النص المفهرس
صفحات 1761-1780
کتاب الضحايا ....... ١٩٥ وتحل السبحة، وليس عليه أن ينتظر قدر صلاة الإمام فى اليوم الأول، رواه ابن حبيب عن مالك. ووجه ذلك أن ما قبل طلوع الشمس مختلف فيه أنه من الليل فيستحب الخروج من الخلاف، وإذا طلعت الشمس أخر إلى تمكن طلوعها، لئلا يكون الذبح عند طلوعها کالقصد لها بذلك. ٩٦١ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّى عَمَّا فِى بَطْنٍ الْمَرْأَةِ(١). الشرح: قوله: ((لم يكن يضحى عما فى بطن المرأة)) يريد أنه ليس له حكم الحى حتى يستهل صارخًا بعد الولادة، ألا ترى أنه لا يرث، ولا يحكم له بحكم الوصية، والأضحية من أحكام الحى، وقد روى محمد عن مالك: لا يعجبنى أن يضحى الرجل عن أبويه المیتین. مسألة: قال ابن حبيب: وليس على من فيه بقية رق أضحية، ولا على سيدهم، لا أم ولد ولا غيرها، إلا أن يشاء أن يضحى عنهم، أو يدخلهم فى أضحتـ ه، أو يأمرهم بذلك من ماله أو أموالهم فحسن. ووجه ذلك أن الرق ينافى القربة والمال، لكنه لما كانت هذه القربة عائدة إلى منفعة المتقرب بها، صحت من العبد بإذن السيد بخلاف الزكاة. مسألة: ومن ولد له فى أيام النحر، وقد ضحى، أو لم يضح، فعليه أن يضحى عنه، قاله ابن حبيب. ووجه ذلك أن وقت لزوم الأضحية هو وقت أدائها، وهو إلى غروب الشمس من آخر ثانى أيام التشريق، فمن ولد له مولود فى ذلك الوقت أو أسلم من المشركين فى ذلك الوقت، ثبت فى حقه حكم الأضحية. ٩٦١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠١٠. عبد الرزاق فى المصنف ٣٨٠/٤. (١) قال فى الاستذكار ١٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧: الاختلاف فى الضحية عن ما فى بطن المرأة شذوذ. وجمهور العلماء على ما روى عن ابن عمر فى ذلك. وذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن عن ابن عمر أنه كان لا يضحى عن حبل، وكان يضحى عن ولده الصغار، والكبار، ويعق عن ولده كلهم. .... .. ١٩٦ كتاب الضحايا .... قَالَ مَالِك: الضَّحِيَّةُ سُنّةٌ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَلا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِمَّنْ قَوِىَ عَلى ثَمَّنِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا. الشرح: وهذه العبارة يستعملها أصحابنا فيما يأكد استحبابه وبلغ صفة ما من تأكيده الاستحباب، وإن لم يجب فعله. وقد قال ابن القاسم فى المدونة: من تركها أثم، وهذا معنى الوجوب. وقال ابن المواز فى كتابه: هى سنة موجبة. وقال ابن حبيب: نهى من واجبات السنن، وتركها خطيئة. قال القاضى أبو محمد: أطلق بعض أصحابنا عليها أنها واجبة، وإنما يريدون بذلك أنها سنة مؤكدة، وهذا محتمل من الأقوال غير قول ابن القاسم وابن حبيب اللذين يؤثمان تاركها، فإنها لا تحتمل إلا الوجوب، والأول أشهر فى المذهب، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: هى واجبة على من ملك نصابًا من أهل الإقامة دون المسافر والمقيم الذى لا يملك النصاب، وذلك مائنا درهم بعد المنزل والخادم. والدليل على ما نقوله ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن أم سلمة أن النبى ﴿﴿ قال: ((إذا رأيتم هلال ذى الحجة، وأراد أحدكم أن يضحى فليمسك عن شعره وأظفاره))(٢). فوجه الدليل منه أنه 138 علق ذلك بإرادة المكلف، ولو كان واجبًا لم يفتقر إلى إرادته. ودليلنا من جهة القياس أن هذه ذبيحة لا تجب على المسافر، فلم تجب على المقيم كالعقيقة. وفى المبسوط عن إسماعيل بن أبى أويس: أن المسافر لا أضحية عليه؛ لأنه ليس عليه صلاة عيد، والمشهور من مذهب مالك ما تقدم، والله أعلم. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الأضحية على أهل الآفاق، وجميع الناس. قال ابن حبیب: صغیرهم و کبيرهم، وذ کررهم وإنائهم. قال ابن المواز: الأحرار من أهل منى وغيرها، والمقيم والمسافر فى ذلك سواء، إلا الحاج خاصة فى ذلك منى، فإنهم لا أضحية عليهم. (٢) أخرجه مسلم حديث رقم ١٩٧٧. الترمذى حديث رقم ١٥٢٣. أبو داود حديث رقم ٢٧٩١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٣٦١. ابن ماجه حديث رقم ٣١٥٠. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٦١١٤. الدارمى حديث رقم ١٩٤٨. ١٩٧ ... كتاب الضحايا . ووجه ذلك أنه قربة فى المال من غير الزكاة المفروضة فكانت عامة على من وجدها كزكاة الفطر. وأما الحاج بمنى، فليس عليهم أضاح. قال ابن حبيب: وذبيحة الحاج هدی، وليست بأضحية، وليس وجوبه كوجوب الضحايا. ووجه ذلك أن الحاج لما كان نسكه شعارًا، وهو التلبية كان نسكه بالذبح شعارًا، وهو التقليد والإشعار. والأصل فى ذلك أن النبى ﴿﴿ قلد وأشعر ما ساقه فى حجه وعمرته و جعله هدیًا، ولم يضح بشىء منه. مسألة: ويلزم وصى اليتيم أن يضحى عنه، وإن كان ماله ثلاثين دينارًا، بشاة بنضف دينار رواه أشهب عن مالك فى العتبية. ووجه ذلك أن هذا من الحقوق التى تلزم من ماله لله تعالى، وهذا المقدار من المال يحتمل المواساة بهذا المقدار، والله أعلم. باليه الروم الحرب كتاب العقيقة ما جاء فى العقيقة ٩٦٢ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِى ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنِ الْعَقِيقَةِ، فَقَالَ: ((لا أُحِبُّ الْعُقُوقَ)، وَكَأَنَّهُ إِنْمَا كَرِهَ الاسْمَ، وَقَالَ: (مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ، فَلْيَفْعَلْ)). الشرح: قوله : ((لا أحب العقوق))، ظاهره كراهية الاسم لما فيه من مشابهة لفظ العقوق، وآثر أن يسمى نسكًا، كما قال يوم الحديبية، حين ورد عليه سهيل بن عمر: «وسهل لکم من أمر کم)»(١)، و کره لحزن أن یسمی حزنًا. قال مالك: إنه ليقع فى قلبى من شأن العقيقة أن اليهود والنصارى يعمدون ماء يجعلونهم فيه، ويقولون: قد أدخلناهم فى الدين بما يعملونه بصبيانهم، وإن من شأن المسلمين الذبح فى العقيقة. ٩٦٢ - أخرجه أحمد فى باقى مسند الأنصار ٢٠٥٣، ٢٢٥٣٥. وأبو داود جـ١٠٥/٣ كتاب الأضاحى باب العقيقة عن أم كرز عن النبى برقم ٢٨٣٤، وعن سمرة عن النبى برقم ٢٨٣٧، زعن سلمان بن عامر برقم ٢٨٣٩ مرفوعا. والنسائى كتاب العقيقة باب أخبرنا أحمد بن سليمان. والطحاوى بمشكل الآثار ٤٦٢/١ عن رجل من بنى ضمرة بلفظه. والبيهقى بالكبرى ٩/ ٣١٢ بلفظه عن زيد بن أسلم عن رجل. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٠١/٦: روى هذا الحديث ابن عيينة عن زيد بن أسلم، عن رجل من بنى ضمرة، عن أبيه، أو عن عمه هكذا على الشك. والقول فى ذلك قول مالك، ولا أعلمه رؤى معنى هذا الحديث عن النبى ﴾ إلا من هذا الوجه، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبى ﴿﴾ واختلف فيه على عمرو بن شعيب أيضًا. (١) جزء من حديث طويل أخرجه البخارى فى كتاب الشروط حديث رقم ٢٧٣٤. ١٩٩٠٠٠٠ كتاب العقيقة وقد عق رسول الله ﴿﴿ عن الحسن(٢)، فيقع فى قلبى فى الذبح عن الصبى أنها شريعة للإسلام. قال مالك: وقد سمعت غیری یذ کر ذلك. فصل: وقوله: ((ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل))، يقتضى أن العقيقة غير واجبة؛ لأنه علق ذلك باختيار أبى المولود. قال مالك فى المبسوط: من لم يذبح ولم يطعم، فلا إثم عليه، وبهذا قال جمهور الفقهاء. وقال القاضى أبو الحسن البصرى وداود، إنهما قالا: هى واجبة. ودليلنا على صحة قول مالك الحديث المتقدم. مسألة: إذا ثبت أنها غير واجبة، فإنها مستحبة. وقال أبو حنيفة: ليست بمشروعة. والدليل على ما نقوله الحديث المتقدم، وفيه أنه ﴿3﴾ سماه نسكًا. والدليل على ذلك أيضًا حديث سمرة بن جندب، وفيه: أنه ﴿3﴾ قال: ((مع الغلام عقيقته فهريقوا عنه دمًا))(٣)، والأمر يقتضى الوجوب أو الندب، فإذا اجتمعنا أجمعنا أنها ليست بواجبة، فأقل أحواله الندب. فصل: وقوله: ((فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل))، يقتضى أن ذلك فى مال الأب عن ابنه، ولذلك قال: ((فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل))، ولو كان للمولود مال لكان الأظهر عندى أن تكون العقيقة فى مال الأب عن ابنه لقوله 498: ((فأحب أن ينسك عن ابنه))، فأثبت ذلك فى جهة الآباء عن الابن. وقد قال مالك فى المبسوط: يعق عن اليتيم من ماله، وظاهره أنه لا يلزم أحدًا من الأقارب غير الأب، والله أعلم. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن وقت ذبح العقيقة ضحى، ساعة تذبح الأضحية، رواه محمد، عن مالك. وقال ابن حبيب: لا تذبح العقيقة ليلاً ولا بالسحر ولا بالعشى إلا من الضحى إلى الزوال. زاد مالك فى المبسوط: ومن ذبحها قبل الأوان الذى تذبح الضحية فيه، لم أرها مجزية، وليذبح عقيقة أخری ضحی یتحری ذلك. (٢) أخرجه الترمذى حديث رقم ١٥١٩. وتمامه: ((عق رسول الله له عن الحسن بشاة، وقال: يا فاطمة احلقى رأسه، وتصدقى بزنة شعره فضة، قال: فوزنته فكان وزنه درهمًا أو درهمٍ)). (٣) أخرجه البخارى حديث رقم ٥٤٧١. الترمذى حديث رقم ١٥١٥. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٢١٤. أبو داود حديث رقم ٢٨٣٩. ابن ماجه حديث رقم ٣١٦٤. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٧٥٤٢، ١٥٧٩٧، ١٧٤١٥، ١٧٤٢٩. الدارمى حديث رقم ١٩٦٧. ٢٠٠ كتاب العقيقة ووجه ذلك أنه نسك يستحب إخراجه من غير تقليد، فكانت سنة ذبحه ضحى کالأضحية. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنها تذبح يوم سابع الصبى المولود، وذلك أن يمضى للمولود سبعة أيام وسبع ليال. روى سمرة بن جندب: أن رسول الله ﴿3﴾ قال: ((كل غلام رهن بعقیقته، يذبح عنه يوم سابعه ويحلق ویسمی))(٤). فإن لم يعق عنه يوم سابعه، فهل يعق عنه بعد ذلك أم لا؟ روى ابن حبيب، عن ابن وهب، عن مالك: من ترك أن يعق عن ابنه فى يوم سابعه، فإنه يعق عنه فى السابع الثانى، فإن ترك ففى الثالث، فإن جاوز ذلك فات وقت العقيقة. وروى ابن حبيب، عن مالك: لا يجاوز بالعقيقة اليوم السابع. قال الشيخ أبو بكر: والقول الثانى أقیس. وجه رواية ابن وهب أن هذا نسك، فلم يكن وقت ذبحه أقل من ثلاثة أيام كالأضحية. ووجه الرواية الثانية أنه لما كان اليوم الثامن أقرب إلى السابع مما بعده، ثم مع ذلك لا يذبح فیه، فبأن لا يذبح فیما بعده أولى. مسألة: ولا يجوز تقديم العقيقة قبل السابع. قال مالك فى المبسوط: إن مات الصبى قبل السابع، فليس عليهم أن يذبحوا عنه، فاقتضى ذلك أن وقت ثبوت حكمها هو الوقت المذكور من اليوم السابع، فإن أدرك الصبى ذلك الوقت ثبت حكمها، وإن مات قبل ذلك بطل حکمه، والله أعلم وأحكم. ٩٦٣ - مَالِك، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: وَزَّنَتْ فَاطِمَةُ بُنْتُ رَسُولِ اللّهِ ﴿ شَعَرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَزَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ فَتَصَدَّقَتْ بِرِئَةٍ ذَلِكَ فِضَّةً. ٩٦٤ - وَحَدَّثَنِى عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٌّ بْنِ حسين (٤) أخرجه الترمذى حديث رقم ١٥٢٢. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٢٢٠. أبو داود حديث رقم ٢٨٣٧، ٢٨٣٨. ابن ماجه حديث رقم ٣١٦٥. أحمد فى المسند حديث رقم ١٩٥٧٩، ٢٧٧٠٩، ١٩٦٧٦، ١٩٧٤٣. الدارمى حديث رقم ١٩٦٩. ٩٦٣ - أخرجه الترمذى فى الأضاحى ١٣٣٩. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ١٩١٤٢/١٤. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٤٠. ٩٦٤ - أخرجه الترمذى فى الأضاحى ١٤٣٩. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٤١. وقال فى الاستذكار ٣٧٠/١٥: هذا الحديث قد روى عن ربيعة، عن أنس، وهو خطأ، = ٠٠٠ ٢٠١ كتاب العقيقة أَنَّهُ قَالَ: وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ شَعَرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ فَتَصَدَّقَتْ بِنْتِهِ فِضَّةٌ. الشرح: فعل فاطمة، رضى الله عنها، هذا حسن لمن فعله، وليس ذلك بلازم، قاله القاضى أبو محمد. وقال الشيخ أبو القاسم فى تفريعه: ليس على الناس التصديق بوزن شعر المولود ذهبًا أو ورقًا، ومن فعله فلا بأس به. وقال مالك فى العتبية: ما ذلك من عمل الناس، وما أرى ذلك عليهم، ومعناه والله أعلم، أنه ليس بلازم، ولا بأمر مشروع، ومن فعل ذلك ابتداء من غير أن يرى ذلك لازمًا، فلا نكير فيه، بل هو فعل بر، ويستحب أن يحلق شعر الصبى يوم سابعه، قاله ابن حبيب. وقال الشيخ أبو إسحاق: هو معنى قول النبى ﴿3﴾: ((وأميطوا عنه الأذى))(١). العمل فى العقيقة ٩٦٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ عَقِيقَةً إِلا أَعْطَاهُ إِيَّهَا، وَكَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ عَنِ الذِّكُورِ وَالإِنَاثِ. الشرح: قوله: ((أن عبد الله بن عمر لم يكن يسأله أحد من أهله عقيقة إلا أعطاه إياها))(١)، كان ذلك من فعل عبد الله بن عمر؛ لأن العقيقة مشروعة، وهى من عمل = والصواب عن ربيعة ما فى الموطأ. (١) جزء من حديث تقدم تخريجه. ٩٦٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٤٢. (١) قال فى الاستذكار ٣٧٦/١٥: عمل قوم خبر ابن عمر هذا على أنه كان يجيز أن يعق عن الكبير، والصغير. وليس فى الحديث عنه ما يدل على ذلك؛ لأنه يحتمل أمن يكون السائل له من أهله، سأله العقيقة عن ولده، وعن نفسه. وروى هذا الحديث عبيد الله، وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يسأله أحد من أهله عقيقة إلا أعطاه إياه. قال: وكان يقول: عن الغلام شاة، وعن الجارية شاة. قال أبو عمر: أجاز بعض من شذ أن يعق الكبير عن نفسه، بالحديث الذى يرويه عبد الله بن محرر، عن قتادة، عن أنس قال: عق النبى ﴿﴿ عن نفسه بعدما بعث بالنبوة. وعبد الله بن محرر ليس حديثه بحجة. وقد قيل عن قتادة أنه كان يفتى به. وروى عنه معمر، قال: من لم يعق عنه أجزأته ضحيته. قال أبو عمر: فى قول رسول الله ﴿1: ((من ولد= - كتاب العقيقة ٢٠٢ البر، وكان لا يسأله أحد من أهله المعونة على البر إلا أعانه عليه وأجابه إليه. فصل: وقوله: ((وكان يعق عن ولده بشاة عن الذكور والإناث))، هذا مذهب مالك. وقال أبو حنيفة: يعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة. قال ابن حبيب: روى عن عائشة شاتان عن الغلام، وشاة عن الجارية، وذلك حسن لمن أحدثه. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك، حديث ابن عباس المتقدم، أن رسول الله * عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا، ولا يفعل ﴿﴾ إلا الأفضل، ولما واظب على هذا ثبت أن ذلك هو الأفضل، وعند المخالف أن الشاة الواحدة ليست مجزية عن الغلام. ودليلنا على ما نقوله أن هذا ذبح متقرب به، فاستوى فيه الذكر والأنثى كالأضحية والهدى. ٩٦٦ - مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنٍ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَتَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ الَّيْمِىِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يَسْتَحِبُّ الْعَقِيقَةَ، وَلَوْ بِعُصْفُورٍ . الشرح: قوله: ((يستحب العقيقة، ولو بعصفور))، قال ابن حبيب: ليس يريد أن يجزى العصفور، وإنما أراد بذلك تحقيق استحباب العقيقة، وأن لا تترك، وإن لم تعظم فيها النفقة. وقد روى ابن عبد الحكم عن مالك: لا يعق بشىء من الطير، ولا الوحش. ووجهه أن العقيقة نسك يتقرب به، فلم يجز من غير بهيمة الأنعام كالأضحية والهدی. مسأله: ولا يعق إلا بالضأن والمعز والإبل والبقر، قاله مالك. قال ابن حبيب: والضأن أفضلها. قال مالك فى المبسوط: ثم المعز أحب إلىّ من الإبل والبقر. وقال الشيخ أبو =له ولد، فأحب أن ينسك عنه))، وقوله : ((مع الغلام عقيقة، والغلام مرتهن بعقيقته)). وروى: ((المولد مرتهن بعقيقته)). وذلك كله سواء دليل على أن العقيقة عن الغلام، لا عن الكبير. -٩٦١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٤٤. .قال ابن عبد البر فى الاستذكار ٣٨٣/١٥: هكذا رواه عبيد الله بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى. ورواه ابن وضاح، عن يحيى، فقال فيه: سمعت أبى يقول: تستحب العقيقة، ولو بعصفور. وكذلك رواه أكثر الرواة، عن مالك فى الموطأ. ورواه مطرف بن القاسم، وعلى بن زياد، وغيرهم، فقالوا فيه: عن محمد بن إبراهيم أنه قال: تستحب العقيقة، ولو بعضفور، ولم يقولوا: عن أبيه. وليس فى هذا الخبر أكثر من استحباب العقيقة. ........... ٢٠٣ كتاب العقيقة إسحاق: لا يعق بشىء من الإبل ولا البقر، وإنما العقيقة بالضأن والماعز، وهو فى العتبية عن مالك. وجه الرواية الأولى أن هذا نسك، فكان الإبل والبقر فيه مدخل كالأضحية والهدى. ووجه الرواية الثانية أن النبى ﴾ عق عن الحسن والحسين بشاة شاة، وأفعاله للّه على الوجوب، إما فى وجوب الفعل، وإما فى تعليقه بجنس العين. مسألة: والمسن الذى يجزى فى العقيقة من كل جنس من أجناس الأنعام، هو المسن الذى يجزى فى الضحايا، رواه الشيخ أبو القاسم عن مالك. قال ابن حبيب: وهذا فى شاة النسك، وأما ما يكثر به الطعام، فلا يراعى فيه جنس ولا سن ولا غير ذلك. قال مالك فى المبسوط: ذبحت عن ولدى عقيقة، فذبحت من الليل ما أريد أن أدعو إليه إخوانى وغيرهم، فلما كان ضحى، ذبحت شاة العقيقة، فأهديت منها للجيران، وأكل منها أهل البيت. ٩٦٧ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنّهُ عُنَّ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ أنْنَىْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ. الشرح: قوله: ((عق عن الحسن والحسين))، يقتضى أنه سنة؛ لأنه إن كان من فعل النبى ﴿ فهو السنة التى يلزم المصير إليها، وإن كان من فعل غيره، فمثل هذا لا يخفى عليه ﴿﴿ من حال الحسن والحسين، فإذا أقر عليه ثبت جوازه. ٩٦٨ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبِيْرِ كَانَ يَعُقُّ عَنْ يَنِهِ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ، بِشَاةٍ شَاةٍ. ٩٦٧ - أخرجه النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٢١٣. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٤٩٢، ٢٢٥٤٩. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٤٥. ٩٦٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم٠ ١٠٤٣. قال فى الاستذكار ٣٧٨/١٥: الحجة لمالك، ومن قال بقوله بقوله فى ذلك حديث أيوب، عن .. عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﴿ عق عن الحسن، والحسين كبشًا كبشًا. ذكره أبو داود، عن أبى معمر، عن عبد الوارث، عن أيوب. وروى جعفر بن محمد، عن أبيه أن فاطمة ذبحت عن حسن وحسين كبشًا كبشًا. وهو قول ابن عمر، وعروة بن الزبير، وأبى جعفر محمد ابن على. وقال الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبرى، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة. وهو قول عائشة. وروى ذلك عن ابن عباس أيضًا. والحجة لهم حديث عطاء ابن أبى رباح، عن حبيبة بنت ميسرة ابن أبى خيثم الفهرية مولاته، أنها أخبرته عن أم كرز الكعبية سمعتها تقول: سمعت رسول الله ﴾ يقول فى العقيقة: ((عن الغلام شاتان، مكافئتان، وعن الجارية شاة)). ٢٠٤ ............... كتاب العقيقة الشرح: قوله: ((كان يعق عن بنيه الذكور والإناث بشاة شاة))، يقتضى المساواة بين الذكور والإناث فى ذلك، ويقتضى الاشتراك فيها، ولا يضحى عن ابنين بشاة واحدة، ولا بشاتين يشترك بينهما فى كل واحدة. وقد رواه الشيخ أبو القاسم عن مالك. ووجه ذلك أنه نسك، فلا يجوز الاشتراك فيه کالهدى والأضحية، وإذا ولدت المرأة توامین، فقد روى ابن حبيب، عن مالك: كل واحد منهما بشاة. قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِى الْعَقِيقَةِ أَنَّ مَنْ عَقَّ، فَإِنَّمَا يَعُقُّ عَنْ وَلَّدِهِ بِشَاةٍ شَاقٍ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ، وَلَيْسَتِ الْعَقِيقَةُ بِوَاحِبَةٍ، وَلَكِنْهَا يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِهَا، وَهِىَ مِنَ الأمْرِ الَّذِى لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا فَمَنْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ، فَإِنْمَا هِىَّ بِمَنْزِلَةِ النَّسُكِ وَالضَّحَايَا لا يَجُوزُ فِيهَا عَوْرَاءُ وَلا عَجْفَاءُ وَلا مَكْسُورَةٌ القرن وَلا مَرِيضَةٌ وَلا يَُّاعُ مِنْ لَحْمِهَا شَىْءٌ وَلا جِلْدُهَا وتكسر عِظَامُهَا وَيَأْكُلُ أَهْلُهَا مِنْ لَحْمِهَا وَيَتَصَدَّقُونَ مِنْهَا وَلا يُمَسُّ الصَّبِىُّ بِشَىْءٍ مِنْ دَيِهَا. الشرح: وهذا كما قال أن من أراد أن يعق عن ولده، فإنما يعق عنهم بشاة شاة؛ لأنه سنة العقيقة، وقد تقدم ذكره. وقوله: ((فمن عق عن ولده، فإنما هى بمنزلة النسك من الضحايا لا تجزى فيها عوراء و العجفاء»، یرید أن حكمها فى سلامتها من العيوب حكم الضحايا. ووجه ذلك أنه نسك متقرب به، فشرعت فيه السلامة فيه من العيوب كالضحايا. فرع: ومن وجدها بعد أن ذبحها معيبة عيبًا يمنع إجزاءها؟. قال القاضى أبو الوليد: فعندى أنه يلزم لها ما لم يفت وقتها، وإن فات وقتها، فلا شىء عليه ويكزه، وحكم لحمها حكم لحم أضحية ذبحها ثم وجد بها ما يمنع إجزاءها. فصل: وقوله: ((ولا يباع شىء من لحمها ولا جلدها»، لأنه بعد الذبح لا يبقى فيها من معنى الملك أكثر من الانتفاع بها والتصدق، فأما أن يجوز له بعد أن نسك أن يبيع شيئا منها، فلا. وقد ذكر ذلك الشيخ أبو القاسم فى تفريعه. فصل: وقوله: ((وتكسر عظامها)) قال ابن حبيب: إنما قاله مالك؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا عقوا عن المولود لم يكسروا العظام، وإنما كانت العقيقة تفصل من مفصل إلى مفصل، فأتى الإسلام بالرخصة فى ذلك، إن أحب أهلها يصنعون من ذلك ما وافقهم. ............ ٢٠٥ كتاب العقيقة وفى الجملة إن كسر عظامها ليس بلازم، وإنما لا يجوز تحرى الامتناع منه، والعقيقة فى ذلك كسائر الذبائح، وربما كان لها مزية المخالفة لفعل أهل الجاهلية. فصل: وقوله: ((ويأكل أهلها من لحمها ويتصدقون منها))، أما أكل الناسك بها من لحمها، فلأنها ذبيحة مشروعة كمشترك الأضحية، وكذلك وجه التصدق منها. وقد قال الشيخ أبو القاسم: لا بأس بالأكل منها، والإطعام من غير حد. فصل: وصفة الإطعام منها، فى العتبية: ليس الشأن عندنا دعاء الناس إلى طعامها، ولكن يأكل أهل البيت والجيران. وقال ابن المواز، عن ابن القاسم: يغرف منه للجيران. قال مالك: فأما أن يدعوا إليه الرجال، فإنى أكره الفخر. وقد قال مالك فى المبسوط: عققت عن ولدى وذيحت ما أريد أن أدعو إليه إخوانى وغيرهم، وهيأت طعامهم، ثم ذبحت ضحى شاة العقيقة، فأهديت منها للجيران، وأكل منها أهل البيت، وكسروا ما بقى من عظامها، فطبخت، فدعونا إليها الجيران، فأكلوا وأكلنا. قال مالك: فمن وجد سعة، فأحب له أن يفعل هذا، ومن لم يجد، فليذبح عقيقة، ثم ليأكل وليطعم منها، وهذا مخالف لما علل ابن القاسم للمنع من ذلك بالفخر. وما قاله يقتضى أن سنة العقيقة أن يطعم منه الناس فى مواضعهم؛ لأنها نسك كالأضحية والهدى، فإن فضل منها شىء وأراد أن يدعو إليه من يخصه من جار أو صدیق، فلا بأس بذلك کالأضحية. وأما طعام الصنيع، وهو الإعذار، فليس من سنة الضحايا ولا العقيقة، فمن أراد أن يفعل ذلك بعد أداء سنة العقيقة فليفعل، ومن اقتصر على العقيقة فليجرها على سنتها. قال مالك: ولو أن صاحب العقيقة أكلها لم أر بذلك بأسًا، وأحب إلى أن يعمل فيها. بسنة الأضحية والهدى، قال الله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ [الحج: ٢٨]، الآية. فصل: وقوله: ((ولا يمس الصبى بشىء من دمها))، معنى ذلك أنهم كانوا فى الجاهلية يخضبون بطنه يوم العقيقة، فإذا حلقوا الصبى وضعوها على رأسه، فورد الشرع أن يجعلوا مكان الدم خلوقًا، فيستحب أن يخلق بالخلوق رأس الصبى بدلاً من الدم الذى كان فى الجاهلية. وقال القاضى أبو محمد: لا بأس بالخلوق بدلاً من الدم، الذى كانت تفعله الجاهلية، وذلك مباح، والله أعلم وأحكم. كتاب الذبائح ما جاء فى التسمية على الذبيحة ٩٦٩ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَأْتُونَ بِلُحْمَانٍ، وَلا نَدْرِى هَلْ سَمَّوًا اللَّهَ عَلَيْهَا أَمْ لا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: (وَسَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا ثُمَّ كُلوا). قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ فِى أَوَّلِ الإِسْلامِ. الشرح: قوله: ((يا رسول الله، إن ناسًا يأتوننا بلحمان، ولا ندرى هل سموا الله عليها أم لا؟))، وإقرار رسول الله ﴿ه لهم على هذا السؤال، ومحاوبته إياهم بما جاوبهم به، دليل على اعتبار التسمية فى الذبح، ولو لم يكن للتسمية فى ذلك حكم، لقال لهم: وما عليكم من التسمية، سموا أو لم يسموا سواء، كما أن العجن والطبخ والزراعة لما لم یکن للتسمية تأثير فيها، لم یکن للسؤال عمن فعل ذلك أو تر که وجه. وقد اختلف أهل العلم فى تأثير التسمية فى الذبيحة، وروى ابن القاسم، عن مالك فى المدونة: فمن تعمد ترك التسمية على الذبيحة لم تؤكل ذبيحته، فإن تركها ناسيًا أكلت، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو بكر، والقاضى أبو محمد، وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب: تؤكل إلا أن يترك ذلك مستخفًا. وقال أبو بكر بن الجهم، والقاضى أبو الحسن: إن تركها عامدًا، كره أكل تلك الذبيحة، ولا تحرم. وقال الشافعى: من تر کها عامدًا أو ناسيًا لم تؤ كل. ٩٦٩ - أخرجه البخارى فى البيوع ١٩١٦، الذبائح والصيد ٥٠٨٣، التوحيد ٦٨٤٩. والنسائى، فى الضحايا ٤٣٥٨. وأبو داود فى الضحايا ٢٤٤٦. وابن ماجه فى الذبائح ٣١٦٥. والدارمى فی الأضاحی ١٨٩٤. وقال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٩/٧: لم يختلف عن مالك فيما علمت فى إرسال هذا الحديث، وقد أسنده جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. کتاب الذبائح ودليلنا على وجوب التسمية، وأنها شرط فى صحة الذبيحة مع الذكر، قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]، ودليلنا من جهة القياس أنه معنى ورد الشرع بأنه فسق، فوجب أن يكون حرامًا. أصل ذلك سائر الفسوق من قذف المحصنات والزنى و شرب الخمر. مسألة: إذا ثبت ذلك، فالذى يستعمل من التسمية. قال ابن المواز: يقول: بسم الله والله أکیر. قال ابن حبيب: ولو قال: بسم الله فقط، أو الله أكبر فقط، أو لا إله إلا الله، أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، من غير تسمية أجزأه. وكذلك كل تسمية لله تعالى، ولكن ما مضى عليه الناس أفضل. ووجه ذلك أن هذا ذكر الله تعالى. قال مالك فى العتبية: وإن زاد ذابح أضحيته: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وكره أن يقال: اللهم منك وإليك، وعابه وشدد الكراهية فيه، وقال: لا يقال ذلك إذا أعتق. فصل: وقوله : ((سموا لله تعالى ثم كلوا))، يحتمل أن يريد به الأمر بالتسمية عند الأكل؛ لأن ذلك مما بقى عليهم من التكليف. وأما التسمية على ذبح تولاه غيرهم من غير علمهم، فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يحمل على الصحة حتى يتبين خلافها. ويحتمل أن يريد به أن سموا الله أنتم الآن، فتستبيحون به أكل ما لم تعرفوا، أذكر اسمی علیه أم لا، إذا کان الذابح ممن تصح ذبيحته إن سمی الله عز وجل. فصل: وقول مالك: ((وذلك فى أول الإسلام))، لما روى فى حديث عائشة فى هذا الحديث: أن الذابحين كانوا حديثى عهد بالإسلام ما يصح أن لا يعلموا مثل هذا، ولم يبلغ بعد إليهم شرع النبى ﴾، أو ممن يكثر منهم النسيان لمثل هذا أو الغفلة عنه لما لم تجر لهم به عادة. وأما الآن، فقد جرت به العادة حتى لا يكاد ذابح يترك ذلك، ولا نجد أحد إلا يعلم أن التسمية مشروعة عند الذبح. ٩٧٠ - مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِى رَبِيعَةً الْمَخْزُومِيَّ أَمَرَ غُلامًا لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةٌ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا قَالَ: لَّهُ سَمِّ اللّهَ فَقَالَ ٩٧٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠١٢. کتاب الذبائح ٢٠٨ الْغُلامُ: قَدْ سَمَّيْتُ، فَقَالَ لَهُ: سَمِّ اللَّهَ وَيْحَكَ، فقال لَهُ: قَدْ سَمَّيْتُ اللَّهَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَّاشٍ: وَاللَّهِ لا أَطْعَمُهَا أَبَدًّا. الشرح: قوله للغلام: ((سم الله))، إذا كان لما خاف أن يغفل عنه من ذلك وينساه، ولم يقنع بإخبار الغلام له بأنه قد سمى الله، وأراد أن يسمع ذلك منه، فلما لم يسمعه الغلام التسمية، واقتصر على إخباره بذلك، وفات موضع التسمية بإكمال الذبح، أقسم أن لا يأكل الذبيحة. وفى المدونة، قال مالك فى تفسير هذا الحديث: لا أرى ذلك على الناس إذا أخبر الذابح أنه قد سمى. وروى ابن حبيب، عن مطرف، عن مالك مثله، وعلى هذا يكون فعل ابن عياش على وجه التناهى فى الورع، والأخذ فى خاصة نفسه بالأحوط. ولعله قد أباح لغيره أكلها، أو التصدق بها، أو أعطاها محتاجًا إليها. وأما أن يحرم أكلها، فلا يجوز ذلك، ولا يجوز إطراحها؛ لأن فى ذلك إضاعة للمال وإفساد للطعام. وقد روى ابن حبيب فى كتابه، قال مالك: وحسبت أنه أتهم الغلام حين لم يسمعه التسمية. قال مالك: فمن ورع کما ورع ابن عیاش، فلا بأس به. قال عبد الملك: وإنما الرخصة فيما لا تهمة فيه مثل حديث هشام بن عروة، عن أبيه، أنه سأل رسول الله ﴿﴿، فقيل إن ناسًا يأتوننا بلحمان، لا ندرى هل سموا الله عليها أم لا. وهذا الذى روى عن مالك، خلاف لما ذكره أولاً؛ لأن من اتهم غيره بتعمد ترك التسمية، وكان عنده ممن يرضى بذلك ويقصده مع الإذكار له به، فإن الأحوط إطراح ذبيحته، والامتناع من أكلها، ولا يصدق فيما أخبر به من تسميته، والله أعلم. ما يجوز من الذكاة على حال الضرورة ٩٧١ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ مِنْ ٩٧١ - أخرجه النسائى ٢٢٥/٧ عن رافع بن خديج. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٠١٠١٣ قال ابن عبد البر فى التمهيد ٥٢/٦: هكذا. رواه جماعة الموطأ مرسلاً، ومعناه متصل من وجوه ثابتة عن النبى ﴿ ولا أعلم أحدًا أسنده عن زيد بن أسلم، إلا جرير بن حازم، عن أيوب، عن= کتاب الذبائح ٢٠٩ ........ يَتِى حَارِثَةً كَانَ يَرْعَى لِفْحَةً(١) لَهُ بِأُحُدٍ، فَأَصَابَهَا الْمَوْتُ فَذَكَّاهَا بِشِظَاظٍ(٢) فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ فَكُلُوهَا)). الشرح: قوله: ((فأصاب الموت))، يريد أنه أصابه من المرض ما تيقن أن الموت متصل به فذكاها بشظاظ، وهى فلقة عود، ولعله أن يكون محددًا على صفة سنان الرمح أو السكين الذى يمكن الطعن مثله، فیفری بحدته. وفى الذكاة أربعة أبواب، أحدها: فى صفة المذكى، والثانى: فى صفة ما یذکی به، والثالث: فى صفة الذكاة، والرابع: فى بيان محل الذكاة. فأما الباب الأول فى صفة المذکی، فسیرد بعد هذا مستوعبا فی حدیث ابن عياش، إن شاء الله. * الباب الثانى فى صفة ما يذكى به أما ما يذكى به، فإنه كل محدد يمكن به إنفاذ المقاتل وإنهار الدم بالطعن فى لبة ما ينحر، والفرى فى أوداج ما يذبح مما لا يختص بطائفة من الكفار فى قتل الحيوان به لأکل. قال ابن المواز، عن مالك: وقد أجاز رسوال الله ﴾ الذكاة بالحجارة والشظاظ. وقال: يريد المروة، وشقة العصا والقصب، وكل ما أنهر الدم، فكل إلا السن والظفر. قال محمد: وهو من مذهب مالك. وقال ابن حبيب: مما يذكى به الضرار، جمع ضرر، وهى فلقة الحجر، والليطة وهى فلقة القصب، والشطير فلقة العصا. = زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد الخدرى، ذكره البزار قال: حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا حبان بن هلال قال: حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب .. وذكره أبو العباس محمد بن إسحاق السراج فى تاريخه، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش، قال: حدثنا حبان ابن هلال، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: حدثنا أيوب، عن زيد بن أسلم فلقيت زيد بن أسلم، فحدثنى عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد الخدرى، قال: كانت لرجل من الأنصار ناقة ترعى فى قبل أحد، فنحرها بوتد؛ فقلت لزيد: وتد من حديد أو خشب؟ قال: لا بل من خشب، وأتى النبى ﴿﴿ فسأله، فأمره بأكلها. (١) لقحة: بكسر اللام وفتحها الناقة ذات اللبن. (٢) بشظاظ، بكسر الشين المعجمة وإعجام الظاءين: العود المحدد الطرف وفسر فى بعض طرق الحدیث بالوتد. ... ٢١٠ كتاب الذبائح وروى ابن وهب، عن مالك فى المبسوط: أن كل شىء يصنع من فخار أو عظم أو قرن أو شیء یفری، فإنه جائز. وقال ابن حبيب: لا بأس أن يذبح بفلقة العظم ذكيًا، كان أو غير ذكى، إذا بضع اللحم وأنهر الدم، فحصل الخلاف بين رواية ابن المواز، وبين ما أوردناه بعد هذا فى الذكاة بالعظم والظفر. وقد اختلف أصحابنا العراقيون فى ذلك، فقال القاضى أبو الحسن فى كتابه الظاهر من مذهب مالك: إنه لا يستبيح الذكاة بالسن والظفر، ورأيت لبعض شيوخنا من أصحابه أنه مکروه ومباح بالعظم. قال: وعندى أن السن إذا كان عريضًا محددًا، والظفر كذلك حتى يمكن قطع الحلقوم به فى مرة واحدة، فإنه تصح الذكاة به، وكذلك سائر العظام متصلة أو منفصلة، سواء كانت مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه. وقال الشافعى: لا تجوز الذكاة بذلك مثل الرواية الأولى عن مالك. وقال أبو حنيفة: إن كانا متصلين لم تصح الذكاة بهما، وإن كانا منفصلين صحت الذكاة بهما. والرواية التى نسبها القاضى أبو الحسن إلى أبى حنيفة هى لابن حبيب فى واضحته، قال: وإذا كان السن والظفر متزوعين وعظما حتى يمكن الذبح بهما، فلا بأس بذلك. فوجه رواية المنع ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر، وسأخبرك عنه، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحیشة»(٣). ودليلنا من جهة القياس أن الشرع قد ورد باعتبار صفة الذابح، واعتبار صفة الآلة، ثم ثبت وتقرر أن ما نھی عنه من صفة الذابح يمنع صحة الذبح، فكذلك ما نهى عنه من صفة الآلة وتحريره أن هذا معنى ورد الشرع باعتبار صفته فى الذبح، فلم يجز استعمال ما نهى عنه من ذلك. أصله الذابح. ووجه رواية الإباحة، قوله تعالى: ﴿وما آكل السبع إلا ما ذکيتم﴾ [المائدة: ٣]، والذكاة فرى الأوداج، وقد وجد من هذا الذى ذبح بالسن والظفر، فوجب أن تؤكل ذبيحته. (٣) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٤٨٨، ٢٥٠٧، ٣٠٧٥، ٥٤٩٨، ٥٥٠٩. مسلم حديث رقم ١٩٦٨. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٤٠٩. أحمد فى المسند حديث رقم ١٥٣٧٩، ١٥٣٨٦، ٠١٦٨١٠ ٢١١ کتاب الذبائح ومن جهة القیاس أن هذا معنی یفری الأوداج، فجاز الذبح به کالحدید. فرع: إذا ثبت ذلك، فقد قال القاضى أبو الحسن: تجوز الذكاة بالسن والظفر المتصلين، وأجاب عن الحديث بجوابين، أحدهما: أنه يحمله على الكراهية. والثانى: أنه يحمله على الظفر والسن الصغيرين الذين لا يصح قطع الأوداج بهما. فعلى هذا فى المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا تجوز الذكاة بسن ولا ظفر، متصل ولا منفصل، وهى الرواية التى حكاها القاضى أبو الحسن، عن مالك، وهو الظاهر من رواية ابن المواز. والرواية الثانية: أنه لا تجوز الذكاة بهما، منفصلين ومتصلين، وهذا الظاهر من رواية ابن وهب، عن مالك فى المبسوط، وهو اختيار القاضى أبى الحسن. والرواية الثالثة: تجوز الذكاة بهما منفصلين، ولا تجوز الذكاة بهما متصلين، وهذا الذى قاله ابن حبيب. قال القاضى أبو الوليد: والرواية الأولى أصحها عندى، والله أعلم. مسألة: ورأيت القاضى أبا الحسن قد شرط فى صفة ما يذكى به أن يفرى الأوداج والحلقوم فى دفعة واحدة، قال: وما كان من ذلك لا يفرى الحلقوم والودج إلا فى دفعات، فلا تجوز الذكاة به، قال: ولو وجد هذا من السكين لمنعنا منه. ورأيت ابن حبيب قد قال فى المنجل المضرس: لا خير فى الذكاة به؛ لأنه ولا إخاله بقطع کما تقطع الشفرة، إذا رعدت به اليد للإجهاز. وقال ابن حبيب: قوله: ((ولا مردد))، یعنی ان یرفع یده ثم يردها، ولکن يجهز أول ما يضع يده، ولعل القاضى أبا الحسن قد أراد هذا، فأما ترديد اليد من غير رفع، فلابد للذابح منه فى الأغلب. الباب الثالث فى صفة الذكاة قال محمد فى كتابه: السنة أخذ الشاة برفق، وتضجع على شقها الأيسر، ورأسها مشرق، وتأخذ بيدك اليسرى جلدة حلقها من اللحى الأسفل بالصوف، فتمده حتى تتبين البشرة، وموضع السكين فى المذبح، حيث تكون الجوزة، ثم تسمى الله تعالى، وتمد السكين مدًا مجهزًا من غير تردد، ثم ترفع ولا تنخع، ولا تردد وقد حددت شفرتك قبل ذلك، ولا تضرب بها الأرض، ولا تجعل رجلك على عنقها، ولا تجرها بر جلها. ٢١٢ کتاب الذبائح ووجه ذلك أن الرفق بها مشروع مأمور به لما روى شداد بن أوس، أن النبى قال: ((وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبح، ولیحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته))(٤). مسألة: فإن ترك التوجيه إلى القبلة، ففى المدونة: يأكل منها، وبئس ما صنع. وقال ابن حبيب: إن ترك ذلك عامدًا لم تؤكل. ووجه الرواية الأولى أنه ترك صفة مندوبًا إليها من صفة الذبح، وذلك يقتضى فساد الذبيحة كما لو ذبحها بيسراه. ووجه الرواية الثانية أنه قد ترك ما سن فى الذكاة من القربة عامدًا، فأشبه ترك تعمد التسمية، وظاهر قوله فى المدونة: وبئس ما صنع، يقتضى العمد، والله أعلم. مسألة: ومن رفع يده قبل أن يجهز علی ذبيحته، ثم رجع فأجهز، قال ابن حبيب: إن رجع فى فور الذبح قبل أن يذهب ويذبح الذبيحة، فذلك جائز، وإن رجع بعد أن تباعد لم تؤ کل. قال سحنون: لا تؤ کل، وإن رجع مكانه. وتأول بعض أصحابنا عن سحنون أن رفع يده كالمختبر أو ليرجع، فيتم الذكاة، ثم رجع فى فوره فأتمها، فإنها تؤكل، وإن كان رفع يده على أنه قد أتم الذكاة ثم رجع، فأتمها لم تؤ كل. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فقلت للشيخ أبى الحسن: يجب أن يكون الأمر بالعكس، فإذا رفع يده ليختبر لم تؤكل، وإذا رفع يده على أنه أتم الذكاة أكلت، وصوبه الشيخ أبو الحسن. الباب الرابع فى بيان محل الذكاة الحیوان على ثلاثة أضرب، ضرب يختص بالنحر، وضرب يختص بالذبح، وضرب يجوز فيه الأمران. فأما ما يختص بالنحر، فالإبل خاصة على أنواعها بختها وعرابها ونجبها، ومحل النحر اللبة، ولم أر لأحد من أصحابنا ذكر مراعاة معنى فى النحر أكثر مما ذكرناه. (٤) أخرجه مسلم حديث رقم ١٩٥٥. الترمذى حديث رقم ١٤٠٩. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٤٠٥، ٤٤١١، ٤٤١٢، ٤٤١٣، ٤٤١٤. أبو داود حديث رقم ٢٨١٥. ابن ماجه حديث رقم ٣١٧٠. أحمد فى المسند حديث رقم ١٦٦٦٤، ١٦٦٦٧، ١٦٦٧٩، ١٦٦٨٩. الدارمى حديث رقم ١٩٧٠. ٢١٣٠ .... .... کتاب الذبائح فأما ما يختص بالذبح، فهو جميع الحيوان المذكى غير الإبل والبقر. وأما ما يجوز فيه الأمران، فهو البقر على أنواعها من الجواميس، وحكم الخيل حكم البقر فى الذكاة لمن استباح أكلها. وقد قال الشيخ أبو بكر فى شرحه الكبير: وقد قيل إن عنق البقرة لما كان فوق عنق الشاة، ودون عنق البعير، جاز فيها الأمران جميعًا، الذبح والنحر، لقرب خروج الدم من جوفها بالذبح، والنحر فيه أخف، ولم يجز الذبح فى البعير لبعد خروج الدم من جوفها بالذبح. زاد القاضى أبو محمد: فيكون فى ذلك تعذيبه وزيادة فى ألمه، والنحر فيه أخف. قال الشيخ أبو بكر فى الفيل: إذا نحر لا بأس بالانتفاع بعظمه وجلده، فخصه بالنحر مع قصر عنقه. قال القاضى أبو الوليد: ووجه ذلك عندى أنه لا عنق له، ولا يمكن لغلظ موضع حلقه واتصاله بجسمه أن یذبح، و کان له منحر، فكانت ذکاته فيه. وقال الشيخ أبو بكر: وكذلك لم يجز النحر فى الشاة لعدم تمكن النحر فيها إذ لا لبتة لها. زاد القاضى أبو محمد: ولقرب موضع النحر من خاصرتها، فلا یمکن من نحرها إلا بما يصل إلى جوفها، فيكون كالطعن فى جوفها. مسألة: إذا ثبت ذلك، فالذبح عند مالك أفضل فى البقر. وروى إسماعيل بن أبى أويس، عن مالك: من نحر البقر، فبئس ما صنع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧]، فأمر بالذبح. ووجه ذلك أنه أمر بالذبح، ولابد أن يكون على الوجوب أو الندب، وأقل أحواله الندب، وهذا إنما يصح التعلق به على قول من يقول: إن شريعة من قبلنا شريعة لنا، إلا أن يتبين النسخ فى القضية نفسها، وعلى كل حال، فقد قال مالك: إن نحرت تؤكل، لما قدمناه من أن الأمرین یتھم فیھا. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الذبح فى الحلق، وهو ما دون الجوزة تكون الجوزة إلى الرأس، قاله ابن المواز وابن حبيب، وقال: إن لم يفعل ذلك، فإنه لا يقطع الحلقوم، وإنما يقطع الجلدة المتعلقة بلحى الذبيحة. فرع: فإن لم يفعل وترك الجوزة إلى الجسد، فالذى حكى القاضى أبو محمد عن کتاب الذبائح ٢١٤ المذهب: إنها تؤكل، وبه قال ابن حبيب والشيخ أبو إسحاق، وكذلك روى ابن المواز والعتبى وغيرهما، عن ابن القاسم، ورواه ابن وضاح، عن عبد الله بن عبد الحكم، ورواه محمد بن عمر، عن مالك. وأما ابن وهب، فروى عنه العتبى وغيره: إنها تؤكل. وكذلك روى عن أشهب ومحمد بن عبد الحكم، وأبى مصعب، وموسى بن معاوية. وقال ابن وضاح: لم يحفظ مالك فيها شىء، ولم يتكلم فيها إلا فی أیام ابن عبد الحکم ونزلت به. وجه رواية المنع ما احتج به شيوخنا ابن حبيب وغيره من أن الذابح فوق الجوزة لا يذبح فى الحلقوم، وهو محل للذكاة. ووجه الرواية الثانية أن هذا ذبح من الحلق فى موضع تتعجل به الذكاة، ويسهل على الذبيحة، فصحت فيه الذكاة. أصل ذلك إذا کانت الجوزة فی حیز الرأس. فرع: إذا قلنا فى ذلك برواية المنع، فإن صار بعض الجوزة وهى الغلصمة فى الجسد، وبعضها فى الرأس، فقد قال محمد بن عبد الحكم: إن قياس هذه الرواية إن بقى فى الرأس منها قدر حلقة الخاتم إنها تؤكل إلا أن يبقى فى الرأس منها ما لا يستدير، فلا تؤ كل. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الذكاة على حالين حال اختيار وحال ضرورة. فأما حال الاختيار، فمحل النحر اللبة، ومحل الذبح الودجان والخلقوم، فمن نقل شيئًا من ذلك عن محله، فلا يخلو أن ينقله إلى ما هو محل للذكاة فى غيره مثل أن ينحر ما يجب ذبحه أو يذبح ما يجب نحره، أو ينقله إلى ما ليس بمحل للذكاة. فأما الوجه الأول، وهو أن ينقله إلى ما هو محل للذكاة فى غيره، ففى كتاب ابن المواز، عن مالك: لا تؤكل، ساهيًا فعل ذلك أو عامدًا. وقال أشهب: تؤكل. وجه قول مالك أن هذا حيوان مقدور عليه، فلا يستباح إلا بالذكاة المعهودة المختصة به. أصل ذلك إذا طعن فى خاصرته. ووجه قول أشهب ما احتج به من أنه إذا ذبح البعير لغير ضرورة، فقد صارت ذبيحته له ضرورة، وذهب موضع الحرج، فيجوز أكله ولا يطرح، وكذلك الشاة إذا نحرت. وقال القاضى أبو الحسن: إن أصحابنا مختلفون فى رواية المنع، على وجهين، فمنهم من منع منه كراهية، ومنهم من منع منه تحريًا، وبه قال ابن حبيب. قال القاضى أبو