النص المفهرس
صفحات 1841-1860
٠ ٢٧٥ .... کتاب الصيد ٩٩٣ - مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِخُلُودِ الْمَيْنَةِ إِذَا دُبِغَتْ. الشرح: قوله: ((إن رسول الله ﴾ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت))، أمره هاهنا يصح أن يحمل على الوجوب والمنع من إتلاف ما يمكن الانتفاع به، أو ما يصلح أن يتملك على اختلاف الناس فى ذلك، كما أنه 48 نهى عن إضاعة المال وترك الانتفاع به مع جواز ذلك من باب ما يتمول. ويحتمل أن يحمل على الوجوب، فمنع تحريم ترك الانتفاع به تحريم له؛ لأن تحريم ما أحله الله محرم، ويصح أن يحمل على الندب، وهو أقل ما يحمل عليه على الصحيح من المذهب، وهو قول أکثر شيوخنا. وقد قال القاضى أبو الفرج، من أصحابنا: إن الإباحة أمر، فعلى هذا يجوز أن يريد به إباحة الاستعمال لها بعد الدباغ، والأول أظهر؛ لأن الأمر بالفعل اقتضاء له ومنع من تركه على وجه ما هو أمر به، وأما الإباحة للفعل، فإنها تعليق الفعل بمشيئة المأذون له فیه، والله أعلم. فصل: وقوله: ((أن يستمتع بها)، يحتمل الاستعمال المعهود من مثلها، ويحتمل أن يريد استعمالاً عامًا، والأظهر من لفظ الاستمتاع أنه ليس بتملك محض، وإنما هو انتفاع إلى وقت أو على وجه مخصوص. فصل: وقوله: ((إذا دبغت))، شرط فى إباحة الاستمتاع، ويمنع ذلك الاستمتاع بها قبل الدباغ عند القائلين بدليل الخطاب دون غيرهم ممن لا يقول به، وقد تقدم من أقوال أصحابنا فى منع الانتفاع بها قبل الدباغ، والله أعلم. ٩٩٣ - أخرجه النسائى فى الفرع والعتيرة ٤١٧٧. وأبو داود فى اللباس ٣٥٩٥. وابن ماجه فى اللباس ٣٦٠٢. وأحمد فى باقى مسند الأنصار ٢٣٣٠٨، ٢٣٥٨٧، ٢٤٠٠٢، ٢٤٠٤٠. والدارمى فى الأضاحى ١٩٠٤. وعبد الرزاق فى المصنف برقم ١٩١ عن عائشة. والبغوى فى شرح السنة ١٠٠/٢ عن عائشة. وذكره فى الكنز برقم ٢٧٣١٥ وعزاه السيوطى لعبد الرزاق عن عائشة. وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٨/٨ عن عائشة. ٢٧٦ .... .... كتاب الصيد ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة مَالِك أَنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِى الرَّجُلِ المضطر يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدُ مِنْهَا، فَإِنْ وَحَدَ عَنْهَا غِنَّى طَرَحَهَا. الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن الله تعالى حرم الميتة، فلا يجوز أكل لحمها، وهذا اللفظ إذا أطلق فى الشرع، فإنما ينطلق على غير المذكى، وإن كان المذكى ميتًا، فلا يجوز أكل الميتة لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]، والمعنى والله أعلم، حرم عليكم أكلها، وهذا مع الاختيار والسعة. وأما مع الاضطرار، فمن اضطر إلى أكل الميتة، جاز أن يأكل منها. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا﴾، إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقوله تعالى: ﴿فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم﴾ [المائدة: ٣] الآية، فمن اضطر إلى أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير، جاز له ذلك. ووجه ذلك الآية المذكورة. فصل: وقوله: ((يأكل منها حتى يشبع ويتزود))، يريد إن اضطر إلى أكلها واستباحتها بذلك، فإنه لا يقتصر على ما يرد رمقه منها، بل يشبع منها الشبع التام، ويتزود؛ لأنها مباحة له كما يمتنع من الطعام المباح فى حال وجود الطعام لما كان مباحًا .له. وقال ابن حبيب: إنما يأكل منها ما يقيم رمقه، ثم لا يأكل بعد ذلك حتى يصير من الضرورة إلى حاله الأولى، وبه قال عبد العزيز بن الماجشون وابنه. ووجه ذلك أن الإباحة إنما تثبت لحفظ النفس، وذلك يوجد فيما دون الشبع، فما زاد لا يتناول لحفظ النفس، فكان ممنوعًا منه. فرع: فإذا قلنا بقول ابن الماجشون وحكاه القاضى أبو محمد: محرمة عليه يومه وليلته، ومن تعشى، فهى محرمة عليه ليلته تلك واليوم بعدها، ثم بعد ذلك إن وجد بنفسه قوة، مضى على ذلك، وإن دخله ضعف، وخاف الموت أو ما قاربه، جاز له أن یأکل منها ما یرد نفسه، وینهضه فى سفره. وتعلق ابن حبيب فى ذلك بما روى، عن الأوزاعى، عن حسان بن عطية، عن أبى واقد الليثى، أن رجلاً قال لرسول الله ﴿3﴾: إنا نكون بأرض تصيبنا فيها المخمصة، ٠٠ ٢٧٧ كتاب الصيد فمتى تحل لنا الميتة؟ فقال: ((إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفوا بقلا شأنكم بها))(١). قال عبد الملك: يعنى بالاصطباح الغداة، والاغتباق العشاء، والاحتفاء جمع البقل وأكله، وذلك يدل على أنه لا يأكل الميتة ما وجد تعليلاً من تقبل أو غيره يمسك نفسه ويؤمنه الموت. سُئِلَ مَالِك عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْئَةِ أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَحِدُ ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ؟. قَالَ مَالِك: إِنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ أَوِ الزَّرْعِ أَوِ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتَّى لا يُعَدُّ سَارِقًا، فَتُقْطَعَ يَدُهُ رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَىِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ، وَلا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْئَةَ، وَإِنْ هُوَ خَشِىَ أَنْ لا يُصَدِّقُوهُ، وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْنَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِى، وَلَهُ فِى أَكْلِ الْمَيْنَةٍ عَلَى هَذَّا الْوَجْهِ سَعَةٌ مَعَ أَنّى أَخَافُ أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يُضْطَرَّ إِلَى الْمَيْنَةِ يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ أَخْذٍ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوِهِمْ وَيْمَارِهِمْ بِذَلِكَ بِدُونِ اضْطِرَارٍ. قَالَ مَالِكٍ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. الشرح: وهذا كما قال، أن من اضطر إلى أكل الميتة، فوجدها ووجد ما لا يمكن الوصول إليه، فلا يخلو أن يكون مما لا قطع فيه كالثمر المعلق والزرع القائم ونحوه، أو يكون مما فيه القطع إذا أخذ على وجه السرقة كالمال فى الحرز. فإن كان مما لا يقطع فيه، فقد قال مالك من رواية محمد عنه: إن خفى ذلك فليأخذ منه. وأما إن وجد ثمرًا أو زرعًا أو غنمًا لقوم، فظن أن يصدقوه ولا يعدوه سارقًا فليأكل من ذلك أحب إلىّ من الميتة. فشرط فى المسألة الأولى، وهو فى الثمر المعلق أن يخفى له ذلك لمعنيين، أحدهما: أن يعلم أنه لا إثم عليه فى ذلك، ولا شىء فيما بينه وبين الله، وإنما يجب أن يحترز فى ذلك من المخلوقين لنفسه، فربما أوذى أو ضرب ضربًا عنيفًا إن علم به، ولم يعذر بما يدعيه من الضرورة. (١) أخرجه أحمد فى المسند حديث رقم ٢١٣٩١، ٢١٣٩٤. الدارمى حديث رقم ١٩٩٦. .. ٢٧٨ كتاب الصيد وشرط فى القسم الآخر: أن يصدقوه، وهو فى الثمر الذى قد آواه إلى حرزه والزرع الذى حصده وأوى إلى حرزه، والغنم التى فى حرزها، وهى التى أراد فى مسألة الكتاب، ولذلك قال: إنه ربما تقطع يده ولم يصدقوه. ولم يشترط أن يخفى له ذلك؛ لأن أخذه على وجه التستر به هو الذى يعاقب عليه بالقطع، فإنما يجب أن يأخذه معلمًا إن علم أنهم يصدقونه، وإن لم يعلم ذلك، فلا يتعرض إلى أخذه على وجه الاستسرار؛ لأن ذلك يؤدى إلى قطع يده، والذى يأخذ من الثمر المعلق لا علی وجه الاستسرار، فذلك لا يوجب قطع يد. فصل: وقوله: ((فيما يجده من الثمر والزرع والغنم لغيره إن ظن أنهم يصدقونه، فإنه يأكل منه ما يرد جوعه، ولا يحمل منه شيئا))، وفرق بين أكله من هذا وبين أكله من الميتة، ففى الميتة قال: يشبع ويتزود، وقال فى هذا: يأكل ما يرد جوعه ولا يتزود. ووجه ذلك أن هذا مال لغيره، فهو ممنوع منه لحق الله ولحق مالكه، فليس له أن يأخذ منه إلا بقدر ما يرد به رمقه. وأما الميتة، فليست مال لغيره، وإنما هى ممنوعة لحق الله تعالى، وحقوق الله تعالى إذا استبيحت للضرورة تجاوزت الرخصة فيها مواضع الضرورة. وحقوق الآدميين لا تتجاوز مواضع الحاجة والضرورة، وهذا الفرق على رواية الموطأ ورواية ابن المواز. وأما على رواية ابن حبيب، وهى الرواية الثانية عن مالك: فلا فرق بينهما. فصل: وقوله: ((وذلك أحب إلىّ من أن يأكل الميتة))، يريد أن ما أكله من الثمر أو الزرع مباح العين، وإنما هو ممنوع منه لحق الغير، وإذا بلغت الضرورة منه إلى استباحة الميتة، فقد لزم صاحب هذا الثمر أو الزرع أن يعطيه منه ما يرد به رمقه، وإن لم يكن عنده ثمن أو یبیعه منه إن کان عنده ثمن. فإذا أخذ بقدر ذلك، فقد بلغ به حقه، وكان مباحًا له من الوجهين، من جهة أنه مباح فی نفسه، ومن جهة أنه قد لزم صاحبه تسليمه إليه. وأما الميتة، فليست بمباحة فى نفسها، فكان أكل هذا الطعام الذى هو مباح فى نفسه أولى. فصل: وقوله: ((وإن هو خشى أن لا يصدقوه وأن يعدوه سارقًا، فإن أكل الميتة خير ٢٧٩ کتاب الصید له عندى))، يريد أنه إن خاف أن يعدوه سارقًا بأخذه إياه على وجه الاستتار من الحرز، فيجب عليه بذلك القطع، فأكل الميتة أولى. ولا يحل له أن يتعرض لما يوجب قطع يده، وأضاف ذلك إلى رأيه، وفتواه إما لأنه لم ير فيه نصًا لغيره، أو لأنه قول اختاره من أقوال العلماء قبله. فصل: وقوله: ((مع أنى أخاف أن يعدو عادٍ ممن لم يضطر إلى أكل الميتة))، يريد استجازة أخذ أموال الناس وزروعهم وثمارهم، بذلك أظهر لمنعه من ذلك علة أخرى، وهى أن ما يدعيه هذا من الضرورة أمر لا يعلم إلا من جهته، وبقوله فى الأغلب، ولو شرع هذا للناس لتسبب أهل الظلم والعدوان إلى أخذ أموال الناس وزروعهم وثمارهم. فإذا ظهر عليهم وظفر بهم ادعوا الضرورة، فوجب سد هذا الباب، ووجب على هذا المضطر أن يأكل الميتة ولا يتعرض لهذا الوجه الذى لا يخلو من أن يتهم فيه، ولو صدق فيه لتسبب به غيره، فهو ليس بصادق، ولا يعرف صدق هذا الذى ادعى الضرورة إلى أكل زروع الناس وثمارهم. مسألة: وإنما خص مالك فى هذه المسألة أن يحرز الزرع والثمر والماشية دون سائر أنواع الأموال؛ لأن هذه أو ما كان من جنسها ينتفع المضطر بوجودها. وأما ما كان غير جنسها من الأموال كالثياب والعين، فلا منفعة فيها؛ لأنه لا يمكنه أكلها، فلا يجوز له أن يأخذ شيئًا منها سواء وجد ميتة أو لم يجدها. وإن كان موضع يجد به من يشترى منه الثياب أو يبيعه طعامًا بالدنانير والدراهم، لما جاز له أكل الميتة، ولا أخذ مال غيره، بل يجب عليه أن يظهر ضرورته ويسأل، فإن وهب إن لم يكن عنده ثمن أو بيع منه، إن كان عنده ثمن، وإلا جاز له قتالهم بمنزلة منعه الماء، من كتاب ابن المواز. وفى المبسوط روى ابن وهب، عن مالك: من خاف من السباع، فجاع فتضيف قومًا، فأبوا أن يضيفوه، فلا يتضيفهم إلا برضاهم، وليأكل الميتة، وليكف عنهم وعن أموالهم إلا ما لا قطع فيه، يريد بأموالهم ما ليس بطعام. وقد أورد ابن حبيب هذه المسألة إيرادًا حسنًا، فبينها واختصرها، فقال: قال مالك: من نزلت به مخمصة خاف منها على نفسه وهو مكان فيه مال مسلم يمكنه الأکل منه، فما كان من الثمار فى رءوس النخل لا قطع فيه، فليأكل منها ما يرد نفسه ثم يكف، ولا يأكل الميتة. کتاب الصيد ..... ٢٨٠ وإن كانت الثمار قد أحرزت، فليأكل الميتة، ولا يأكل منها إلا بأذن صاحبها، وما كان من الأموال من غير الثمار، فإنه يأكل الميتة، لا يأكل منها شيئًا. قال عبد الملك: وهذا إذا وجد ميتة، فإن لم يجدها وخاف الموت، جاز له أن يأكل من أى ذلك وجد من مال المسلم. وإن حضر صاحب المال، فحق عليه أن يأذن له فى الأكل منه، فإن منعه، فجائز للذى خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد به نفسه. فرع: قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: ومعنى ذلك عندى أن يدعوه أولاً إلى أن يبيعه منه بثمن فى ذمته ويعرفه بضرورته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى أعلمه بأنه يقاتله عليه، وليس له أخذه ابتداء بغير عوض خلافًا لمن قال بذلك. قال القاضى أبو محمد: ووجه ذلك أن ذمة الإنسان بدل من ماله، ولو كان له مال لم يجز أن يأخذ إلا بعوض، فكذلك ما یعاض منه. فرع: وإذا أكل المضطر إلى الميتة مال غيره، فقد قال الشيخ أبو القاسم: يأكل منه ويضمن، وقيل: لا ضمان عليه فيما اضطر إليه. وجه القول الأول أنه أتلف مالاً لغيره لمنفعة نفسه، فكانت عليه قيمته كغير المضطر، فإن اضطراره إنما يتعلق بإباحة أكله دون إسقاط عوضه. ووجه القول الثانى أنه مال جاز له إتلافه من غير إذن، فلم يلزمه ضمانه. أصل ذلك المباح الذى لا ملك لأحد علیه. مسألة: ومن وجد ميتة وصيدًا، وهو محرم أكل الميتة، ولم يذك الصيد؛ لأن بذكاته يكون ميتة، وقتله محرم حال إحرامه. وقال محمد بن عبد الحكم: لو نابنى ذلك لأكلت الصيد، وإن وجدت ميتة وخنزيرًا. قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: والأظهر عندى أن يأكل الميتة، ويمتنع من الخنزير؛ لأنه ميتة مع أنه لا يستباح بوجه، ولا يجوز للمضطر أكل لحم بنى آدم، وإن خاف، خلافًا للشافعى. والدليل على ما نقوله أن من لا يجوز له قتله لحفظ نفسه، فإنه لا يجوز له أكل لحمه. أصله أكل لحمه ميتًا. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن العادم للطعام المضطر إلى أكل الميتة أكثر ما يكون ذلك فى السفر والقفر على ما ذكرناه، وقاله ابن حبيب. ٠ ٢٨١ كتاب الصيد وأما فى الحواضر والمدن، فليسأل فى ذلك، ولا يخلو السفر من أن يكون سفرًا مباحًا أو سفرًا محرمًا أو سفرًا مكروهًا. فأما السفر المباح، فهو الذى يجوز له أن يترخص فيه بأكل الميتة، وأما السفر المحرم، فالمشهور من مذهب مالك: أنه لا يجوز له ذلك، ففرق بينه وبين القصر والفطر فى سفر المعصية. وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسى: أن العاصى فى سفره يقصر الصلاة، ويفطر فى رمضان، فسوى بين ذلك كله، وهو قول أبى حنيفة. وقال ابن حبيب ومالك: لا يحل له أكل الميتة من ضرورة، وبه قال الشافعى. وجه القول الأول قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]، الآية؛ ولأنه لا خلاف أنه لا يجوز له قتل نفسه بالإمساك عن الأكل، وأنه مأمور بالأكل على وجه الوجوب، ومن كان فى سفر معصية لا يسقط عنه الفروض الواجبة من الصوم والصلاة، بل يلزمه الإتيان بها، فكذلك ما ذكرناه. ووجه القول الثانى أن هذه المعانى على التخفيف والعون على الأسفار المباحة لحاجة الإنسان إليها، فلا يباح له أن يستعين بها على المعاصى، وله سبيل إلى أن لا يقتل نفسه. قال ابن حبيب: وذلك بأن يتوب ثم يتناول لحم الميتة بعد توبته، وقد تعلق ابن حبيب فى ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣] الآية، فاشترط فى استباحة الميتة للضرورة أن لا يكون باغيًا، والمسافر على وجه المحاربة أو قطع رحم أو طالب إثم باغ ومتعد، فلم يوجد شرط الإباحة، والله أعلم. مسألة: إذا ثبت ذلك، فمن اضطر إلى شرب الخمر لجوع أو عطش حيث يجوز له أن يترخص بأكل الميتة، فهل له أن يشربها؟ روى ابن القاسم، عن مالك فى العتبية: لا يشربها، ولن تزيده إلا عطشًا. قال الشيخ أبو بكر فى شرحه: لا يشرب الخمر؛ لأنها لا تروى من عطش، ولا تغنى من جوع، فيما يقال. وأما إن كانت تشبع أو تروى، فلا بأس أن يشربها عند الضرورة کالميتة. وفى النوادر ذكر عن ابن حبيب فيمن غص وخاف على نفسه: أن له أن يسيغها بالخمر، وقاله أبو الفرج. وروى أصبغ عن ابن القاسم: يشرب المضطر الدم، ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة، ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب. ٢٨٢ کتاب الصید مسألة: وأما التداوى، فالمشهور من المذهب أنه لا يحل ذلك. وقال ابن سحنون: لا بأس أن يداوى جرحه بعظام الأنعام المذكاة، ولا يداويه بعظام الميتة أو بعظم إنسان أو خنزير، ولا بعظم ما لا يحل أكله من الدواب. وفى العتبية عن مالك فى المرتك يصنع من عظام الميتة: إن جعل فى قرحة أو جرح، فلا يصلى به حتى يغسل. وقال ابن حبيب: وإن صلى به لم يكن ممن صلى بنجاسة للنار التى أحرقته، وقد خفف ابن الماجشون أن يصلى. فإذا قلنا إنه لا يجوز التداوى بها، ويجوز استعمالها للضرورة، فالفرق بين التداوى وبين الأكل والشرب للضرورة ما قاله، وذلك أنه التداوى لا يتيقن البرء به، فلم يجز أن يستعمل المحظور فيه. وأما الأكل والشرب للجوع والعطش، فإنه يتيقن البرء به، فلذلك جاز استعماله. وظاهر قول مالك فى العتبية فى التداوى المرتك من عظام الميتة مع منعه من الصلاة، يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أنها رواية عنه فى التداوى بما لا يحل استعماله إلا لضرورة. والوجه الثانى: أنه إنما أباح فى ذلك ما فيه الخلاف، وذلك أن ابن الماجشون جعل ذلك طاهرًا. وأما ما لا خلاف فى نجاسته، فلا يجوز ذلك فيه. والوجه الثالث: أنه وقع الخلاف فى استعماله خارج البدن، فجوزه مالك، ومنعه ابن سحنون. وأما شربه فيحرم على الوجهين. وقول ابن حبيب: إن النار تطهر عظام الميتة، خلاف المذهب؛ لأن العظم نجس العين، وما نجس لعينه لم يطهر بوجه، وما تنجس بمجاورة لا يطهر إلا بالماء. وما رواه عن ابن الماجشون مما انفرد به عبد الملك، والله أعلم وأحكم. -3 3 كتاب الأشربة الحد فى الخمر ٩٩٤ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: إِنِّى وَجَدْتُ مِنْ فُلانٍ رِيحَ شَرَابٍ، فَرَعَمَ أَنْهُ شَرَابُ الطّلاءِ، وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّ شَرِبَ، فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ خَلَّدْتُهُ، فَحَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ تَامًا. الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب خرج عليهم))، يريد على المسلمين، فقال: ((إنى وجدت من فلان ریح شراب»، وفلان هذا يقال إنه ابنه، فروى معمر، عن الزهرى هذا الحديث، فقال: إنى وجدت من عبيدالله ريح شراب، والأصح أنه ابنه عبد الرحمن الأوسط. وكان له ثلاثة بنين كلهم يسمى عبد الرحمن، أكبرهم يقال إنه أدرك النبى والثانى: هو أبو شحمة المحلود فى الخمر، والثالث: وهو أصغرهم جد عبد الرحمن بن المجبر. فصل: وقوله: ((وجدت ريح شراب))، اسم الشراب ينطلق من جهة اللغة على كل مشروب مسكر وغيره، وإنما وجد عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من الشارب ريح شراب، ولم یتمیز له، هل هو ريح مسكر أو غيره، ولو تميز له أنه ريح شراب مسكر لما احتاج أن يسأل عنه إن كان مسكرًا أو لا. وقد اختلف الفقهاء فى وجوب الحد بالرائحة، فذهب مالك وجماعة أصحابه إلى أن الحد يجب على من وجد فيه ريح المسكر، ومنع من ذلك أبو حنيفة والشافعي، وقالا: لا حد علیه. ٩٩٤ - أخرجه النسائى فى الكبرى ٢٢/٨. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ١٧٣٢٧/١٣. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٥٦٤، وقال: هذا الإسناد أصح ما يروى من أخبار الآحاد. ٢٨٤ كتاب الأشربة والدليل على ما ذهب إليه مالك وأصحابه ما روى عن السائب بن يزيد أنه حضر عمر بن الخطاب، وهو يجلد رجلاً وجد منه ريح شراب، فجلده الحد تامًا. فوجه الدليل من ذلك أن عمر بن الخطاب حكم بهذا، وكان ممن تشتهر قضاياه، وتنتشر ويتحدث بها، وتنقل إلى الآفاق، ولم ينقل خلاف عليه، فثبت إنه إجماع. ودليلنا من جهة المعنى أن هذا معنى تعلم به صفة ما شربه المكلف وجنسه، فوجب أن يكون طريقًا إلى إثبات الحد. أصل ذلك الرؤية لما شربه بل الرائحة أقوى فى حال المشروب من الرؤية؛ لأن الرؤية لا يعلم بها الشراب أمسكر هو أم لا، وإنما يعلم ذلك برائحته. إذا ثبت ذلك، ففى هذا ثلاثة أبواب، الباب الأول: فيمن يجب استنكاهه ممن لا يجب ذلك فيه. الباب الثانى: فيمن يثبت ذلك بشهادته. الباب الثالث: فيما يجب فى ذلك إذا تيقنت رائحة المسكر أو أشكلت. الباب الأول فيمن يجب استنكاهه وذلك بأن يرى الحاكم منه تخليطًا فى قول أو مشى شبه السكران، ففى الموازية من رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه إذا رأى ذلك منه أمر باستنكاهه، قال: لأنه قد بلغ إلى الحكم، فلا يسعه إلا تحقيقه، فإذا ثبت الحد أقامه. وكذلك لو شم منه رائحة ينكرها أو أخبره بحضرته من ینکرها منه. قال القاضى أبو الوليد: فعندى أنه قد تعين عليه استنكاهه وتحقيق حاله لأن هذه صفة ينكر بها حاله، فيجب اختباره، وتحقق حاله كالتخليط فى الكلام والمشى، والله أعلم. مسألة: فإن لم يظهر منه شىء من هذه الأحوال، يريد التخليط فى القول والمشى لم يستنكهه، رواه أصبغ عن ابن القاسم فى العتبية والموزاية، قال: ولا يتجسس عليه. ووجه ذلك أنه لم ير ريبة ولا خروجًا عن أحوال الناس المعتادة، ولا يجوز التعرض لهم من غير ريبة. ٢٨٥ ...... كتاب الأشربة الباب الثانى فيمن يثبت ذلك بشهادته فأما من ثبت ذلك بشهادته، فإنه يحتاج إلى معرفة صفتهم وعددهم. فأما صفتهم، فقد قال القاضى أبو الحسن فى كتابه: إن صفة الشاهدين على الرائحة أن يكونا ممن خبر شربها فى وقت إما فى حال كفرهما أو شرباها فى إسلامهما، فجلدا ثم تابا حتى يكونا ممن يعرف الخمر بريحها. قال القاضى أبو الوليد: وهذا عندى فيه نظر؛ لأن من هذه صفته معدوم أو قليل، ولو لم يثبت الرائحة إلا بشهادة من هذه صفته لبطلت الشهادة فيها فى الأغلب. ووجه ثان، وهو أنه قد يكون ممن لم يشرب قط، ولكن يعرف رائحتها معرفة صحيحة بأن يخبره عنها المرة بعد المرة من قد شربها أنها هى رائحة الخمر حتى يعرف ذلك كما يعرفها الذى قد شربها. مسألة: وأما العدد، فلا يخلو أن يكون الحاكم أمر الشهود بالاستنكاه، أو فعلوا هم ذلك ابتداء، فإن كان الحاكم أمرهم بذلك، فقد روى ابن حبيب عن أصبغ: أنه استحب أن یأمر شاهدین، فإن لم یکن إلا واحد وجب به الحد. وأما إن كان الشهود فعلوا ذلك من قبل أنفسهم، فلا يجزى أقل من اثنين كالشهادة على الشرب. وقد روى ابن وهب عن مالك: أنه إن لم يكن مع الحاكم إلا واحد، فلیرفعه إلى من هو فوقه. وما رواه ابن حبيب عن أصبغ مبنى عندى على أن الحاکم یحکم بعلمه، فلذلك جاز عنده علم من استناب، وإلا فقد يجب أن لا يجزئ ذلك حتى يشهد عنده فيه شاهدان. * * الباب الثالث فيما يجب بشهادة الاستنكاه أما شهادة الاستنكاه، فلا يخلو أن يكون الشهود متيقنين للرائحة أو شاكين، فإن كانوا متيقنين للرائحة، فلا يخلو أن يتفقوا على أنها رائحة المسكر أو على أنها رائحة غير مسكر أو يختلفوا فى ذلك، فإن اتفقوا على أنها غير رائحة مسكر، فلا نعلم فى المذهب خلافًا فى ترك وجوب الحد، فإن اتفقوا على أنها رائحة مسكر، وجب عليه الحد، وإن اختلفوا فقال بعضهم: هى رائحة مسكر. وقال آخرون: ليست برائحة مسکر، فقد قال ابن حبيب: إذ اجتمع منهم اثنان على أنها رائحة مسکر، حد. ٢٨٦ كتاب الأشربة ووجه ذلك أن الشهادة قد قامت، وكملت باجتماع شاهدين على أنها رائحة مسكر، فلا يؤثر فى ذلك نفى من نفى مقتضاها كما لو شهد شاهدان رأيناه يشرب حمرًا، وقال شاهدان آخران: لم يشرب خمرًا. مسألة: فإن شك الشهود فى الرائحة، هل هى رائحة مسكر أو غير مسكر، نظرت حاله، فإن كان من أهل السفه نکل، وإن كان من أهل العدل خلى سبيله، حكاه ابن القاسم فى العتبية والموازية عن مالك. ووجه ذلك أن من عرف بالسفه والشرب والتخليط، وخيف أن يكون ما شك فيه مما حرم عليه، وجب أن يزجر عن التشبه بذلك لئلا يتطرق بذلك إلى إظهار معصية، وأما من كان من أهل العدل فتبعد عنه الريبة. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن الحد يتعلق بما يقع به الفطر من جواز الشراب الفم إلى الحلق. فصل: وقوله: ((فزعم أنه شرب الطلاء)) دليل على أن عمر بن الخطاب لم يتيقن ذلك، ولا تحقق هل هو ريح مسكر أو غيره، ويحتمل أن يكون لم يعرف الطلاء، فأراد أن يسأل عنه، ولم يعول على إقراره أنه لم يشرب غير ذلك، ويحتمل أن يكون عرف الطلاء، ولم يعرف صدقه فى كونه طلاء لا يسكر، فأراد أن يسأل عنه، ويتوصل إلى معرفة ذلك، إما باستنكاهه أو بالنظر إلى بقيته، وشمه إن كانت بقيت منه بقية. فصل: وقوله: ((فإن كان يسكر جلدته)) ظاهر فى أن ما يسكر عندهم يجب به عندهم الحد، وإن لم يبلغ الشارب حد السكر، ولو بلغ حد السكر لم يحتج إلى السؤال عن الشارب؛ لأنه إنما ذكر الجنس، ولم يذكر المقدار، ولو اعتبر ذلك بالمقدار لقال إنه شرب يسيرًا من الطلاء، وأنا سائل عن ذلك المقدار، ولما لم يقل ذلك وعلق حكم الحد علی الجنس، علم أنه اعتبر به دون غيره. فصل: وقوله: ((فجلده عمر بن الخطاب الحد تامًا)) يريد أنه جلده جلد الخمر، ولم يعزره على ما قاله بعض العلماء أنه يعزر ويعاقب وينكل إذا أشكل أمره وتعلقت التهمة به. ٩٩٥ - مَالِك، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِىِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ فِى الْخَمْرِ ٩٩٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٥٦٥، وقال: هذا حديث منقطع، من رواية مالك، وقد روی متصلا من حديث ابن عباس. ٢٨٧٠ كتاب الأشربة يَشْرَّبُهَا الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ: نَرَى أَنْ تَحْلِدَهُ ثَمّانِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سُكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى انْتَرَى، أَوْ كَمَا قَالَ. فَحَلَدَ عُمَرُ فِى الْخَمْرِ ثَمَانِينَ. الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب استشار فى الخمر يشربها الرجل)) وجواب على يدل على أنه إنما استشار فى قدر الحد، وإنما كان ذلك الأصح أنه لم تقرر فى زمن النبى ﴿3﴾ أنه لم يجد فيه حدًا بقول يعلم لا يزاد عليه، ولا يتقص عنه، وإنما كان يضرب مقدارًا قدرته الصحابة، واختلفوا فى تقديره، يدل على ذلك ما روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه: ما من رجل أقمت عليه حدًا، فمات فأجد فى نفسى منه شيئًا إلا شارب الخمر، فإنه إن مات فيه وديته؛ لأن رسول الله ﴿﴿ لم يبينه. ومعنى ذلك أنه لم يحده بقول يحصره ويمنع الزيادة فيه والنقص منه، فحدوه باجتهادهم. وروى أنس: ((أتى النبى ﴿لَ﴾ برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحوًا من أربعين، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر))(١)، وقد تقدم من قول على بن أبى طالب أنه قال: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فقاسه على المفترى. واستدل أن ذلك حكمه وإلى هذه ذهب مالك وأبو حنيفة أن حد شارب الخمر ثمانون. وقال الشافعى: أربعون. والدليل على ما نقوله ما روى من الأحاديث الدالة على أنه لم يكن من النبى نص فى ذلك على تحديد، وكان الناس على ذلك، ثم وقع الاجتهاد فى ذلك فى زمن عمر بن الخطاب، ولم يوجد عند أحد منهم نص على تحديد، وذلك من أقوى الدليل على عدم النص فيه؛ لأنه لا يصح أن يكون فيه نص باق حكمه، ويذهب على الأمة لأن ذلك كان يكون إجماعا منهم على الخطأ، ولا يجوز ذلك على الأمة، ثم أجمعوا واتفقوا أن الحد ثمانون، وحكم بذلك على ملأ منهم، ولم يعلم لأحد فيه مخالفة، فثبت أنه إجماع. ودليلنا من جهة القياس أن هذا حد فى معصية، فلم يكن أقل من ثمانين كحد الفرية والزنى. (١) أخرجه مسلم حديث رقم ١٧٠٦. الترمذى حديث رقم ١٤٤٣. أحمد فى المسند حديث رقم ٠١٣٤٦٨،١٢٣٩٤ ٠٠ ٢٨٨ كتاب الأشربة فصل: وقوله: ((فجلد عمر فى الخمر ثمانين)) يريد والله أعلم أن جميعها حد، وهو المفهوم من قولهم: جلد فى الزنى مائة، وفى الفرية ثمانين. وقال بعض أصحاب الشافعى: إنه جلد الأربعين تعزيرًا. والجواب أن الظاهر ما ذكرناه، فلا يعدل عنه إلا بدليل. وجواب ثان، هو إنما ورد جواب على رضى الله عنه على سؤال عمر فيما يجب عليه من الحد، فأجابه بثمانين، وقاسه على حد الفرية، وذلك يقتضى أنها حد كلها. وقال له عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: أخف الحدود ثمانون، فأخذ عمر بقولهما. وهذا يقتضى أنه ضرب الثمانين كلها حدًا. وقد روى ابن المواز أن عمر بن الخطاب جلد قدامة فى الخمر ثمانين، وزاده ثلاثين، وقال له هذا تأويل لكتاب الله على غير تأويله. وفى ذلك خمسة أبواب، الباب الأول: فى صفة الشهادة التى يثبت بها الحد. والباب الثانى: فى صفة الضرب وصفة ما يضرب به. والباب الثالث: فيما يضاف إلى الحد. والباب الرابع: فى تكرار الحد. والباب الخامس: فيما يسقط الحد. * الباب الأول فى صفة الشهادة أما الشهادة التى يثبت بها الحد، فهو أن يشهد شاهدان أنه شرب المسكر، إما بمعاينة ذلك أو بإقراره به على نفسه أو يشم رائحة ذلك منه على ما تقدم، ولو شهد أنه قاء خمرًا لوجب عليه الحد؛ لأنه لا يقيئها حتى يشربها. وقد روى نحو هذا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه. مسألة: فإن شهد شاهد أنه شرب خمرًا، وشهد آخر أنه شرب مسكرًا جلد الحد، رواه أصبغ عن ابن القاسم فى العتبية. ووجه ذلك أنهما قد شهدا أنه شرب مسكرًا لأن اسم الخمر لا يقع إلا على مسكر، وعندنا أن كل مسكر حرام، فإذا شهد أحدهما على أنه شرب خمرًا، وشهد آخر على أنه شرب مسكرًا، فقد اتفقا على أنه شرب خمرًا، وعلى أنه شرب مسكرًا لأنه كل خمر مسكر، وكل مسكر خمرًا، فقد اتفقا فى المعنى، فلا اعتبار بخلاف الألفاظ. ٢٨٩ .. کتاب الأشربة الباب الثانى فى صفة الضرب وما يضرب به روى ابن المواز أنه لا يتولى ضرب الحد قوى ولا ضعيف، ولكن رجل وسط من الرجال. وروى عن مالك أنه يضرب ضربًا بين اثنين، ليس بالخفيف ولا الموجع. وقال مالك: كنت أسمع أنه يختار له العدل. وروى ابن المواز أنه يضرب على الظهر والكتفين، دون سائر الأعضاء، ويكون المحدود قاعدًا لا يربط ولا يمد وتحل له يداه، قاله مالك فى العتبية، ويجرد الرجل للضرب، ويترك على المرأة ما يستر جسدها ولا يقيها الضرب. مسألة: ويضرب بسوط بين سوطين، ولا يقام حد الخمر إلا بالسوط، قال أبو زيد عن ابن القاسم: فإن ضرب بالدرة على ظهره، أجزأه، وما هو بالبين. وجه القول الأول أنه حد، فلا يقام إلا بالسوط. أصل ذلك حد الزنا. ووجه الرواية الثانية ما روى أن رسول الله ﴿﴾، ضرب فى الخمر بالجريد والنعال. الباب الثالث فيما يضاف إلى الحد هل يضاف إليه حلق الرأس أم لا؟ روى أشهب عن مالك فى العتبية: لا يحلق رجل ولا امرأة فى الخمر ولا القذف؛ لأن حلق الرأس تمثيل، وزيادة على الحد غير جنسه، فلم يلزم ذلك كما لا يلزم حلق لحيته ولا غير ذلك من وجوه التمثيل، ولأن النبى والصحابة بعده قد حدوا فى الخمر والفرية، ولم يرو عن أحد منهم أنه مثل بالمحدود. مسألة: وهل يطاف بشارب الخمر؟ قال ابن حبيب: لا يطاف به ولا يسجن إلا المد من المعتاد المشهور بالفسق، فلا بأس أن يطاف به ويفضح، ومثل ذلك روى أشهب عن مالك فى العتبية. ووجه ذلك أنه إذا بلغ هذه الحد من الفسق والفجور، فواجب أن يفضح؛ لأن فى ذلك ردعًا له وإذلالاً له فيما هو فيه وإعلاما للناس بحاله، فلا يغير به أحد من أهل الفضل والتصاون فى نكاح ولا غيره. وأما السجن، فقد قال ابن حبيب: واستحب مالك لمد من الخمر المشهور بالفسق أن يلزم السجن. وقال ابن الماجشون فى العتبية: من أقيم عليه حد الخمر أو غيره من الحدود ما کان، فلیخل سبیله ولا یسجن. وجه قول مالك أن فى إلزامه السجن منعًا له مما لم يبته عنه بالحد، وكفا لأذاه عن كتاب الأشربة ٢٩٠ الناس، لأن فى إعلانه بالمعاصى أذى للناس، وأهل الدين والفضل. ووجه قول ابن الماجشون أن الحد فى جميع ما يجب عليه بشرب الخمر أو الزنا، فأما السجن، فلا يجب ذلك عليه بفعله، وإنما يجب عليه بإدمان أو غيره من الإعلان بالفسق، والله أعلم. * الباب الرابع فى تكرر الحد فإذا تکرر من الرجل شرب الخمر لزمه حد واحد، فإن شربه بعد ذلك لزمه حد آخر، قاله مالك وأصحابه، ولا نعلم فى ذلك خلافًا بينهم، وذلك أن هذا حكم سائر الحدود، وحقوق الله تعالى، فإنه من زنى مرارًا، فإنما يقام عليه حد واحد، ثم إن زنى بعد ذلك أقيم عليه الحد؛ لأن الحد زجر عما تقدم من فعله، قل ذلك أو كثر؛ ليمتنع عن مثله فى المستقبل؛ لأن الحدود موانع عن معاصى الله تعالى، فإذا أقيم عليه لك، ثم أوقعها بعد بعد الحد إلى مثل ما احتاج إليه منه فيما أتاه قبل الحد. مسألة: إذا ثبت أن الحدود التى سببها من جنس واحد تتداخل كحد الخمر وحد الزنا وحد القذف، فإن كان الحدان بسببهما من جنس مثل الخمر وحد الخمر وحد القذف، فإنهما يتداخلان، قاله مالك. قال ابن القاسم: وسواء اجتمعا أو افترقا. ووجه ذلك أنهما حدان عددهما وجنسهما واحد، فوجب أن يتداخلا كما لو كان سببهما واحدًا. وأما إذا كان عددهما يختلف مثل أن يزنى ويقذف، فقد اختلف أصحابنا فيه. فقال ابن الماجشون: يجزئ أكثرهما عن أقلهما. وقال ابن القاسم: لا يجزئ، أحدهما عن الآخر ولابد من إقامتهما. وجه قول ابن الماجشون أن هذين جدان من جنس واحد، فوجب أن يتداخلا؟ أصل ذلك إذا كان عددهما واحدًا. ووجه قول ابن القاسم أن هذين حدان يختلف عددهما، فلا يتداخلان كما لو كانا من جنسين مختلفين. * الباب الخامس فيما يسقط الحد عن شارب الخمر وذلك کالأعجمی الذی دخل فى الإسلام، ولم يعلم تحريم الخمر، فلا عذر له فى ذلك ويقام عليه الحد، رواه ابن المواز عن مالك وأصحابه إلا ابن وهب، فإن أبا زيد روى عنه أنه إذا كان البدوى الذى لم يقرأ الكتاب، ولم يعلمه ويجهل مثل هذا، فإنه لا يحد ويعذر. قال ابن المواز: واحتج مالك لذلك بأن الإسلام قد فشا، ولا أحد يجهل شيئًا من الحدود. ............. ٢٩١ كتاب الأشربة مسألة: ومن تأول فى المسكر من غير الخمر أنه حلال، فلا عذر له فى ذلك، وعليه الحد، رواه ابن المواز عن مالك وأصحابه، ولعل هذا إنما هو فيمن ليس من أهل الاجتهاد. وأما من كان من أهل الاجتهاد والعلم، فالصواب أنه لا حد عليه إلا أن یسکر منه، وقد جالس مالك سفيان الثورى وغيره من الأئمة ممن كان يرى شرب النبيذ مباحًا، فما أقام على أحد منهم الحد ولا دعا إليه مع إقرارهم بشربه وتظاهرهم ومناظرتهم فيه. وقد روى عن مالك أنه قال: ما ورد علينا قبل ذلك على هذا، ولكنه لما تكررت مناظرته له فيه، وتبین له وجه الصواب فيما قاله مالك اعتقد أنه لا يعاود شربه. مسألة: ومن شرب الخمر ثم تاب، لم يسقط عنه توبته الحد. وروى عن الشافعى أن توبته تسقط عنه الحد. ٩٩٦ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ الْعَبْدِ فِى الْخَمْرِ فَقَالَ: بَلَغَنِى أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِى الْخَمْرِ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ قَدْ جَلَدُوا عَبِيدَهُمْ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِى الْخَمْرِ. الشرح: قوله: ((أن على العبد نصف حد الحر فى الخمر)) يريد أربعين جلده، لأنه حد منتهاه الثمانون كحد الفرية لأن الحر يجلد فى القذف ثمانين، ويجلد أربعين، فكذلك من شرب الخمر. فصل: وقوله: ((وأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر قد جلدوا عبيدهم نصف جلد فى الخمر)) وعمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وكذلك عثمان ويحتمل أن يكونا أقاما الحد على عبيدهما فى إمارتهما، فيكون لهما ذلك بحق الإمامة. وأما عبد الله بن عمر، فلم يقم الحد علی عبيده إلا ملکه لهم. وفى ذلك بابان، الأول: منهما فى صفة من يقم الحد، والثانى: فى صفة من يقام علیه. الباب الأول فى صفة من يقيم الحد يقيمه على الأحرار السلطان، قال محمد بن عبد الحكم: وأحب إلىّ أن يضرب ٩٩٦ - انفرد به مالك. کتاب الأشربة .. ٢٩٢ الحدود بين يدى القاضى لئلا يتعدى فيها، وهذا فى الحر. وأما العبد، فلا بأس أن يقيم عليه سيده الحد إذا كان الحد جلدًا، قاله مالك وأصحابه، وكذلك فى حد الخمر إذا شهد عليه شاهدان غير سيده، وسواء كان السيد ذكراً أو أنثى. وهذا إذا كان العبد ذكرًا، فأما إن كانت أمة، جاز للسيد أن يقيم عليها الحد إذا لم يكن لها زوج أو كان زوجها عبده، فإن كان زوجها غير عبده، فقد قال مالك: ليس للسيد إقامة الحد عليها، فإنما ذلك لحرمة الزوج. قال: وعسى أن يعتق ولده منها، فيقذفوا بأمهم. * * * الباب الثانى فى صفة المحدود قد تقدم أنه إن كان حرًّا، فحده ثمانون، وإن كان عبدًا فحده أربعوون؛ لأن هذا حد يجلد فيه الحر أربعين كحد القذف. مسألة: فإن كان شارب الخمر سكرانًا، فقد قال ابن القاسم: لا يضرب وهو سكران، وإن كان خشى أن يأتيه فيه شفاعة تبطل حق الله، فليضربه فى حال سكره. ووجه ذلك أن الحد للردع والزجر والسكران لا يذكر ما يجرى عليه، فلا يكون له فيه ردع. مسألة: فإن كان صحيحًا عجل جلده، وإن مريضًا أخر حتى يفيق، وكذلك المرأة تدعى أنها حامل. قال مالك: لا يعجل عليها حتى يتبين أمرها، فإن تبين أن ليس لها حمل أقيم الحد، وإن تبين أن بها حملاً، أجرت حتى تضع واستؤجر لولدها من يرضعه، إن كان له مال، وأقيم عليها الحد فى زنا أو سرقة أو قذف أو شرب خمر أو قصاص. ووجه ذلك أن هذه معان يرجى قرب زوالها وبرؤها منها. وأما الكبر والهرم أو الضعف عن حمل الحد. قال مالك: يجلد ولا يؤخر إذا ليس لإفاقتهم وقت يؤخر إليه. ٩٩٧ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَّبِ يَقُولُ: مَا مِنْ شَىْءٍ إِلا يُحِبُّ الله أَنْ يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا. الشرح: قوله : : «ما من شیء إلا يحب الله أن یعفی عنه ما لم یکن حدّا)) أحدهما: أن يريد أن الحدود إذا بلغت الإمام أو من يقوم مقامه من شرطه، فإنه لا يجوز للإمام العفو عنه ولا الستر له. ٩٩٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٥٦٦. ٠٢ .......... ٠ ٢٩٣ کتاب الأشربة والوجه الثانى أن يريد بذلك أن من الحدود ما لا يجوز لصاحبها العفو عنها بعد بلوغها الإمام كحد القذف، فقد اختلف قول مالك فى ذلك، وسيأتى فى كتاب حد القذف مبينًا إن شاء الله تعالى. قَالَ مَالِك: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابًا مُسْكِرًا، فَسَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. الشرح: وهذا كما قال، أن من شرب مسكر أى نوع كان من الأنواع المسكرة من عنب كانت أو من غير عنب، مطبوخًا كان أو غير مطبوخ، قليلاً شرب منه أو كثيرًا، فقد وجب الحد سكر أو لم يسكر، هذا مذهب أهل المدينة مالك وغيره، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: ما خرج من النخل والكرم، فقليله وكثيره حرام، ما لم يطبخ وطبخه أن يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، وما عدا ما يخرج من النخل والكرم، فهو جلال من غير طبخ إلا أن المسكر منه محرم. وهذا المسألة قد كاد أصحاب أبى حنيفة يجحدونها، ولا يرون المناظرة فيها، ويقولون: إن السائل عنها إنما يذهب إلى التشنيع والتوبيخ، وذلك أنهم لطول الأمد ووصول الأدلة إليهم، وتكررها عليهم تبين لهم ما فيها إلا أنهم مع ذلك يدونونها فى كتبهم بألفاظ ليس فيها ذلك التصريح، ويتأولونها على أوجه تخفف أمرها عندهم. ولنا فى هذه المسألة طريقان، أحدهما: إثبات اسم الخمر لكل مسكر. والثانى: إثبات تحريم كل شراب مسكر. فأما الأول، فإن مذهب مالك والشافعى أن اسم الخمر يقع على كل شراب مسكر من عنب كان أو من غيره. وقال أبو حنيفة: إنما الخمر اسم المسكر من عصير العنب ما لم يطبخ الطبخ المذكور. والدليل على ما نقوله ما روى عن ابن عمر أنه قال: خطب عمر على منبر رسول الله له فقال: نزل تحريم الخمر، وهى من خمسة أشياء العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر(٤) العقل(١). (*) التخمير: التغطية، والمراد ذهاب أثره فى الأعمال. (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٤٦١٩، ٥٥٨١، ٥٥٨٨. مسلم حديث رقم ٣٠٣٢. النسائی فی الصغری حدیث رقم ٥٥٧٨. أبو داود حديث رقم ٣٦٦٩. كتاب الأشربة ٢٩٤ ... فوجه الدليل من هذا الخبر أن عمر بن الخطاب، قال: إن الخمر يكون من هذه الخمسة الأشياء، وعمر بن الخطاب من أهل اللسان، فلو انفرد بهذا القول لاحتج بقوله فكيف، وقد خطب بذلك بحضرة قريش والعرب والعجم وسائر المسلمين، فلم ينكر ذلك علیه، فثبت أنه إجماع. ووجه آخر، وهو أنه قال: والخمر ما خامر العقل، فإنه يسمى الخمر، وأنها بذلك تسمی حمرًا. والدليل على أن كل مسكر محرم، قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩٠]، إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١]، فلنا من الآية أنه تعالى قال: أنه ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ [المائدة: ٩٠]، وهذه صفة المحرم. والثانى: أنه تعالى قال: ﴿فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠]، فأمر باجتناب ذلك، والأمر يقتضى الوجوب. ووجه ثالث أنه وعد على ذلك بالفلاح، وهو البقاء، ولو كان الفلاح، وهو البقاء فی الخمر من ثواب من لا يجتنبها لما کان لهذه الوعيد وجه. ووجه رابع، أنه وصفها تعالى بأنها توقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهذه صفة المحرمات. ووجه خامس، أنه تعالى توعد على مواقعيها بقوله تعالى: ﴿فهل أنتهم منتهون﴾ [المائدة: ٩١]، وهذا غاية الوعيد ولا يتوعد إلا على محظور محرم. ودليلنا من جهة السنة ما روى داود عن أبى الفرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﴿19: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))(٢). ودليلنا من جهة القياس أن هذه شراب فيه شدة مطربة، فوجب أن يكون قليله حرامًا أصله عصير العنب، والله أعلم. (٢) أخرجه الترمذى حديث رقم ١٨٦٥. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٥٦٠٧. أبو داود حديث رقم ٣٦٨١. ابن ماجه حديث رقم ٣٣٩٢، ٣٣٩٣، ٣٣٩٤. أحمد فى المسند حديث رقم ٥٦١٦، ٦٥٢٢، ٦٦٣٦، ٠١٤٢٩٣،١١٦٨٩