النص المفهرس
صفحات 1781-1800
کتاب الذبائح ٢١٥٠٠ ..... محمد: وزاد فى ذلك ابن بكير وجهًا ثالثًا، وهو أنه قال: يؤكل البعير إذا ذبح، ولا تؤكل الشاة إذا نحرت. قال: ووجه ذلك أن البعير له موضع ذبح وموضع تحر، وإنما عدل إلى النحر لما كان أقل لتعذيبه؛ لأن موضع لبتها يقرب من خاصرتها، فيكون كالطعن لها. مسألة: وأما إن نقل الذكاة إلى غير محل الذكاة بوجه مثل لأن يذبح فى العنق والقفا، فقد قال ابن حبيب: إن ذبح فى القفا أو فى الصفحة الواحدة، لا أرى أن تؤ كل؛ لأنه ذبخ فى غير المذبح، ومثله لابن المواز فيمن ذبح فى القفا. وروى أشهب، عن مالك فى العتبية: لا يؤكل ما ذبح فى القفا. وأما من أراد أن يذبح فى الحلقوم فأخطأ فانحرف، فإنه يؤ كل. وجه المنع من أكل ما ذبح فى القفا، أن الذكاة من شرطها أن يكون أول ما ينفذ من مقاتلها قطع الحلقوم والودجين، ويكون ذلك سبب موت الذبيحة، ومن ذبح فى القفا، فقد بدأ بقطع العنق، وفيه النخاع، وهو من المقاتل، فكان ذلك سبب موت الذبيحة دون فرى الودجين والحلقوم، قاله القاضى أبو إسحاق. وأما رواية أشهب فى أن من أخطأ فانحرف، فإن ذبيحته تؤكل، فإنها نحتاج إلى تفصيل، وذلك إن استوعب قطع الودجين والحلقوم قبل قطع النخاع، فإن ذلك مبيح للذبيحة؛ لأنه أتى بشروط الذكاة، فلا يضره ما زاد من شق الجلد بانحرافه، وإن كان لم يستوعب ذلك جملة أو استوعبه بعد قطع النخاع بقطع العنق، فإن ذكاته عندى لا تصح، وهو عندى معنى قول ابن حبيب: إن ذبح فى الصفحة الواحدة لم تؤكل. مسألة: وأما حال الضرورة، فإنها على ضربين، ضرورة تمنع من التمكن منه كالبعير يشرد، فلا يقدر عليه إلا برمية أو طعنة، فإنه لا يؤكل ما قتل بذلك. والدليل على ما نقوله أن هذه من بهيمة الأنعام، فلا تؤكل إلا بالذبح أو النحر کالمقدور علیه. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن هذا حكم الغنم والدجاج إذ ليس لها أصل فى التوحش حتى ترجع إليه. وأما البقر، فقد قال ابن حبيب فى الواضحة: عندى أن لها أصلاً من بقر الوحش، فإذا استوحشت حلت عندى بالصيد. وهذا الذى قاله فيه نظر؛ لأن بقر الوحش ليست بأصل للبقر الإنسية ولا تشبهها كتاب الدبائح ٢١٦ فى خلق، ولا صورة وإنما يتفقان فى الاسم كما أن حمر الوحش ليست بأصل للحمر الإنسية، ولا الماعز البرى أصلاً للغنم الإنسية، ولذلك فرق بينهما فى حكم المحرم. وما أصله التوحش من الظباء والأرانب والأياييل وحمر الوحش تتأنس ثم تستوحش، فإنها تحل بالصيد. وقاله مالك فى الهوام واليعاقيب. وقال ابن الماجشون: وكذلك حمام البيوت والبرك والأوز الإنسية إذا استوحشت، وفى المدونة: وكره مالك أن يذبح الحمام الرومى المتخذ للفراخ، ولا بأس أن يذبح الأوز والدجاج. قال: وليس أصل الأوز والدجاج مما يطير. وجه قول ابن الماجشون فى الأوز له أصل وحشى كالحمام. ووجه قول مالك أنه ليس له فى بلده أصل مستوحش، وإنما الاعتبار بذلك. فرع: إذا ثبت ذلك، فما كان أصله التأنيس إذا لم يستطع أخذه إلا بالعقر، ففى الواضحة عن ابن الماجشون: إذا لم يستطع أخذها إلا بالعقر، ولا بأس بذلك إذا لم يبلغ العقر منها المقاتل مثل العرقبة وما أشبهها، فهى مأمونة ثم تذبح، قال: فهذا الذى أخذ به. وروى إسماعيل بن أبى أويس فى المبسوط، عن مالك فى الرجل يطلب البقرة فى أرض العدو، فلا يستطيع أن يأخذها إلا بأن يعرقبها ثم يذبحها، فقال: لا آكلها ولا أحرمها. وفى سماع ابن وهب عن مالك أنه كرهها، وذلك يحتمل الخلاف بين ابن الماجشون ومالك. ويحتمل أن مالكًا إنما كره ذلك؛ لأن مثل هذا من العقر لا يجوز إلا فيما لا يقدر عليه إلا بعد المحاولة لذلك والمبالغة فيه، والغازى فى أرض العدو ربما سارع إلى ذلك مع القدرة عليه، أو قبل المحاولة له، وقد يبلغ ذلك من الحيوان ما يكون سببًا لسرعة موته غالبًا كقطع الفخذ وما أشبهه. وقد اختلف قول مالك فى الصيد يرمى بسهم مسموم ثم يذبح، فقال فى العتبية والموازية: لا يأكله لعل السهم أعان على قتله، وأخاف على من أكله، فعلى هذا التعليل المؤول فى مسألتنا، لا ندرى لعل عرقبته أثرت فى قتله فرى أوداجه، ولا يلزم على هذا الصيد؛ لأن ذلك مباح فى الصيد، ولا يلزم على هذا المتردية والنطيحة؛ لأن ذلك ليس من فعل الإنسان، وإنما يجوز فعل ذلك عند الضرورة مما يحبسه، ولا يسرع بإفاضة نفسه. ٢١٧ کتاب الذبائح وعليه يحمل ما روى عن النبى ﴿﴾ فى الذى رمى بعيرًا ندّ، فحبسه رجل بسهم، فقال ﴿: ((إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فما ندّ منها فافعلوا به كذا))(١). وقد روى إسماعيل بن أبى أويس، عن مالك، فيما توحش من الإبل والبقر والغنم: فلا يدرك إلا بالنبل أو المزاريق والرماح، لا يؤكل. وذلك يحتمل وجهين، فإن كان الرمى بالنبل والطعن بالرمح أثر فيها مثل العرقبة، فهو على ما تقدم، وقوله: لا تؤكل، بمعنى الكراهية، وإن كان بلغ بذلك إنفاذ مقاتلها، فقوله: لا تؤكل، على التحريم. مسألة: وأما الضرورة التى تمنع الوصول إلى موضع الذكاة، فهى على قسمين، أحدهما: أن تمنع الوصول إلى موضع ذكاتها، ولا تمنع الوصول إلى موضع نحرها، والقسم الثانى: أن تمنع الوصول إلى موضع ذكاة جملة. فأما القسم الأول، فمثل أن تمنع الوصول إلى منحر البعير، ولا تمنع من الوصول إلى مذبحه أو تمنع الوصول إلى مذبح الشاة، ولا تمنع الوصول إلى منحرها، فهذا قد قال مالك فى غير موضع: إن الشاة تؤكل حينئذ بالنحر، والبعير يؤ كل بالذبح. ووجه ذلك أن هذه ذكاة فى بهيمة الأنعام. مسألة: فأما إذا لم يقدر أن يصل إلى موضع ذكاة بجملة، وإنما يقدر على طعن فى جنبها أو فخذها أو غير ذلك منها مما ليس بمنحر ولا مذبح، فإنها لا تؤكل، قاله مالك خلافًا للشافعى. والدليل على ما نقوله أن هذه من بهيمة الأنعام، فلم يستبح أكله بغير الذكاة المعهودة فى بهيمة الأنعام کالمقدور عليه. فرع: وكل دابة، إما لحم ودم سائل من هوام الأرض كالحية والفأرة والحرباء والعظاءة وما أشبهها، فإن من احتاج إلى شىء منها لدواء أو غيره فذكاتها فى الحلق كسائر الذبح وكالصيد بالرمى والسهم والطعن بالرمح، وشبه ذلك إن صيدت مع التسمية فی التذکیة والتصید، روی ذلك ابن حبيب، عن مالك. (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٤٨٨، ٢٥٠٧، ٣٠٧٥، ٥٤٩٨، ٥٥٠٩. مسلم حديث رقم ١٩٦٨. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٤٠٩. أحمد فى المسند حديث رقم ١٥٣٧٩، ١٥٣٨٦، ٠١٦٨١٠ ٢١٨ کتاب الذبائح ووجه ذلك أن ما له نفسه سائلة، فإنه لا يستباح إلا بالذبح أو بالنحر كالأنعام. مسألة: وأما ما ليست له نفس سائلة كالجراد والحلزون والعقرب والخنفساء وبنات وردان والقرنبا والزنبور واليعسوب والذر والنمل والسوس والحلم والدود والبعوض والذباب، فلا يجوز أكله والتداوى به لمن احتاج إلى ذلك إلا بذكاة. والذى يجزى من الذكاة فى الجراد أن يفعل بها ما لا تعيش معه، ويتعجل موتها به، كقطع رءوسها وأرجلها من أفخاذها أو إلقائها فى ماء حار. قال ابن حبيب: فى الجراد والحلزون أو تبقر بالشوك والإبر حتى تموت أو يلقى الجراد أو يشوى، فأما قطع أجنحتها أو أرجلها فقط، فقال مالك: تؤكل. وقال أشهب: لا تؤكل. وإن ألقيت فى ماء بارد، فقد قال سحنون: لا تؤكل، وإن ألقيت فى ماء حار أكلت. وروى عن مالك: تؤكل على الوجهين. فقول مالك مبنى على أن ما صنع مما لا تعيش معه أنه ذكاة فيها. وقول أشهب مبنى على أنه إنما تكون الذكاة بما يتعجل به موتها، وما يتأخر به موتها، وتعذب به فليس بذكاة لها، وأما أخذه فهل يكون ذكاة أم لا؟ المشهور من المذهب أنه لا يكون ذكاة له خلافًا لسعيد بن المسيب. والدليل على ما نقوله أن هذا صيد يفتقر إلى ذكاة، فلم يكن مجرد أخذه ذكاة. أصله الطير. فرع: إذا ثبت ذلك، فحكم الحلزون حكم الجراد، قال مالك: ذكاته بالسلق أو يغرز بالشوك والإبر حتى تموت من ذلك، ويسمى الله تعالى عند ذلك، كما يسمى عند قطف رءوس الجراد. وقد قال الشيخ أبو بكر: العقرب والخنفساء من احتاج إلى التداوى بشىء منها، فليقطف رءوسها ثم يتداوی بها، إن شاء الله تعالى. ٩٧٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّ جَارِيَةٌ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَمَّا لَه لَهَا بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، ٩٧٢ - أخرجه البخارى فى الذبائح والصيد ٥٠٨١. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٨٢/٩ - ٢٨٣. وذكر ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠١٤. ٢١٩ کتاب الذبائح فَأَدْرَ كَتْهَا، فَذَكّتْهَا بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((لا بَأْسَ بِهَا فَكُلُوهَا». الشرح: قوله: ((أن جارية لكعب بن مالك))، أكثر ما تستعمل العرب هذه اللفظة فى المملوكة، ولذلك أضافها إلى كعب بن مالك إضافة ظاهرها الملك، ((وكانت هذه الجارية ترعى غنمًا لكعب بن مالك بسلع))، جبل من جبال المدينة، ((فأصيبت شاة منها))، يحتمل أن يكون نزل بها ذلك من أمر الله تعالى، فذكتها الجارية بحجر. وفى ذلك بابان، أحدهما: صفة ما يذكى به من الحجارة، وقد تقدم ذكره. والباب الثانى: فى صفة الذابح المؤثرة فى الذكاة، وهو الدين، وسيأتى ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما الرق، فليس بمؤثر فى الذكاة، فتجوز ذكاة العبد على كل حال، وأما الصغير والأنثى، ففى كتاب ابن المواز، عن مالك: تكره ذبيحة الصبى والمرأة من غير ضرورة. وفى المدونة عن ابن القاسم: تجوز ذكاة المرأة من غير ضرورة، ولا بأس بذكاة الصبى إذا أطاق الذبح. وروى أكثره عن مالك، قال ابن حبيب: مختونًا كان الصبى أو غير مختون. وجه رواية ابن المواز أن هذا معنى يعتبر فيه الدين، فاعتبر فيه الأنوثة والذكورة والبلوغ والأمانة. ووجه رواية المدونة أنه معنى لا يعتبر فيه الرق، فلم يعتبر فيه الأنوثة كالبيع والشراء والطبخ. فرع: فإذا قلنا بكراهية ذبيحة المرأة، فهل تكره ذبيحة الخصى؟ حكى الشيخ أبو إسحاق: تؤكل ذبيحته، ولم يذكر كراهيته. وروى أشهب، عن مالك فى العتبية: لا أحب ذبيحة الخصى، فإن فعل أكلت. ووجه ذلك عندى أنه نحو الأنوثة، والله أعلم. فرع: ولا تجوز ذبيحة السكران ولا المجنون إذا لم يعقلا، رواه ابن وهب عن مالك فى المبسوط. زاد ابن وهب عن مالك فى المبسوط: ولا ذبيحة أعجمى لا يعرف الصلاة. ووجه ذلك أن كل واحد منهما لا تصح منه النيابة فى الذكاة، وذلك معتبر فی صحتها، والله تعالى أعلم وأحكم. فرع: ولا تؤكل ذبيحة المرتد، وإن ارتد إلى يهودية أو نصرانية، رواه ابن حبيب، ....... کتاب الذبائح ٠٠٢٢٠ قال: ولا تؤكل ذبيحة من يدع الصلاة ولا ذبيحة من يضيعها ويعرف بالتهاون بها، ونحا بذلك إلى أنه ارتداد، قال: وكذلك قال لى من كاشفت من أصحاب مالك عنه فی جمیعه. ٩٧٣ - مَالِك، عَنْ ثَّوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنْهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ: لا بَأْسَ بِهَا، وَتَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَمَنْ يَقَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. الشرح: قول: ((فى ذبائح نصارى العرب لا بأس بها))، أجراهم فى ذلك مجرى نصارى العجم، فإن ذبائح النصارى وغيرهم من أهل الكتاب مباحة لنا بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]، فأعلم أن ذبائح نصارى العرب مباحة أيضًا، ولم يتعلق الا بقوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾. إما أن هذه الآية لم تكن نزلت بعد، أو لأنها عامة، يحتمل أن تكون عامة فى جميع أهل الكتاب، ويحتمل أن تكون خاصة فى العجم، وإن كان الأظهر عمومها، فأظهر التعلق بما هو خاص فى العرب أو فيمن خوطب بهذه الآية، وهم المنافقون، وكانوا عربًا. ومقتضى الآية أنه من يتولى أهل الكتاب من العرب، فإنه منهم؛ لأنه المتولى لأهل الكتاب المخاطبين بهذه الآية يجب أن يكونوا غير أهل الكتاب المتقدم ذكرهم من العجم، فحكم الله تعالى بأنه منهم، وذلك يوجب أن يكونوا من أهل الكتاب. وذلك يقتضى أن يكون حكمهم حكم أهل الكتاب فى الذبائح وغيرها، فإذا كانت ذبائح أهل الكتاب من العجم مباحة، فكذلك ذبائح أهل الكتاب من العرب؛ لأن الأنساب لا تؤثر فى ذلك، وإنما تؤثر الأديان. مسألة: وإذا علمت أن من دينه النصرانية ممن يستبيح الميتة، فلا تأكل من ذبيحته إلا ما شاهدت ذبحه. ووجه ذلك أنه إنما يستباح من ذبيحته ما وقع على وجه الصحة والمسلم أصح ذبيحة وهذا حكمه، فإذا علم أنه ربما قتل الحيوان على الوجه الذى لا يبيح أکله، ٩٧٣ - أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ٢١٧/٩. عبد الرزاق فى المصنف ٤٨٦/٤. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠١٥. الجصاص فى أحكام القرآن ٣٢٣/٢ المغنى ٥١٧/٨. ٢٢١٠ کتاب الذبائح وجب الامتناع من أكل ما مات على يده من الحيوان، إلا أن يعلم أن ذكاته وجدت منه على وجه الصحة لما يتوقع أن يكون حلول ذلك منع على وجه القتل المنافى للإباحة. قال مالك: سواء كان ذميًا أو حربيًا. فرع: قال محمد: وكره مالك ما ذبحوا للكتابيين أو لعيسى أو لجبريل أو لأعيادهم. زاد ابن حبيب: أو الصليب من غير تحريم. وأما ما ذبح للأصنام، فيحرم لقول الله تعالى: ﴿وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣]، وقال ابن حبيب فى أكل ما ذبح لأعيادهم وكنائسهم: تعظيم لشركهم. قال: وقد قال ابن القاسم فى النصرانى، يوصى بشىء من ماله للكنيسة، فيباع: لا يحل للمسلم شراؤه لما فى ذلك من تعظيم شرائعهم ومشتريه مسلم سوء. مسألة: وما ذبحه اليهود مما لا يستبيحون أكله مما ذكر الله فى كتابه من قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر﴾ [الأنعام: ١٤٦]. قال ابن حبيب: هل الإبل وحمر الوحش والنعم والأوز، وما ليس مشقوق الخف ولا منفرج القائمة، فهذا لا يحل أكله بذبحهم. ووجه ذلك أن الذكاة مفتقرة إلى النية والقصد، وهم لا يصح ذلك منهم؛ لأنه عندهم لا یستباح بالذ کاة. مسألة: وما حرم عليهم من شحوم الحيوان الذى يستبيحونه، وذلك قوله تعالى: ﴿فى البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾ [الأنعام: ١٤٦]. قال ابن حبيب: هى الشحوم المجملة الخالصة، مثل الثروب والكشاء، وهو شحم الكلى، وما لصق بالغطنة وشبهها من الشحوم المحضة التى لم تختلط بعظم ولا لحم. وأما قوله تعالى: ﴿إلا ما حملت ظهورها﴾ [الأنعام: ١٤٦]، ما يغشى اللحم من الشحم على الظهر وسائر الجسد، وما اختلط منه بلحم أو عظم. وأما الحوايا، فهى المباعر، ويقال لها بنات اللبن، والعرب تسميها المرائم، فكل ذلك من الشحم داخل فى الاستثناء. قال ابن حبيب: ما كان من هذا محرمًا بنص التنزيل، فلا يحل لنا أكله بعينه، ولا أكل ثمنه، وما لم يكن محرمًا عليهم فى التنزيل مثل الطريف وشبهه، فإنه مكروه أكله وأكل ثمنه، قال: وهذا قول مالك وبعض أصحابه. كتاب الذبائح ٢٢٢ وحكى القاضى أبو محمد أن شحوم اليهود المحرمة عليهم مكروهة عند مالك، ومحرمة عند ابن القاسم وأشهب، وقد روى عن مالك. قال أبو حنيفة والشافعى: هى مباحة غير مكروهة. وجه رواية التحريم أن هذه ذكاة يعتقد مباشرها تحريم بعضها وتحليل بعضها، فوجب أن يستباح بها ما يعتقد تحليله دون ما يعتقد تحريمه، كالمسلم يعتقد استباحة اللحم دون الدم. ووجه رواية منع التحريم أن هذا مذك، يجوز أكل لحم ما ذكى، فجاز أكل لحمه کالمسلم. وأما الطريف، ففى المدونة: كان مالك يجيز أكله ثم كرهه. قال ابن القاسم: وأرى أن لا يؤكل، فظاهر لفظ ابن القاسم المنع حملة، ولو حمل على التحريم لما بعد. ووجه جواز ذلك أنه قصد إلى استباحة أكله؛ لأن ما تجده عليه من الوجه المانع له من أکله لا يظهر إلا بعد تمام الذكاة، فصح قصده إلی اباحته. ووجه رواية المنع أن هذه ذبيحة منع منها الذابح بالشرع، فمنع منها غيره كالمحرم. قال مالك: وتؤكل ذبيحة السامرية، صنف من اليهود لا يؤمنون بالبعث. فرع: ونهى المسلمون عن الشراء من جزارى اليهود، ونهى اليهود عن البيع منهم، فمن اشترى منهم من المسلمين، هو رجل سوء ولا يفسخ شراؤه، إلا أن يشترى من اليهود مثل الطريف وشبهه مما لا يأكلونه، فيفسخ على كل حال، رواه ابن حبيب، عن مطرف وابن الماجشون. مسألة: ولا تؤكل ذبائح الصابئين، وليس بحرام ذبائح المجوس، وقد حرم الحسن وسعيد بن جبير ذبائحهم، ونكاح نسائهم، وقيل إنهم بين المجوسية والنصرانية. مسألة: لا تؤكل ذبائح المجوس، وليسوا أهل كتاب، ولو ولى مسلمًا ذبيحته، فقد اختلف فيها، فأجازها ابن سيرين وعطاء، وكره ذلك الحسن. قال ابن المواز: إنما يكره أكلها إذا قال للمسلم: اذبحها لنارنا أو لصنمنا، فأما لو تضيف به مسلم، فأمره بذبحها ليأكل منها، فذلك جائز، وإن أعدها لغيره. ٩٧٤ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَا فَرَى الأَوْدَاجَ فَكُلُوهُ. ٩٧٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠١٦. المحلى ٠.٤٤٠/٧ ٢٢٣٠ کتاب الذبائح الشرح: قوله: ((ما فرى الأوداج))، يحتمل معنيين، أحدهما: صفة الآلة التى يذبح بها، فيقول: إن ما كان من الآلات على هذه الصفة، وجب أن تستباح به الذكاة، وهذا ظاهر اللفظ. والمعنى الثانى: أن يريد به ما بلغ من ذكاته إلى قرى الأوداج، فإنه قد كملت ذكاته، وحصلت إباحته، ولعله قد ترك ذكر الحلقوم لما كان المعلوم فى الأغلب لا تفری الأوداج إلا بعد فری الحلقوم. وقال مالك فى المدونة: إن الذكاة تفرى الحلقوم والودجين، فإن قطع الودجين دون الحلقوم أو الحلقوم دون الودجين لم تتم الذكاة، هذا حقيقة المذهب. وقال الشافعى فى الذكاة: تقطع الحلقوم والمرىء، وهو البلعوم والاعتبار بالودجين. والدليل على ما نقوله ما روى عنه 19 أنه قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل))(١)، وإنهار الدم إجزاؤه، وذلك لا يكون إلا بقطع الأوداج؛ لأنها مجرى الدم. وأما المرىء، فليس بمجرى الدم، وإنما هو مجرى الطعام، وليس فيه من الدم إلا اليسير الذى لا يحصل به الإنهار. ودليلنا أيضًا ما روى أن عبد الله بن عباس قال: باعتبار الودجين، ولا مخالف له من الصحابة، ولا نعلم أحدًا منهم قال: باعتبار المرىء. ودليلنا من جهة المعنى أن الذكاة مبنية على فرى ما كان فريه أسرع مونًا؛ لأنه أخف على الحيوان والودجان أسرع فى ذلك من المرىء؛ لأن المرىء مدخل الطعام، ويفضى إلى الفم إحداث مدخل آخر له بقرب الأول، فليس مقتل فى نفسه وأما الودجان، فإن نهايتهما متصلة بالجسم، وهما مجرى الدم لا يتصل بعد انقطاعهما مقتل، ولذلك يقال فى الذبيحة: تشخب أوداجها دما، ولا ذكر للمرىء فى ذلك، فكان ما قلناه أولى اتباعًا ونظرًا. فرع: وأما الحلقوم، فمجرى النفس وهو من المذبح، فإن قطع جميعه مع الودجين تمت الذكاة فيه، وإن قطع بعضه، فقد روى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم فى الدجاجة (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٤٨٨، ٢٥٠٧، ٣٠٧٥، ٥٤٩٨، ٠٥٥٠٩ مسلم حديث رقم ١٩٦٨. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٤٠٩. أحمد فى المسند حديث رقم ١٥٣٧٩، ٠١٦٨١٠،١٥٣٨٦ کتاب الذبائح ٢٢٤ والعصفور والحمام: إذا أجهز على أوداجه وحلقه أو ثلثيه، فلا بأس بذلك. وقاله ابن حبيب، وزاد: وإن لم يقطع منه إلا اليسير، فلا يجوز. وقال سحنون: لا يجوز ذلك حتى يجهز على جميع الحلقوم والأوداج. وجه قول سحنون إن هذا معنى تتعلق به الذكاة، فوجب أن يكون حكمه الاستيعاب كالودجين. ووجه قول ابن القاسم إن الذكاة محلها الودجان، وإنما تتعلق بالحلقوم على معنى التبع، فإذا قطع أكثره مع استيعاب الودجين، فقد كملت الذكاة. فرع: ولو قطع الحلقوم وأحد الودجين، فقد قال ابن حبيب: لا تؤكل، وظاهر لفظ المدونة يقتضى أنها لا تؤكل؛ لأنه قال: لا تؤكل حتى يقطع الحلقوم، والودجين. وقال الشيخ أبو إسحاق: إن بقى شىء من الودجين لم تؤكل. ووجه ذلك تعلق الذكاة بهما، فلم یکن بد من استيعابهما. فصل: وقوله: ((فكلوه)) تبيين أن قوله: ((ما فرى الأوداج))، إنما أراد به الفعل دون الآلة، فكأنه قال: کل ذبح أو ذکاة تبلغ فری الأوداج، فإنه قد أباح أكل ما ذکی به، وفى الكلام تجوز لرجوع ضمير المأكول على الفعل والمعنى ما ذكرناه، والله أعلم. فرع: ومن نخع الذبيحة، ومعناه أن يقطع نخاعها عند ذبحها، فقد قال ابن حبيب: إن فعل، أى أكمل ذبحها، يريد أنه فعل ذلك من ذبحها، فقد أساء، وهى تؤكل، وإن كان نخعها فى ذبحه، يريد لمن يفصل بينهما، فإن فعل ذلك ليد سبقت، فهى تؤكل، قاله مالك فى ذلك کله. وإن تعمد ذلك من غير جهل، فقد قال مطرف وابن الماجشون: لا تؤكل. وقال أصبغ وابن القاسم: تؤكل فى العامد والجاهل، ولا أقول بقولهما. وجه القول الأول ما احتج به من أنه ترك سنة الذبح، فهو كالعابث بذبيحته. ووجه القول الثانى أن ما زاد من النخع إنما وجد بعد تمام الذكاة المبيحة كما لو تعمد سلخها، وقطع أعضائها بعد أن أكمل ذكاتها، وقبل أن يزهق نفسها. ٩٧٥ - مَالِك، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا ذُبِحَ بِهِ إِذَا بَضَعَ فَلا بَأْسَ بِهِ إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَيْهِ. الشرح: قوله: ((ما ذبح به إذا بضع))، على ما قدمناه من أن الآلة يجب أن تكون ٩٧٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٤١/١٥. ٢٢٥ کتاب الذبائح على صفة تبضع، ولا تكون مما تكسر أو تهشم الأوداج بقوة دون حدة، ولا تكون مما يبرد كالمنجل المضرس. فصل: وقوله: ((إذا اضطررت إليه))(١)، دليل على أنه قصد الإخبار عن غير الحديد. وأما الحديد الذى على هذه الحال، فهو الذى يذبح به فى حال الاختيار، وإنما شرط الضرورة فى الذبح لغير الحديد؛ لأن الحديد المحكم أسرع قطعًا، وأقل ألمًّا، وأيضًا فإنه أخبر عن المعتاد من أحوال الناس بأنه لا يكاد يستعمل شىء من ذلك إلا عند عدم الحديد، والله أعلم. وفى المدونة عن ابن نافع أنه إنما يذبح بذلك إذا لم يوجد غيره. وقال ابن كنانة، عن مالك: الشفرة أحب إلىّ إذا وجدت، فإن ذبح مع وجود الشفر جاز، ورواه عیسی، عن ابن القاسم. ما يكره من الذبيحة فى الذكاة ٩٧٦ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى مُرَّةً مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِى طَالِبٍ أَنْهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ، فَتَحَرَّكَ بَعْضُهَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَيْئَةَ لَتَحَرَّكُ، وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ. وسُئِلَ مَالِك عَنْ شَاةٍ تَرَدَّتْ فَتَكَسَّرَتْ فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا، فَذَبَحَهَا، فَسَالَ الدَّمُ مِنْهَا وَلَمْ تَتَحَرَّكْ. فَقَالَ مَالِك: إِذَا كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا تجرى، وَهِىَ تَطْرِفُ، فَلْيَأْكُلُهَا (١). الشرح: قوله: ((عن شاة ذبحت فتحرك بعضها))، لا يخلو من ثلاثة أحوال، أن تكون صحيحة، أو تكون مكسورة أصابها ذلك الكسر، فوجعت بالذبح، فتحرك بعضها، أو يكون بها مرض، فخيف عليها الموت فعوجلت. (١) قال فى الاستذكار ٢٤٢/١٥: أما قول سعيد بن المسيب: ((إذا اضطررت إليه))، فكلام ليس على ظاهره، وإنما معناه ألا يذبح بغير المدى، والسكاكين وقاطع الحديد اختيارًا. ٩٧٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠١٧. (١) قال فى الاستذكار ٢٤٥/١٥: على قول مالك هذا فى الموطأ أكثر العلماء، وهو قول على، وأبى هريرة، وابن عباس. وقد اختلف فى ذلك أصحاب مالك، واختلف فيه قول الشافعى. ٢٢٦ کتاب الذبائح فأما إن كانت صحيحة ليس بها شىء، فإن كان الذابح قد صادفها، وهى مستجمعة الحياة، وهو الذى يراعى فى صحة الذكاة، فلا خلاف نعلمه فى صحة ذكاتها وإباحة أكلها، وقاله مالك. مسألة: وأما إن أصابها كسر أو نحوه، فانتهت مما أصابها إلى حد الموت وشبهه مما ييأس فيه من حياتها، فذبحها، فطرفت بعد الذبح بعينها أو استفاض. نفسها، أو حركت ذنبها، أو ركضت برجلها، فقد اختلف أصحابنا فيه. فروى ابن حبيب، عن ابن القاسم وأصبغ أنها تؤكل، وهو فى المختصر من رواية ابن القاسم، عن مالك. وعن ابن الماجشون وابن عبد الحكم: لا تؤكل، ورواه ابن عبد الحکم، عن مالك. وجه قول ابن القاسم قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]، فاستثنى من ذلك ما أدركت ذكاته؛ لأنه المعنى، والله أعلم، وما أكل السبع منه؛ لأن ما أكل السبع جميعه، فقد فاتت عينه، فلا يقال فيه إنه حلال ولا حرام لعدمه. وقد قال القاضى أبو إسحاق: المعنى تحريم ما أكل السبع لفوات الذكاة فيه. ومعنى قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، لكن ما ذكيتم مما لم يأكله السبع، وليس باستثناء مما تقدم، قال: وهذا كقوله تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى﴾، تقدیره: ولكن تذكرة لمن يخشى. قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وعندى أن الوجه الأول أظهر، والله أعلم. ومن جهة المعنى أن هذه أدركت ذكاتها، وبها بقية من حياتها، فجاز أكلها کالمريضة. ووجه رواية ابن عبد الحكم ما احتج به الشيخ أبو بكر فى نصرة هذه الرواية أن معنى المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة التى تمت بعد، ولو أراد التى ماتت لا غنى عن ذلك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، وأراد بقوله: ﴿إلا ما ذکیتم﴾، إلا ما أدر كتموه بصفة ما يذكى، وأما ما بلغ أن لا ترجى حياته فى الأغلب، فلا يذكى، وإن أدرك حيًّا؛ لأن تلك ليست بحياة ولا حكمه حكم الحى. ومن جهة المعنى أن هذا لا ترجى حياته، فلم تجز ذكاته. أصل ذلك ما أنفذت .. ٠ ٢٢٧ كتاب الذبائح مقاتله. قال: والفرق بين هذه وبين المريضة، فيما حكاه الشيخ أبو بكر لنصرة قول ابن عبد الحكم، وروايته عن مالك أن المتردية والنطيحة طرأ عليها ما الأغلب منه الموت، فلا نعلم أن الذكاة أفاتت نفسها لأنا نخاف أن يغلب على الظن أن الذى أفات نفسها ما نزل بها. وليس كذلك المريضة، فإنه لا يطرأ عليها شىء، ويظن بها من أجله الموت، فكان الأظهر أن الذكاة أفاتت نفسها كالصحيحة، وكذلك إذا أدركت حياتها ظاهرة، فإنها تؤكل، سواء كانت مما يرجى بقاء حياتها أم لا؟. فصل: وسؤال السائل لمالك عن شاة تردت، فتكسرت، التردى إذا كان منه كسر يؤدى إلى ثلاثة أحوال، أحدها: أن تنفذ المقاتل، وهى خمسة متفق عليها انقطاع النخاع، وهو عند ابن القاسم وأصبغ ومالك من رواية ابن القاسم، عن مالك فى العتبية: الشحم الأبيض الذى فى وسط فقار العنق والظهر، والثانى: انتشار الدماغ، والثالث: فرى الأوداج، والرابع: انفتاق المصران، والخامس: انتشار الحشوة. واختلف أصحابنا فى اندقاق العنق من غير انقطاع نخاعه، فروى ابن الماجشون ومطرف، عن مالك: أن ذلك من المقاتل. وروى ابن القاسم، عن مالك: أنه ليس بمقتل حتى يقترن به انقطاع نخاعه، فهذه المعانى متى حصلت من ترد أو ما أشبهه، فقد فاتت الذكاة، وإن ظهرت حياته بعد الذبح؛ لأن ما وصل إلى هذا الحد، فقد استحال دوام حياته، وإنما حركته بعد ذلك من باب اضطراب الميت وتحر که عند فوات نفسه. مسألة: والحال الثانية، أن ينكسر منها عضو ويرجى بقاء حياتها، سواء رجى انجبار ما انكسر منها أو يئس منه، فهذا لا خلاف أيضًا فى جواز ذكاتها؛ لأنها ترجى حياتها کالتی لم تنکسر. مسألة: والحال الثالثة، ينفذ مقاتلها، إلا أنها مع ذلك قد بلغت مبلغًا لا يشك فى أنه لا تبقى حياتها، أو يشك فى ذلك، فإن هذا اختلف قول مالك فيها وأصحابه فى صحة ذكاتها على ما تقدم. ولهذا المعنى اختلف جواب أبى هريرة وزيد بن ثابت، ولعلهما إنما سهلا فى هذه المسألة، ولذلك قال زيد: إن الميتة لتتحرك، يريد عند موتها، فإذا لم يتيقن أن الذكاة صادفت حياة كاملة، لا يحل أكلها عنده، وقد تقدم ذکر الخلاف فيه، وسنفرد له بابًا إن شاء الله. کتاب الذبائح ٢٢٨ ... فصل: وقول السائل فى شاة كسرت: ((إن ذبحها فسال الدم منها ولم تتحرك))، فقال مالك فى جوابه: ((إن ذبحها ونفسها تجرى، وهى تطرف فليأكلها))، وذلك يحتمل وجهين، أحدهما: أن يريد بذلك إذا أدركتها الذكاة، ونفسها تجرى، وعينها تطرف، فقد أدرك الذ کاة لإدراكه حياتها، سواء سال الدم أم لم يسل. وقد قال ابن القاسم وابن كنانة فى المريضة إذا اضطربت: أكلت، وإن لم يسل دمها. والوجه الثانى أن يكون جوابه مبنيًّا على سؤال السائل، فيكون معناه أن التى سال دمها إذا ذبحها ونفسها تجرى، وهى تطرف فليأكلها، فجاوب عن الذبيحة التى يجتمع فيها الأمران، سيلان دمها دون الحركة. وعلى الوجهين، فلم يعتبر اليأس من حياتها. وقد تكلمنا على إدراك الحياة، ونحن نتكلم على المعانى التى يستدل بها على إدراك الحياة. وقد روى ابن حبيب، عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم أنهما قالا: للحياة علامات يستدل بها، وهى خمس علامات: سيلان الدم، والطرف بالعين، وجريان النفس، وتحريك الذنب، والركض بالرجل. فأما سيلان لدم، فإن كانت صحيحة، فذبحها فسال دمها ولم تتحرك، فقد قال مالك: تؤكل، ولا يمكن عندى فى الصحيحة أن تتحرك ولا يسيل دمها، فلا معنى لذكره. مسألة: وأما المكسورة، فإذا حملنا قول مالك على أنه أراد التى سال دمها، ونفسها يجرى، وعينها تطرفس فليأكلها، فجمع بين جرى الدم والحركة؛ لأن جريان النفس، وطرف العين من باب الحركة، ولو انفرد سيلان الدم لم أر فيه نصًا لأصحابنا. والأظهر عندى على أصول أصحابنا أنه لا يجوز أكلها؛ لأن مالكًا، إن كان أراد بجوابه فى مسألة السائل إضافة جوابه إلى سؤال السائل فى سيلان الدم، فإنه لا يبيح أكلها إلا بأن يسيل دمها، وتقترن بذلك حركتها بالنفس، أو طرف الغين. وإن قلنا إنه أعرض عن سؤال السائل فى سيلان الدم، واستأنف الجواب، فإنه لم يعتبر بسيلان الدم لما لم يكن له تأثير عنده فيها، وراعى الحركة خاصة، فلا تؤكل المكسورة التى تنفرد بسيلان الدم، ولو انفردت الحركة دون سيلان الدم لم أر فيه نصًا. قال الإمام أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أنها تحتمل الخلاف الذى تقدم بين ٢٢٩ .... کتاب الذبائح ابن القاسم وابن عبد الحكم فى التى يئس من بقاء حياتها أو شك فى ذلك، ولكنها أدركت بالذكاة حياتها، فيقال على رواية ابن القاسم أنه يجوز أكلها كالمريضة، ويقال على رواية ابن عبد الحكم أنه لا يجوز أكلها، ويفرق بينها وبين المريضة بما تقدم. مسألة: وأما المريضة، فقد قال مالك: إذا سال دمها، وتحركت بعد الذبح، فإنها تؤكل، وإن لم يكن ذلك لم تؤكل إلا أن تكون منها الحياة بينة بالنفس البين أو العين تطرف. فإن كان أراد بقوله: وإن لم يكن ذلك لم يكن سيلان الدم ولا الحركة، ولكن وجد دليل الحياة بالنفس المتردد أو العين تطرف، فهذا بين فى أن الحركة الدالة على ذلك تبیح الأکل دون سیلان الدم. وقد قال ابن القاسم وابن كنانة: إذا اضطربت أكلت، وإن لم يسل دمها. وأما إن سال دمها ولم تتحرك، ففى كتاب محمد: فإن كانت صحيحة، فإنها تؤكل. وأما المريضة، فإن كان نفسها يجرى وحركتها تعرف، فإنها تؤ كل. قال محمد: ويعرف ذلك بحركة الرجل والذنب، قاله زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب. قال محمد: والعين تطرف، أو يستفيض نفسها فى جوفها أو منحرها، فإن هذه الحركات ما كان منها عند مر الشفرة بحلقها، فإنها تؤ كل. فظاهر هذا اللفظ أن المريضة مخالفة للصحيحة، وأن الصحيحة تؤكل بسيلان الدم خاصة، وأن المريضة لا تؤكل بذلك حتى يقترن بها أحد هذه الأربع، وعطف الشيخ أبو محمد لهذه الأقوال بعضها على بعض دليل على أن حملها على الوجه الذى تأولناه علیه. ففى هذا أن الحركة عنده أقوى فى بقاء الحياة من سيلان الدم؛ لأن الحركة من أسباب الحياة وأحكامها. وأما سيلان الدم، فإنه انفصال بعض أجزاء الجسم من بعض. فصل: وقول مالك: ((إن ذبحها ونفسها يجرى وهى تطرف))، معنى جريان نفسها تردده على حسب التنفس، فأما خروج الريح من الجسد عند الموت، فليس من جريان النفس، وسؤال السائل لمالك عن عدم الحركة بعد تمام الذكاة، فالظاهر أن مالكًا أجابه · أن عدم الحركة بعد تمام الذكاة لا يمنع صحتها، إذا صادفت نفسًا يجرى، وعينًا تطرف حین الذكاة. كتاب الذبائح ٢٣٠ وقد روى فى المدنية عن عبد الرحمن بن دينار أنه قيل لابن نافع: فلو أن سبعًا حمل على شاة، فاستنقذتها منه، فذيحتها وهى تطرف، فلما فرغت من ذبحها لم يتحرك منها شىء، فقال: إذا ذبحتها، ونفسها تجرى، وهى تطرف، فلا بأس بأكلها، فبين أن قوله إنما كان؛ لأن الاعتبار بالحركة بعد الموت غير صحيح. وإنما يعتبر بما ذكره من النفس الذى يجرى والعين التى تطرف حال الذبح. وقد قال ابن حبيب: إن الحياة تعرف بحركة الرجل أو الذنب أو العين تطرف أو النفس تستفيض فى جوفها أو منحرها، فإن هذه الحركات الأربع كان منها عند مر الشفرة على حلقها، يريد مع سيلان الدم فى المريضة، فإنها تؤكل. ذكاة ما فى بطن الذبيحة ٩٧٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا نُجِرَتٍ النّاقَةُ، فَذَكَاةُ مَا فِى بَطْنِهَا فِى ذَكَاتِهَا إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنْبَتَ شَعَرُهُ، فَإِذَا خَرَجٌ مِنْ بَطْنِ أُمِّ ذُبِحَ حَتّى يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ حَوْفِهِ. ٩٧٨ - مَالِكِ، عَنْ زَيدَ بْنِ أسلم، عن، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطِ اللِّىِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ذَكَاةُ مَا فِى بَطْنِ الذّبِيحَةِ فِى ذَكَاةِ أُمِّهِ إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعَرُهُ. الشرح: قوله، رضى الله عنه: ((إذا نحرت الناقة فذكاة ما فى بطنها ذكاتها))(١)، ٩٧٧ - أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ٥٠١/٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٣٣٦/٩. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠١٨. الجصاص فى أحكام القرآن ١١١/١. كشف الغمة ٢٤٠/١. المغنى ٥٧٩/٨. ٩٧٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠١٩. (١) قال فى الاستذكار ٢٥٣/١٥: اختلف العلماء فى ذكاة الجنين: فقال مالك بما رواه ابن عمر، وسعيد بن المسيب فى ذلك، قال: إذا تم خلقه، وأشعر أكل، وإلا لم يؤكل. وقال أبو حنيفة، وزفر: لا يؤكل الجنين إلا أن يخرج حيا من بطن أمه، فیذکی. وقال أبو يوسف، ومحمد الثورى، والليث بن سعد، والأوزاعى، والشافعى، والحسن بن حى: يؤكل، وإن كان شيئًا إذا ذكيت الأم، وذكاة أمه ذكاته. قال أبو عمر: روى قول مالك فى اعتبار أشعاره، وتمام خلقه عن جماعة من أهل المدينة، والحجاز، وغيرهم، منهم: ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب،= ٠ ٢٣١ کتاب الذبائح ومعنى ذلك أنه إذا تم خلق الجنين ونبت شعره، فإن ذکاة أمه ذکاة له، وحينئذ هو مما يصح أن يؤكل بالذكاة. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل، وقد تعلق أصحابنا فى ذلك بأحادیث لیست بصحاح ولا تثبت. والدليل على ذلك من جهة القياس أن هذا حكم ثبت فى الأم، فوجب أن يثبت فى الجنين، كالهبة والبيع، ولا يلزم على هذا ما لم ينبت شعره؛ لأن ذلك ليس بحى، ولا تكون الذكاة إلا بعد حياة. =ومجاهد، وطاوس، والحسن، وقتادة. وروى معمر، عن الزهرى، عن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: كان أصحاب رسول الله ﴿﴿ يقولون: إذا أشعر الجنين، فذكاته ذكاة أمه. وحدثنى عبد الله بن محمد، قال: حدثنى محمد بن عثمان، قال: حدثنى إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنى على بن المدينى، قال: حدثنى سفيان بن عيينة، قال: حفظت من الزهرى، عن ابن كعب ابن مالك أن أصحاب رسول الله ﴿18 كانوا يقولون: إذا أشعر الجنين، فذكاته ذکاة أمه. قال سفيان: وقال أبان بن تغلب، وكان صاحب عربيةٍ: إذا أشعر الجنين. قال سفيان: فأما الذى حفظت أنا من الزهرى: إذا أشعر. قال أبو عمر: قيل: أشعر إذا تم خلقه، وإن لم يشعر. قال أبو عمرو الشيبانى: المشعر التام الخلق الطويل. وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن على، رضى الله عنه، قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر. وروى مثل قول الشافعى، ومن ذكرنا معه عن إبراهيم النخعى. وروى الثورى، عن منصور، عن إبراهيم، قال: ذكاته ذكاة أمه أشعر، أو لم يشعر إلا أن يقذره. وابن عيينة، عن الحسن بن عبيد الله النخعى، قال: سألت إبراهيم عن جنين البقرة؟ فقال: هو ركن من أركانها. وابن خديج عن داود بن أبى عاصم، عن سعيد بن المسيب أنه قال: كله، إن لم يشعر. وروى ابن المبارك، وغيره، عن مجالد بن سعيد، عن أبى الوداك: جبر ابن نوف، قال: سمعت أبا سعيد الخدرى يقول: سألنا رسول الله ﴾ عن البقرة، أو الناقة، أو الشاة ينحرها أحدنا فيجد فى بطنها جنينًا، أياًكله أم يلقيه؟ قال: ((كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه)). قال أبو عمر: ليس فى هذا الحديث المسند اشتراط أشعاره، ولا غيره. وروى ابن المبارك، عن ابن أبى ليلى، عن أخيه، عن أبيه، أو عن الحكم بن أبى عبد الرحمن ابن أبى ليلى، الشك من ابن المبارك، عن عطية، عن أبى سعيد الخدرى، قال رسول الله ﴿: ذكاة الجنين ذکاة أمه أشعر، أو لم يشعر. ورواه غیر ابن المبارك، عن ابن أبى ليلى، عن عطية، عن أبى سعيد الخدرى. وابن أبى ليلى سيئ الحفظ عندهم جدًا. ومن حديث زهير بن معاوية، عن أبى الزبير، عن جابر أن رسول الله ﴿﴿ قال: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)). وأما قول أبى حنيفة وزفر، فليس له فى حديث النبى ﴿﴿ ولا فى قول أصحابه، ولا فى قول الجمهور أصل. وزعم أبو حنيفة أنه لم ير ذكاة واحدة تكون لاثنين. واستحال غيره أن تكون ذكاة لنفسين. وهو يرى أن من أعتق حاملاً، فإن عتقها عتقّ لجنينها، فإذا جاز أن يكون عتق واحدٍ عتقًا لاثنين، فغير نكير إن تكون ذكاة نفس ذكاة نفسين. هذا من جهة القياس، فكيف والسنة معينة عن كل رأى، وبالله التوفیق. كتاب الذبائح ٢٣٢ وقال الشافعى: يؤكل، وإن لم ينبت شعره. وقال القاضى أبو محمد وغيره من أصحابنا: إن الإشعار دليل على نفخ الروح فيه، وما لم ينبت شعره، فليس بحى بعد، فلا يستباح بذ کاة، وهو مذهب ابن عمر. والدليل على ما نقوله أن كل ما لا يستباح أكله إلا بالذكاة، فإن الذكاة لا تعمل فيه مع عدم الحياة. أصله الأمهات. مسألة: إذا ثبت ذلك، فلا يخلو أن يخرج من الأم بعد ذكاتها أو فى حال حياتها، فإن خرج بعد ذكاتها، فلا يخلو أن يكون مما ترجى له الحياة لو ترك أو يشك فى ذلك أو ييأس منه. فإن وجدت له حياة باقية، ففى المدنية عن مالك: لا يؤكل إلا بذکاة تخصه، وكذلك لو شك فى حياته، رواه عيسى، عن ابن القاسم فى المدنية. ومعنى ذلك أن هذا فى حكم المولود، فلا يؤكل إلا بذكاة تخصه، فإن خرج، ولم ترج حياته، إما لأنه قد مات أو لأن حياته ضعيفة، فإنه يستحب ذبحه، فإن لم يذبح وغفل عنه حتى مات أكل، قاله مالك فى المدنية والعتبية. وقال عيسى بن دينار فى المدنية: أحب إلىّ فى التى ذكيت أن لا يؤكل ما استخرج من بطنها حیًا إلا بذکاة، ونحوه روی ابن المواز، عن مالك. ووجه الرواية الأولى أن هذا قد كملت ذكاته بذكاة أمه؛ لأنه حى بها، فكان كعضو من أعضائها، ولما كان مما ينفصل عنها بالولادة، وينفرد بالحياة استحب مباشرته بالذكاة. ووجه الرواية الثانية مراعاة الخلاف فى ذلك، فقد روى عيسى بن سعيد الأنصارى: لا يحل أكله إلا أن يموت قبل خروجه بعد ذكاة أمه. وقد روى ابن وهب، عن مالك فى المبسوط: إذا خرج يتحرك استحب ذبحه، فإن سبقهم بنفسه، فأنا أكره أكله، فنحا به إلى الكراهية، وهو الأظهر لما فيه من الخلاف، والله أعلم. مسألة: وأما إن خرج فى حال حياة أمه أزلقته، فإن كان مثله يخيا، ويعيش، فلا بأس بأكله إذا ذكى، رواه أبو زيد، عن ابن القاسم فى العتبية. ووجه ذلك أنه قد كمل نباته، فوجب أن يستباح من الذكاة بما يستباح به غيره ٢٣٣٠ کتاب الذبائح الكبير، وإن كان مثله لا يعيش أو يشك فيه، فقد روى أبو زيد، عن ابن القاسم: لا يؤكل وإن ذكى، وقاله فى المدنية ابن نافع وابن كنانة. ووجه ذلك أن موته بالأزلاق، وليست بذكاة له ولا لغيره. فصل: وقوله: ((وذلك إذا تم خلقه ونبت شعره))، على ما قدمناه من أن ذلك دليل على نفخ الروح فيه، وأنه مما يصح أن يذكى؛ لأن ما لم تكن فيه حياة لا تأثير للذكاة فیه. وقوله: ((ثم خلقه))، يعنى أنه كمل منه ما ظهر أنه يكون عليه من الخلقة، وأما لو خلق ناقص يد أو رجل وتم خلقه على ذلك لم يمنع ما نقص منه من ذكاته وإباحة أکله. فصل: وقوله: ((فإذا خرج من بطن أمه ذبح حتى يخرج الدم من جوفه))، وقوله قبل هذا: ((ذكاته ذكاة أمه))، دليل على أنه بذلك تتم ذكاته، فيحتمل بعد ذلك أن يكون أمره بذبحه على الاستحباب ليصير له حظ من مباشرة الذكاة على ما تقدم. ويحتمل أن يريد بذلك خروج الدم من جوفه على ما تقدم، فيخرج منه ما يحتقن فيه لئلا یمنع ذلك من أکله من غير تفصيله وتقطيعه. -3 كتاب الصيد ترك أكل ما قتل المعراض والحجر ٩٧٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنْهُ قَالَ: رَمَيْتُ طَائِرَيْنِ بِحَجَرٍ، وَأَنَا بِالْحُرْفٍ فَأَصَبْتُهُمَا فَأَمَّا أَحَدُهُمَا، فَمَاتَ فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَذَهَبَ عَبْدُ اللّهِ ابْنُ عُمَرَ يُذَكّيهِ بِقَدُومٍ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُذَكّهُ فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضًا. الشرح: قوله: ((رميت طائرين))، يحتمل أن يكون خرج متصيدًا، فرماهما فى حال تصيده، ويحتمل أن يكون جالسًا فى مقعده أو متصرفًا فى بعض شأنه حتى رآها ممکنین فرماهما. فأما الخروج للتصيد، فإن كان على وجه الالتذاذ به، فقد كرهه مالك؛ لأنه معنى يلهى عن ذكر الله وعن الصلاة، وأما من اتخذه مكسبًا أو قرم إلى اللحم، غنيًا كان أو فقیرًا، فلا بأس به، رواه ابن حبيب، عن مالك. وفى العتبية من رواية حسين بن عاصم، عن مالك: لا أرى لأحد صيد البر إلا لأهل الحاجة الذين عيشهم ذلك. ووجه قول مالك أن هذا إنما قصد اللحم وتحصيل الصيد، وذلك مباح لقوله تعالى: ﴿لیبلونكم الله بشىء من الصيد تناله أیدیکم ورماحكم﴾، وقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]، إلى قوله: ﴿مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]. قال ابن حبيب: معناه مما صدن لكم. وأما الذى يخرج إلى الصيد تلذذًا، فليس غرضه فى الصيد، وإنما غرضه فى الالتذاذ بطلبه، والأخذ له خاصة دون الانتفاع ٩٧٩ - أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ٢٤٩/٩. عبد الرزاق فى المصنف ٤٧٥/٤. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢٠. كشف الغمة ٢٣٧/١.