخلو أن تصير خلاً بمعالجة أو بغير معالجة، فإن صارت خلا بمعالجة آدمى، فإن المعالجة ممنوعة فى الجملة عندنا، وأحسن ما يتعلق به عندى فى ذلك أن مهدى المزادتين أراقها بحضرة النبى 18، ولم ينكر ذلك عليه، ولو جاز تخليلها لما أباح له إراقتها، ولنبهه على تخليلها كما نبه أهل الميتة على الانتفاع بجلدها، غير أنه يتعرض فى ذلك أن تلك خمر قصد بها الخمر، وأما ما لم يقصد به خمرًا وإنما قصد بها الخل، فحكمه غیر حكم ما قصد به الخمر. فرع: فإن صارت خلاً بمعالجة، ففى كتاب ابن المواز فيمن عصر خمرًا أو عصر خلاً، فباعها من مسلم أو نصرانى، فصارت خلاً أو خللها أنه لا بأس بأكلها وبيعها. وروى عن مالك إباحة أكلها. وروى عن ابن الماجشون المنع من ذلك. وروى ابن عبد الحكم فى مختصره الروايتين عن مالك. ووجه الرواية الأولى ما احتج به الشيخ أبو بكر أن علة التحريم هى الشدة المطربة، فإذا زالت زال التحريم كما لو تخللت بنفسها، قال القاضى أبو محمد: ولا خلاف إذا تخللت بنفسها. ووجه الرواية الثانية الحديث المتقدم فى إراقة ما فى المزادتين بحضرة النبى ﴿!، ولم ینکر علیه، ولو أراد تخليلها لمنعه من ذلك ونبهه عليه. كتاب الأشربة ٣٠٨ فصل: قول ابن عباس للذى سأله عما يعصر من العنب: ((أهدى رجل لرسول الله ٤ راوية خمر)) يحتمل أن يكون فهم من السائل أنه إنما سأل عن الخمر من أنواع العصير أو عما عصر للخمر، فإن سأله عن الخمر، فقد أجابه عن نفس مسألته، وإن کان سأله عن عصیر أريد به الخمر فمعنى ذلك أن حکمه حکم ما قد صار خمرًا. فصل: قوله: ((راوية خمر)) الراوية هى الدابة التى تحمل الخمر أو الماء لأنها هى التى تروى، غير أنه قد يسمى الظرف الذى يحمل فيه الخمر راوية، بمعنى تسمية الشىء باسم ما جاوره أو قاربه. فصل: وقوله :﴿3﴾ للذى أهدى إليه راوية: ((أما علمت أن الله حرمها)) على جهة التوبيخ له إن كان علم ذلك، ثم أهداها، وإن كان جهل مثل هذا من أمر الشريعة مع ظهوره، ولما قال المهدى للخمر: ((لا)) إظهارًا لعذره، ساره إنسان إلى جانبه بما ظن أنه یرشده به إلی منفعته. فلما رأى النبى ﴿﴿ ذلك من مسارته، ولم يثق بعلمه، وتوقع أن يأمره بمثل ما أظهره بعد ذلك، سأله عما ساره به، فإن كان صوابًا أقره عليه، وثبته فيه، وإن كان خطأ، 65: ((إن حذره منه ونهاه عنه، وأرشده إلى الصواب، فأخبره أنه أمره ببيعها، فقال الذى حرم شربها حرم بيعها)) فأخبره ﴿﴿ أنه لا يحل بيعها كما لا يحل شربها، لأنه لم يبق بها منفعة تمسك لسببها فى الحال والمآل، وما كان بهذه الصفة لم يحل بيعه. مسألة: إذا ثبت أن بيعها محرم، فاجتراً مسلم فباعها، فلا يخلو أن يشتريها منه نصرانى أو مسلم، وسيأتى بيان هذا فى آخر الباب إن شاء الله. فصل: وقوله: ((ففتح المزادتين حتى ذهب ما فيهما)) للعصير على أصلنا ثلاثة أحوال، حال عصير، وحال سكر، وحال تخلل. فأما الحالة الأولى، وهى حالة العصير، فهى حالة إباحة على وجه ما، فمن أعدها لوجه مباح، فلا خلاف فى أنه لا يلزم إراقتها فى هذه الحال، ومن اتخذها لوجه محظور، فهل تلزمه إراقته؟ يحتمل أن يكون فتحهما فتحًا يبقى الانتفاع بهما بأن حل أفواههما، ويحتمل أن يكون فتحهما بشق أوساطهما، فأبطل ذلك الانتفاع بهما، وقد حكى ابن عبد الحكم عن مالك أن من وجدت عنده خمر من المسلمین کسرت علیه، وشق ظروفها. قال الشيخ أبو بكر: إنما تشق الظروف إذا كان لا يزول ما قد فسد بها من الخمر ٣٠٩٠٠٠ کتاب الأشربة بالغسل، فإن كان يزول ما فيها من الغسل غسلت، ولينتفع بها، وكذلك الأوانى تكسر، إن كان لا يزول ما فيها، قال: ويجوز أن يكون مالك إنما أراد أن الظروف تشق وتكسر الأوانى، وإن كان ما فيها يزول بالغسل عقوبة للمسلم على فعله، وإمساكه الخمر وبيعه لها، وهذا الذى أراده مالك والله أعلم، ولذلك قال: يفرق ثمن ما باع على الفقراء، وأهل الحاجة، عقوبة للمسلم الذى باعها لئلا يعود ثانية إلى بيعها. ١٠٠٦ - مَالِك، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِى أَبَا عُبَيْدَةً بْنَ الْجَرَّحِ وَأَبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ(١) وَتَمْرٍ، قَالَ: فَجَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ قُمْ إِلَّى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا، فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ. الشرح: قوله: ((كنت أسقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه شرابًا من فضيخ وتمر)) يحتمل من جهة اللفظ أن يكون مسكرًا أو غير مسكر؛ لأن اسم الشراب قد يتناول ذلك كله. قال: ((فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت)) وهذا يقتضى أن هذا كان وقت تحريمها وونسخ إباحتها لمكان هؤلاء من رسول الله ﴿﴿، ولم يعلموا بتحريمها، ولو تقدم تحريمها بمدة طويلة من النبى لل لما خفى عليهم، ولما اجتمعوا عليها. فصل: وقول أبى طلحة عند قوله الآتى: ((يا أنس، قم إلى هذه الجرار فاكسرها)) امتثال لنهى النبى ﴿﴾، فهو الذى حرمها أو هو الذى أخبر بذلك عن الله تعالى، ولهذا قلنا فيما روى أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة: إن هذا مسند؛ لأنه لا يأمر إلا النبى ﴿ ولا ينهى فى الشريعة غيره. فصل: وأمر أبى طلحة أنسًا بكسر الجرار، يدل على أن فضيخ التمر عنده ينطلق عليه اسم الخمر، ولو لم يقع عليه اسم الخمر لما جاز أن يأمر بكسر المباح عنده لتحريم غيره، بل لا يجوز أن يأمر بكسر نوع من المائعات والمشروبات لتحريم الخمر، إذا لم ١٠٠٦ - أخرجه البخارى فى كتاب الأشربة ٦٧١٢. ومسلم فى الأشربة ٣٦٦٤. والنسائى فى الاستعاذة ٥٤٤٤، الأشربة ٥٤٤٥، ٥٤٤٦. وأبو داود فى الأشربة ٣١٨٨. وأحمد فى باقى مسند المكثرين ١٢٤٢٢، ١٢٥٠٥، ٠١٢٨٩٧ والدارمى فى الأشربة ١٩٩٧. (١) الفضيخ: قال ابن عبد البر ١١٤/٩: قد اختلف فى الفضيخ فقال أكثر أهل العلم: الفضيخ نبيذ البسر. وقال أبو عبيد: الفضيخ ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه النار. کتاب الأشربة ٣١٠ يكن المسكر خمرًا كما لم يأمر حينئذ بكسر جرار فيها ماء ولا سمن ولا زيت ولا غير ذلك من أنواع المائعات والمشروبات، ولما أمر بكسر الجرار لما فيها من الفضيخ عند نزول الخمر، دل على أن اسم الخمر يتناول شراب الفضيخ. فصل: وقول أنس: ((فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت)) المهراس حجر كبير، كسر أنس به الجرار بأمر أبى طلحة وبحضرة أبى عبيدة وأبى بن كعب، ولم يقتصروا على إراقة ما فيها وغسلها، ولعله أن يكون ذلك لتمكن شرابها منها، وسرايته فى إجزائها ومسامها، وإنما يجوز غسلها واستعمالها إذا علم أنه يزول عنها ما تشبث من الخمر بها، ولا يبقى من الخمر فيها بقية. وقد روى فى المجموعة عن مالك فى الجرة إذا طبخ فيها الماء، وغسلت: أنه لا بأس باستعمالها، فيحتمل أن يكون أمر بكسرها لما رأى أنه لا يمكن غسلها وتنظيفها من بقايا الخمر فيها، ويحتمل أيضًا أن يكون كسرها لما رأى أن ذلك حكمها على كل حال. وقد روى القولان عن مالك فى الجرار. فرع: وأما الذى يراعى فى تطهيرها ونظافتها إذا قلنا بجواز غسلها، روى أشهب عن مالك فى الركوة للخمر، تغسل: أخاف أن لا تخرج ريحها من الركوة. وهذا يدل على أنه يراعى بقاء رائحتها فى الأناء. وتحتمل مراعاة الرائحة وجهين، أحدهما: أن يراعى فى تغير المائع برائحة النجس، وكون الرائحة فيها بمجاورة أو مخالطة، فإن المشهور من مذهب مالك تغير الرائحة بالمخالطة. والثانى أن بقاء الرائحة فى الإناء ربما تعلقت بالشارب من ذلك إلاناء، فأدى ذلك إلى إقامة الحد عليه بالرائحة، والله أعلم. ١٠٠٧ - مَالِك، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنْهُ أَخْرَهُ عَنْ مَحْمُودٍ بْنِ لَبِيدِ الأنْصَارِىِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ شَكًا إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّامِ وَبَاءَ الأرْضِ وَيَقْلَهَا، وَقَالُوا: لا يُصْلِحُنَا إِلا هَذَا الشَّرَابُ، فَقَالَ عُمَرُ: اشْرَّبُوا هَذَا الْعَسَلَ، فقالوا: لا يُصْلِحُنَا الْعَسَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ: هَلْ لَكَ أَنْ نَحْعَلَ لَكَ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ شَيْئًا لا يُسْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَطَبَحُوهُ حَتّى ذَهَبَ مِنْهُ الثَّانِ، وَبَقِىَ الثُّلُثُ، فَأَتَوْا بِهِ عُمَرٌ فَأَدْخَلَ فِيهِ عُمَرُ إِصْبَعَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ فَتَبِعَهَا ١٠٠٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٥٧٧. ٣١١٠ كتاب الأشربة . يَتَمَطِّطُ، فَقَالَ: هَذَا الطِّلاءُ، هَذَا مِثْلُ طِلاءِ الإِبِلِ، فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَشْرَبُوهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: أَخْلَلْتَهَا وَاللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: كَلا وَاللّهِ، اللَّهُمَّ إِنّى لا أُحِلُّ لَهُمْ شَيْئًا حَرَّمْتَهُ عَلَيْهِمْ، وَلا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَخْتَهُ لَهُمْ. الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام)) قدومه الشام كان على حسب ما يلزم الإمام من مراعاة أنظاره، وتطلعها بنفسه وتعاهد أحوالها لاسيما، وهو موضع رباط، وهو أهم المواضع عند الإمام وأولاها بتفقده وتعاهده. فصل: وقوله: ((شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها)) يريد أنهم شكوا إليه من ذلك ما أحوجهم إلى شرب شراب يزيل عنهم وباء الأرض، ويبعد عنهم ثقلها وأمراضها المعتادة عندهم، وقد اعتادوا أن يغتذوا لها بشرب، وأخبروا عمر أنه لا يصلحهم إلا ذلك، يريد أن أبدانهم لا تألف غيره، فأمرهم عمر أن يشربوا العسل على الوجه المباح منه، من أن لا ينتهى إلى الحد المحرم من السكر، وذلك أنه لم يكن علم أنه يتخذ من العصير ما يبقى، ويسلم من الشدة المطربة، وعلم أن العسل يبقى المدة الطويلة، فعدل بهم إليه ليقتنوه، ويتخذوه ويدخروه، فمتى أرادوا شربه خلطوه بالماء، فقالوا: ((إنه لا يصلحنا العسل)) يعنى أنه لا يزيل عنهم وباء الأرض، ولا وخامتها، ولا يدفع ما يحدث من أمراضها، وهذا كله يقتضى أنه لم يبح لهم شرب ذلك الشراب المسكر للتداوى، وقد تقدم ذكره. فصل: ولما توقف عمر رضى الله عنه عن إجابتهم إلى ما أرادوه من شرب العنب لاعتقاده أنه لا يمكن ادخاره، ((قال له رجل من أهل الأرض» يريد ممن نشأ فيها «هل لك أن نجعل لك من هذا الشرب شيئًا لا يسكر)) لعلمه بذلك أنه يمكن أن يدخر، ولا يتغير، ويتوصل إلى ذلك بصنعة علمها. فقال له عمر: ((نعم)) إجابة إلى اختبار ما ادعاه من صحة ادخاره العصير دون أن يسكر أو يتغير، فإنه إنما منعهم منه لما علم فيه من التغير وتعذر عنده من بقائه، دون أن يفسد، فلما ادعى هذا بحضرته أنه يمكنه أن يصنع منه ما يسلم من الفساد أجابه إلى أن يصنع ليختبر قوله ویعاین ما أخيره به. فصل: وقوله: ((فطبخه حتى ذهب منه الثلثان وبقى الثلث)) ومعنى ذلك أنه ذهبت منه المائية التى تحدث إفساده، ويسرع بها تغيره، وبقيت عسليته خالصة، وإنما خص ذلك بذهاب الثلثين وبقاء الثلث؛ لأن هذه كانت صفة عصير ذلك العنب فى ذلك البلد. ٣١٢ کتاب الأشربة وقد روى ابن المواز فى طبخ: لا أحد ذهاب ثلثيه، وإنما أنظر إلى السكر. قال أشهب: إن نقفص تسعة أعشاره بذلك. قال ابن المواز: وليس ذهاب الثلثين فى كل بلد، ولا من كل عصير، فأما الموضع المختص بذلك، فلا بأس به. وقال ابن حبيب: من تحفظ فى خاصته فعمل الطبخ، فلا يعمله إلا باجتماع وجهين، أن يذهب ثلثاه، ويوقن أنه لا یسکر. فأما حد الوصفين من أنه لا يسكر فصحيح، ولا يحتاج إلى سؤال لأنه إذا لم يسكر، فسواء ذهب ثلثه أو ربعه أو أكثر أو أقل، اللهم إلا أن يعلم أنه لا يوجد بلد يذهب منه أقل من الثلثين، ويسلم من الفساد، فيراعى ذهاب الثلثين فى البلاد التى يسلم فيها من الفساد ذهاب الثلثين، ويحترز بتيقن سلامته من الفساد لوجود الفساد مع ذهاب الثلثين فى سائر البلاد، وإذا اعتبر السلامة من أن يسكر استغنى عن سائر الأوصاف، وجعل أبو حنيفة ذهاب الثلثين حدًا فى جواز شرب ما يبقى، وإن كان يسكر من كثيره. والدليل على ما نقوله أن هذا شراب فيه شدة مطربة، فوجب أن يكون قليله حرامًا. أصل ذلك النیء. فصل: وقوله رضى الله عنه لما أخبره به، وأشرف عليه بالمشاهدة والمباشرة، وقوله: ((فأتوا به عمر بن الخطاب، فأدخل فيه إصبعه ثم رفعه، فتبعها يتمطط)) اختبار من عمر رضى الله عنه لما أخبره به وإشراف عليه بالمشاهدة والمباشرة، واعتناء بأمور المسلمين، ومصالح دينهم ودنياهم، فأدخل إصبعه ليختبر ثخانته، وهى التى تمنع التغير، ثم رفع إصبعه التى أدخلها فى الطلاء، فتبعها الطلاء يتمطط لثخانته، ولو كان رقيقًا فى حكم الشراب لم يتبع يده، ولا إصبعه منه شىء، ولجعل ينقط ما يتعلق بإصبعه منه، إن كان تعلق منه شىء. فصل: وقول عمر: ((هذا الطلاء)) يريد أنه سمى بالطلاء على معنى التشبيه بهذا، ولذلك قال: ((هذا مثل طلاء الإبل)) فى ثخانته وبعده من التغير ثم أمرهم بشربه، ولو راعى أبو حنيفة أن يعود إلى مثل هذا من القوام، والثخانة لما أباح للناس إلا شرب ما يؤمن فساده، فإن هذا قوام العسل، ولا يمكن شرب مثله إلا أن يمزج بالماء، فلا يخاف على مثل هذا التغير أبدًا. وأما من عصير يذهب ثلثاه، ويبقى الثلث رقيقًا يسرع إليه التغير، ويطرأ عليه الفساد، فليس له حکمه وحکم الذى قد صار فى قوام العسل حكم الذى لا يتغير، ولو أمسك أعوامًا. ٣١٣ كتاب الأشربة ولو كان ذهاب الثلثين منه يجزئ على كل، لما احتاج عمر أن يراه ويختبره ويدخل إصبعه فيه، ويرفعه ليعلم بذلك ثخانته، ولقال للذى قال له: ((هل لك أن أجعل لك من هذا الشرب ما لا يسكر)) أنا أعلم بذلك منك، اطبخه حتى يذهب الثلثان، ولا يراعى أيسكر أم لا، ولما قال له: افعل، علم أنه إنما أمره بأن يعمل منه ما لا يسكر، وأنه اختبر صدقه، وعلم صحة قوله بما شاهد من ثخانته، وأنه فى قوام طلاء الإبل ثم أظهر تصديق قول الصانع وإجابته إلى ما سأل بأن يكون على مثل هذه الصفة التى ادعى أنها لا تسکر. فمن أباح شرب ما يسكر من ذلك بذهاب الثلثين، فقد خالف إجماع الصحابة؛ لأنهم بين قائلين قائل بقول بمثل قول عمر: إنها إذا لم تسكر لما عادت عليه من القوام أنه مباح عملها، واتخاذها. وقائل أنكر على عمر رضى الله عنه إباحتها مع ذلك كله خوفًا من الذريعة لإباحته إلى شرب المسكر منها على حسب ما أفتى به أبو حنيفة، فقد خالف إجماعهم. وقد روى أن على بن أبى طالب كان يرزق الناس طلاء يقع فيه الذباب، فلا يستطيع أن يخرج منه. فصل: وقوله: ((ثم أمرهم بشربه)) يحتمل أن يريد أمرهم بشربه على معنى أنه ندبهم إلى ذلك على معنى استيفاء صحة أجسامهم، وصلاح أحوالهم، والمنع لهم من تحريمه، ويحتمل أن يريد بذلك إباحته لهم، فإن القاضى أبا الفرج من أصحابنا قد قال: إن الإباحة أمر. فصل: وقول عبادة بن الصامت: ((أحللتها والله))(١) يريد أن ما أباحه لهم من هذا الطلاء الذى يؤمن معه الفساد يتسبب به إلى شرب ما لا يبلغ ذلك المنع مما يسرع إليه الفساد إلا أنهم يختانون أنفسهم، فلا يبلغوه ذهاب الثلثين فى البلد الذى يصلح فيه بذهاب الثلثين. وأما أن يتعلق بذلك ويشرب ما ذهب ثلثاه فى بلد لا يصح فيه إلا بذهاب أكثر من الثلثين، ويتعلق بذكر ذهاب الثلثين على حسب ما تعلق به المخالف. (١) قال فى الاستذكار ٣٢١/٢٤: قول عبادة لعمر فى الطلاء المذكور فى هذا الحديث: أحللتها لهم، يعنى الخمر، لم يرد به ذلك الطلاء بعينه، ولكنه أراد أنهم يستحلونها فضيخ دون ذلك الطبخ، ويعتلون بأن عمر أباح المطبوخ منها. كما روى النبى وال، أنه قال: ((تستحل أمتى الخمر، فإنهم يسمونها غير اسمها)» .. : ٣١٤ ٠٠ كتاب الأشربة وقد تبع عبادة بن الصامت على هذا الإنكار عبد الله بن عمر. قال ابن حبيب: وقد نهى عنه عمر بن عبد العزيز، ولو اقتصر الناس على ما أباح منه لم أنه عنه. قال ابن حبیب: وإنه لیعجبنی لمنع الذرائع ان ینھی عنه الناس. فصل: وقول عمر: ((كلا والله، اللهم إنى لا أحل لهم شيئًا حرمته عليهم، ولا أحرم عليهم شيئًا أحللته لهم» إنكارًا على عبادة بإظهار النية، وصحيح معتقده، وتبين ما ذهب إليه، وأنه لا يحل حرامًا، وهو ما يسرع إليه الفساد والتغير من الأشربة، ولا يحرم حلالاً منها، وهو ما بلغ المبلغ الذى صنعه الرجل من الثخانة، وأنه بمنزلة طلاء الإبل، فلا يسرع إليه فساد، ولا يمكن شربه إلا بخلطه بالماء على حسب ما يصنع بالعسل من أراد شربه. ١٠٠٨ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ أَنَّ رِجَالا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نَبْتَغُ مِنْ ثَمَرِ النَّخَّلِ وَالْعِنَبِ فَعْصِرُهُ خَمْرًا فَبِيِعُهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّى أُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتَهُ وَمَنْ سَمِعَ مِنَ الْحِنِّ وَالإِنْسِ أَنّى لا آمُرُكُمْ أَنْ تَبِيِعُوهَا، وَلا تَبْتَاعُوهَا، وَلا تَعْصِرُوهَا، وَلا تَشْرَّبُوهَا، وَلا تَسْقُوهَا، فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. الشرح: قوله: ((أن رجالاً من أهل العراق سألوا عبد الله بن عمر فقالوا: إنا نبتاع من ثمر النخيل والعنب، فنعصره خمرًا فنبيعها)) تصريح بعصر الخمر وبيعه، فمنع من ذلك عبد الله بن عمر، ولا خلاف نعلمه فی منعه. والأصل فى ذلك الحديث المتقدم أنه ﴿4﴾ قال للذى أهدى إليه راوية خمر: ((إن الذى ١٠٠٨ - أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ٢٨٦/٨. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٥٧٨، وقال: مثل هذا القول، لا يكون منه إلا وعنده من الله عز وجل ورسوله عليه السلام معناه، ثم ذكر حديث ابن عمر، عن النبى أنه قال: ((الخمر حرام، وبيعها حرام، وثمنها حرام)). وحديث ابن عمر، عن النبى ﴾ أنه قال: ((لعنت الخمر على عشرة وجوه: لعنت الخمر بعينها، وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومبتاعها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وساقيها، وشاربها)). وحديث ابن عباس ((أن رسول الله أتاه جبريل، فقال: يا محمد، إن الله تعالى لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وبائعها، ومبتاعها، وساقیھا ومسقاها)). انتھی بتدبر.