النص المفهرس

صفحات 1681-1700

١١٥٠٠
...
كتاب الحج .
وطواف واحد للإفاضة، إن كانوا قرنوا قبل دخول مكة، وإن كانوا أردفوا، فلم
يطوفوا غير طواف واحد، وهو طواف الإفاضة، ويحتمل أن يريد بذلك أنهم سعوا
لهما سعيًا واحدًا، والسعى يسمى طوافًا.
والوجه الثانى: أن طوافهم كان على صفة واحدة لم يزد القارن فيه على طواف
المفرد، وذلك أن القارن لم يفرد العمرة بطواف وسعى، بل طاف لهما كما طاف
المفرد للحج.
وهذا نص فى صحة ما ذهب إليه مالك ومن وافقه فى أن حكم القارن فى ذلك
حكم المفرد، وقد فعلوا ذلك مع النبى ﴿3﴾ ولا يمكن أن يخفى عليه فعل جماعة أصحابه.
وقد علمته عائشة من وراء حجاب، ولا يمكن أن يتفق جميعهم وتعليمه وتبيينه فى أن
لا يعلم واحد منهم هذا الحكم فى ذلك الموضع الذى إنما خرج إليه لإثبات ذلك الحكم
وتبیینه وتعليمه، ولذلك قال ﴿﴿: ((خذوا عنى مناسككم)).
فصل: وهؤلاء الذين جمعوا الحج والعمرة لا يخلو أن يكونوا أهلوا بهما جميعًا
وأردفوا الحج على العمرة إذا أمرهم النبى ® بذلك، فإن كانوا ممن أهل بهما، فقد
طافوا لهما طواف الورود، وسعوا بأثره ثم طافوا لهما بعد ذلك طواف الإفاضة ولم
يسعوا بعده.
وأما من أردف الحج على العمرة، فإن كان أردفه قبل الوصول إلى مكة، فحكمه
حكم من أهل بهما، وقد تقدم الكلام فيه. وأما من أردف بعد الوصول إلى مكة، وقبل
التلبس بالطواف، فإنه لا يطوف بالبيت ولا يسعى بين الصفا والمروة حتى يرجع من
منى؛ لأنه محرم بالحج من مكة، ومن أحرم بالحج من مكة، فليس عليه طواف ورود
فهذا المردف لما أحرم بالحج من مكة لا تأثير لما تقدم من عمرته فى الورود، ولا فى
غير ذلك من الأفعال غير وجوب الدم للقران، والله أعلم.
٩١٨ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:
قَدِمْتُ مَكّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفًّا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ
٩١٨ - أخرجه البخارى فى الحيض ٢٨٥، ٣٠٦. ومسلم فى الحج ٢٣٥٥. والترمذى فى الحج
٨٦٧. والنسائى فى الطهارة ٢٨٨، الحيض والاستحاضة ٣٤٦، مناسك الحج ٢٦٨٩، ٢٧١٢،
٢٧٥١. وأبو داود فى المناسك ١٥١٨. وابن ماجه فى المناسك ٢٩٥٤، ٢٩٩١. وأحمد فى
باقى مسند الأنصار ٢٢٩٧٢، ٢٤٦٥٤، ٢٤٨٩١، ٢٥١٣٩. والدارمى فى المناسك ١٧٧٥.

.. كتاب الحج
..
١١٦
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: ((افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى تَطْهُرِى))(١).
الشرح: قولها: ((قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة)»
تريد أن طواف العمرة منع منه حيضتها، فشكت ذلك إلى رسول الله ﴿﴿ فأمرها أن
تفعل ما يفعل الحاج، ولا يكون ذلك إلا أن يردف الحج على العمرة، فتفعل أفعال
الحاج كلها من الوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة والوقوف بها ورمي الجمار والنحر
وغير ذلك، غير أنها لا تطوف بالبيت، ولا يصح لها السعى بين الصفا والمروة لأن
الطواف بالبيت قبله، ولا يصح ذلك منها حتى تطهر، وذكر أن الحيض يمنع من
الطواف، ولم يذكر امتناعها من الصلاة؛ لأنه قد علم من حالها أنها علمت ذلك، وإنما
أعلمها من حكم الطواف بما لم يتقدم لها علمه.
قَالَ مَالِك فِى الْمَرْأَةِ الَّتِى تُهِلُّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ تَدْخُلُ مَكَةَ مُوَافِيَةٌ لِلْجَجِّ، وَهِىَ حَائِضٌ
لا تَسْتَطِيعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ: إِنَّهَا إِذَا حَثِيَتِ الْغَوَاتَ أَهْلَتْ بِالْحَجِّ، وَأَهْدَتْ وَكَانَتْ
مِثْلَ مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَأَخْزَأَ عَنْهَا طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَالْمَرَأَةُ الْحَائِضُ إِذَا كَانَتْ
قَدْ طَاقَتْ بِالْبَيْتِ وَصِّلْتْ، فَإِنْهَا تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَتَقِفُ بِعَرَفَةً وَالْمُرْدَّلِفَةِ،
وَتَرْبِى الْجِمَارَ، غَيْرَ أَنّهَا لا تُفِيضُ حَتّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا.
الشرح: قوله: ((فى التى تدخل مكة معتمرة ولا تستطيع أن تطوف من أجل
حيضتها أنها إذا خشيت الفوات)) يريد فوات الحج، وذلك أنها تريد الحج، فإذا جاء
يوم التروية ورأت حيضها تدوم إما لأنها فى أوله أو فى وقت منه تعلم من عادتها
تمادى حيضتها التى تخاف فوت الحج إن تمادت على إفراد عمرتها حتى تطهر من
حيضتها؛ لأنه قد يتمادى حتى يفوتها الوقوف بعرفة، فإن لم تحرم قبل أن تحل من
عمرتها فاتها الحج، فهذه التى تؤمر أن تحرم بالحج، فتردفه على العمرة فتصير قارنة،
فتدرك بذلك ما تريده من الحج.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٣١/٦: هكذا قال خيى عن مالك فى هذا الحديث: غير أن
لا تطوفى بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، حتى تطهرى. وقال غيره من رواة الموطأ: غير أن لا
تطوفى بالبيت حتى تطهرى، لم يذكروا: ولا بين الصفا والمروة، ولا ذكر أحد من رواة الموطأ
فى هذا الحديث: ولا بين الصفا والمروة - غير يحيى - فيما علمت وهو عندى وهم منه، والله
أعلم.

............ ١١٧
كتاب الحج ..
فصل: وقوله: ((أنها إذا اخشيت الفوات أهلت بالحج وأهدت)) يريد لقرانها قال:
((وكانت مثل من قرن الحج والعمرة)) تريد أنها فى أحكامها مثل التى قرنت الحج
والعمرة إلا أن التى أحرمت بها من ميقاتهما يلزمها طواف الورود، وهذه التى أردفت
الحج بمكة لا يلزمها ذلك؛ لأنها أحرمت بالحج من الحرم، ولا يلزمها للحج طواف
الورود، والمعتمر لا يلزمه ذلك أيضًا، وإنما يطوف عند وروده طواف عمرته.
فصل: وقوله: ((وأجزأ عنها طواف واجد)) على ما تقدم من أنه يجزئها طواف واحد
لحجها وعمرتها، ويحتمل أن يريد أن يجزئها طواف واحد، وهو طواف الإفاضة، ولا
يلزمها طواف ورود، وإن كانت وردت محرمة إلا أنها دخلت محرمة بعمرة، فلا يلزمها
طواف العمرة، ولو دخلت محرمة بحج مفرد أو قارنة للزمها طوافان، طواف للورود
وطواف الإفاضة.
فصل: وقوله: ((والمرأة الحائض إذا كانت قد طافت بالبيت وصلت قبل أن تحيض،
فإنها تسعى بين الصفا والمروة)) يريد أن الذى من شرطه الطهارة هو الطواف بالبيت
والركوع، فإذا أتت بذلك قبل أن تحيض كان لها أن تسعى بين الصفا والمروة؛ لأن
الحيض لا يمنع من ذلك لأنه ليس من شرطه الطهارة، فتتمادى على عمرتها، وتحل منها
ثم تحرم بعد ذلك بحجها، إن فاتها ذلك، فلا يتعذر عليها شىء مما أرادته من إفراد
العمرة عن الحج لحيضتها بعد الطواف والركوع، وإن حاضت قبل أن تسعى لما ذكرناه.
فصل: وقوله: ((وتقف بعرفة وترمى الجمار)) يريد أن ذلك كله يصح من غير طهارة،
ولا يمنع منه حدث الحيض، وإن كان يستحب الإتيان به على طهارة، فإن تعذر ذلك
لحدث الحيض الذى لا يمكن التحرز منه ولا إزالته، صح الإتيان به ((غير أنها لا تفيض))
يريد أنها لا تأتى بطواف الإفاضة حتى تطهر.
*
إفاضة الحائض
٩١٩ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةً أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ،
٩١٩ - أخرجه البخارى فى الحيض ٢٨٥، الحج ١٦٣٨. ومسلم فى الحج ٢٣٥٥. والترمذى فى
الحج ٨٦٥، ٨٦٧. وأبو داود فى المناسك ١٧١٢. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٦٣، ٣٠٦٤.
وأحمد فى باقى مسند الأنصار ٢٢٩٦٤،، ٢٢٩٧٢، ٢٣٣٩، ٢٣٤١٩، ٢٣٥٣٣، ٢٣٧٥٩،
٢٤٢٤٥، ٢٤٢٥٤، ٢٤٤٠٢، ٢٤٤٨٢، ٢٤٥٣٩، ٢٤٥٩٥، ٢٤٦٨٩، ٢٤٧٥٤.
والدارمى فى المناسك ١٨٣٧.
٠

كتاب الحج
......
..
١١٨
أَنَّ صَفِيَّةً بِنْتَ حُنَىٌّ حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْبِىِّ ﴿ فَقَالَ: ((أَحَابِسَتْنَا هِىَ؟)).
فَقِيلَ إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ، فَقَالَ:((فَلا إِذًا).
الشرح: قوله: ((إن صفية بنت حيى وهى زوج النبى 48 حاضت وهى محرمة
بالحج)) فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ﴿﴾ لما اعتقدت أو تخوفت أن تكون حيضتها
تمنعها بعض أفعال الحج أو جميعها، فأرادت أن تعلم علم ذلك، وكانت كثيرة البحث
والسؤال عما لا تعلمه، ولعله أجرى ذكر صفية على ما فى حديث هشام بن عروة أن
النبى ﴿﴿ ذكرها فأخبرته عائشة أنها قد حاضت، أو لعل النبى 198 قد سأل عن ذلك
من حالها فأخبرته عائشة بحيضتها.
فصل: وقوله : ((أحابستنا هى؟)) يقتضى أن الحيض يمنع بعض أفعال الحج،
ويوجب البقاء عليه أن تطهر من حيضتها فيمكنها فعل ذلك، وإن كان ليس فى الوقت
تعيين ذلك الفعل إلا أنه يمكن أنه قد عينه قبل ذلك، وعلم من أخبره بذلك من سنته
** أن الذى يمنع منه الحيض من أفعال الحج الطواف خاصة.
ولذلك قالت له: ((إنها قد أفاضت، فقال: فلا إذا)) يريد # أنها إن كانت قد
أفاضت، فإنها لا تبقى ولا تحبس من يكون معها، فاقتضى أن الحيض يحبس المرأة إذا لم
تكن أفاضت، ويحبس من معها ممن لزمه أمرها، ولذلك يحبس الكرى معها، وسيأتى
ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
مسألة: والذى يحبس عليها الكرى وذو المحرم والرفقة، فأما الكرى، فإنه يحبس
عليها أكثر ما يحبس النساء الدم على ما يأتى بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وأما ذو المحرم، فإنه يحبس عليها حتى يمكنها السفر.
وأما الرفقة والأصحاب، فقد قال مالك: إن كان مقامها اليوم واليومين وما أشبه
ذلك، فيحبس كريها ومن معه، وإن كان أكثر من ذلك لم يحبس إلا كريها وحده.
ووجه ذلك أن الرفقة تلحقهم المشقة بطول الحبس، وليس بينهم وبينها عقد، ولا
لها عليهم حق يحبسون به إلا مقدار ما لا تلحقهم به مضرة لمعنى المرافقة
والاصطحاب فى الطريق، وهى تجد العوض منهم بعد مدة، فإن الطريق المأمونة لا
تنقطع.
وأما الكرى فلها عليه حق ثبت عليه بعقد، فليس له أن يتركها، ويذهب بحقها وهو

........ ١١٩
کتاب الحج
..
حق معتاد قد عرفه ودخل عليه، فلزمه من المقام ما لا يلزم الرفقة، وأيضًا فإن حقها قد
تعين عنده وتعلق به دون غيره، فليس له نقله إلى غيره، وأيضًا فإن المرأة لو أرادت
المقام لكان للكرى أن يطلبها بحقه عندها من السير معه وهو الكراء، ولو أرادت أن
یقیم لم یکن للرفقة قبلها فى ذلك حق بوجه.
٩٢٠ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدٍ
الرَّحْمَنٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿﴾: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنَّ صَفِيَّةً
بِنْتَ حُتَىِّ قَدْ حَاضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿﴾: (لَّعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَاقَتْ
مَعَكُنَّ بِالْبَيْتِ؟) قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: (فَاخْرُجْنَ)(١).
٩٢١ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةً أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ إِذَا حَجَّتْ وَمَعَهَا نِسَاءٌ تَخَافُ أَنْ يَحِضْنَ
قَدَّمَتْهُنَّ يَوْمَ النّحْرٍ فَأَفَضْنَ، فَإِنْ حِضْنَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَنتَظِرْهُنَّ، فَتَنْفِرُ بِهِنَّ وَهُنَّ
خَّضٌ إِذَا كُنَّ قَدْ أَفَضْنَ.
الشرح: قولها: ((أن عائشة رضى الله عنها كانت إذا حجت ومعها نساء تخاف أن
يحضن)) الخوف يكون فى ذلك على وجهين، أحدهما: أن يكن ممن يحضن، فإن كن
٩٢٠ - أخرجه البخارى فى الحيض ٢٨٥، الحج ١٦٣٨. ومسلم فى الحج ٢٣٥٥. والترمذى فى
الحج ٨٦٥، ٨٦٧. وأبو داود فى المناسك ١٥١٨، ١٧١٢. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٦٣،
٣٠٦٤. وأحمد فى باقى مسند الأنصار ٢٢٩٦٤، ٢٢٩٧٢، ٢٣٣٨٤، ٢٣١٩، ٢٣٥٣٣،
٢٣٧٥٩، ٢٤١٤٥، ٠٢٤٤٠٢،٢٤٢٥٤
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٣٢/٦: هذا حديث صحيح، لم يختلف فى إسناده ولا فى
معناه، وروى عن عائشة من وجوه كثيرة صحاح. وفيه من الفقه: أن الحائض لا تطوف بالبيت،
وهو أمر مجتمع عليه، لا أعلم خلافًا فيه، إلا أن طائفة منهم أبو حنيفة قالوا: لا ينبغى أن يطوف
أحد إلا طاهرًا فإن طاف غير طاهر من جنب أو حائض، فيجزيه، وعليه دم. وقال مالك
والشافعى وأكثر أهل العلم: لا يجزيه، وعليه أن يعود إليه طاهرًا ولو من بلده إن كان طوافًا
واجبًا. وقد قيل: إن منع الحائض من الطواف إنما كان من أجل أنه فى المسجد، والحائض لا
تدخل فى المسجد؛ لأنه موضع الصلاة والطواف الذى أشار إليه رسول الله ﴿﴾ فى هذا الحديث
بقوله: ألم تکن طافت؟ هو طواف الإفاضة، انتھی باختصار.
٩٢١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٠١. الشافعى فى الأم ١٨١/٢. البيهقى فى معرفة
السنن والآثار ١٠٣١٢/٧.

. كتاب الحج
.......
..
١٢٠
ممن لم يبلغ المحيض أو من اللائى يئسن من المحيضن فلا يخاف عليهن الحيض.
والوجه الثانى أن يكون قرب وقت طهرها من حيضها وعادتها تمادى طهرها مدة
ينقضى إحرامها قبل انقضائها، فأما من لا يبقى عليها الحيض جملة، فلا تقدم الطواف
مخافة الحيض، وإنما تقدمه إن قدمته لفضيلة المبادرة بتسليم الإحرام مما عسى أن يلحقه
من نقص، وإن لم يلحقه فساد.
وأما من تحيض وعادتها أن زمان طهرها مدة تنقضى أيام الإحرام قبلها، فالأحوط
تقديم الطواف لجواز أن يأتى من حيضتها ما يخالف عادتها.
وإن كانت لا تأمن تقدم حيضتها وهى ترتقب وروده أو كان أمد طهرها لا يلزم
العادة، فهذه التى لا خلاف فى أنها ممن كانت تقدمها عائشة للطواف يوم النحر مخافة
الحيض عليها، فكانت تقدمها للطواف ليكمل إحرامها، ويبقى عليها من عمل الحج
ما يمنع الحيض منه، وإنما يبقى عليها المبيت بمنى ورمى الجمار، وذلك لا ينافى الحيض،
وهل للکری ان يأخذها بتقديم ذلك.
فصل: وقولها: ((فإن حضن بعد ذلك، لم تكن تنتظرهن تنفر بهن وهن حيض))
يريد كان جميع ما يبقى من الحج بعد طواف الإفاضة يفعلنه فى حال حيضهن، فإذا
أکملن ذلك نفرت بهن، والله أعلم وأحكم.
٩٢٢ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولٌ
اللَّهِ ﴿ ذَكَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُبِىٌّ فَقِيلَ لَهُ قَدْ حَاضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾:((لَعَلَّهَا
حَابِسَتْنَا؟)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ طَاقَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿هُ: (فَلا إِذًا).
قَالَ مَالِك: قَالَ هِشَامٌ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ فَلِمٌ يُقَدِّمُ
النَّاسُ نِسَاءَهُمْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهُنَّ، وَلَوْ كَانَ الَّذِى يَقُولُونَ؛ لأَصْبَحَ بِمِنِّى أَكْثَرُ
مِنْ سِتّةِ آلافِ امْرَأَةٍ حَائِضٍ كُلُّهُنَّ قَدْ أَفَضَن.
٩٢٢ - أخرجه البخارى فى الحيض ٢٨٥، الحج ١٦٣٨. ومسلم فى الحج ٢٣٥٥. والترمذى فى
الحج ٨٦٥، ٨٦٧. وأبو داود فى المناسك ١٧١٢. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٦٣، ٣٠٦٤.
وأحمد فى باقى مسند الأنصار ٢٢٩٧٢، ٢٣٣٤١٩، ٢٣٥٣٣، ٢٣٧٥٩، ٢٤١٤٥،
٢٤٢٥٤، ٢٤٤٠٢، ٢٤٤٨٢، ٢٤٥٣٩، ٢٤٥٩٥، ٢٤٦٨٩، ٢٤٧٥٤. والدارمى فى
المناسك ١٨٣٧.

١٢١٠٠٠
کتاب الحج .
الشرح: قولها فى الحديث: ((إن رسول الله ﴿﴿ ذكر صفية بنت حيى)) يحتمل أن
يكون ذلك سببًا أن يخبر بأنها حاضت، ولعله سأل عن ذلك من حالها إذا خفى عنه
أمرها.
فصل: وقول عائشة رضى الله عنها: ((فلم يقدم الناس نساءهم إن كان لا ينفعهن))
إنكار على من يقول إن تقدم الإفاضة لا ينفعهن، فإنهن لا بد أن يبقين على طواف
الوداع، فقالت: ولو لم يستحب الرجوع إلى بلادهن بتقديم الطواف، لاتفق الناس
على تقديم النساء من منى يوم النحر لطواف الإفاضة، ولكانوا يقتصرون على تأخير
الطواف؛ لأن فى تقديم طوافهن يوم النحر تكلفًا ومشقة، مع ما يلزم من سترهن،
ویثقل من حملهن.
لكن لما علم الناس أن من حاضت منهن كان لها أن ترجع إلى بلدها، وإن لم تقدر
على طواف الصدر؛ لأجل الحيض تكلفوا تلك المشقة، وكانت أخف عليهم من البقاء
معهن إذا حضن.
فصل: وقول عائشة رضى الله عنها: ((ولو كان الذى يقولون لأصبح بمنى أكثر من
ستة آلاف امرأة حائض)) يريد أن هذا يكثر على النساء، فلو لم ينفعهن تقديم الإفاضة
لكثر من يقيم من النساء بمكة، لأجل الحيض على طواف الصدر، ولو لم ينفعهن ما
قدمن من طواف الإفاضة، ولما عدم ذلك من اهتبال النساء فى ذلك الزمان بأمر الدين
وكثرة العلماء صح وثبت أن ذلك اتقاق من جميعهم على أنه لا يلزمها مقام على
طواف الصدر.
وإنما يلزم المقام على طواف الإفاضة؛ لأنه ركن من أركان الحج. وفى ذلك أن
عائشة جوزت الكلام على المسألة وإظهار وجه الصواب فيها بالرأى، وإن كانت قد
حفظت من قول النبى ﴿﴿ فى خبر صفية بنت حيى أن الإفاضة قبل الحيض تبيح
الانصراف لكنها مع ذلك أضافت إلى ذلك بيان المعنى بعد الأثر.
٩٢٣ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِهِ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
٩٢٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٠٢. البيهقى فى الكبرى ١٦٤/٥. الشافعى فى
الأم ١٨١/٢.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٣٦/٦: هكذا هذا الحديث فى الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك
فيما علمت، ولا أحفظه عن أم سليم إلا من هذا الوجه، وهو منقطع وأعرفه أيضًا من حديث=

، كتاب الحج
..
١٢٢
أَخْبُرَهُ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ بِنْتَ مِلْحَانَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَقَدْ حَاضَتْ أَوْ وَلَّدَتْ
بَعْدَمَا أَفَاضَتْ يَوْمَ النّحْرِ، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَخَرَجَتْ.
الشرح: قوله: ((أن أم سليم استفتت رسول الله ﴿)) وكانت قد حاضت أو
نفست يوم النحر بعد ما أفاضت، فاستفتته فيما يجوز لها من الخروج أو يلزمها من
المقام حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، فأذن لها رسول الله $$$ فخرجت لها
کانت قد أفاضت.
قَالَ مَالِك: وَالْمَرَّأَةُ تَحِيضُ بِمِنِّى تُقِيمُ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ لا بُدَّلَهَا مِنْ ذَلِكَ،
وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَفَاضَتْ فَحَاضَتْ بَعْدَ الإِفَاضَةِ فَلْتَنْصَرِفْ إِلَى بَلَدِهَا، فَإِنّهُ قَدْ بَلَغَنَا فِى
ذَلِكَ رُخْصَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ :﴿ لِلْحَائِضِ قَالَ: وَإِنْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ بِمِنِى قَبْلَ أَنْ
تُفِيضَ فَإِنَّ كَرِّيَّهَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَحْبِسُ النّسَاءَ الدَّمُ.
الشرح: قوله: ((إنه قد بلغنى فى ذلك رخصة من النبى ﴿﴾)) فى حديث صفية،
وما أذن به لأم سليم، وسمى ذلك رخصة على عرف الفقهاء فيما أبيح لضرورة من
جملة ممنوعة، فلما ورد الأمر فى الحاج والمعتمر أن يكون آخر عهدها الطواف بالبيت،
واستثنى من ذلك الحائض سمى رخصة.
فصل: وقوله: ((وإن حاضت المرأة بمنى قبل أن تفيض فإن كريها يحبس عليها)) بقدر
ما يحكم للمرأة بأنها حائض، فإذا حكم لها بالاستحاضة اغتسلت وطافت ورجعت.
قال ابن وهب عن مالك: تقيم الحائض أكثر ما يحبس النساء الحيض، وتقيم النفساء
أكثر ما يحبس النساء دمها.
فصل: وقوله: ((فإن كريها يحبس عليها)) هذا مذهب مالك، وسواء علم بحملها أو
لم يعلم، وليس عليها أن تخبره بذلك، رواه أشهب عن مالك فى العتبية والموازية.
مسألة: إذا ثبت أن الكرى يحبس عليها، فقد قال مالك فى العتبية: ولا أدرى هل
تعينه النفساء فى العلف.
فرع: إذا ثبت ذلك، فقد قال أبو بكر بن محمد: وقد قيل إنها إنما يحبس عليها
=هشام، عن قتادة، عن عكرمة أن أم سليم. استفتت رسول الله ﴿ بمعناه، وهذا أيضًا منقطع،
والمحفوظ فى هذا الحديث عن أبى سلمة، عن عائشة قصة صفية، وحديث عائشة فى قصة صفية
متواتر الطرق عن عائشة.

٠٠٠٠٠ ١٢٣
کتاب الحج
كريها إذا كان الأمن. وأما فى هذا الوقت حيث لا يأمن فى طريقه، فهى ضرورة
ويفسخ الكراء.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: ووجه ذلك عندى أن وقت الأمن يجد الرفاق،
ويمكنه إذا طهرت أن يدخل الطريق ويسافر، وإذا كان الخوف لم يمكنه ذلك، ويحتاج
أن ينتظر القوافل والصحبة، فتلحقه المشقة.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله تعالى: ومثل هذا عندى فى المرأة التى لا محرم لها،
وإنما يخرج فى الرفقة العظيمة المأمونة أو الرفقة التى فيها النساء، فهذا أيضًا مما لا يمكن
وجود ذلك فى كل وقت، فتحتاج إلى الانتظار، وأما ذات المحرم مع الطريق المأمون،
فلا يحتاج إلى شىء من ذلك، ولا يحبسها شىء غیر حیضتها.
فدية ما أصيب من الطير والوحش
٩٢٤ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِى الضَّبْعِ بِكْشٍ،
وَفِى الْغَزَالِ بِعَنْزٍ، وَفِى الأَرْنَبِ بِعَنَّاقٍ، وَفِى الْيُرْبُوعِ بِحَفْرَةٍ.
الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب قضى فى الضبع بكبش)) على معنى أنه عدل
له من النعم وأشبه النعم به قدرًا، ((وقضى فى الغزال بعنز)) على ذلك المعنى أيضًا لأن
العنز أشبه النعم بالغزال وأقربها قدرًا إليه، والكبش والعنز مما يصح أن يهدى، فجاز أن
يكونا عوضًا عن الضبع والغزال، يهدى كل واحد منهما جزاء عن إصابة نظيره من
الصيد، كما قال تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا
بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥].
فصل: وقوله: ((وفى الأرنب بعناق وفى اليربوع بجفرة)) العناق الأنثى من أولاد المعز
إذا رعى وقوى، والجفرة الأنثى من أولادها إذا بلغت أربعة أشهر، وفصل عن أمه.
وفرق عمر بين الأرنب واليربوع فجعل فى الأرنب عناقًا، وفى اليربوع حفرة، وهى
دون العناق.
وقد روى عنه أنه أفتى فى الضب بهدى، والذى ذهب إليه مالك أن كل ما صغر.
٩٢٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٠٣. الدراقطنى ٢٣٩/٢. أبو يعلى فى المسند
٠١٧٩/١

كتاب الحج
١٢٤
...
عن أن يكون له نظير من النعم يهدى، فإنه ليس فيه إلا صيام. وقال مالك فى
المبسوط: لا يحكم فى جزاء الصيد بجفرة ولا عناق ولا يحكم بدون المسن.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل
منكم هديًا بالغ الكعبة﴾ فقيد ذلك بالهدى، فلا يصح أن يخرج فى ذلك ما ليس
بهدی؛ لأنه ليس من الجزاء الذى تضمنته الآية.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا حيوان، لا يكون بدله هديًا، فلم يكن له بدل من
النعم. أصل ذلك صغار الطير والحشرات.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فقد اختلف أصحابنا فى الأرنب وفى اليربوع، ففى كتاب
ابن حبيب عن مالك: فى كل واحد منهما عنز. وروى عنه ابن عبد الحكم: ليس فيما
دون الظبى إلا الطعام أو الصيام.
وجه قول ابن حبيب أنه إنما يراعى المثل فى جزاء الصيد من جهة القدر والصورة،
وقد وجد فى اليربوع المثل من جهة الصورة، فوجب أن يطلب أقرب المثل إليه من
جهة القدر كما يفعل ذلك فى صغار الوحش، فإنه لما كان له مثل من جهة الصورة لم
يراع القدر، فحكمنا فى صغير النعام بما يحكم فيه بكبيره، وهى البدنة مع تفاوت ما
بينهما فى القدر.
ووجه رواية ابن عبد الحكم أن الصفة والقدر يجب أن يراعيا فى الجنس، فإذا كان
الشبه يقرب من جهة الصورة، والشبه يقرب من جهة القدر فى الجنس، حكمنا فيه
بالمثل، وإذا تفاوت فى القدر فى جملة الجنس، وجب أن لا يحكم فيه بمثل كما لا يحكم
فى صغار الطير والحشرات، ولا يدخل على هذا صغار ما له مثل لأن الشبه من جهة
الضرورة والقدر قد وجد فى الجنس.
٩٢٥ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُرَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلا حَاءَ
إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّى أَحْرَيْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِى فَرَسَيْنِ نَسْتَبِقُ إِلَى ثُغْرَةٍ
تَِّيَّةٍ، فَأَصَبْنَا ظَبِيًا، وَنَحْنُ مُحْرِمَانٍ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ عُمَّرُ لِرَجُلٍ إِلَى خَنْبِهِ: تَعَالَ
حَتَّى أَحْكُمَ أَنَا وَأَنْتَ، قَالَ: فَحَكَّمَا عَلَيْهِ بِعَنٍْ، فَوَلَى الرَّحُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا أَمِيرُ
٩٢٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٠٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٠٣/٥. عبد
الرزاق فى المصنف ٤٠٨/٤. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ١٠٦٥٢/٧.

١٢٥٠
كتاب الحج .
الْمُؤْمِنِينَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْكُمَ فِى ظَبِى حَتَّى دَعَا رَجُلا يَحْكُمُ مَعَهُ، فَسَمِعَ عُمَرُ
قَوْلَ الرَّجُلٍ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ هَذَا
الرَّجُلَ الَّذِى حَكَمَ مَعِى؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: لَوْ أَخْبَرْتَنِى أَنْكَ تَقْرَأُ سُورَةً الْمَائِدَةِ
لأَوْ جَعْتُكَ ضَرْبًا ثُمَّ قَالَ: إِنَّاللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِى كِتَابِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا
عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيَا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
الشرح: قوله: ((أجرينا فأصبنا ظبيًا ونحن محرمان، فماذا ترى؟)) يحتمل أن يكون
مستفتيًا، ويحتمل أن يكون طلب الحكم عليه إذا اعتقد أن الواحد يصح حكمه فى
ذلك.
فصل: واستدعاء عمر بن الخطاب الرجل الذى إلى جنبه أن يحكم معه امتثال لقوله
تعالى: ﴿یحکم به ذوا عدل منكم﴾ وهو مذهب مالك أنه لا يجوز أن يحكم فيه أقل من
رجلين، وبه قال الشافعى، ولا يجوز أن يكون المحكوم عليه أحدهما، وقد تقدم الكلام
فیه بما يغنى عن إعادته هاهنا.
فصل: وقوله: ((فحكما عليه بعنز)) يريد أنه اختار المثل، ولذلك حكما عليه بعنز
يهديها؛ لأنها أقرب الأنعام شبهًا وقدرًا بالظباء، فظن المحكوم عليه أنه إنما استدعى من
يحكم معه لعجزه عن الحكم فى قضيته مفردًا حتى يعينه عليها الرجل الذى استدعاه
للحكم معه.
فصل: وقول عمر له: ((هل تقرأ سورة المائدة)) خص سورة المائدة بالسؤال عنها، لما
كان الحكم فيها دون غيرها من السور، وهو قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾
وسأله هل تعرف الرجل الذى معه، لما كان مشهور بالعدالة والعلم والأمانة، وأن كل
من عرف عينه عرف عدالته.
فصل: وقول عمر رضى الله عنه: ((لو أخبرتنى أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك
ضربًا)) إعلامًا له بأنه قد عذره لجهله، لما لم يقرأ السورة التى فيها شأن هذه الحكومة.
وقال له: ((لو أخبرتنى أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربًا)) ويحتمل أنه كان يوجعه
ضربًا لما أظهر من مخالفته التنزيل، إن كان فهم الحكم أو الإعراضه عن تفهم القرآن إن
كان أعرض عن النظر فى الآية والتفهم لها قبل ذلك إن كان من العرب الذين لا يخفى
عليهم معناها مع الاهتبال به، وقد يعذر الجاهل عند مواقعة مثل هذا مما لم يستبن
حكمه، ولا يتكرر تكرر الصلوات والطهارات.

كتاب الحج
١٢٦ ............
فصل: وقوله بعد هذا: ((إن الله تعالى يقول فى كتابه: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم
هديًا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا عبد الرحمن بن عوف)) إعلامًا له بالمعنى الذى
أوجب عليه مشاركة عبد الرحمن بن عوف له فى هذا الحكم، وهو أمره تعالى بأن
یحکم به ذوا عدل، ثم أعلمه أن الذی حکم معه عبد الرحمن بن عوف.
فإن كان السائل قد سمع بذكر عبد الرحمن قبل ذلك، فقد عرف عدالته، وإن لم
يسمع بذكره قبل ذلك، فإنه فى أيسر وقت يسأل، فيخبر بعدالته وإمامته واشتهار
علمه، ولذلك قال له: ((وهذا عبد الرحمن بن عوف)) فنص على اسمه الذى يمكن
السائل أن يكون قد سمع به لشهرته وعلو ذكره، أو يسأل عنه، ولو أراد الإخبار عن
عدالته فقط لقال: وهذا عدل.
فصل: وقوله: ((وأوجب عمر عليهما الجزاء)) وإن كانا لم يباشرا قتل الصيد، وإنما
قتلته خيلهما لكن لما كانت خيلهما محمولة باختيارهما كانت بمنزلة ما لو رميا سهما
أو حجرًا، فقتلاه به.
وقد روى ابن المواز عن مالك فيمن قاد دابة أو ساقها أو ركبها: أنها ما أصابت فى
ليل أو نهار، فعليه جزاؤه، وكذلك لو ضربها فضربت صيدًا فقتلته، وما أصابت بيدها
أو رجلها من غير قياد ولا سياق ولا ركوب، فلا شىء عليه.
٩٢٦ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُولُ: فِى الْبَقَرَةِ مِنَ الْوَحْشِ
بَقَرَّةٌ، وَفِى الشَّةِ مِنَ الظَّاءِ شَاةٌ.
الشرح: قوله: ((فى البقرة من الوحش بقرة وفى الشاة من الظباء شاة)) يريد بقرة
وشاة من بهمية الأنعام، فأخبر أن البقرة من بهيمة الأنعام مثل البقر الوحشى وأن الشاة
من بهيمة الأنعام مثل الشاة من الظباء، وهو تمثيل صحيح؛ لأنهما أشبه بهما صورة
وقدرًا، ولكن كان ذلك من إعادة الحكم فيهما إذا أصاب أحدهما محرم.
٩٢٧ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَّيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِى
حَمَامٍ مَكَّةَ إِذَا قُلَ شَاةٌ.
٩٢٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٠٥.
٩٢٧ - ذكره عبد الرزاق فى المصنف ٤١٥/٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٠٦/٥. ابن عبد البر
فى الاستذكار برقم ٩٠٧.

٠٠٠ ١٢٧
كتاب الحج .
الشرح: قوله: ((فى حمام مكة إذا قتل شاة)) يريد أن حمام مكة مخصوص بذلك لتأكد
حرمته، وهذا يمنع أن يكون فى البربوع شاة لأن ذلك كان يقتضى أن يكون فى كل
حمامة شاة إذا اعتبر القدر؛ لأن الحمام أكبر من اليربوع وأعظم خلقة وأكثر لحمًا، وإذا
ودی فی الیربوع شاة، فبأن يجب ذلك فی کل حمام أولى.
ولا يجب فى سائر الحمام غير حمام مكة والحرم غير الإطعام أو الصيام، ولم يجب
فى ذلك هدى، فبأن لا يجب فى اليربوع أولى، وقد تقدم الكلام فى حمام مكة بما يغنى
عن إعادته.
قَالَ مَالِك فِى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ وَفِى بَيْتِهِ فِرَاخٌ مِنْ
حَمَامٍ مَكّةً فَيُغْلَقُ عَلَيْهَا فَتَمُوتُ.
فَقَالَ: أَرَى بِأَنْ يَفْدِىَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ فَرْغٍ بِشَاةٍ.
الشرح: ومعنى ذلك أن تكون الفراخ فى بيت الرجل، فإذا أحرم بعمرة أو حجة
اقتضى ذلك غلق باب بيته والتغيب منه مدة تهلك الفراغ فى مثلها لتعذر وصول
الأبوين بالشبع إليها، فإن عليه جزاء كل فرخ منها شاة لأن فى صغار كل حيوان من
الجزاء مثل ما فى كفارته.
وهذا حكم من فعل ذلك وهو غير محرم، وذلك لأن قتل الحمام فى الحرم مما يجب
به الجزاء، وإنما خص المحرم بما ذكرناه فى مسألة مالك؛ لأن إحرامه كان سبب مغيبه
ولو سافر عن بيته فى غير إحرام وأغلق عليها بابه، فهلكت لوجب عليه مثل ذلك.
قَالَ مَالِك: لَمْ أَزَّلْ أَسْمَعُ أَنَّ فِى الْنِعَامَةِ إِذَا قَتَهَا الْمُحْرِمُ بَدَّةً(١).
قَالَ مَالِك: أَرَى أَنَّ فِى بَيْضَةِ النَّعَامَةِ عُشْرَ ثَمَنِ الْبَدَنَةِ كَمّا يَكُونُ فِى حَنِينِ
الْحُرَّةِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقِيمَةُ الْغُرَّةِ خَمْسُونَ دِيْنَارًا، وَذَلِكَ عُشْرٌ دِيَةٍ أُمِّهِ.
الشرح: قوله: ((ولم أرل أسمع فى النعامة بدنة)) يريد أن ذلك شائع قديم تكرر
حکم الأئمة وفتوى العلماء به وقولهم لذلك تکرر إشاعة وإذاعة، ومع ذلك فإنه لا
يجوز إخراجها إلا بعد الحكم بها، وتكرير الاجتهاد فى ذلك وقد تقدم ذكره.
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٠٧.

..
١٢٨
....
....
· كتاب الحج
فصل: وقوله: ((إن فى بيضة النعامة عشر ثمن البدلة)) وذلك أنه لا يخرج فيها جزاء
من النعم، وإن كانت قيمة عشر البدنة أكثر من قيمة عنز لأنه لا مثل لها فى النعم، وإنما
جزاؤها عشر قيمة البدنة التى هى جزاء النعامة، وبين مالك ذلك بأن ما قاله قياسًا على
دية الجنين غرة قيمتها خمسون دينارًا، وهى عشر دية الحرة لأن ديتها خمسمائة دينار،
وقد تقدم الكلام فى ذلك.
وَكُلُّ شَىْءٍ مِنَ النَّسُورِ أَوِ الْعِقْبَانِ أَوِ الْبُزَّةِ أَوِ الرَّحْمِ، فَإِنَّهُ صَيْدٌ يُودَى كَمَا
يُودّى الصَّدُ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ.
الشرح: قوله: ((إن كل شىء من النسور أو العقبان أو الرخم أو البزاة فإنه صيد)
يريد أنه وإن كان يأكل الجيف، فإنه لا يجرى مجرى الحدأة والغربان فى استباحة المحرم
قتله، وإن كان منه ما يتأنس ويصاد، فإنه لا يجرى مجرى الإنسى، ولا يجرى إلا مجرى
الوحشى الذى يجب على المحرم الجزاء بقتله، فإن كان منه له مثل من النعم، خير بين
مثله أو الإطعام، وما لم يكن له مثل خير بين الإطعام أو الصيام.
وَكُلُّ شَىْءٍ فُدِىَ، فَفِى صِغَارِهِ مِثْلُ مَا يَكُونُ فِى كِيَارِهِ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُّ دِيَّةِ
الْخُرِّ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَهُمَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ.
الشرح: قوله: ((كل شىء فدى، ففى صغاره مثل ما فى كباره)) تقرير لهذا الحكم،
وهذا كما قال أن كل ما يفديه المحرم، فإنه يجب فى صغاره مثل ما يجب فى كباره؛
لأن طريق ذلك كفارة كقتل الخطأ يجب من الكفارة بقتل الصغير مثل ما يجب بقتل
الكبير، وبين ذلك بأن دية الحر الصغير والكبير سواء، فمثل ذلك بالفدية وتمثيله بالكفارة
أولى لما قدمناه، وبه قال عمر وابن عمر.
وقال الشافعى: إنما يخرج فى فرخ النعامة فصيلاً، وفى صغير ولد الضبع صغيرًا من
ولد النعم، وفى جحش حمار الوحش عجلاً. وأما أبو حنيفة: فإنه إنما يوجب فى ذلك
كله القيمة.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، إلى قوله: ﴿هديًا
بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، فقید ذلك ما يصح أن یکون هدایًا.
ومن جهة المعنى أن هذا مبنى على مذهبنا بأنه إنما يخرج على وجه الكفارة، فنقول
لأنه حيوان فخرج باسم التكفير، فلم يختلف بالاختلاف المتلف فى الصغر والكبر
كالعتق فى كفارة القتل.

١٢٩٠٠
کتاب الحج .
فدية من أصاب شيئًا من الجراد وهو محرم
٩٢٨ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّى أَصَبْتُ جَرَادَاتٍ بِسَوْطِى، وَأَنَا مُحْرٌِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَطْعِمْ قَبْضَةٌ
مِنْ طَعَامٍ.
٩٢٩ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُ
عَنْ جَرَادَاتٍ قْتَلَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ: تَعَالَ حَتّى نَحْكُمْ، فَقَالَ كَعْبٌ:
دِرْهَمٌ، فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ: إِنَّكَ لَتَجِدُ الدَّرَاهِمَ، لَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ حَرَادَةٍ.
الشرح: قول عمر: ((أطعم قبضة من طعام)) يريد أنها أخف عليه من غير
ذلك، وهى تجزئ عن الجراد، وكذلك يقول مالك: من أصاب جرادة، فعليه قبضة
طعام.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وعندى أنه لو شاء الصيام لحكم عليه بصيام يوم
إلا أن يمنع من ذلك إجماع، وإنما سارع الفقهاء إلى إيجاب قبضة من الطعام لعلمهم
أنها أسهل على من أصاب الجرادة من صيام يوم، فاستغنى فى ذلك عن الإعلان
بالتخيير.
مسألة: وهذا حكم الذباب وغير ذلك من الحشرات من أصاب شيئًا من ذلك وداه.
وقال الشافعى فى الخنافس والجعلان وبنات وردان والعصا وما جرى مجرى ذلك: قتله
مباح، ولا شىء عليه إن قتلها.
٩٢٨ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٨٦، ١٦٨٧، ١٦٨٨، ١٦٨٩، المغازى ٣٨٤٢، ٣٨٦٩،
٣٨٧٠، تفسير القرآن ٤١٥٥، المرضى ٥٢٣٣، ٥٢٦٨، كفارات الأيمان ٦٢١٤. ومسلم فى
الحج ٢٠٨٠، ٢٠٨١، ٢٠٨٢، ٢٠٨٣، ٢٠٨٤، ٢٠٨٥، ٢٠٨٦. والترمذى فى الحج ٨٧٦،
الجنائز ٩٥٣، تفسير القرآن ٢٩٠٠، ٢٩٧٣، ٢٩٧٤. والنسائى فى مناسك الحج ٢٨٠٠،
٢٨٠١، ٢٨٥١، ٢٨٥٢. وأبو داود فى المناسك ١٥٨٢، ١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦،
النكاح ١٨٥٦، ١٨٥٧، ١٨٥٨، ١٨٥٩، الطلاق ١٨٦٠. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٧٠،
٣٠٧١، ٣٠٧٩. وأحمد فى مسند الكوفيين ١٧٤٠٦، ١٧٤١٢، ١٧٤١٩.
٩٢٩ - أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ٤١٠/٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٠٦/٥. ومعرفة
السنن الآثار ١٠٦٨٤/٧. الشافعى فى المسند ٣٢٦/١. المغنى ٥١٤/٣. المجموع ٢٩٥/٧.
وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩٠٩.

کتاب الحج
١٣٠
مسألة: إذا ثبت ذلك، فهذا حكم من تعمد قتلها وأصابها خطأ، وهو بمكة، لعسر
التحرز منها، ولذلك لم يسأله عمر هل أصاب الجرادة خطأ أو عمدًا، ولا كان فى
سؤاله بیان ذلك، فدل على تساوى الحكم عند عمر.
وأما المحرم يطأ ببعيره الجراد؛ لأنه يكثر فى الطريق، فلا يمكن التحرز منه، فقد
روى ابن المواز عن ابن وهب عن مالك: ليس على الناس فى ذلك شىء، مالم يتعمدوا.
وقال مالك مثل ذلك، وقد سئل عن الذباب لا يستطاع الاحتراز منه لكثرته فيها
المحرم يمشى على بعضه فيقتله: يطعم.
وجه القول الأول وهو اختيار ابن عبد الحكم أن الضرورة إذا كانت عامة، ولم
يمكن احتراز منها لغلبتها وكثرتها، فإنه يسقط حكم المنع بها ويبيح القتل، وإذا كان
القتل مباحًا على العموم، سقط الفداء به كقتل عادية السباع.
ووجه القول الثانى أن المحرم إذا أصاب الصيد لزمه الجزاء، وإن لم يقدر على
التحرز منه كما لو قتله خطأ.
مسألة: ومتى وجب بذلك الإطعام، فهل يجوز دون حكومة؟ قال محمد: يحكم به
ذوا عدل.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وعندى أن هذا معنى قول عمر لكعب: تعال
حتى نحكم، فإن أخرج ذلك دون حكم، فعليه أن يعيد.
ووجه ذلك أن هذا مما يلزم المحرم به الجزاء، فلم يصح إخراجه إلا بحكم الحكمين.
أصل ذلك جزاء الصيد.
فصل: وقوله لكعب، لما أراد أن يحكم فى الجرادة بدرهم: ((إنك لتجد الدراهم))
إنكارًا عليه لتسامحه بالدرهم، وإيجابها فى غير موضعها، فعل من كثرت دراهمه،
وهانت عليه، والحكم فى جزاء الصيد أيضًا يجب أن يتجرى ويجتهد فيما يحكم به
ويترك التسامح، والحكم بأكثر من الواجب كما يترك الحكم بأقل منه.
ثم قال عمر: ((لتمرة خير من جرادة)) يريد أنها تجزئ عنها؛ لأنها أفضل منها،
وأنفع لآكلها من الجرادة وأكثر ثمنًا لمن أراد بيعها، وفى هذا أن الحكمين إذا اختلفا،
لم يلزم قول واحد منهما، ويجب أن يستأنف الحكم.
ولعل كعبًا قد رجع إلى موافقة عمر رضى الله عنه فى قوله: ((إن التمرة خير من

............ ١٣١
کتاب الحج
الجرادة)) ثم حكما بذلك؛ لأن قول عمر: إنها خير منها ليس فى ذلك حكم بالتمرة،
وإنما هو مخالفة لكعب، أو لعل عمر قد استدعى غير كعب للحكم معه، واستدعاء
عمر رضى الله عنه كعبًا للحكم معه دليل على عدالته عنده؛ لأنه لو لم يكن عنده
عدلاً لما جاز أن یحکمه فى مثل هذا، والله تعالى يقول فی کتابه ﴿یحکم به ذوا عدل
منكم﴾ [المائدة: ٩٥].
فدية من حلق قبل أن ينحر
٩٣٠ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكِ الْحَزَرِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى
لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنْهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿﴿ مُحْرِمًا فَآَذَاهُ الْقَمْلُ فِى
وَأُسِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ﴿ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: ((صُمْ ثَلاثَةً أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَةً
مَسَاكِينَ مُدَّيْنٍ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ، أَنَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَخْرَأَ عَنْكَ)).
الشرح: قوله: ((أنه كان مع رسول الله ﴿﴿ محرمًا)) يريد أنه كان معه محرمًا، وكان
ذلك فى عمرة الحديبية، فأذاه القمل فى رأسه، فأمره رسول الله ﴿ أن يحلق رأسه،
والأمر وإن كان يقتضى الوجوب أو الندب ولا تكون الإباحة أمرًا، فقد يحتمل أن
يكون النبى ﴿3﴾ ندبه إلى ذلك، ورآه الأفضل له، فقد نهى الإنسان عن أذى نفسه
وتحمل المشقة الخارجة عن العادة المؤذية التى لا يطبقها الإنسان غالبًا فى العبادات،
٩٣٠ - أخرجه البخارى بنحوه ٣١/٣ كتاب المحصر باب قول الله: ﴿أو صدقة﴾ عن كعب بن
عجرة. ومسلم ٨٦٠/٢ كتاب الحج باب ١٠ رقم ٨٢ عن كعب بن عجرة. والنسائى ١٩٥/٥
عن كعب بن عجرة. وأحمد ٢٤١/٤ عن كعب بن عجرة. والبيهقى فى الكبرى ١٦٩/٥ عن
كعب بن عجرة. والطبرانى فى الكبير ١٠٨/١٩ عن كعب بن عجرة. والبغوى بشرح السنة
٢٧٨/٧ عن كعب بن عجرة.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٣٨/٦: هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك، عن عبد الكريم
الجزرى، عن ابن أبى ليلى. وتابعه أبو المصعب، وابن بكير، والقعنبى، ومطرف، والشافعى،
ومعن بن عيسى، وسعيد بن عفير، وعبد الله بن يوسف التنيسى، ومصعب الزبيرى، ومحمد بن
المبارك الصورى، كل هؤلاء روره عن مالك كما رواه يحيى، لم يذكروا مجاهدا فى إسناد هذا
الحديث. ورواه ابن وهب، وابن القاسم، ومكى بن إبراهيم عن مالك، عن عبد الكريم الجزرى،
عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن كعب بن عجرة. وذكر الطحاوى أن القعنبى رواه
هکذا کما رواه ابن وهب، وابن القاسم فذکر فیه مجاهدا.

، كتاب الحج
٠
١٣٢
ولذلك كره من الحولاء بنت تويت أن لا تنام الليل، وقد قال : «أكلفوا من العمل
ما تطيقون))(١).
فصل: وقوله: ((صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة)) على وجه
التخيير له فى أن يفعل أى ذلك شاء، وبين ذلك بقوله : ((أى ذلك شنت فعلت)).
مسألة: والنسك هاهنا من بهيمة الأنعام دون غيرها. قال ابن المواز: يجوز أن ينسك
بدنة أو بقرة، وقد نص فى الحديث على الشاة، لأن ذلك أدنى ما يجزى، ولا يقلد
النسك ولا يشعر ولا يساق من حل إلى حرم، إلا أن يريد أن يجعله هديًا، فإن له ذلك،
ویکون حکمه حکم الهدی به.
مسألة: والإطعام مدين مدين لكل مسكين على ما ورد فى الحديث، فلا يقصر عنه.
وقال مالك فى المدونة: إنما عليه مدان لكل مسكين من عيش البلد شعير أو بر. وقال
ابن المواز: يجزئه الشعير، إن كان طعامه حينئذ، وإن كان طعامه ذرة، نظر إلى ما يجزئه
من القمح، فزيد فى الذرة حتى يبلغ بذلك إجزاء الحنظة فى الشبع.
ووجه ذلك أن الشعير عنده من جنس القمح، فما كان قوته أخرج منه كما يخرج
عن الضأن والماعز الأغلب منهما لما كانتا من جنس واحد، ولا يخرج عن أحدهما بقرًا
ولا غيرها لما لم یکن من الجنس.
٩٣١ - مَالِك، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَبِى الْحَجَّاجِ، عَن ابْنٍ أَبِى
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ١٩٦٦. مسلم حديث رقم ١١٠٣. أحمد فى المسند حديث
رقم ٧١٢٢.
٩٣١ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٨٦، ١٦٨٧، ١٦٨٨، ١٦٨٩، المغازى ٣٨٤٢، ٣٨٦٩،
٣٨٧٠، تفسير القرآن ٤١٥٥، الطب ٥٢٦٨، كفارات الأيمان ٦٢١٤. ومسلم فى الحج
٢٠٨٠، ٢٠٨٢، ٢٠٨٤، ٢٠٨٥، ٢٠٨٦. والترمذى فى الحج ٨٧٦، الجنائز ٩٥٣، تفسير
القرآن ٢٩٠٠، ٢٩٧٣، ٢٩٧٤. والنسائى فى مناسك الحج ٢٨٠٠، ٢٨٠١، ٢٨٥٢. وأبو
داود فى المناسك ١٥٨٢، ١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، النكاح ١٨٥٦، ١٨٥٧،
١٨٥٨، ١٨٥٩، الطلاق ١٧٦٠. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٧٠، ٣٠٧١، ٣٠٧٩. وأحمد فى
مسند الكوفيين ١٧٤٠٦، ١٧٤١٢، ٠١٧٤١٩
قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٤١/٦: هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد
متصلا، وتابعه القعنبى والشافعى وابن عبد الحكم، وعتيق بن يعقوب الزبيرى، وابن بكير، وأبو
مصعب، وأكثر الرواة وهو الصواب.

١٣٣
كتاب الحج
لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ اذَاكَ هَوَامُّكَ؟))
فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ
أَطْعِمْ سِتّةً مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ بِشَاقٍ».
الشرح: قوله : ((لعلك آذاك هوامك)) يريد القمل، فهو هوام الإنسان المختص
يجسده، فلما رأى رسول الله ﴿﴿ كثرتها سأله عن تأذيه بها، فأعلمه بذلك، فقال له:
((احلق رأسك)) يحتمل أن يكون ذلك على وجه الندب على ما تقدم، ويحتمل أن يكون
على وجه الإباحة، ثم أعلمه بما يلزمه فى حلق رأسه، وهى الفدية.
وهذا يدل على أن إزالة القمل عن رأس الإنسان ممنوع، ومما يجب به الفدية، وإلا
فقد كان يأمره مشط رأسه واستعمال ما يقتلها ويزيلها، مع بقاء شعره لكن لما كانت
الضرورة تبيح الأمرين؛ لأنه إنما تجب بإزالتها فى حال واحدة فدية واحدة، وهو أقرب
تناولاً، فيما يريد وأعم منفعة وراحة أمره بالحلاق.
مسألة: وهذا حكم إزالة القمل عن الجسد فى المنع منه. وقال الشافعى: إن أخذ
القملة من الجسد مباح، ولا شىء فيه، وفى أخذها من الرأس الفدية بشىء لا لأجل
القملة، ولكن لأنه يأخذ الهوام من رأسه وأزال الأذى.
والدليل على ما نقوله أن هذا أزال قملة من حبسها لغير ضرورة، فكان ممنوعًا من
ذلك يجب به عليه فدية. أصل ذلك إذا أخذها من رأسه.
مسألة: وهذا لمن قصد إزالة الشعر، فأما من لم يقصد إزالته، وإنما قصد إلى فعل
آخر، فكان سببها تساقط شعر من لحيته أو رأسه، فلا فدیة فیه. وقد روى محمد فيمن
سقط من شعر رأسه شىء لحمل متاعه أو جريده على لحيته، فتساقط منها الشعرة أو
الشعرتان أو اغتسل تبردًا، فتساقط منه شعر كثير لا شىء عليه.
ووجه ذلك أنه لم يقصد إزالته، ولو امتنع من كل ما يجر ذلك ويسببه لامتنع من
أكثر التصرف والوضوء والغسل والركوب ومسح الوجه، فإذا كانت مباحة لعدم
الضرورة إليها، وكان المعتاد تساقط الشعر بها استحال أن يجب شيء بذلك.
٩٣٢ - مَالِك، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِىِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثْنِى شَيْخٌ()
٩٣٢ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٨٦، ١٦٨٧، ١٦٨٨، ١٦٨٩، المغازى ٣٨٤٢، ٣٨٦٩،
٣٨٧٠، تفسير القرآن ٤١٥٥، المرضى ٥٢٣٣، الطب ٥٢٦٨، كفارات الأيمان ٦٢١٤ .=

کتاب الحج
١٣٤
بِسُوقِ الْبُرَمِ بِالْكُوفَةٍ عَنْ كَعْبِ بْنٍ عُجْرَةً أَنَّهُ قَالَ: جَاءَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَأَنَا أَنْفُخُ
تَّحْتَ قِدْرٍ لأَصْحَابِى، وَقَدِ امْثَلاً رَأْسِى وَلِحْيِى قَمْلًا، فَأَخَذَ بِحَبْهَتِى ثُمَّ قَالَ:
(احْلِقْ هَذَّا الشَّعَرَ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةً مَسَاكِينَ)). وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
!ْ عَلِمَ أَنْهُ لَيْسَ عِنْدِى مَا أَنْسُكُ بِهِ.
الشرح: قوله: ((جاءلى رسول الله (1)) يحتمل أن يكون مر به فى طريقه لأمر ما،
ويحتمل أن يكون قصده على ما يفعل المتواضع من زيارة أصحابه وتفقد أحوالهم،
ولعله قد بلغه ما بلغ به من الهوام، فقصده لذلك ليحقق حال ضرورته، ويأمره ما يجب
له وعليه فى ذلك، وتناول كعب بن عجرة النفخ تحت القدر لأصحابه مسارعة إلى
خدمتهم، فإن الأجر فى خدمة الرفقاء جزيل، ولا يمتنع المحرم من ذلك، وإن خاف أن
يلحق لهب النار شعره.
وقد ذكره مالك فى المبسوط فيمن نفخ تحت قدر أو دخل يده فى التنور، فأحرق
شعره لهب النار: أنه لا شىء عليه. ووجه ذلك ما ذكرناه.
فصل: وقوله: ((فأخذ بجبهتى، وقال: احلق هذا الشعر)) يريد ما على جبهته من شعر
رأسه، وأخذه بذلك على سبيل التأنيس له، ولعله أراد بذلك رفع الإشكال؛ لأنه لو قال
له: احلق شعر رأسك لجوز أن يدخل فيه غير شعر الرأس، وكذلك لو قال: احلق شعر
رأسك، لجوز أن يكون اسم الرأس مقصورًا على جارحة مخصوصة أو يتعدى ذلك إلى
ما يدخل تحت اسم الرأس على وجه التبع كالوجه وغيره، فأزال الإشكال بأن أشار له
إلى ما يباح له حلقه، وهو شعر رأسه.
=ومسلم فى الحج ٢٠٨٠، ٢٠٨٢، ٢٠٨٣، ٢٠٨٤، ٢٠٨٥، ٢٠٨٦. والترمذى فى الحج
٨٧٦، الجنائز ٩٥٣، تفسير القرآن ٢٩٠٠، ٢٩٧٤، ٢٩٧٨. والنسائى فى مناسك الحج
٢٨٠٠، ٢٨٠١، ٢٨٥٢. وأبو داود فى المناسك ١٥٨٢، ١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦،
النكاح ١٨٥٦، ١٨٥٧، ١٨٥٨، ١٨٥٩، الطلاق ١٨٦٠. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٧٠،
٣٠٧١، ٣٠٧٩. وأحمد فى مسند الكوفيين ١٧٤٠٦، ١٧٤١٢، ٠١٧٤١٩
(*) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٤٨/٦: لم يختلف الرواة عن مالك فى هذا الحديث،
ويقولون: إن الشيخ الذى روى عنه عطاء الخراسانى هذا الحديث عبد الرحمن بن أبى ليلى، وهذا
بعيد؛ لأن عبد الرحمن بن أبى ليلى أشهر فى التابعين من أن يقول فيه عطاء: حدثنى شيخ. وأظن
القائل بأنه عبد الرحمن بن أبى ليلى؛ لما عرف أنه كوفى، وأنه الذى يروى الحديث عن كعب بن
عجرة، ظن أنه هو، والله أعلم.