النص المفهرس
صفحات 1641-1660
........... ٧٥ كتاب الحج حنيفة. وقال أشهب: بئس ما صنع، ولا إعادة عليه، إلا أن يصليهما قبل مغيب الشفق، فيعيد العشاء وحدها أبدًا، وبه قال الشافعى. وهو الذى نصره القاضى أبو الحسن، واحتج له بأن هاتين صلاتان سنّ الجمع بينهما، فلم يكن ذلك شرطا فى صحتهما، وإنما كان على معنى الاستحباب كالجمع بين الظهر والعصر بعرفة. مسألة: ومن أسرع، فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق، فقد قال ابن حبيب: لا صلاة لمن عجل إلى المزدلفة قبل مغيب الشفق لا الإمام ولا غيره حتى يغيب الشفق. ووجه ذلك قوله : ((الصلاة أمامك)) ثم صلاها بالمزدلفة بعد مغيب الشفق. ومن جهة المعنی أن وقت هذه الصلاة بعد مغیب الشفق، فلا يجوز أن يؤتى بها قبله، ولو کان لها وقت قبل مغيب الشفق لما أخرت عنه، وقد روى عن عبد الله بن مسعود. مسألة: وأما من أتى عرفة بعد دفع الإمام، وكان له عذر ممن وقف مع الإمام، فقد قال ابن المواز: من وقف بعد الإمام، فليصل كل صلاة لوقتها. وقال مالك، فيمن كان له عذر يمنعه أن يكون مع الإمام: أنه يصلى إذا غاب الشفق الصلاتين يجمع بينهما. وهذا يقتضى مراعاته للوقت دون المكان، وقال ابن القاسم، فيمن وقف بعرفة بعد الإمام: إن رجا أن يأتى المزدلفة ثلث الليل، فليؤخر الصلاتين حتى يأتى المزدلفة، وإلا صلى كل صلاة لوقتها، فجعل ابن المواز تأخير الصلاة إلى المزدلفة لمن وقف مع الإمام دون غيره، واعتبر مالك بالوقت دون المكان، واعتبر ابن القاسم بالوقت المختار للصلاة والمكان، فإن خاف فوات الوقت المختار، بطل اعتبار المكان وكان مراعاة، وقتها المختار أولى. فصل: وقوله: ((فلما جاء المزدلفة توضأ فأسبغ الوضوء)) إن كان وضوؤه الأول هو الاستنجاء، فإنه يريد بالوضوء هاهنا وضوء الحدث، وإن كان وضوؤه بالشعب وضوء الحدث غير أنه اقتصر على أقل الواجب، فإن إسباغه هاهنا الإتيان به على أتم أحواله. فصل: وقوله: ((ثم أقيمت الصلاة فصلى)) يريد أنه بدأ بالصلاة ولم يؤخرها؛ لأن حلولها إنما هو مغيب الشفق، ومغيب الشفق مع الوصول إلى المزدلفة، وقد وجد الأمران، فیجب تقديمهما. وقد سئل مالك فيمن أتى المزدلفة أييداً بالصلاة أم يؤخر حتى يحط عن راحلته؟ فقال: أما الرحل الخفيف، فلا بأس أن يبدأ به قبل الصلاة. وأما المحامل والزوامل، فلا أرى ذلك، وليبدأ بالصلاتين ثم يحط راحلته. وقال أشهب فى كتابه: لو حط رحله كتاب الحج ٧٦ وحطه له بعد أن يصلى المغرب أحب إلىّ ما لم يضطر إلى ذلك لما بدابته من الثقل أو لغير ذلك من العذر. ووجه ذلك أن تقديم الصلاة مشروع؛ لأن ذلك فعل النبى 48 غير أن العمل اليسير ليس بفاصل بين الوصول والصلاة لاسيما إذا كان لعذر، وقد توضأ النبى بالمزدلفة. فصل: وقوله: ((فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره ثم أقيمت العشاء فصلاها)» يريد والله أعلم تعجيل صلاة المغرب عند الوصول أو قبل أن يعيد كل إنسان مكان نزوله، فلما صلى المغرب اتسع الوقت للعشاء، فذهب كل إنسان إلى تعيين مكان نزوله وإناخة بعيره به، وتعشى النبى . بعد ذلك على رواية ابن مسعود؛ ليتم كل إنسان ما يحتاج إليه من إناخة بعيره، والتخفيف عن راحلته. قال أشهب: يحط عن راحلته بعد المغرب إن شاء وإن لم يكن بها ثقل، قريب، لا تفاوت فيه بين الصلاتين، وليس ذلك بعمل مشروع بين الصلاتين فيعتبر، وإنما هو مباح موسع فیه. فصل: وقوله: ((ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما)) يريد أنه لم يتنفل بينهما. وقد روى عن عبد الله ابن مسعود أنه صلى بعد المغرب ركعتين، ثم تعشى ثم صلى العشاء. وقد قال أشهب: لا يتعشى قبل أن يصلى المغرب، وإن خفف وليصل المغرب، ثم يتعشى قبل أن يصلى العشاء، إن كان عشاؤه خفيفًا، وإن كان فيه طول، فليؤخره حتى يصلى العشاء أحب إلىّ. ويحتمل هذا أن يكون الجمع هناك ليس مقصود فى نفسه، وإنما المقصود تأخير المغرب إلى بعد مغيب الشفق، ويحتمل أن يكون هذا العمل اليسير ليس بفاصل، ولا مانع من حكم الجمع على ما قال أشهب. وروى ابن عمر أن النبى ﴿4﴾ جمع المغرب والعشاء، فجمع كل واحدة منهما نافلة، ولم يسبح بينهما، ولا على أثر واحدة منهما، وهذا يحتمل أن يقصد الوقت، والله أعلم. ٨٩٤ - مَالِك، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتِ الأَنْصَارِىِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ٨٩٤ - أخرجه البخارى فى الحج ١٥٦٢. ومسلم فى الحج ٢٢٦٤. والنسائى فى المواقيت ٦٠١، مناسك الحج ٢٩٧٤. وابن ماجه فى المناسك ٣٠١١. وأحمد فى باقى مسند الأنصار ٢٢٤٤٧. ٢٢٤٦٠. والدارمى فى المناسك ١٧٦٣. کتاب الحج ٧٧ .... ابْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِىَّ أَخْبُرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِىَّ أَخْرَهُ أَنْهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللّهِ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُؤْدَلِفَةِ جَمِيعًا. ٨٩٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا. الشرح: هذا اللفظ يحتمل معنيين، أحدهما: أنه صلى الصلاتين بالمزدلفة. والثانى: أنه صلاهما بالمزدلفة على حكم الجمع بينهما، وحمل اللفظ على الوجهين أولى لاحتماله لهما، ولا تنافى بينهما إلا أن يدل دليل على غير ذلك، فينهى إلى ما دل علیه، والله أعلم. صلاة منى قَالَ مَالِكْ فِى أَهْلِ مَكَّةَ: إِنَّهُمْ يُصَلُونَ بِمِنَّى إِذَا حَجُوا رَكْعَيْنِ رَكْعَيْنٍ خَتّىَ يَنْصَرِفُوا إِلَى مَكْتَ(١). ٨٩٦ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴾ صَلَّى الصَّلاةَ الرُّبَاعِيَّةَ بِمِنِى رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّأَبَا بَكْرٍ صَلاهَا بِمِنِى رَكْعَتَيْنٍ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَاهَا بِمِنِى رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ عُثْمَانَ صَلاهَا بِمِنِّى رَكْعَتَّيْنِ شَطْرَ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا بَعْدُ: الشرح: قوله: ((فى أهل مكة أنهم يصلون إذا حجوا ركعتين)) يريد أنهم إذا حجوا اقتضى ذلك بلوغًا إلى عرفة ورجوعًا إلى مكة، ولو كان منتهى سفرهم عرفة لما قصروا الصلاة، واحتسب فى هذا السفر بالذهاب والمجىء؛ لأن من خرج من مكة إلى عرفة ٨٩٥ - أخرجه البخارى فى الجمعة ١٠٢٩. ومسلم فى الحج ٢٢٦٧. والترمذى فى الحج ٨١٣. والنسائى ٦٠٢، مناسك الحج ٢٩٧٧. وأبو داود فى المناسك ١٦٤٦، ١٦٤٨، ١٦٤٩. وأحمد ٦١١١. والدارمى فى الصلاة ١٤٧٩. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٧٢. ٨٩٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٧٣. وروى. موصولاً عن ابن عمر، أخرجه البخارى حديث رقم ١٠٨٢. النسائى ١٢/٣. کتاب الحج ... ٧٨ ٠٠ محرمًا بالحج، فلابد له من الرجوع إلى مكة بحكم الإحرام الذى دخل فيه؛ لأنه لا يصح أن يتم عمله الذى دخل فيه إلا بالرجوع إلى مكة. وأما سائر الأسفار، فإن نوى فيه المسير والمجىء، فإنه لا يلزمه الرجوع، وله أن يقيم فى منتهى سفره أو يمضى منه إلى موضع سواه فأخبر مالك أن الواجب على أهل مكة إذا خرجوا للحج أن يصلوا ركعتين حتى ينصرفوا إلى مكة، وذلك يقتضى أن يصلوا بها ركعتين فى البدأة والعودة، ويصلون كذلك بعرفة والمزدلفة، وغيرهما، والله أعلم. فصل: وقوله: ((أن رسول الله ﴿﴿ صلى بمنى ركعتين)) مما احتج به على صحة قوله من أن حكم المصلى يمنى التقصير، وكذلك فعل أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وعثمان بعض خلافته، ثم أتم. وقد اختلف الناس فى معنى إتمامه، فقيل إنه كان اتخذ أهلاً مكة، فرأى أنه لا يقصر مكى؛ لأنه اعتبر فى سفره من مكة بالخروج إلى عرفة دون العودة إلى مكة، وهذا لم يثبت، وهو من المهاجرين، ولا يجوز للمهاجرين استيطان مكة. وقيل إنه رأى الإتمام أفضل، وهو رأى جماعة من الفقهاء أن الإتمام فضيلة، والتقصير رخصة، وأن النبى ﴿﴿ إنما قصر تخفيفًا على الناس، وليتيسر جواز التقصير، والذى ذهب إليه مالك أن التقصير أولى. وقد روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: صليت مع رسول الله (8$ منى ركعتين، ومع أبى بكر وعمر ركعتين، فليت حظى من أربع ركعات، ركعتان متقبلتان. ٨٩٧ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسْيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ صَّلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكّةَ أَتِمُوا صَلائِكُمْ، فَإِنّا قَوْمٌ سَفْرٌ، ثُمَّ صَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَكْعَتَيْنٍ بِمِنْى، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ شيئًا. الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب حين قدم مكة صلى بهم ركعتين)) يريد أنه قدم أيام إمامته، فصلى لهم، وكذلك يفعل الإمام إذا ورد بلدًا من عمله، أقام بهم الصلاة، فإن كان بنية المقام أتم الصلاة، وإن كان بنية السفر قصرها، وظاهر مساق الكلام ٨٩٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٧٤. المغنى ٤٥٦/٣. کتاب الحج ٧٩ يقتضى أنه ورد حاجًا، وإن كان قصر الصلاة، فإن ذلك يقتضى أنه ورد مكة بالغد من يوم التروية، وهو يوم يخرج فيه إلى منى مدة تتم لها الصلاة. فصل: وقوله: ((ثم صلى بمنى ركعتين، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا)) الضمير راجع إلى أهل مكة فى قوله: ((ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا)) لأنهم هم الذين جرى ذكرهم. وأما أهل منى، فلم يجر لهم ذكر، ولا لها أهل؛ لأنها ليست بدار استيطان وإقامة، وإن نسب إليها أحد، فإنما ينسب من يقيم حواليها من الأعراب المنتقلين، وإنما لم يأمرهم بالإتمام لما كان حكمهم التقصير الذى هو حكمه وأمرهم بمكة بالإتمام لما كان حكمه الإتمام الذی يخالف حكمه فى القصر، فنبأهم على ترك اتباعه فى القصر. سُئِلَ مَالِك عَنْ أَهْلٍ مَكّةً كَيْفَ صَلَاتُهُمْ بِعَرَفَةَ أَرَكْعَنَانٍ أَمْ أَرْبَعٌ؟ وَكَيْفَ بِأَمِيرِ الْحَاجِّ إِنْ كَانَّ مِنْ أَهْلِ مَكّْةَ أَيُصَلَى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِعَرَفَةَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ؟ وَكَيْفَ صَلاةُ أَهْلٍ مَكّةَ فِى إِقَامَتِهِمْ؟. فَقَالَ مَالِك: يُصِلِّى أَهْلُ مَكّةَ بِعَرَفَةٍ وَمِنَّى مَا أَقَامُوا بِهِمَا رُكْعَيْنِ رَكْعَيْنٍ، يَقْصُرُونَ الصَّلاةَ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَّكَّةَ. قَالَ: وَأَمِيرُ الْحَاجِّ أَيْضًا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَصَرَ الصَّلاةَ بِعَرَفَةَ وَأَيَّمَ مِنِّى، وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكِنًا بِمِنَى مُقِيمًا بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ نِمُّ الصَّلاةَ بِعِنْ، وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكًِّا بِعَرَفَةَ مُقِيمًا بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُّالصَّلاةَ بِهَا أَيْضًا. الشرح: قد تقدم من قول مالك أن أهل مكة يقصرون الصلاة منی وعرفة، وقد بينا وجه ذلك، ومخالفة هذا السفر لغيره من الأسفار، وحكم الأمير فى ذلك حكم غيره؛ لأنه يلزمه من التمادى والرجوع ما يلزم غيره. فصل: وقوله: ((وإن كان أحد ساكنًا بمنى مقيمًا بها)) يقتضى أن ذلك قليل غير معلوم عنده؛ لأنها ليست دار استيطان على ما قدمنا ذكره إلا أنه إن اتفق ذلك، فإن المقيم بها يتم الصلاة؛ لأن من حكم كل مسافر يصلى فى بلده، فإنه يتم الصلاة وإن كان عليه التمادى إلى غيره، ولذلك أتم أهل منى منى وأهل عرفة بعرفة. * * صلاة المقيم بمكة ومنى قَالَ مَالِك: مَنْ قَدِمَ مَكّةً لِهِلالِ ذِى الْحِحَّةِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلاةَ حَتَّى کتاب الحج ٨٠ يَخْرُجَ مِنْ مَكّةَ لِمِنِّى فَيَقْصُرَ، وَذَلِكَ أَنْهُ قَدْ أَجْمَعَ عَلَى مُقَامٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ آّیَالِ. الشرح: وهذا على ما قال من قدم مكة لهلال ذى الحجة، فإنه يقيم مكة سبعة أيام؛ لأن الخروج إلى منى إنما هو فى اليوم الثامن، وهذه مدة يتم الصلاة من نوى إقامتها فى موضع. وكذلك لو ورد وبينه وبين يوم التروية أربعة أيام كان حكمه إتمام الصلاة حتى يخرج إلى منى فيقصر، ولا يلزم على هذا الحاج بمنى يوم النحر، فإنه إن لم يتعجل، فإنه لا يستكمل بها أربعة أيام، فلذلك لم يفصل بين أول سفره وآخره، فلم يزل المقيم بها أیام منی یتم صلاته. تكبير أيام التشريق ٨٩٨ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ الْغَدّ مِنْ يَوْمِ الْنّحْرِ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ شَيْئًا، فَكَّرَ فَكَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الثَّانِيَّةَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَكَّرَ فَكَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثَةَ حِينَ زَاغَتٍ الشَّمْسُ، فَكَّرَ فَكَّرَ النّاسُ بِتَكْبِرِهِ، حَتَّى يَتْصِلَ التّكْبِرُ، وَيَبْلُغَ الْبَيْتَ، فَيُعْلَمَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ خَرَجَ یَرْمِی. الشرح: خروج عمر بن الخطاب فى الأوقات المذكورة للتكبير على معنى تذكير الناس وتنبيههم على ذكر الله تعالى لما روى عن النبى ﴿) أنه قال: ((إنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى))(١) وخاف أن يغلب على الناس فى أكثر أوقاته التشاغل والغفلة عن ذكر الله تعالى، فكان يخرج ويعلن بالتكبير مذكر للناس بذلك. وقد قال مالك: إن عمر كان إذا كبر بمنى بعد الزوال حسر الناس الأمتعة لرمى الجمار، فيحتمل أن يكون عمر يقصد ذلك ليتأهب الناس لرمى الجمار إذا كان رميها ٨٩٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٧٧. (١) أخرجه مسلم حديث رقم ١١:٤١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٢٣٠. أبو داود حدیث رقم ٢٨١٣. أحمد فى المسند حديث رقم ٧١٠. .......... ٨١ کتاب الحج . قبل الصلاة وقبل الأذان لها، ولعله كان يزيد فى الإعلان به عند الزوال حتى يتصل التكبير إلى مكة فيعلم الناس أن عمر قد خرج لرمى الجمار فيتذكرون حينئذ ذكر الله تعالى، ويغتنمون الدعاء حين دعا الناس منى رجاء أن تنالهم بر كته. فصل: وما روى عن عمر فى ذلك أول يوم من أيام التشريق. قال ابن حبيب: ينبغى لأهل منى وغيرهم أن يكبروا أول النهار، ثم إذا ارتفع، ثم إذا زالت الشمس، بالعشى، وكذلك فعل عمر، وأما أهل الآفاق وغيرهم، ففى خروجهم إلى المصلى وفى دبر الصلوات ويكيرون فى خلال ذلك ولا يجهرون والحجاج يجهرون به فى كل الساعات إلى الزوال من اليوم الرابع، فيرمون ثم ينصرفون بالتهليل والتكبير حتى يصلوا الظهر بالمحصب، ثم ينقطع التكبير. قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ التّكْبِرَ فِى أَيَّامِ التّشْرِيقِ دْرَ الصَّلَوَاتِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الإِمَامِ، وَالنّاسُ مَعَهُ دُبْرَ صَلاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّخْرِ، وَآخِرُ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الإِمَامِ وَالنَّاسُ مَعَهُ دُبْرَ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرٍ أَّمِ التّشْرِيقِ، ثُمَّيَقْطَعُ التَّكْبِيرَ. قَالَ مَالِك: وَالتّكْبِيرُ فِى أَيَّامِ النّشْرِيقِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنّسَاءِ مَنْ كَانَ فِى حَمَاعَةٍ أَوْ وَحْدَهُ بِمِنِى أَوْ بِالآفَاقِ كُلُّهَا وَاحِبٌّ، وَإِنَّمَا يَأْتُمُّ النّاسُ فِى ذَلِكَ بِإِمَامِ الْحَاجِّ وَبِالنّاسِ بِمِنَى لِأَنْهُمْ إِذَا رَجَعُوا وَانْقَضَى الإِحْرَامُ الْتَمُوا بِهِمْ خَتَّى يَكُونُوا مِثْلَهُمْ فِى الْجِلْ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ حَاجًا، فَإِنّهُ لا يَأْتُمُّ بِهِمْ إِلا فِى تَكْبِرٍ أَيَّامِ الْتّشْرِيقِ. الشرح: قوله: ((التكبير فى أيام التشريق)) يريد متصلاً بالسلام، فإن سجد لسهوه بعد السلام فلا يكبر إلا بعد السلام من سجود السهو ومن فاته بعض الصلاة، فإنه يكبر بعد السلام وتمام القضاء، قاله أشهب. ووجه ذلك أنه شرع بعد تمام التحلل من الصلاة وما تقدم ذكره ببعض الصلاة وأما هو من تمام الصلاة وجبرانها، فلا يكون التكبير إلا بعد السلام منها. فصل: وقوله: ((دبر الصلوات)) يريد الصلوات الخمس، رواه على بن زياد عن مالك فى المدونة دون النوافل، خلافًا لبعض التابعين؛ لأن فى تخصيص هذه الصلوات بذلك تعظيمًا لها، ولأنه ذكر واجب، فوجب أن يختص من الصلوات بالواجب منها. فصل: وقوله: ((وأول ذلك تكبير الإمام فى عقب صلاة الظهر من يوم النحر كتاب الحج ٨٢ وآخره تكبيره عقب صلاة الصبح من آخر أيام التشريق» ومعنى ذلك أن هذه مدة صلاة الناس بمنى؛ لأن صلاة الفجر يوم النحر إنما تصلى بالمزدلفة، وصلاة الظهر فى آخر أيام التشريق لا تصلى بمنى، وإنما يرمى الجمار الحاج ثم ينفر، فيصلى الظهر بالمحصب أو حيث أدركته الصلاة من طريقه. وقال الشافعى: يكبر فى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق. ووجه قول مالك ما قدمناه. قال الشيخ أبو القاسم: وذلك فى خمس عشرة صلاة أولها صلاة الظهر من يوم النحر وآخرها صلاة الصبح من آخر أيام التشريق. وفى كتاب ابن سحنون فيمن قضى صلاة من أيام التشريق بعدها: فلا تكبير عليه. ومعنى ذلك أن لهذا التكبير اختصاصًا بهذه الأيام لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣]. مسألة: فمن نسى التكبير بأثر الصلاة كبر، إن كان قريبًا، وإن تباعد، فلا شىء علیه. وجه القول الأول أن المراعى فى ذلك القرب؛ لأنه مضاف إلى الصلاة. وفى المدونة من قول مالك: إن نسى الإمام التكبير، فإن كان قريبًا، قعد فكبر وإن تباعد، فلا شىء عليه، وإن ذهب ولم يكبر والقوم جلوس فليكبرو. ووجه القول الثانى مراعاة الحال التى يتحلل عليها من الصلاة، فإذا فارقها، فلا شىء عليه. فصل: قال فى المدّونة: ويكبر الناس والمسافرون، ومن صلى وحده وأهل البوادى والعبيد وغيرهم من المسلمين. وقال فى المختصر: ولا يكبر النساء دبر الصلوات. وجه القول الأول أن المرأة ممن يلزمها حكم إحرام كالرجل. ووجه القول الثانى أنه معنى من حكمه الإعلان، فلم يثبت فى حق المرأة ابتداء كالأذان. مسألة: وصفة التكبير، قال فى المجموعة على بن زياد عن منالك: التكبير دبر الصلوات، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. وفى المختصر عن مالك: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، والله أكبر ولله الحمد. قال الشيخ أبو القاسم: وذلك ست كلمات، وإن اقتصر على ثلاث تكبيرات متواليات أجزأه، والأول أفضل. وروى على بن زياد عن مالك فى المجموعة: ونحن نستحسن فى التكبير ثلاثًا، فمن ٨٣٠٠ کتاب الجچ زاد أو نقص، فلا حرج. وروى ابن القاسم وأشهب أنه لم يجد فيه ثلاثًا، والله أعلم. قَالَ مَالِك: الأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ، أَيَّامُ التّشْرِيقِ. الشرح: الأيام المعدودات، هى أيام الرمى، وهى ثلاثة أيام متصلة تلى يوم النحر، وهى أيام التشريق، قيل سميت التشريق؛ لأن لحوم الأضاحى تشرق فيها، وقيل: سميت بذلك لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير. ومما يدل على أن الأيام المعدودات، هى التى وصفناها بذلك قوله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣]، معناه والله أعلم، فمن تعجل فى يومين منها، ومن تأخر حتى يستكملها، والتعجيل فى يومين منها أن يقيم بمنى منها يوم النحر، وهو أولها ثم يوم النفر، وهو الثانى منها، فيأتى فى اليومين بما شرع فيه من الرمى، ثم ينفر فيه، فيكون قد تعجل قبل اليوم الثالث، والتأخير أن يقيم إلى اليوم الثالث، وهو يوم الصدر، فيأتى بما شرع فیه من الرمی ثم يصدر. * صلاة المعرس والمحصب ٨٩٩ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الّتِى بِذِى الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا. قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. قَالَ مَالِك: لا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ أَنْ يُحَاوِزَ الْمُعَرَّسَ إِذَا قَفَلَ حَتَّى يُصَلِّىَ فِيهِ، وَإِنْ مَرَّ بِهِ فِى غَيْرِ وَقْتٍ صَلاةٍ، فَلْيُقِمْ حَتّى تَحِلَّ الصَّلاةُ ثُمَّ صَلَى مَا بَدَا لَهُ لأَنَّهُ بَلَغَيِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَرَّسَ بِهِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَنَاخَ بِهِ. الشرح: المعرّس، هو البطحاء التى بذى الحليفة. ومعنى المعرس موضع النزول يقال: عرس الرجل بالمكان إذا نزل به وحط فيه رحله، فسمى ذلك الموضع المعرس؛ لأن * نزل فيه، ولما صلى فيه النبى ﴿3﴾ استحبت الصلاة فيه تبركًا بموضع صلاته، مع أنه ٨٩٩ - أخرجه البخارى فى الحج ١٤٣٤. ومسلم فى الحج ٢٣٩٧. والنسائى فى مناسك الحج ٢٦١١. وأبو داود فى المناسك ١٧٤٨. وأحمد فى ٤٥٨٨، ٥٣٤٣، ٥٦٣٩، ٥٩٥٢. .. كتاب الحج ٨٤ روى أن النبى ﴿﴿ أمر بذلك، رواه عبد الله بن عمر عنه ﴿﴿ أنه نودى، وهو فى معرس ذى الحليفة ببطن الوادى، قيل له: إنك ببطحاء مباركة. فصل: وقول مالك: ((لا ينبغى لأحد أن يجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلى فيه))(١) وخص ذلك بالقفول لأنه روى أن النبى ﴾ إنما أناخ فى قفوله. روى عبد الله بن عمر أن رسول الله * * كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل فى طريق المعرس، وأن رسول الله ) كان إذا خرج لمكة يصلى بمسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذى الحليفة ببطن الوادى، حتى يصبح. فصل: وقوله: ((وإن مر به فى غير صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلى ما بدا له)) واحتج على ذلك بفعل النبى ﴿﴿ .. وفى رواية عبيد الله عن نافع أن النبى $$ كان يفعل ذلك. وهذا يدل على تكرر ذلك الفعل منه، والاقتداء به مما رجى بركته لاسيما، وقد أوحى إليه فى هذا اليوم أنه ببطحاء مباركة، فيجب أن يقصد بالصلاة رجاء بركة ذلك فيها، وليس لما يصلى فيه حد، يريد فى الكثرة والقلة. وأقل ذلك ما شرع من النافلة، وهو ركعتان، فهذا حد فى القلة، وأما الكثرة فلا حد لها، والله أعلم. (١) ذكر ابن عبد البر فى التمهيد ١٠٠/٦ أقوالا للعلماء فى ذلك فقال: قال أبو حنيفة: من مر بالمعرس من ذى الحليفة راجعًا من مكة، فإن أحب أن يعرس به حتى يصلى فعل، وليس عليه ذلك بواجب. وقال محمد بن الحسن - محتجًا له -: بلغنا أن رسول الله ! عرس به، وأن ابن عمر أناخ به؛ وليس ذلك عندنا من الأمر الواجب؛ إنما هو مثل المنازل التى نزل بها رسول الله 18 من منازل طريق مكة؛ وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره تلك فينزل بها، فلذلك فعل مثل ذلك بالمعرس، لا أنه كان يراه واجبًا على الناس؛ ولو كان واجبًا، لقال فيه رسول الله ﴾ وأصحابه للناس ما يقفون عليه. وقال إسماعيل بن إسحاق: ليس نزوله ## بالمعرس كسائر منازل طريق مكة، لأنه كان يصلى الفريضة حيث أمكنه؛ والمعرس إنما كان يصلى نافلة، ولا وجه لمن زهد الناس فى الخير؛ قال: ولو كان المعرس كسائر المنازل، ما أنكر ابن عمر على نافع ما توهمه عليه من التأخر عنه. قال: وحدثنا أبو ثابت، عن ابن أبى حازم، عن موسى بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر سبقه إلى المعرس، وأبطأ عليه نافع؛ فقال له: ما حبسك؟ قال: فأخبرته، فقال: ظننت أنك أخذت الطريق الأخرى، لو فعلت لأوجعتك ضربًا. وروى الليث عن نافع مثله. ٨٥ .. كتاب الحج وإنما ذلك لمن كان قافلا من حج أو عمرة. وقد روى أبو داود بن سعيد عن مالك فيمن حج أو اعتمر من أهل المدينة، ثم قفل فمر بقريته جاهلاً، فأقام بها شهرين أو ما أشبه ذلك، ثم رجع إلى أهله بالمدينة: ليس عليه أن يأتى المعرس، وإنما ذلك على من توجه إلى أهله فى صدره، والله أعلم. ٩٠٠ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُحَصَّبِ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ. الشرح: المحصب موضع بأعلى مكة خارج منها متصل بالجبانة التى بطريق منى، وهو الذى يقال له: الأبطح، رواه ابن المواز عن مالك. وقوله: ((أنه يصلى هذه الصلوات بالمحصب)) يقتضى أن ذلك مشروع عنده. والأصل فى ذلك ما روى أنس بن مالك عن النبى ﴿﴿ أنه صلى الظهر والمغرب والعشاء بالمحصب، ورقد رقدة. وقد روى عن عائشة أنها قالت: المحصب ليس بسنة، إنما هو منزل نزله رسول الله 88 ليكون أسمح لخروجه. وروى ابن عباس نحوه. وروى سليمان بن يسار عن أبى رافع، قال: لم يأمرنى النبى 18 أن أنزل بالأبطح، ولكنى أتيتها فضربت فيها قبته، فجاء فنزل. وقد روى ابن المواز عن مالك أنه قال: إني لأستحب النزول بالمحصب إذا فرغ الإمام من أيام الرمى وصدر، وإن لم يفعل، فلا بأس. وروى ابن وهب عن مالك: أن ذلك حسن للرجال والنساء وليس ذلك بواجب. وقد قال ابن عمر: النزول بالمحصب سنة، أناخ به رسول الله ﴾ وأبو بكر وعمر وعثمان والخلف وهذا على ما قال، ولا خلاف فى أنه غير واجب وإنما الخلاف فى الاستحباب. وقد قال مالك: استحب للأئمة، ولمن يقتدى به أن لا يجاوزوه حتى ينزلوا به، فإن ذلك فى حقهم؛ لأن هذا أمر قد فعله النبى ﴿ والخلف تعين على الأئمة، ومن يقتدى به من أهل العلم إحياء سنته، والقيام بها لئلا يترك هذا الفعل جملة، ويكون للنزول بهذا ٩٠٠ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٣٣، ١٦٣٤. والنسائى فى المناسك الحج ٣٠٣١. والدارمى فى المناسك ١٨٢٤. کتاب الحج ٠٨٦ الموضع حكم النزول بسائر المواضع لا فضيلة للنزول به بل لا يجوز النزول به على وجه القربة. فصل: فإذا قلنا يستحب النزول به، فإن ذلك لمن لم يتعجل، فأما من تعجل فى يومين، فلا أعلم التحصيب يكون له، رواه ابن حبيب عن مالك. وقد روى ابن أبى ذئب عن ابن شهاب: لا حصبة لمن تعجل فى يومين. ووجه ذلك أن هذا إنما هو لمن استوفى العبادة، وأتى بها على أكمل هيئتها، فأما من اقتصر على الجائز منها دون الفضيلة وتعجل بترك المبيت بمنى ورمى الجمار الذى هو آكد من التحصيب، فمن حكمه أن لا يتلوم على التحصيب الذى لا يقوى قوة التأخير فى القرب، وكذلك إذا وافق يوم الجمعة يوم النفر، فقد قال مالك: أحب للإمام أن لا يقيم بالمحصب لكى يصلى الجمعة بأهل مكة. فصل: ومن لم يقم بالمحصب، فقد قال ابن حبيب: كان مالك يأمر بالمحصب ويستحبه، وإن شاء مضى إذا صلى به الظهر والعصر حتى يأتى مكة، ويدع المقام به حتى يمسى إلا أنه لا ينبغى لأحد أن يدع التعريس به. وأما من جهل أو نسى، فلم ينزل به ومضى كما هو حتى أتى مكة، فصلى بها الظهر والعصر أو صلاهما بطريقه، فلا شيء عليه من دم ولا غيره، قاله ابن حبيب. ووجه ذلك ما قدمناه من أنه مستحب مختلف فى استحبابه، فالأخذ به أحوط ومن تر که، فلا شىء علیه؛ لأنه لم يخل بواجب. مسألة: ومن أدركه وقت الصلاة قبل أن يأتى الأبطح، فإنه يصلى الصلاة حيث أدر کته، فإذا أتی الأبطح نزل به، قاله ابن حبيب. ووجه ذلك أن أداء الصلاة فى وقتها متفق على وجوبه والنزول بالأبطح مختلف فى استحبابه، مع أنه لا يفوت بأداء الصلاة فى وقتها. فصل: وقوله: ((ثم يدخل مكة من الليل فيطوف بالبيت)) إن كان ممن عليه طواف الإفاضة، فيدخل لذلك، وإن كان ممن يريد الرحيل، وقد طاف لإفاضته، فيدخل لطواف الوداع، وإن كان يريد المقام بمكة فقد حل، وإن شاء طاف، وإن شاء أخر الطواف، والله أعلم. .... ٨٧ ........ كتاب الحج . البيتوتة بمكة ليالي منى ٩٠١ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنْهُ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَبْعَثُ رِجَالا يُدْخِلُونَ النَّاسَ مِنْ وَرَاءِ الْعَقْبَةِ. ٩٠٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لا يَبِتْنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ لَيَلِىَ مِنِّى مِنْ وَرَاءِ الْعَقْبَةِ. الشرح: قوله: ((كان يبعث رجالاً يدخلون الناس من وراء العقبة)) يريد فى ليالى منى؛ لأن المبيت بمنى ليالى منى مشروع كالمقام بها، وكل حكم تعلق بمنى، فإنه يتعلق بما دون العقبة إليها كالنحر. وقد قال ابن عبد الحكم عن مالك، وابن حبيب عن ابن الماجشون: من أقام بمكة أكثر ليلته ثم أتى إلى منى، فأقام بها حتى أصبح، فلا شىء عليه حتى يبيت ليلة كاملة، فعليه دم. وروى ابن المواز: أن من بات ليلة أو جل ليلة وراء العقبة، فليهد هديًا، وإن بات بعض ليلة، فلا شىء عليه. والأصل فى ذلك أن النبى ﴿لَّا بات منی لیالی منی، وأرخص القياس فى المبيت بمكة لأجل السقاية، وهذا يدل على أنه مأمور به، وإلا فکان يجوز للعباس ذلك ولغيره دون إرخاص، وقد تأكد ذلك بفعل الأئمة بعد النبى 198 ثم يمنع عمر المبيت وراء العقبة، وهذا إجماع لعدم الخلاف. مسألة: والعقبة التى منع عمر أن يبيت أحد وراءها إلى مكة هى العقبة التى عند الجمرة التى يرميها الناس يوم النحر مما يلى مكة، رواه ابن نافع عن مالك فى المبسوط. قال: وقال مالك: ومن بات وراءها ليالى منى فعليه الفدية. ووجه ذلك أنه بات بغير منی لیالی منی، وهو مبيت مشروع فى الحج، فلزم الدم بتركه كالمبيت بالمزدلفة. ومعنى الفدية فى قول مالك فى هذه المسألة: الهدى. قال ٩٠١ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٣٣، ١٦٣٤. والنسائى فى المناسك الحج ٣٠٣١. والدارمى فى المناسك ١٨٢٤. ٩٠٢ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٣٣، ١٦٣٤. والنسائى فى المناسك الحج ٣٠٣١. والدارمى فى المناسك ١٨٢٤. كتاب الحج ٨٨ ٠٠ مالك: وهو هدى يساق من الحل إلى الجرم. وكذلك روى فى المبسوط عن مالك فى من زار البيت، فمرض بمكة وبات بها: عليه هدى يسوقه من الحل إلى الحرم، فأوجب ذلك مع الضرورة. ٩٠٣ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِى الْبَيْتُوتَةِ بِمَكّةَ لَيالِىَ مِنِّى: لا يَسِتْنَّ أَحَدٌ إِلا بِمِنْى. الشرح: قوله: ((فى البيتوتة بمكة ليالي منى لا يبين أحد إلا بمنى)) إنما خص السائل مکة بالمبيت بها لما رأی أن العباس وابنه عبد الله کانا یبیتان بمكة لیالی منی أرخص لهما رسول الله ﴿﴿ فى ذلك على ما تقدم ذكره. وقد روى عن ابن عباس إباحة ذلك. وروى عنه عكرمة أنه قال: لا بأس أن یبیت الرجل مكة ليالى منى، ويظل بها إذا رمى الجمار. قال ابن حبيب: وإنما رخصه له من اجل السقاية، ولم يرد بذلك سائر الناس. وقد روى عن ابن عباس ما يؤيد هذا التأويل أنه قال: إذا كان للرجل متاع بمكة، فخشى عليه الضيعة، إن بات بمنى، فلا بأس أن يبيت عنده بمكة، فعلق إباحة ذلك بالعذر، وهذا يقتضى أن ذلك ليس مباح على الإطلاق، وليس فى هذا دليل على أنه لا يلزمه دم؛ لأن ذلك عذر يخصه والذى يقتضيه مذهب مالك: أن عليه الهدى على حسب ما روى عنه ابن نافع، فيمن حبسه مرض، فبات مكة أن عليه الهدى. * * * رمى الجمار(١) ٩٠٤ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْحَمْرَيْنِ الأولَيَيْنِ وُقُوقًا طَوِيلا ◌َتّى يَمَلَّ الْقَائِمُ. ٩٠٣ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٣٣، ١٦٣٤. والنسائى فى المناسك الحج ٣٠٣١. والدارمى فى المناسك ١٨٢٤. (١) قال فى الاستذكار ١٩٦/١٣: الجمار الأحجار الصغار، ومن هذا قول رسول الله ((من استجمر فليوتر)). أى من تمسح بالأحجار. ومنه الجمار التى ترمى بعرفة يوم النحر، وسائر الجمار ترمى أيام التشريق، وهى أيام منى، وقال ابن الأنبارى ك الجمار هى الأحجار الصغار يقال: جمر الرجل يجمر تجميرًا: إذا رمى جمار مكة. ٩٠٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٨٣. الأم للشافعى ٢١٣/٢. المحلى ١٤١/٧. ٨٩ كتاب الحج . الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب كان يقف عند الجمرتين) يريد الأولتين ((وقوفًا طويلاً)) يريد أنه كان يقف عندهما بعد الرمى للدعاء والذكر وقوفًا طويلاً حتى يمل القيام بقيامه من طول القيام، والقيام عند تينك الجمرتين بأثر رميهما مشروع، ويستحب طول القيام عندهما للدعاء والذكر. ٩٠٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرٌ كَانَ يَقِفٌ عِنْدَ الْحَمْرَيْنِ الأولَيْنِ وُقُوفًا طَوِيلا، يُكَبِّرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُو اللَّهَ، وَلا يَقِفُ عِنْدَ حَمْرَةِ الْعَقْبَةِ. الشرح: قوله: ((يقف عند الجمرتين الأولتين)) هما اللتان يليان مسجد الخيف، وإنما سميتا الأولتين؛ لأنه إنما يبدأ بالرمى من الجمرة الأولى، وهى التى تلى مسجد الخيف ثم بالوسطى، وهى التى تليها ثم بالقصوى، وهى التى تلى العقبة، فشرع الوقوف عننك الأولى والوسطى، ولم يشرع عند الآخرة، وهى جمرة العقبة وموضع الوقوف عند الأولى، إلا أن يتقدم أمامها ثم يقف ويدعو، ثم يتقدم فيرمى الوسطى، ثم ينحرف عنها ذات الشمال فى بطن المسيل، ثم يدعو ثم يتقدم إلى جمرة العقبة فيرميها، ولا يقف عندها كذلك يفعل أيام منى كلها، رواه ابن عبد الحكم فى مختصره عن مالك. ووجه ذلك ما روى أن النبى لـ كان إذا رمى الجمرة التى تلى مسجد منى يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم يتقدم أمامها، فيقف مستقبل القبلة رافعًا يدعو، وكان يطيل الوقوف، ثم يأتى الجمرة الثانية، فيرمها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلى الوادى، فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، ثم يأتى الجمرة التى عند العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر عند كل حصاة ثم ينصرف، ولا يقف عندها. ويحتمل أن يكون ذلك والله أعلم من جهة المعنى أن موضع الجمرتين الأوليين فيه سعة للقيام للدعاء ولمن يرمى. وأما جمرة العقبة، فموضعها ضيق للوقوف عندها للدعاء، لا لامتناع الرمى على من يريد الرمى، ولذلك الذى يرميها لا ينصرف على طريقه، وإنما ينصرف من أعلى الجمرة، ولو انصرف من طريقه ذلك لمنع من يأتى الرمى. فصل: وبين فى حديث عبد الله أن وقوفه عند الجمرتين، إنما هو للتكبير والتسبيح والتحميد والدعاء، ولذلك استحب فيه التطويل، وذلك قدر قوة الناس وطاقتهم. ٩٠٥ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٣٣، ١٦٣٤. والنسائى فى المناسك الحج ٣٠٣١. والدارمى فى المناسك ١٨٢٤. .· كتاب الحج .. ٩٠ ٩٠٦ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ رَمْىِ الْحَمْرَةِ كُلِّمَا رَمَی بِحَصَاةٍ. الشرح: قوله: ((أن عبد الله بن عمر كان يكبر عند رمى الجمرة كلما رمى بحصاة)) وذلك أنه إذا كان التكبير مشروعًا عند الرمى، فإنه يتكرر عند كل رمية، وكذلك كل عبادة شرع فيها التكبير، فإنه يتكرر بتكرر محله كالانتقال من ركن إلى ركن فى الصلاة، وشعار الحج تعظيم لله وتكبير. وقد قال مالك: يكبر مع كل حصاة. والأصل فى ذلك ما روى عن النبى 198 أنه كان يكبر مع كل حصاة. مسألة: وخص التكبير بهذا من بين سائر ألفاظ الذكر لفعل النبى 98 كما خصت الصلاة، فإن سبح، فقد قال ابن القاسم: ما سمعت فيه شيئا، والسنة التكبير. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والذى عندى أنه لا شىء عليه؛ لأن ابن القاسم قد قال فى المبسوط فيمن رمى، ولم يكبر: هو مجزئ. ومعنى ذلك أنه ذكر مشروع فى أثناء الحج كسائر الأذكار والأدعية. مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: الْحَصَى الْتِى يُرْمَى بِهَا الْحِمَارُ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ (١). قَالَ مَالِك: وَأَكْبُرُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلا أَعْجَبُ إِلَىَّ. الشرح: قوله: ((الحصى الذى يرمى به الجمار مثل حصى الحذف)) يريد أن الحصى المشروع رميه مثل حصى الخذف، والجمرة لموضع الرمى سميت بذلك باسم ما يرمى بها فيها، والجمار الحجارة، قدر ما يرمى به منها مثل حصى الخذف، وهو حصى مائل إلى الصغر، فترمى به العرب على وجه اللعب تجعله بين السبابة والإبهام من اليسرى، ثم تقذفه بالسبابة من الیمنی، وقد روی عن النبى ټ﴾ النھی عنه. فصل: وقول مالك: ((وأكبر من ذلك قليلاً أحب إلى)) يقتضى أنه لم يبلغه حديث النبى ﴿﴿ فى ذلك، ولذلك نسب القول إلى بعض أهل العلم، ولو بلغه حديث النبى 18 من وجه صحيح لما نسبه إلى غيره ولاستحب ما هو أكبر منه. ٩٠٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٨٥. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٤٩/٥. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٨٦، وقال: روى عن النبى ﴿19 من وجوه من حديث جابر بن عبد الله، وابن عباس، وحديث عمرو بن الأحوص، وحديث رجل من بنى تيم قرشى يختلف فى اسمه: ((أن النبى ﴿ رمى الجمار مثل حصى" الخذف)). ٩١ کتاب الحج ـّ رمى الجمرة مثل حصى الخذف. روى أبو الزبير عن جابر قال: رأيت النبى ووجه آخر، وهو أنه يحتمل أنه بلغه حديث النبى ﴿! أنه رمى بذلك، والنبى فعل ذلك تبينًا للجواز، وأخذا بالأيسر. ووجه ثالث، وهو ما ذكره بعض شيوخنا أنه إنما فعل ذلك احتياطًا لئلا يقصر عن مثل ما رمى به النبى ﴿﴿؛ لأنه إذا كان النبى ﴿4﴾ رمى يمثل حصى الخذف كره أن يقصر أحد عن ذلك فيرمى بما هو أصغر من حصى الخذف، ومن تحرى مثل حصى الخذف أخذ مرة أكبر منه، ومرة مثله، ومرة أصغر منه، فيخل ببعض التقدير الذى سنه رسول الله ﴾، فاستحب مالك أن يزيد على حصى الخذف ليتيقن أنه رمى بما رمى به النبى ﴿﴿، ولا يقصر عن شىء منه. وقد روى عن القاسم بن محمد أنه كان يرمى بأكبر من حصى الخذف، وهذا أيضًا ليس بأيسر؛ لأنه لو كان قدر حصى الخذف على معنى التحديد الذى لا يجوز الإخلال بشىء منه، لكان ذلك يمنع من الزيادة عليه. والوجه الأول أبين، والأخذ بما فعل النبى ◌َّ أولى وأحق. مسألة: وله أن يأخذ حصى الجمار من منزله منى أو حيث شاء، ما لم يأخذها من الحصى الذى قد رمى به إلا جمرة العقبة، فإنه يستحب أخذه من المزدلفة، قاله ابن حبیب. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ولا وجه لذلك عندى غير الاستعداد بالجمار؛ لأن الداخل إلى منى يقصد جمرة العقبة فيرميها، ولا يقدم على ذلك شيئًا؛ لأن رميه يتصل بوصوله قبل أن يحط رحله، فيجب أن يكون جماره معدة ليمكنه أن يصل رميه بالوصول، وإن لم تكن معدة فصل بين وصوله ورميه بطلب الجمار وكسرها. وأما غيرها من الجمار، فإنما يرميها فى اليوم الثانى بعد الزوال، فيتسع له الوقت لطلب الجمار وإعدادها. مسألة: ولا يرمى من الجمار بما قد رمى، هذا هو المشهور من المذهب. وروى ابن وهب عن مالك فيمن سقطت منه حصاة أنه يأخذ من موضعه حصاة مكانها، فيرمى بها مكان التى سقطت. وروى ابن القاسم عن مالك: إن تيقن أنها الحصاة التى سقطت منه، فليأخذها، وإنه ليكره أن يأخذ من الجمار التى قد رمى بها، وإنى لأتقیه، فإن أخذ منها حصاة، وهو لا يتيقن أنها التى سقطت منه، فأرجو أن يكون خفيفًا · كتاب الحج ... ٠٠٩٢ وقد روى ابن المواز عن أشهب فيمن فقد حصاة من عند الجمرة فرمى بها: أنه لا يجزئه. وجه القول الأول، أن من رمى الجمار لا يغيرها عن حالها، ولا يحدث فيها معنى لم يكن فيها، فلم يمنع ذلك من رميها كتقليبها فى يده. ووجه القول الثانى أنه قد أديت بها العبادة، فلا يجزئ تكرارها بها كالهدى، والأظهر أن مبنى القول فيها على ما تقدم من تكرار الوضوء بالماء. ٩٠٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التّشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنْى، فَلا يَنْفِرَنَّ حَتَّى يَّرْبِىَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ. الشرح: قوله: ((من غربت له الشمس من أوسط أيام التشريق)) يريد يوم ينفر المتعجل، وهو الثانى من أيام التشريق والثالث من أيام النحر، جلس فلم يكن له أن يتعجل، وذلك أنه إنما له التعجيل ما بينه وبين أن تغيب له الشمس من ذلك اليوم، وهو بمنى، فإن غربت له الشمس، فقد لزمه المبيت بها والمقام من الغد إلى أن يرمى الجمار؛ لأنه قد فاته أن يتعجل فى وقت التعجيل، وهو ما بين أن يرمى الجمار فى اليوم الثانى من أيام التشريق وبين أن تغرب الشمس من ذلك اليوم. مسألة: وأما حكم التعجيل، فإن الحاج إمام أو مؤتم به، فأما الإمام، فقد قال مالك: ما یعجبنی ذلك له. رواه ابن عبد الحكم. ووجه ذلك أنه يقتدى به والتأخير له أفضل؛ لأنه إتمام للمناسك واستيعاب لها والإتيان بالعبادة والنسك على أكمل هيئاتها، فيستحب للإمام أن يقيم للناس الحج على أتم هيئاته. قاله الشيخ أبو بكر. مسألة: وأما من ليس بإمام، فلا يخلو أن يكون مكيًا أو غير مكى، فإن كان مكيًا، فقد اختلف قول مالك فيه، فروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى ذلك لهم إلا أن يكون لهم عذر من تجارة أو قرض. قال ابن القاسم: وقد كان قال لى قبل ذلك: لا بأس به، وهو كأهل الآفاق. قال ابن القاسم: وهو أحب قوله إلىّ، قال الله تعالى: ﴿فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وهذا عام فى أهل مكة وغيرهم. ٩٠٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٨٧. البيهقى فى السنن الكبرى ١٥٢/٥. المغنى ٤٩٢/٣، المجموع ٢٢٨/٨، الجصاص فى أحكام القرآن ٧١٣/١. ٩٣ کتاب الحج وجه القول الأول أنه لا عذر لأهل مكة فى سرعة النفر والتعجيل؛ لأنه لا يدعوهم إلى ذلك الرجوع مع الرفقة والجيران لما يخاف من فوات ذلك لمن أخر عنهم، ولا طول السفر وبعد المسافة. وأما أهل الآفاق فتدعوهم إلى ذلك الدواعى التى ذكرناها. مسألة: وأما أهل الآفاق، فلهم التعجيل، والمشهور من المذهب أن لهم ذلك وإن أقاموا بمكة. وقد قال ابن الماجشون وابن حبيب: إن ذلك لأهل مكة، وليس ذلك لغيرهم إلا بشرط أن لا يبيتوا فى اليوم الثالث. وجه القول الأول، قوله تعالى: ﴿فمن تعجل فی یومین فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾. ومن جهة السنة ما روى عن عبد الرحمن بن نعيم الديلى ((شهدت النبى 438 أيام منى يتلو: ﴿فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ ثم أردف رجلاً، فجعل ینادی بها فى الناس))(١). ووجه القول الثانى ما احتج به ابن الماجشون أن المكى يرجع إلى بيته، وقد انتھی سفره، وغير المكى مقامه بمنى كمقامه بمكة، فإنه يجوز له التعجيل إذا احتاج إلى سرعة السفر، فلا یبیت بمكة. فرع: فإن قلنا بقول ابن الماجشون، فمن تعجل أهل الآفاق فبات بمكة، ولم يرجع إلى منى، فقد قال ابن حبيب: عليه الدم الذى يجب على من لم يرم، وكان يلزمه أن : يوجب عليه دما لترك المبيت بمنى ودما لترك الرمى من الغد. فصل: وقوله: ((فلا ينفرن حتى يرمى الجمار من الغد)» يقتضى أنه لما لزمه المبيت "لزمه رمي الجمار من الغد؛ لأن المبيت من أجلها، ويقتضى ذلك المقام بالنهار بمنى، وهو عند مالك مشروع لا يزول الحاج من منى أيام التشريق إلا لعذر، ولا يكثر من ذلك. وقد روى ابن عبد الحكم عن مالك: لا يجب لأحد أن يتنفل بطواف بعد الإفاضة فى أيام منى، فإن فعل فأرجو أن يكوت خفيفًا. قال الشيخ أبو بكر: يعنى أنه إذا طاف طواف الإفاضة، رجع إلى منى، ولا يشتغل بشىء غيره من طواف أو صلاة أو غير ذلك لأن رجوعه إلى منى أفضل من ذلك كله. (١) أخرجه الترمذى حديث رقم ٨٨٩، ٢٩٧٥. أبو داود حديث رقم ١٩٤٩. ابن ماجه حدیث رقم ٣٠١٥. أحمد فى المسند حديث رقم ١٨٢٩٧. ٩٤ کتاب الحج ٩٠٨ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا إِذَا رَمّوا الْحِمَارَ مَشَوْا ذَاهِبِينَ وَرَاجِعِينَ وَأَوَّلُ مَنْ رَكِيبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِىِ سُفْيَانَ. الشرح: قوله: ((كانوا إذا رموا الجمار)) يريد فى أيام التشريق مشوا ذاهبين إليها، وراجعين عنها إلى الصلاة فى المسجد. وأما رمى جمرة العقبة فإن الراكب يأتى على راحلته، فيرميها راكبًا. وقد قال مالك فى المبسوط: الشأن يوم النحر أن يرمى جمرة العقبة راكبًا، كما يأتى الناس على دوابهم. وأما فى غير يوم النحر، فكان يقول يرمى ماشيًا. والأصل فى ذلك ما قدمناه من أنه يرمى جمرة العقبة متصلة بوروده. وأما فى سائر الأيام، فإن المشى إليها تواضع، ويحتاج إلى الدعاء عند الجمرتين، فلو ركب الناس لضاق بهم المكان. فصل: وقوله: ((وأول من ركب معاوية بن أبى سفيان)) لعله يريد من الأئمة، وممن يقيم للناس أمر الحج، ولعل معاوية أيضًا ركب لعذر. وقد قال مالك فى المبسوط فيمن ر کب أيام التشريق أو مشی يوم النحر: لا شىء علیه. ٩٠٩ - مَالِك أَنّهُ سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ مِنْ أَيْنَ كَانَ الْقَاسِمُ يَرْبِى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ؟ فَقَالَ: مِنْ حَيْثُ تَيْسَّرَ. الشرح: قوله: ((من حيث تيسر)) قال مالك: معناه من أسفلها، وهو الميسر فيها لأن رميها من أعلاها فيه مشقة لحروجة الموضع وضيقه. والأصل فى ذلك ما روى عبد الرحمن بن يزيد، قال: رمى عبد الله من بطن الوادى، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسًا يرمونها من فوقها. فقال: والذى لا إله غيره، هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة، وهذا على الاستحباب، ولو رماها من أعلاه أجزأه. ا.هـ. من المبسوط. مسألة: وإن رمى جمرة العقبة، فليجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره. والأصل فى ذلك ما روی عبد الرحمن بن يزيد أنه حج مع ابن مسعود فرآه يرمى الجمرة الكبرى بسبع حصيات، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. ٩٠٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٨٨. ٩٠٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٨٩. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ١٠١٥٢/٧.