النص المفهرس

صفحات 1601-1620

کتاب الحج
٣٥
ووجه ذلك أنه أبلغ فى التضرع والرغبة والخضوع، وأما الراكب فتلك الحال أبلغ
حالاته.
مسألة: قال ابن حبيب: فإذا ذهبت دعوت، فاستقبل القبلة بالخشوع والتواضع،
والتذلل وكثرة الذكر بالتهليل، والتكبير والتمجيد والتحميد والتسبيح والتعظيم،
والصلاة على النبى 8 والدعاء لنفسك ولوالديك والاستغفار.
وقال الشيخ أبو إسحاق: يكثر من قول لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك
وله الحمد، وهو علی کل شیء قدیر.
وأراه ذهب إلى ما روى عن النبى ﴿ أنه قال: ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة
وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله، وحده لا شريك له))(٢) .
وقوف من فاته الحج بعرفة
٨٦٦ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَّفَةَ مِنْ
لََّةِ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَحْرُ، فَقَدْ فَتَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ
الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ قَبْلٍ أَنْ يَطْلُعَ الْفَحْرُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجّ.
٨٦٧ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَحْرُ مِنْ لَيْلَةٍ
الْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَّهُ الْحَجُّ وَمَنْ وَقَفَ بِعَرْفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُرْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ
يَطْلُعَ الْفَحْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ.
الشرح: قوله: ((من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر، فقد فاته
الحج)) يقتضى معنيين، أحدهما: أن يريد أن هذا آخر ما يدرك به الوقوف، وإن كان
يجوز الوقوف قبله ويجتزا به، والثانى: أن يقصد تبيين زمان الوقوف، فيكون معناه إن
لم يقف ليلة المزدلفة بعرفة، فلا وقوف له، وقد فاته الحج، وإن كان قد وقف قبل
(٢) أخرجه الإمام مالك حديث رقم (٩٦٣) وسيأتى ذكره.
٨٦٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٤١. البيهقى فى السنن الكبرى ١٦٧/٥. ومعرفة
السنن والآثار ١٠٤٣١/٧. الجصاص فى أحكام القرآن ٣١١/١.
٨٦٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٤٢.

كتاب الحج
٣٦ ٠٫٠
ذلك؛ لأن ما قبل ذلك بزمان لفرض الوقوف، وإن كان زمانًا لنافلته. وهذا الوجه هو
الأظهر فى اللفظ لتعليقه الحكم على الليلة، وقد ذهب مالك إلى أن الوقوف لا يجزئ
بالنهار، ولابد من الوقوف بالليل، والأفضل عنده أن يقف نهارًا وليلاً.
وقال أبو حنيفة والشافعى: الاعتماد على الوقوف بالنهار من يوم عرفة من وقت
زوال الشمس إلى الغروب، والوقوف بالليل تبع، فمن وقف جزءًا من النهار أجزأه،
ومن وقف جزاً من الليل أجزاه، ويقولون مع ذلك أن من وقف جزءًا من النهار دون
الليل، فعلیه دم، ومن وقف جزءًا من الليل دون النهار، فلا دم عليه.
والدليل على ما نقوله حديث جابر أن النبى ﴿ استقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى
غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص، وأفعاله # على الوجوب
لاسیما فى الحج. وقد قال #: ((خذوا عنى مناسككم))(١).
ودليلنا من جهة القياس أن هذا أن من يصح صومه، فلم يكن محلاً لفرض الوقوف.
اصل ذلك أول النهار.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فالمستحب من الوقوف أن يصلى بأثر الزوال الظهر والعصر
ثم يتصل بذلك الرواح إلى الموقف، فيتصل وقوفه به إلى غروب الشمس، فإذا غربت
الشمس دفع، وقد جمع بين النفل والفرض.
فإن دفع قبل الغروب إلا أنه لم يخرج من عرفة إلا بعد الغروب، ففى كتاب ابن
المواز عن مالك: عليه الهدى، وإن خرج من عرفة قبل الغروب، ثم رجع إلى عرفة قبل
طلوع الفجر، فقد أدرك الحج، وإن لم يرجع، فقد فاته الحج، وعليه حج قابل،
والهدی.
ومن وقف بعرفة ليلا، وترك الوقوف نهارًا مختارًا، فقد روى الشيخ أبو القاسم:
عليه الدم. وهذا يقتضى وجوبه، وإن لم يكن ركنا من أركان الحج بانفراده.
قَالَ مَالِك فِى الْعَبْدِ يُعْتَقُ فِى الْمَوْقِفِ بِعَرَفَّةَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لا يُجْزِى عَنْهُ مِنْ حَجَّةٍ
الإِسْلامِ إِلا أَنْ يَكُونَ لَمْ يُحْرِمْ، فَيُحْرِمُ بَعْدَ أَنْ يُعْتَقَ ثُمَّ يَقِفُ بِعَرَفَّةَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ
قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَحْرُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَخْرَأَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ حَتَى طَلَعَ الْفَجْرُ كَانَ
(١) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٢٩٧). النسائى حديث رقم (٣٠٦٢). أبو داود
حديث رقم (١٩٧٠). أحمد فى المسند حديث رقم (١٤٠١٠).

٣٧
............
كتاب الحج ..
بِمَنْزِلَةٍ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ إِذَا لَمْ يُدْرِكِ الْوُقُوفَ بِعَرَقَةً قَبْلَ طُلُوعِ الْفَحْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْمُؤْدَِّفَةِ
وَيَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ حَجَّةُ الإِسْلامِ يَقْضِيهَا.
الشرح: وهذا كما قال أن العبد إذا أحرم بالحج فى حال رقه، فإن حجه قد وقع
نفلاً لأنه لم يكن يصح منه حج الفرض فى حال رقه، فإنما يتم حجه على ما انعقد
عليه من النفل، فإن أعتق بعد أن أحرم به عشية عرفة أو قبلها أو بعدها، فإن حجه لا
يجزئ عن فرضه؛ لأن حجه انعقد نفلاً، فلا ينقلب إلى الفرض فى قول مالك لأن كل
عبادة انعقدت نفلاً، فإنها لا تنقلب فرضًا كالصوم والصلاة.
فصل: وقوله: ((إلا أن يكون لم يحرم، فيحرم بعد أن يعتق ثم يقف بعرفة من تلك
الليلة قبل أن يطلع الفجر، فإن ذلك يجزئه)) يريد أنه لم يكن أحرم بالحج وبقى حلالاً
حتى أعتق، فأدرك أن يحرم بالحج ويقف بعرفة قبل طلوع الفجر من ليلة النحر، فإن
حجه يجزئه عن فرضه؛ لأن إحرامه انعقد بنية الفرض، وهو ممن يصح منه الفرض،
ويلزمه بخلاف من كان قبل أن يعتق، فإن إحرامه انعقد نفلاً، فلا يجزئه عن أداء الفرض
إذا لزمه فإن أحرم المعتق بعرفة، فمتى يقطع التلبية؟ قال مالك: يلبى حين إحرامه، ثم
يقطع التلبية. وقال ابن الماجشون: يلبى حتى يرمى جمرة العقبة.
فصل: وقوله: ((وإن لم يحرم حتى يطلع الفجر كان بمنزلة من فاته الوقوف بعرفة
قبل طلوع الفجر من ليلة المزدلفة)) يريد أنه إن لم يحرم بعد عتقه حتى يطلع الفجر من
ليلة النحر، فقد فاته الحج، ولا يخلو أن لا يحرم بعد ذلك أو يحرم، فإن لم يحرم، فلا
شىء عليه إلا حجة الإسلام فى المستقبل، ويحتمل أن يريد هذا بقوله: ((كان بمنزلة من
فاته الوقوف بعرفة)) على تأويل أنه لما رأى أنه قد فاته الوقوف بعرفة، لم يحرم بالحج،
وهو الصواب، إلا أن يحرم به إذا طلع له الفجر من يوم النحر، وكان فى وقت يعلم أنه
إن أحرم طلع عليه الفجر قبل الوصول إلى عرفة لأنه دخل فى حج متيقن أنه لا يمكنه.
فصل: وقوله: ((وتكون على العبد حجة الإسلام يقضيها)) يريد أنه إذا فاته الوقوف
بعرفة إما لأنه لم يحرم أو أحرم قبل العتق أو أحرم بعد العتق، فلم يمكنه الوقوف بعرفة،
فإن حجة الإسلام باقية عليه لا يقضيها عنه، ولا يسقط وجوبها بشىء مما تقدم، والله
أعلم وأحكم.

٣٨
.. كتاب الحج
تقديم النساء والصبيان
٨٦٨ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سَالِمٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَىْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُمَا
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ أَهْلَهُ وَصِبْيَنَهُ مِنَ الْمُرْدَلِفَةِ إِلَى مِنِى حَتَّى يُصَلُوا الصُّبْحَ
بِمِنَّى، وَيَرْمُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِىَ النَّاسُ.
الشرح: قوله: ((كان يقدم أهله وصبيانه من المزدلفة إلى منى)) السنة المبيت بالمزدلفة،
والوقوف بها بعد صلاة الفجر، على ما يأتى ذكره وتفسيره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
مسألة: والفرض من المبيت بمنى النزول فيها، والمقام مقدار ما يرى أنه مقام، فمن
منعه من النزول بها مانع، فقد قال ابن المواز: عليه الدم، وهو بدنة، وقاله مالك.
وإن نزل بها ثم ارتحل عنها قبل الفجر أولا، عامدًا أو جاهلاً، فقد قال ابن المواز:
يجزئه، ولا شيء عليه.
مسألة: وهذا لمن جاءها ليلاً، فأما من جاءها بعد الفجر، فقد قال أشهب فى
الموازية: عليه الدم، وإن كان من ضعفة الرجال والنساء والصبيان. وقال ابن القاسم: من
جاءها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فنزل بها، فقد أدرك، ولا شىء عليه،
فجعل ما بعد الفجر وقتًا للنزول بالمزدلفة، وإن كان النزول عرى عن المبيت بها.
قال القاضى أبو الوليد: ووجه ذلك عندى أن الوقوف بالمزدلفة لما لم يكن ركنًا من
أركان الحج، ولم يجب بتركه إلا الدم لم يقو قوة الوقوف بعرفة، فيجب بترك توابعه
الدم، ومن أتى بعد الفجر، فنزل أجزأه عن المبيت، وإن كان قد أساء، وترك الأفضل.
فصل: وقوله: ((كان يقدم أهله حتى يصلى الصبح بمنى)) يقتضى أن التقدم كان قبل
الصبح، وأن ذلك كان بمقدار ما يأتون منى لصلاة الصبح أو قبل ذلك، فتجب صلاة
الصبح وهم بها، وإنما خص بذلك نساءه وصبيانه للضعف عن زحمة الناس، فأراد بذلك
الرفق بهم على حسب ما روى عن النبى ﴿﴿ فى ذلك لما كان التعريس الذى هو فرض
المبيت بالمزدلفة قد وبعد منهم، ولم يبق إلا فضيلة الوقوف مع الإمام، فرخص لهم فى
ذلك لضعفهم، وقد بين ذلك بقوله: ((ويرموا قبل أن يأتى الناس)).
٨٦٩ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبّاحٍ أَنَّ مَوْلاةٌ لِأسْمَاءَ
٨٦٨ - أخرجه البخارى فى الحج ١٥٦٤. ومسلم فى الحج ٢٢٨١.
٨٦٩ - أخرجه البخارى فى الحج ١٥٦٧. ومسلم فى الحج ٢٢٧٤. والنسائى فى مناسك الحج
٢٩٩٨. وأحمد فى مسند الأنصار ٢٥٧٠٤، ٢٥٧٢٧.

٣٩
كتاب الحج .
بَنْتِ أَبِى بَكْرِ أَخْبُرَتْهُ قَالَتْ: حِثْنَا مَعَ أَسْمَاءَ ابْنَةٍ أَبِى بَكْرِ مِنِّى بِغَلَسٍ، قَالَتْ: فَقُلْتُ
لَّهَا: لَقَّدْ جِئْنَا مِنِّى بِغَسٍ، فَقَالَتْ: قَدْ كُنَا نَصْنَعُ ذَلِكَ مَعَ مّنْ هُوَ خُيْرٌ مِنْكِ.
الشرح: قولها: ((جئت مع أسماء بنت أبى بكر منى بغلس)) يحتمل أن تريد به قبل
طلوع الفجر، ويحتمل أن تريد به بعد طلوع الفجر، وهو الأظهر، ولذلك روى عن
عائشة أنها قالت: ((كان رسول الله ﴿﴾ يصلى الصبح بغلس))(١) وإنكار الأمة عليها
إتيانها منى بغلس لما علمت أن السنة الوقوف بالمزدلفة إلى الإسفار، فأنكرت عليها
مخالفتها جماعة الحاج فى ذلك، فأعلمتها أسماء ما عندها فى ذلك، وهو أن النساء
والضعفة قد أرخص لهم فى التقدم رفقًا بهن، فقال: ((كنا نصنع هذا مع من هو خير
منك)) يحتمل أن تريد بذلك النبى ! فقد روى عنها هذا الحديث مسندًا، ويحتمل أن
تريد من بعد النبى 18 من الخلفاء أبا بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم، ولعلها
أرادت بذلك الزبير رضى الله عنه.
٨٧٠ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يُقَدِّمُ نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنَ
الْمُرْدَلِفَةِ إِلَى مِنْی.
الشرح: قوله: ((كان يقدم نساءه وصبيانه من المزدلفة)) لم يبين وقت التقديم،
فيحتمل أن يكون قدمهم قبل الفجر، فيصلوا بمنى على ما تقدم فى حديث أسماء،
ويحتمل أن يكون قدمهم بعد الفجر وقبل الوقوف إلا أن الرفق بهم أبلغ فى تقديمهم
قبل الفجر؛ لأنه أحلى لهم، وأمكن من أن يصلوا منى ويرموا، وينزلوا قبل تضايق
الناس، والله أعلم.
مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ رَمْىَ الْجَمْرَةِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمٍ
الْنَحْرِ وَمَنْ رَمَّى فَقَدْ حَلَّ لَهُ الْنّحْرُ.
الشرح: قوله: ((سمع بعض أهل العلم يكره رمى جمرة العقبة حتى يطلع الفجر من
يوم النحر))، هذه كراهة على وجه المنع، ونفى الإجزاء، وذلك أن وقت الرمى النهار
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ٨٧٢. مسلم حديث رقم ٦٤٥. الترمذى حديث رقم ١٥٣.
النسائى فى الصغرى حديث رقم ٥٤٥. أبو داود حديث رقم ٤٢٣. ابن ماجه حديث رقم
٦٦٩. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٥٧٦.
٨٧٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٤٥.

، كتاب الحج
٤٠
دون الليل، ولذلك وصفت الأيام بالرمى دون الليالى، قال الله تعالى: ﴿واذكروا الله
فى أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فوصفت الأيام بأنها معدودات للجمار المعدودات
فيها، فلا يجوز الرمى بالليل، فمن رمى ليلا أعاد، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: إن
من رمی بعد نصف الليل أجزأه.
ـكله من يوم النحر على
والدليل على ما نقوله ما روى عن جابر أنه رأى النبى
راحلته، وهو يرميها مثل حصى الحذف، ويقول: ((خذوا عنى مناسككم، فإنى لا أدرى
لعلی لا ألقا کم بعد عامی هذا»(١).
ودليلنا من جهة القياس أن النصف الآخر من الليل وقت للوقوف بعرفة، فلم يكن
وقتًا للرمى كالنصف الأول.
مسألة: إذا ثبت أنه لا يجوز قبل الفجر، فإنه يجوز بعده، وبه قال أبو حنيفة
والشافعى. وقال الشافعى والثورى: لا يجوز قبل طلوع الشمس.
والدليل على ما نقوله أن هذا يجوز فيه الذبح، فجاز فيه الرمى كما بعد طلوع
الشمس.
فصل: قوله: ((ومن رمى، فقد حل له النحر)) بقتضى تقديم الرمى على النحر، وأن
النحر إنما يحل له بعد الفجر.
وقوله: ((فقد حل له النحر)) يقتضى معنيين، أحدهما أن يريد به الحلول، فيكون
معنى ذلك، قد حل وقت ذبحه، ويحتمل أن يريد بذلك أنه قد أبيح له إباحة عارية من
الكراهية سالمة من التقديم، على ما هو مرتب عليه، وذلك أن الرمى مقدم على الذبح،
وهو المحفوظ من فعل النبى
والأصل فى ذلك ما روى عن أنس أن رسول الله له رمى جمرة العقبة، ثم انصرف
إلی البدن، فنحرها.
٨٧١ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةً بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَخْبَرَّتْهُ أَنْهَا كَانَتْ
تَرَى أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِى بَكْرِ بِالْمُرْدَلِفَةِ تَأْمُرُ الَّذِى يُصَلِى لَهَا وَلأَصْحَابِهَا الصُّبْحَ يُصَلّى
لَهُمُ الصُّبْحَ حِينَ يَطْلُعُ الْغَّخْرُ، ثُمَّ تَرْكَبُ فَتَسِيرُ إِلَى مِنِى وَلا تَقِفُ.
(١) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٢٩٧). النسائى حديث رقم (٣٠٦٢). أبو داود
حديث رقم (١٩٧٠). أحمد فى المسند حديث رقم (١٤٠١٠).
٨٧١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٤٧.

............ ٤١
کتاب الحج
الشرح: قولها: ((أنها كانت ترى أسماء بنت أبى بكر تأمر الذى يصلى لها
ولأصحابها الصبح)) يريد أنها كانت اتخذت إمامًا يصلى بها إذ لا يجوز لها أن تؤم من
أحد رجالاً ولا نساء، وكان يشق عليها النهوض إلى الموقف، إما لضعفها أو لما كان
أصابها من العمى، فاتخذت ممن كان يكون معها من يصلى بهم، فتدرك بذلك فضل
الجماعة.
فصل: وقولها: ((أنها كانت تأمر الذى يصلى لهم الصبح حين يطلع الفجر)) تريد
أنها كانت تقدم صلاة الصبح أول طلوع الفجر، وهذه السنة لمن وقف بالمزدلفة
ليتمكنوا من الوقوف والدعاء، ولا يضيق وقت الوقوف عما يريدونه من طول الدعاء
والتضرع إلا أنها كانت تقدم الصلاة لمعنى آخر وهو أن يمكنها التقدم إلى منى،
ويمكنها الرمى فى خلوة قبل التضايق والتزاحم الذى تكرهه، ولما كان يمنع ما تريد من
التستر، فكانت تقدم بذلك الدفع إلى منى، وترك الوقوف بالمزدلفة إذا كان قد فات
بها، وبالله التوفيق.
السير فى الدفعة
٨٧٢ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَنَا
جَالِسٌ مَعَهُ، كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ
يَسِيرُ الْعَنَقَ(١) فَإِذَا وَجَدَ [ِفَجْوَةٌ](3) نَصَّ.
قَالَ مَالِك: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةً: وَالنّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
الشرح: سؤال السائل عن سير رسول الله 198 حين دفع، يجوز أن يريد به الدفع
من المزدلفة، إلا أن اختصاص أسامة بوقت الدفع من عرفة، هو المشهور لأنه كان
٨٧٢ - أخرجه البخارى فى الحج ١٥٥٥. ومسلم فى الحج ٢٢٦٣. والنسائى فى مناسك الحج
٢٩٧١. وأبو داود فى المناسك ١٦٤٢. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٠٨. وأحمد فى مسند
الأنصار ٢٠٧٦١، ٢٠٧٨٤، ٢٠٨٢٠. والدارمى فى المناسك ١٨٠٥.
(١) يسير العنق: بفتحتين، نوع من السير معروف فيه رفق.
(*) فى التمهيد ٤٣/٦: ((فرحة)). وقال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى: فرجة، وتابعه جماعة،
منهم: أبو المصعب وابن بكير وسعيد بن عفير، وقالت طائفة منهم ابن وهب وابن القاسم
والقعنبى: فإذا وجد فجوة، والفجوة والفرجة سواء فى اللغة.

کتاب الحج
.....
٤٢
رديف النبى ◌َّ حين دفع من المزدلفة، فإنه أردف الفضل بن عباس، ولا يمنع أن يكون
أسامة شاهد ذلك، فأخبر عن الأمرین.
على أنه قد روى عن أسامة الإخبار عن الدفع من عرفة خاصة، وأخبر فى غيره عن
الأمرين، وسؤال السائل، وحفظ أسامة لها، دليل على اهتبال الناس بأمر الحج، وحفظ
سنة النبى ﴿﴿ فى ذلك حتى بلغوا إلى حفظ صفة مشيه وإسراعه حيث أسرع،
وإيضاعه حيث أوضع ومنازله ومناقل أحواله.
فصل: وقوله: ((كان يسير العنق)) يريد ضربًا من السير ليس بالشديد رفقًا بالناس
وتحرزًا من أذاهم وليقتدوا به فى رفق بعضهم على بعض، ويحترز بعضهم من أذى
بعض، وهذا ما كان فى جماعة الناس وزحامهم، فإذا وجد فجوة، وهى الفرجة من
الأرض، يريد ليس فيها أحد ((نص))، يريد أنه أسرع فى السير؛ لأن النص أرفع من
السير، وهذا يقتضى أن سنة المشى فى الدفع الإسراع، وإنما يمسك عن بعضه لمانع من
زحام أو غيره.
مسألة: وقد روى عن النبى ﴿﴿ أنه أمر بالسكينة والوقار، روى ذلك الفضل بن
عباس، وكان رديف رسول الله ﴾ وأن رسول الله ﴾ قال فى عشية عرفة، وغداة
جمع للناس، حين دفعوا: ((عليكم بالسكينة))(٢) وهو كاف ناقته.
ومعنى ذلك أن لا يخرجوا من حد الوقار والسكينة بالزجر والإيضاع، فأما الإسراع
فى المشى الذى لا يخرج عن حد الوقار، فإن ذلك مشروع غير ممنوع، وفى هذا بابان،
أحدهما: فى تبيين وقت الوقوف. والثانى: فى بيان وقت الدفع.
*
الباب الأول فى بيان وقت الوقوف
فأما بيان وقت الوقوف، فإن البائت بالمزدلفة يصلى الصبح فى أول طلوع الفجر.
والأصل فى ذلك حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: هما صلاتان يحولان عن
وقتيهما، صلاة المغرب، بعد ما يأتى الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال:
رأيت النبى ﴿﴿ يفعله.
(٢) أخرجه البخارى حديث رقم ١٦٧١. مسلم حديث رقم ١٢٨٢. النسائى فى الصغرى
حديث رقم ٣٠٢٠. أبو داود حديث رقم ١٩٢٠. أحمد فى المسند حديث رقم ١٨٢٤.

٤٣٠٠
.......
کتاب الحج .
ومعنى ذلك أنه من كان فى ذلك الموضع يعجل صلاة الفجر قبل الصلاة بها فى
القواعد التى يحول البناء بين الفجر، بين المرتقب له حتى يرتفع. والثانى لما يراد من
تعجيل الوقوف.
مسألة: وآخر وقت الوقوف، إذا أسفر قبل أن تطلع الشمس. وقد روى عن عمرو
ابن ميمون أنه قال: شهدت عمر صلى بجمع ثم وقف، فقال: إن المشركين كانوا لا
يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، وأن النبى ﴿ خالفهم، ثم أفاض
قبل أن تطلع الشمس.
الباب الثانى فى بيان وقت الدفع
وأما وقت الدفع، فهو عند الإسفار المذكور متصلاً بالوقوف، ولا يبقى أحد حتى
تطلع الشمس، فإن أراد الإمام أن يؤخر حتى تطلع الشمس دفع قبله، وقد فعل ذلك
ابن عمرو، وأخر ابن الزبير الوقوف بجمع حتى كادت الشمس أن تطلع، فقال ابن
عمر: إنى لأراه يريد أن يصنع كما صنع أهل الجاهلية، فدفع ابن عمر ودفع الناس
معه.
فصل: ولا يدفع أحد قبل الفجر، قاله مالك. ووجه ذلك أن الوقوف بعد الفجر
مسنون، فلا يدفع قبل وقته، والإمام مقتدى به، فلا يدفع قبله، وهذا مع سلامة الحال،
فإن كانت ضرورة تدعو إلى ترك الوقوف دفع قبل الفجر.
٨٧٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلْتَهُ فِى بَطْنٍ
مُحَسٍِّ.
ء
الشرح: قوله: ((كان يحرك راحلته فى بطن محسر)) هو بطن واد قرب المزدلفة، كان
رسول الله ﴾ يحرك ناقته فيه قدر رمية بحجر، وهو قدر بطن الوادى. وقد قال مالك:
لا يركض الحاج فى بطن محسر. قال ابن المواز: ويسعى الماشى فى بطن محسر كنحو ما
يحرك الراكب دابته.
٨٧٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٤٩.

٤٤
٠٠
كتاب الحج
ما جاء فى النحر فى الحج
٨٧٤ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ بِمِنَّى: ((هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ مِنَّى
مَنْحَرٌ، وَقَالَ فِى الْعُمْرَةِ: ((هَذَا الْمَنْحَرُ - يَعْنِى الْمَرْوَةَ - وَكُلُّ فِيحَاجٍ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا
مَنْحَرٌ)).
الشرح: قوله :﴿ يمنى: ((هذا المنحر، وكل منى منحر)) يريد والله أعلم، أن الموضع
الذى أشار إليه منحر، ولعله أشار إلى موضع نحره فخصه بذلك؛ لأن منحر النبى
فيه فضيلة.
وقد روى أن عبد الله بن عمر كان ينحر فيه ويقصده ويسابق إليه، ومنحر النبى
ـ هو عند الجمرة الأولى التى تلى مسجد منى.
فصل: وقوله: ﴿: ((وكل منى منحر)) يريد أنه وإن كان هذا مخصوصًا بالفضيلة
لاختصاصه بنحره ﴿ أو لغير ذلك من المعانى التى الله أعلم بها، فإن جميع منى منحر
أيضًا ليجزئ النحر به.
وقوله # هذا يقتضى اختصاص النحر موضعمخصوص منى، مختص بالنحر، على
ثلاث صفات، إن عدمت منها صفة لم يجز النحر بمنى، إحداها: أن يوقف بالهدى
بعرفة، والثانية: أن يكون النحر فى أيام التشريق، والثالثة: أن يكون النحر فى حج،
فمتى اجتمعت هذه الصفات لم يجز النحر بغيرها. رواه ابن المواز عن مالك.
وقال القاضى أبو إسحاق: لو نحر الهدى فى أيام منى بمكة أجزأه، ولم يشترط
وقوفه بعرفة.
وجه القول الأول، قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾
[البقرة: ١٩٦]، فذكر النبى أن للهدى محلاً، وقد نحر النبى ﴿ هديه فى الحج
بمنى، ولم يتحر بغيرها، فثبت أنها المنحر فى الحج؛ لأن أفعاله بقوله على الوجوب.
ووجه القول الثانى ما احتج به القاضى أبو إسحاق من أن مكة الأصل فى النحر
غير أن السنة فى هدى الحاج أن يكون بمنى؛ لأنه إذا نحره حلق رأسه، فكان ذلك
موضعه، وقد روى عن ابن عباس أنه کان ینحر مكة.
٨٧٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٧٤. وأخرجه بنحوه الترمذى عن على ٢٢٣/٣
كتاب الحج باب عرفة كلها موقف. وابن خزيمة عن على ٢٨٣/٤ برقم ٢٨٨٩.

٤٥٠٠
کتاب الحج
.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فمنى كلها منحر إلا ما خلف العقبة، رواه محمد عن مالك.
ووجه ذلك أن ما وقع عليه اسم منى إنما هو ما دون العقبة الذى هو منتهى منى،
ولذلك لا يجوز المبيت بمنى دون العقبة ليالى التشريق، فكل حكم يختص منى لا تعلق له
بما دون العقبة كالمبيت والنحر وغير ذلك من الأحكام، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((وقال فى العمرة هذا المنحر، يعنى المروة))، خص المروة بهذا القول
لأنه لا تعلق لها ولا لهديها بمنى، فأشار إلى المروة، وقال: ((هذا المنحر)) على سبيل
التخصيص لها والله أعلم، ثم قال: ((وكل فجاج مكة وطرقها منحر)) يعنى أن العمرة،
وإن اختصت بفضيلة ذلك، فإن سائر طرقها ومواضعها يجزى النحر فيها، فكل ما لا
يصح نحره بمنى لعدم صفة من الصفات الثلاث التى ذكرناها، فإنه لا ينحر إلا مكة؛
لأنه لا منحر للهدی غیر منی ومكة، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((المنحر بمكة)) مكة نفسها، وما يلى بيوتها من منازل الناس، قاله
مالك. وسئل محمد بن دينار عن المنحر فى فجاج مكة أو ذى طوى، فقال: من نحر فى
فجاج مكة، أجزأه.
وروى أشهب عنه: ولا يجزئ أن ينحره عند ثنية المدنيين. وفى المدّونة من رواية
عيسى عن ابن القاسم: لا يجزئه بذى طوى ولا يجزئه حتى يدخل مكة ولا أعلم إلا أن
مالكًا قاله.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: ووجه قول مالك أن ما له حكم المدينة، فإنه
منحر، وما ليس له حكم المدينة، فليس منحر، وحمل ابن القاسم قوله :48: ((وكل
فجاج مكة منحر)) على أنه يريد بالفجاج ما داخل القرية، وأن اسم مكة داخل مختص
بها، لأنه قد نص على أنه ليس لذى طوى حكمها مع كونها ربضًا متصلاً بالمدينة،
ولذلك قال مالك: إن كان بها من حاضرى المسجد الحرام، والله أعلم.
٨٧٥ - مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبُرَتْنِى عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْهَا
٨٧٥ - أخرجه البخارى فى الحيض ٢٨٥، ٣٠٦، ٣٠٨، الحج ١٤٥٤، ١٥٩٤، ١٤٦٠، ١٥٩٤،
١٦٠٥. ومسلم فى الحج ٢١١٩، ٢٣٥٥. والترمذى فى الحج ٨٦٧. والنسائى فى الطهارة
٢٨٨، الحيض والاستحاضة ٣٤٦، مناسك الحج ٢٦٥٠، ٢٦٦٨، ٢٦٨٩، ٢٧١١، ٢٧١٢،
٢٧٥٢، ٢٨٠٣، ٢٨٠٤، ٢٩٩٠. وأبو داود فى المناسك ١٥١٨. وابن ماجه فى المناسك
٢٩٥٤، ٢٩٧٢. وأحمد فى مسند الأنصار ٢٢٩٤٢، ٢٢٩٧٢، ٢٣٧٥٩، ٢٤٢٥٤،=

کتاب الحج
٤٦
سَمِعَتْ عَائِشَةً أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ :﴿ لِخَمْسِ لَيَالِ بَقِينَ مِنْ
ذِى الْقَعْدَةِ وَلا تُرَى إِلا أنّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّ دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ مَلَ مَنْ لَمْ
يَكُنْ مَعَهُ هَدْى إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ. قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النّحْرِ بِلَحْمٍ بَقٍَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: نَحَرَ رَسُولُ اللّهِ ◌َُّ عَنْ
أَزْوَاجِهِ.
قَالَ يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَنْكَ
وَاللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.
الشرح: قوله: ((خرجنا مع رسول الله * لا نرى إلا أنه الحج)) يحتمل أن يريد
حين خروجهم من المدينة قبل الإهلال، ويحتمل أن يريد به أن إحرام من أحرم منهم
بالعمرة لا يحل منه حتى يردف الحج، فيكون العمل لهما جميعًا، والإحلال منهما.
ولا يصح أن يريد به أن أصحاب رسول الله ﴿﴿ أحرم جميعهم بالحج، فقد روى
عنها عروة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﴿ عام حجة الوداع منا من أهل بعمرة،
ومنا من أهل بالحج، وأهلّ رسول الله ﴿﴿ بحجة.
فذكرت أن الناس كانوا فى ذلك على أحوال مختلفة، وأن منهم من أهلّ بعمرة
خاصة، ثم قالت: ((فأما من أهلّ بعمرة فحل، وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج
والعمرة، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر)) (١) وهذا ينفى أن يكون من أهل بحج أن
يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة ثم يحل.
فصل: وقولها: ((فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ﴾ من لم يكن معه هدى إذا
طاف وسعى أن يحل)(٢) محتمل أن يريد أن من ظن أنه سيؤمر أن يردف الحج على
= ٢٤٤٠٢، ٢٤٥٣٩، ٢٤٨٧١، ٢٤٩١٤، ٢٥٠٩٧، ٢٥١٣٩. والدارمى فى المناسك
١٨٢٥.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٦/٦: هذا خلاف رواية عروة عنها؛ لأن عروة يقول عنها:
خرجنا مع رسول الله ## فأهللنا بعمرة، وهی حجة واحدة، وخروج واحد.
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ١٥٦٢. مسلم حديث رقم ١٢١١. أبو داود حديث رقم
١٧٧٩. أحمد فى المسند حديث رقم ٧٤٦.
(٢) قال ابن عبد البر: فهذا فسخ الحج فى العمرة، وقد تواترت به الرواية عن النبى #19 من
طرق صحاح من حديث عائشة وغيرها، ولم يرو عن النبى 18 شىء يدفعه؛ إلا أن أكثر-

..............
كتاب الحج
العمرة، ولا يحل حتى يحل منهما أمر من لم يكن معه هدى من هذا الصنف من الناس
أن يحل من عمرته، ثم يحرم بالحج، فیکون متمتعًا.
وإنما خص بذلك من لم يكن معه هدى لأن من كان معه هدى قد قلده أو أشعره
لينحره فى حجه بمنى، فحكمه أن لا يحل حتى ينحر هديه لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا
رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ [البقرة: ١٩٦]، فمن كان معه ھدی بقی علی
إحرامه وأردف الحج على عمرته لئلا يحلق رأسه قبل أن يبلغ هديه محله، ومن لم يكن
معه هدى حل من عمرته ثم استأنف الإهلال لحجه؛ لأن ذلك أفضل؛ لأنه أتم لعمزته
وأتم حجه؛ لأنه يفرد كل واحد من السکین بعمله.
ويحتمل أن يكون من لم يكن معه هدى هو الذى أحرم بالعمرة، فلذلك أمر أن يحل
من عمرته، ومن كان معه هدى أحرم بحج، فلذلك لم يحل من حجه حتى أتمه يؤيد
هذا حديث عروة المتقدم، وهو قولها: فأما من أهلّ بعمرة فحل، وأما من أهل بحج أو
جمع الحج والعمرة، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر.
فصل: قوله: ((قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟
فقالوا نحر رسول الله ﴿﴿ عن نسائه البقر)) يقتضى أن الإنسان، قد ينحر عن غيره.
قال القاضى أبو الوليد: وهذا عندى يقتضى أن ينحر الرجل عن الجماعة من أهل
بيته، وهو على وجهين، أحدهما: أن يكون يجرى مجرى الأضحية لم يوقف، ولم يقلد،
وإنما وجبت بالنحر كالأضحية، وهذا يرده أن أهل منى لا أضاحى عليهم. والوجه
الثانى أن يقلده، ويشعره عنهم، وهو باق على ملكه حتى ينحره عنهم، ويجرى إيجابه
بالتقليد مجرى تعيين الأضحية قبل الإيجاب، وإن لم تبلغ مبلغ الإيجاب، إلا أنه مؤثر فى
التعيين، فهذا يكون فى التطوع على هذا الوجه، ولذلك قالوا: ((نحر رسول الله
عن أزواجه البقر)) ولم يعين ما نحر عن كل واحدة منهن.
قال القاضى أبو الوليد: والأظهر من هذا اللفظ الاشتراك على أنه قد روى مفسرًا
=العلماء يقولون: إن ذلك خصوص لأصحاب النبى ﴿﴾ خاصة، واعتلوا بأن النبى وال﴾ إنما أمر
أصحابه أن يفسخوا الحج فى العمرة؛ ليروى الناس أن العمرة فى أشهر الحج جائزة، وذلك أن
قريشا كانت تراها فى أشهر الحج من أفجر الفجور، وكانت لا تستجيز ذلك البتة؛ وكانت
تقول: إذا خرج صفر - وكانوا يجعلون المحرم صفر - وبرأ الدبر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن
اعتمر. فأمر رسول الله ﴿﴿ أصحابه من لم يكن منهم معه هدى أن يفسخ حجه فى عمرة،
ليعلم الناس أنه لا بأس بالعمرة فى أشهر الحج.

كتاب الحج
٤٨
من حديث ابن شهاب عن عمرة عن عائشة، قالت: ما ذبح رسول الله 18 عن آل
محمد فى حجة الوداع إلا بقرة واحدة. وأما الذى يمنع منه الاشتراك، ففيمن ملك
الهدى، وليس من هذا السبيل.
فصل: وقولها: ((تحر رسول الله (8) عن أزواجه البقر)) ولم بعين ما نحر عن كل
واحدة لما ورد عليهن بلحم بقر، فسألت عنه، دليل على أن اللحم الذى دخل به
عليهن من لحم ما نحر عنهن، وذلك يقتضى أيضًا النحر للبقر.
وقد اختار مالك فيها الذبح على أنه يجوز فيها النحر غير أن هذا الحديث ورد بلفظ
النحر وورد بلفظ الذبح، ويحتمل أنه لما استوى ذلك عند الراوى للحديث عبر عن
الذكاة بأى اللفظين أمكنه، فعبر عنها مرة بالذبح ومرة بالنحر.
فصل: وقول القاسم: ((أتتك والله بالحديث على وجهه)) تصديقًا لعمرة وإخبارًا عن
حفظها للحديث وضبطها له، وأنها لم تغير شيئًا منه بتأويل، ولا تجوز ولا غيره.
٨٧٦ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنٍ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْهَا
قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ﴿ه: مَا شَأْنُ النّاسِ حُلُوا وَلَّمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ:
(إِنِّى لَبِّدْتُ رَأْسِى، وَقَلَّدْتُ هَدْيِى، فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ).
الشرح: قول حفصة لرسول الله 8$: ((ما شأن الناس حلوا، ولم تحل أنت من
عمرتك))(١) يحتمل أن تريد به الحج؛ لأن معناهما جميعًا القصد يقال حج الرجل البيت
٨٧٦ - أخرجه البخارى فى الحج ١٤٦٤. ومسلم فى الحج ٢١٦٢. والنسائى فى مناسك الحج،
٢٦٣٢، ٢٧٢٩. وأبو داود فى المناسك ١٥٤١. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٣٧. وأحمد فى
مسند الأنصار ٢٥٢٢٠.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٥٢/٦: هكذا قال يحيى فى هذا الحديث: ما شأن الناس حلوا
وأنت لم تحل من عمرتك؟ وتابعه جماعة من الرواة، منهم: عتيق الزبيرى وعبد الله بن يوسف
التنيسى والقعنبى وابن بكير وأبو مصعب. وقال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فى هذا
الحديث: ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك، والمعنى واحد عند أهل العلم،
ولم يختلف الرواة عن مالك فى قوله: ولم تحل أنت من عمرتك؛ وزعم بعض الناس أنه لم يقل
أحد فى هذا الحديث عن نافع: ولم تحل أنت من عمرتك، إلا مالك وحده، وجعل هذا القول
جوابا لسائله عن معنى هذا الحديث. وقال ابن عبد البر: فلا أدرى ممن أتعجب؛ من المسئول
الذى استحيا أن يقول: لا أدرى، أو من السائل الذى قنع مثل هذا الجواب، والله المستعان.
وهذه اللفظة قد قالها عن نافع جماعة، منهم: مالك وعبيدالله بن عمر وأيوب السختياني؛=

.......... ٤٩
کتاب الحج
إذا قصده واعتمره إذا قصده، فلما كان معناهما واحدًا، عبرت عن أحدهما بالآخر،
وإن كان كل واحد منهما واقعًا فى الشرع على نوع مخصوص من القصد والنسك.
ويحتمل أن حفصة اعتقدت أنه كان معتمرًا، فقالت له ذلك على ما اعتقدت،
فأعلمها بقوله: ((إنى لبدت رأسى وقلدت هديى، فلا أحل حتى أنحر)) أنه محرم إحرامًا،
لا يمكنه التحلل منه، وذلك لا يكون عاريًا من حج، وليس فى قوله : ((لبدت رأسى
وقلدت ھدیی)) ما يمنع من أن يحل من عمرته المفردة لأن من لبد رأسه وقلد هدیه،
وأحرم بعمرته ينحر هديه، ويحلق رأسه عند إكمالها، ولا يجب عليه لأجل التلبيد
والتقليد أن يردف عليها حجة.
وإنما معنى ذلك والله أعلم أن فى الكلام حذفًا، وذلك أن يعلمها أنه لبد رأسه وقلد
هديه للحج، فلا يمكنه التحلل من ذلك قبل أن يبلغ الهدى محله، وينحره بمنى بعد
کمال حجته.
وأما من أحرم بعمرته وأكمل عملها، فإنه لا يجوز له أن يردف الحج عليها، ويلزمه
أن يحلق ويتحلل ثم يحرم بالحج إن شاء لأنه ليس فى إردافه الحج على عمرة، قد كمل
عملها غير تأخير الحلاق، وذلك نقص فى النسك، يجب جبرانه بالدم.
ولا يجوز أن يقال كره الحلاق لقرب الحج على ما كره مالك للمعتمر أن يحلق إذا
قرب الموسم، وإن كان يستحب الحلاق لغيره؛ لأن مالكًا قال: إنه يقصر بدلا من
الحلاق، ويوفر شعره لحلاق الحج، فيجمع بين الأمرين وحفصة لم تسأله 4 عن ترك
الحلاق، وإنما سألته عن ترك التحلل، والله أعلم.
*
*
العمل فى النحر
٨٧٧ - مَالِك، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِهِ وَنَحَرَ غَيْرُهُ بَعْضَهُ(١).
=وهؤلاء حفاظ أصحاب نافع، والحجة فيه على من خالفهم؛ ورواه ابن جريج عن نافع، فلم
يقل: من عمرتك.
٨٧٧ - أخرجه أبو داود فى المناسك ١٥٠١. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٥٣.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٥٧/٦: هكذا قال يحيى عن مالك فى هذا الحديث عن على .=

كتاب الحج
٥٠.
....
الشرح: قوله: ((أن رسول الله ﴿﴿ نحر بعض هديه)) يقتضى مباشرته لذلك، وإن
كان يقال نحر بدنه إذا أمر من ينحرها إلا أن الأظهر من اللفظ مباشرة ذلك لاسيما
وقد بين ذلك بقوله: ((ونحر غيره بعضه)» فدل ذلك على أنه أراد بما أضاف إليه فخره
المباشرة، ولذلك فرق بينه وبين ما لم يباشره باللفظ، ولو أراد أن غيره نحر ما أضافه
إليه لجمع الكل فى لفظ واحد.
وقد تقدم أن الأفضل مباشرة من أهدى نحر هديه لما فى ذلك من التواضع والإتيان
بتمام النسك، ولأنه من القرب التى لها تعلق بالمال وبالبدن، ولا خلاف فى أن ما كان
بهذه الصفة أن الاستنابة فيه ممنوعة کالحج.
فصل: وقوله: ((وتحره غير بعضه)) يصح أن يريد به تبيين جواز استنابة غيره فى
ذلك، فأعلمنا بفضيلة المباشرة بمباشرته، وأعلمنا بجواز الاستنابة بما ولى من ذلك غيره.
٨٧٨ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: مَنْ نَذَرَ بَدَنَةٌ، فَإِنْهُ يُقْلِّدُهَا
نَعْلَيْنِ وَيُشْعِرُهَا ثُمَّ يَنْحَرُهَا عِنْدَ الْبَيْتِ أَوْ بِمِنْى يَوْمَ الْنَّحْرِ، لَيْسَ لَهَا مَحِلٌّ دُونَ
ذَلِكَ، وَمَنْ نَذَرَ جَزُورًا مِنَ الإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ فَلْيَنْحَرْهَا حَيْثُ شَاءَ.
قوله: ((من نذر بدنة فإنه يقلدها)) يقتضى أن لفظ البدنة لا ينطلق إلا على الهدى
وفى عرف الاستعمال أن البدنة من الإبل ما أهدى، ولذلك قال: إن من نذر بدنة
فحكمه أن يلقد، ومن نذر جزورًا، ففرق بينهما فى اللفظ لما افترقا فى المعنى، وصار
عندہ اسم البدنة مختصًا بالهدى، واسم الجزور مختصًا بما ليس بهدى.
والنذر للإبل على ضربين، أحدهما: أن ينذرها باسم البدنة أو ينذرها باسم
الجزور، فإن نذرها باسم البدنة، فإن ذلك يكون على ثلاثة أوجه، أحدها: أن لا ينوى
= وتابعه القعنبى، فجعله عن على أيضا كما رواه يحيى. ورواه ابن بكير وسعيد بن عفير وابن
القاسم وعبد الله بن نافع وأبو مصعب والشافعى، فقالوا فيه: عن مالك، عن جعفر، عن أبيه أن
رسول الله ﴿﴿ الحديث، لم يقل عن جابر، ولا عن على. وقال: الصحيح فيه جعفر بن محمد عن
أبيه، عن جابر، وذلك موجود فى رواية محمد بن على عن جابر فى الحديث الطويل فى الحج،
وإنما جاء حديث على رضى الله عنه من حديث عبد الرحمن بن أبى ليلى عنه لا أحفظه من وجه
آخر. وقال: وهذا المتن صحیح ثابت من حديث جابر وحديث على.
٨٧٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٥٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٣٢/٥.
الجصاص فى أحكام القرآن ٢٤٣/٣.

.............. ٥١
کتاب الحج
هديًا ولا غيره، والثانى: أن ينوى الهدى، والثالث: أن ينوى غير الهدى، فإن لم ينو
شيئًا، فالأظهر عندى أن لها حكم الهدى، وهو الأظهر من قول عبد الله بن عمر؛ لأنه
لم يشترط فى البدنة نية ولا غيرها، ولأن لفظ البدنة مختص بالهدى، فوجب أن يحمل
علیه.
وإن نوی الهدى، فهو أبین فی وجوب حکم الهدى، فإن نوی غير ذلك، فهو علی
ما نوى إلا أنه نذر ذلك بموضع مخصوص غير مكة، وكان موضع نذر جاز له أن ينحره
به، وإن كان بموضع يتكلف إليه سوق البدنة نحرها بموضعه، ولم يجز أن تساق إلى غير
مکة.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى فى المعينة، وأما غير المعينة،
فيجوز عندى أن يشتريها بموضع نذر نحرها وينحرها هناك؛ لأنه لا يمنع من اختصاص
صدقته بموضع يخصه، وإنما منعه من سوى البدن إلى غير مكة.
فصل: وقوله: ((ومن نذر جزورًا من الإبل أو البقر فلينحرها حيث شاء)» يريد أن
من نذره باسم الجزور، وهو لفظ مختص بغير الهدى، ولا ينطلق من جهة عرف الشرع
على الهدى، فمن نذره على هذا الوجه، فهو عمل يتقرب به إلى الله عز وجل على
وجه الصدقة.
قال: وهذا عندى أن النذر إنما هو فى إطعام المساكين لحمها، فأما إراقة الدم،
فيجب عندى أن يكون النذر غير متعلق به، لأن إراقة الدماء لا تكون إلا بمكة أو منى
فى الحج أو العمرة لفدية الأذى، فلا يساق إلى غير مكة لاختصاصه بذلك المكان،
وكذلك الأضحية.
ولو أن من نذر نحر الجزور بغير مكة يشتريها منحورة، فتصدق بها لأجزا عندى؛
لأن إراقة دمها لا يتعلق به النذر؛ لأنه ليس من القرب فى ذلك المكان، ولذلك ذكرها
ابن عمر باسم الجزور، ولم يقل هدیًا ولا دمًا.
فصل: ولم يقصد بذكر الإبل والبقر دون الغنم، أن النذر لا يتعلق بغيرهما، إنما
قصد إلى أن البقرة تنوب عن البدنة، ولذلك قال فيمن نذر بدنة، فلم يجدها: فلينحر
بقرة، وإن الشاة لا تجزى عن البدنة، ويجب أن لا تجزى على ذلك عن البقرة.
فصل: وقوله: ((فلينحرها حيث شاء)) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون نذر
جزورًا، فإن إطلاق هذا النذر لا يتعلق بموضع دون موضع، ونذر الهدى يتعلق بموضع

· كتاب الحج
٥٢
....
٠٠
مخصوص. والثانى: أن من نذر سوق جزور معين إلى موضع من المواضع، فإن نذر
سوقه باطل وينحره حيث شاء من المواضع التى لا يتكلف سوقه إليها لقربها.
٨٧٩ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَنْحَرُ بُدْنَهُ قِيَامًا.
الشرح: قد تقدم الكلام فى مثل هذا، وأن السنة نحرها قيامًا مصفوفة الأيدى إلا أن
يخاف منها نفارًا، فتنحر على الوجه الذى يمكن ذلك منها معقولة أو كيف أمكن بما
يغنى الناظر فى ذلك إن شاء الله.
قَالَ مَالِك: لا يَجُوزُ لأحَدٍ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَلا يَنبَغِى لِأَحَاٍ أَنْ
يَنْحَرّ قَبْلَ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا الْعَمَلُ كُلُهُ يَوْمَ الْنّحْرِ الذّبْعُ وَلُبْسُ النِّيَابِ وَإِلْقَاءُ
التّفَثِ، وَالْجِلاقُ لا يَكُونُ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُفْعَلُ قَبْلَ يَوْمِ النّحْرِ.
الشرح: قوله: ((لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه)) وذلك أن سنة الذبح
أن يفعل قبل الحلاق.
والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾
[البقرة: ١٩٦]، وكذلك فعل رسول الله ﴾ بدأ فى نحر هديه، ثم حلق بعد ذلك،
فمن خالف هذا، فقدم الحلاق قبل النحر، فلا يخلو أن يقدّم الحلاق، خطأ وجهلا،
وعمدًا أو قصدًا، فإن كان ذلك خطأً وجهلاً فلا شيء عليه. رواه ابن حبيب عن ابن
القاسم. وهو المشهور من مذهب مالك. وقال ابن الماجشون: عليه الهدى، وبه قال
أبو حنيفة.
وجه القول الأول ما روى أن رجلاً، قال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن
أنحر؟، فقال ﴿ل: ((انحر ولا حرج))(١). وقال ابن الماجشون: معنى ذلك أن لا إثم عليه؛
لأن اسم الحرج يطلق على الإثم دون الهدى. ولابن القاسم أن يقول: إن هذا موضع
تعليم لما يجب على السائل، فلو وجب عليه الهدى لأمره به، ولنقل إلينا. وقد روى هذا
الحديث من طرق، ولم يرو شىء منها هنا، والله أعلم.
مسألة: وأما إن كان على وجه العمل، فقد روى القاضى أبو الحسن أنه يجوز تقديم
٨٧٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٥٥.
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ١٢٤. مسلم حديث رقم ١٣٠٦. أحمد فى المسند حديث
رقم ٥٦٣. الدارمى حديث رقم ١٩٠٧.

٥٣
....
کتاب الحج .
الحلق على النحر، قال: وبه قال الشافعى، والظاهر من المذهب المنع والترتيب مشروع
◌ّ فى حجه الاستحباب.
مستحب. وأقل ما يحمل عليه قول النبى .
فصل: وقوله: ((ولا ينبغى لأحد أن ينحر قبل الفجر يوم النحر)). وجه ذلك أن كل
نسك ونحر، فإنه لا يكون شىء منه بالليل، وإنما هو كله بالنهار. وقد استدل مالك
على ذلك بقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات﴾ [الحج: ٢٨]، وقد
تقدم الكلام فى أنه لا يجزى لنحر بالليل بما يغنى عن إعادته وإذا قلنا إنه لا يجوز النحر
قبل الفجر، فلا يجوز الرمى قبل الفجر؛ لأنه مرتب عليه.
فصل: وقوله: ((وإنما العمل كله يوم النحر الذبح ولبس الثياب وإلقاء التفث
والحلاق ولا يكون شىء منه قبل الفجر)) وتحرير ذلك أنه نسك يتقدم عليه الرمى، فلا
يتكرر مثله قبله، فوجب أن لا يجوز فعله قبل يوم النحر. أصل ذلك إلقاء التفث
والحلاق. وأما طواف الإفاضة، فإن مثله يتكرر وهو طواف الورود.
مسألة: وقد اختلف الناس فى يوم الحج الأكبر، فقال مالك: إنه يوم النحر، وقال
قوم: إنه يوم عرفة.
والدليل على ذلك ما روى عن أبى هريرة أنه قال: بعثنى أبو بكر فيمن يؤذن يوم
النحر منى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، والحج الأكبر يوم
النحر.
الحلاق
٨٨٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ﴿ه قَالَ: ((اللَّهُمَّ
٨٨٠ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦١٢. ومسلم فى الحج ٢٢٩٣. والترمذى فى الحج ٨٣٧.
والنسائى فى مناسك الحج ٢٨٠٨. وأبو داود فى المناسك ١٦٨٩. وابن ماجه فى المناسك
٣٠٣٥. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٤٤٢٨، ٤٦٦٢، ٥٢٥٠، ٥٧٣٣، ٥٩٥٤،
٦٠٩٥. والدارمى فى المناسك ١٨٢٧. والبيهقى ١٠٣/٥ عن ابن عمر. والبغوى بشرح السنة
٢٠٢/٧ عن ابن عمر.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٦٢/٦: هكذا هذا الحديث عندهم جميعا عن مالك، عن نافع، عن
ابن عمر؛ وكذلك رواه سائر أصحاب نافع، لم يذكر واحد من رواته فيه أنه كان يوم الحديبية،
وهو تقصير وحذف؛ والمحفوظ فى هذا الحديث، أن دعاء رسول الله ﴿﴿ للمحلقين ثلاثا)=

كتاب الحج
٥٤
ارْحَمِ الْمُحَلّقِينَ) قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((اللّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلّفِينَ)،
قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: ((وَالْمُقْصِرِينَ).
الشرح: قوله : ((اللهم ارحم المحلقين)) وتخصيصه لهم بالدعاء تفضيل للحلاق
على التقصير، وذلك أن التحلل بهذا الباب على ضربين، حلاق وتقصير، وذلك ستة
أبواب، أولها: فيمن حكمه الحلاق والتقصير، والباب الثانى: فى صفة الحلاق
والتقصير، والباب الثالث: فى موضع الحلاق والتقصير، والباب الرابع: فى وقتهما،
والباب الخامس: فيما يتعلق بهما من الأحكام، والباب السادس: هل هو نسك أو
تحلل.
الباب الأول فى من حكمه الحلاق والتقصير
الأفضل للرجال الحلاق، وذلك أن النبى ﴿2﴾ حلق، وقال: ((خذوا عنى مناسككم»
ولا يخلو فعله فى ذلك من الوجوب أو الندب. ودليل آخر من الحديث المتقدم، وهو
أنه ﴿ خص المحلقين بالدعاء لهم، وكرر ذلك إظهارا لفضيلة الحلاق، فمن قصر مع
القدرة على الحلاق والتمكن منه أجزأه، ولا شىء عليه، وقد قال تعالى: ﴿محلقين
رءوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧].
مسألة: ومن حل من عمرته فى أشهر الحج، فالحلاق له أفضل إلا أن تفوت أيام
الحج، ویرید أن يحج، فليقصر لمكان حلاقه فى الحج، قال محمد بن المواز: ووجه ذلك
ما يريد من تخصيص الحج الذى هو أفضل النسكين بالحلاق.
مسألة: وأما المرأة، فقد قال ابن حبيب: ليس على من حج من النساء حلاق، وقد
نهى عنه النبى ﴿﴿ المرأة فى حج أو عمرة. وقال: هى مثلة، وهو الذى رواه ابن
حبيب، وإن لم نعرف له إسنادًا صحيحًا إلا أنه من قول العلماء وهو الصحيح؛ لأن
حلاق المرأة مثه؛ لأنه حلاق غير معتاد كحلاق الرجل لحيته وشاربه.
*
=والمقصرين مرة، إنما حرى يوم الحديبية حين صد عن البيت، فنحر وحلق ودعا للمحلقين؛
وهذا معروف مشهور محفوظ من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدرى رأبى هريرة
رحبشى بن حنادة وغيرهم.