النص المفهرس
صفحات 1541-1560
كتاب الحج ٥٤٢ أصحاب النبى ﴿﴿ وكثرة هديهم أنه 198 قد رأى جماعة يسوقون مثل ذلك، ولم يرو عنه أنه أمر أحدًا بمثل ذلك، ولو أمر جميعهم بمثل ذلك لكان ركوب البدن مشروعًا كثيرًا مشهورًا، وهذا مما لا خلاف فى بطلانه، ولو كان ذلك لجاز أن يحمل عليها الأحمال، وتصرف فى العمل والحمل عليها والكراء غيره، وذلك ممنوع باتفاق؛ لأن البدن ما أخرج لله تعالى، وذلك يقتضى الامتناع من الانتفاع بها؛ لأنه نوع من الرجوع فيها، وإنما تركب البدن للحاجة إلى ذلك الركوب الخفيف. روی ابن نافع عن مالك: لا بأس أن يركب الرجل بدنته رکوبًا غیر فادح، ولا يركبها بالحمل، ولا يحمل عليها زاده، ولا شىء يتعبها به. فرع: فإن ر کبها محتاجًا إلی ر کوبها، فليس علیہ ان ينزل إذا استراح، قاله ابن القاسم. ووجه ذلك أنه قد استباح ركوبها بما حدث من حاجته إلى ذلك، فكان له ركوبها بعد دفع تلك الحاجة عن نفسه كالمضطر إلى أكل الميتة لا يأكلها حتى يضطر إليها، ويخاف على نفسه الهلاك بالامتناع منها ثم تدوم تلك الضرورة بالشبع منها، فیستدیم استباحة أکلها حتى يجد ما يغنيه عنها. فصل: وقول الرجل: ((إنها بدنة)) مخافة أن يكون النبى ﴿ إنما أباح له ركوبها لما اعتقد أنها غير بدنة، وهذا يدل على أن لفظ البدن إنما ينطلق على ما قدر وجب فى هذا الوجه، ولا يخلو أن يكون هديه لبدنة مقلدة مشعرة أو عارية من ذلك، فإن كانت مقلدة مشعرة، ففى ذلك دليل على أنها بدنة، وقول الرجل: ((إنها بدنة)) مع ذلك فى التحرز والمبالغة فيه، والإعلام له بأنه إنما ترك ركوبها لكونها بدنة، وإن كان فى ظاهر حالها ما بين ذلك. وإن كانت عارية من ذلك، فلا يخلو أن يكون ذلك بعد إيجابها أو قبله، فإن كان بعد إيجابها، فقد أغفل الإشعار والتقليد، فلا علامة بأنها بدنة، وجه واضح بين غير أن ركوبها مع ذلك على الحالة التى كان عليها جائز؛ لأن النبى ﴿3﴾ قد أباح له ركوبها أو أمره به بعد علمه بأنها بدنة، وإن كان لا يوجبها، وإنما امتنع من ركوبها لأنه نوى إيجابها فى المستقبل، فوجه ركوبها أبين، ويحتمل أن يقال إن حكمها حكم الأضحية بعد تعيينها بالنية، وقبل الإيجاب، والله أعلم. فصل: وقوله 48: ((اركبها ويلك فى الثانية أو الثالثة)) يحتمل أن يريد فى الثانية من قوله: ((اركبها)) ابتداء، فيقول له ذلك زجرًا عن مراجعته عن أمر قد كان له فى التعلق ٥٤٣٠٠٠ كتاب الحج . بما أمره به، وحمله على عمومه فى الأحوال سعة، ويحتمل أن يريد الثانية من جوابه له عن قوله: «إنها بدنة)) فیکون فی ذلك زجرًا له عن تكرير سؤاله عن أمره قد بينه له، ولم يقيد أمره بركوبها بحال الكلال دون حال الإراحة، ولا قال له: فإذا استطعت المشی، فأنزل، فاقتضى ذلك استدامته ر کوبها، وإن زال تعب مشیه بر کوبها. ٨٣٢ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُهْدِی فِی الْحَجِّ بَدَنَتَيْنِ بَدَنَيْنٍ، وَفِى الْعُمْرَةِ بَدْنَةٌ بَدَنَّةُ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ فِى الْعُمْرَةِ يَنْحَرُ بَدَّنَةٌ، وَهِىَ قَائِمَةٌ فِى دَارِ خَالِدِ بْنٍ أَسِيدٍ، وَكَانَ فِيهَا مَنْزِلُهُ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ طَعَنَ فِى لَبَّةٍ بَدَنَتِهِ حَتَّى حَرَحَتِ الْحَرْبَةُ مِنْ تَحْتِ كَتِفِهَا. الشرح: قوله: ((أنه کان یری عبدالله بن عمر یهدی فی الحج بدنتين بدنتين، وفى العمرة بدنة بدنة)) على معنى تعظيم الحج والتقرب فيه بأكثر مما كان يتقرب فى العمرة، ولأنه كما كان الحج أكثر عملاً كان يخصه بزيادة فى إخراج المال لما كان له تعلق بالعمل والمال، ولفظ الحديث يقتضى تكرر ذلك منه، لأن مثل هذا اللفظ لا یستعمل إلا فیما یتکرر فعله. فصل: وقوله: ((ورأيته فى العمرة ينحر بدنة، وهى قائمة)) يقتضى مسألتين، إحداهما: مباشرة ذلك بنفسه، والثانية: أن ينحر البدن قيامًا، فأما المسألة الأولى: فى مباشرة ذلك بنفسه، فالأصل فيه ما روى أنس قال: ونحر النبى ﴿ بيده سبعين بدنة قيامًا. مسألة: وأما المسألة الثانية: فى نحرها قيامًا، فهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء غير الحسن البصرى فى قوله: يتحر باركة. والأصل فى ذلك حديث أنس المتقدم عن النبى ﴿ أنه نحر سبعين بدنة قيامًا. قال الشيخ أبو بكر: إنما كان ذلك فى الإبل؛ لأنه أمكن لمن ينحرها لأنه يطعن فى ليتها، وأما البقر والغنم التى سنتها الذبح، فإن اضجاعها أمكن لتناول ذبحها، فالسنة اضجاعها. فرع: وروى محمد عن مالك أن الشأن أن تنحر البدن قائمة قد صفت يداها بالقيد، وقال ذلك ابن حبيب فى قول الله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ [الحج: ٣٦]. وقد روى محمد بن مالك أيضًا: لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها. ٨٣٢ - انفرد به مالك. ٥٤٤ کتاب الحج فصل: وقوله: ((فى دار خالد بن أسيد وكان فيها منزله)) يريد أنه كان ينحر هديه فى موضعه ولا يخرج هديه إلى غيره، ولعله كان منحر النبى ﴿﴾، فإنه روى أنه كان ینحر فیه، روی موسی بن عقبة عن نافع أنه کان یبعث بهديه من جمع من آخر الليل، حتى يدخل به منحر رسول الله ﴾ مع حجاج، فيهم الحر والمملوك، ويحتمل أنه كان ينحر فى موضعه، وإن لم يكن منحر رسول الله ﴿ لما روى عنه 5 أنه قال: ((منى كلها منحر))(١). فصل: وقوله: ((ولقد رأيته يطعن فى لبة بدنته حتى خرجت الحربة من تحت كتفها)) إخبار منه بما شاهد من فعله عن غير قصد ولا تعمد، كان ذلك من سنة النحر على وجه وجوب أو ندب، فإنه كانت المبالغة بالطعن فى لبنة البدنة أو غيرها من الإبل مأمورًا بها ليتم بذلك الذكاة، ولا يقصر بذلك تقصيرًا لم تتم بذلك الذكاة كإمرار الشفرة على الحلق فى الذبح، فإن المبالغة فى ذلك مشروعة لتيقن تمام الذكاة وإن لم يكن قطع الرأس مشروعًا. ٨٣٣ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَهْدَى حَمَلا فِى حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ. الشرح: وهذا على نحو ما تقدم من أن البدن تكون من ذكور الإبل وإناثها، وأن ذلك يجوز مع الاختيار دون الضرورة والعدم؛ لأن الأظهر من حال عمر بن عبدالعزيز كونها من إناث الإبل؛ لأن ذلك موجود مع أن أثمانها، وإنما كانت فى الأغلب أقل من أثمان الذكور، وذاك يدل على قصده لذلك واختياره إياه؛ لأنه رآه أفضل أو ليحيى سنة الجواز. ٨٣٤ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى جَعْفَرِ الْقَارِئِ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَّاشِ بْنِ أَبِى رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ أَهْدَى بَدَنْتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بُخْنِيَّةً. الشرح: هكذا رواه يحيى. ورواه أشهب وابن نافع: نجابية، ومعنى ذلك أن أنواع (١) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٢١٨). الترمذى حديث رقم (٨٨٥). أبو داود حديث رقم (١٩٠٧، ١٩٣٥، ١٩٣٦). ابن ماجه حديث رقم (٣٠٤٨). أحمد فى المسند حديث رقم (٥٦٣، ٧٧٠). الدارمى حديث رقم (١٨٧٩). ٨٣٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨١٤. ٨٣٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨١٥. کتاب الحج ٥٤٥٠٠ الإبل كلها تجزئ فى الهدايا البخت والنجب والعراب وسائر أنواع الإبل وكذلك سائر أنواع البقر من الجواميس والبقر وكذلك سائر أنواع الغنم من الضأن والماعز، وإنما تختلف فى الأسنان، والله أعلم. ٨٣٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا نُتِحَتِ النَّاقَةُ فَلْيُحْمَلْ وَلَدُهَا حَتَّى يُنْحَرَ مَعَّهَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَحْمَلٌ حُمِلَ عَلَى أُمِّهِ خَتّى يُنْحَرَ مَعَهَا. الشرح: حمل ما تنتجه الناقة، يكون إن كانت فيه قوة على المشى فى قرب المكان لسوقه معها، ومراعاته بما يراعيها به، وإن عجز عن المشى وخيف عليه منه، فليحمله على ما كان عنده من الظهر، فإن لم يجد محملاً حمله على أمه. قال ابن القاسم: ومعنى ذلك أنه قد لزمه حمله، فإن لم يقدر على ذلك حمله على أمه كما لو اضطر هو إلى ركوبها، وإن لم تقدر أمه على حمله، فقد قال ابن القاسم: یکلف هو حمله. ومعنى ذلك عندی أنه قد لزمه حمله، فإن لم يحمله وهلك، فعليه بدله. مسألة: ولا يخلو البدن أن تنتج قبل إيجابها أو بعد ذلك، فإن نتجب قبل ذلك إلا أنه قد نوى بها الهدى، فقد قال مالك من رواية محمد عنه: أحب إلىّ ينحر ولدها معها إن كان قد نوی بها الهدى، ومعنى ذلك أن الولد من جملة ما قد نوی بها الھدی، فیستحب أن لا يرجع فيه عن نيته کما یستحب له ذلك فی أمه. مسألة: فإن نتجت بعد الإيجاب وجب إهداؤه مع أمه. ووجه ذلك أنه من جملة ما قد لزم إخراجه على وجه الهدى كسائر أعضاء البدنة. فرع: فإن عجز فلم يحمله، فقد قال أشهب من رواية محمد عنه: عليه أن ينفق عليه أبدًا حتى يوصله لأقرب محل له دون البيت، فإن باعه أو ذبحه، فعليه أن يبدله. قال ابن القاسم: ولا تجزئه بقرة إذا لم يجد بدنة. ووجه ذلك انه هدی فدیة، فکان علیه بدله، وإن کان قد جنی علیه، ولیس مما يجوز فى الهدايا إلا أن الإيجاب، إنما تناول الأم، وهذا من أبعاضها، وإنما صار مما لا ٨٣٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨١٦. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٣٧/٥. البغوى فى شرح السنة ١٩٧/٧. كتاب الحج ٥٤٦ يجوز فى الهدى كسائر أعضائها الذى لا يهدى مفردًا، ويهدى مع الجملة. ٨٣٦ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَى بَدَنَّتِكَ فَارْكَبْهَا رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ، وَإِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَى لَبِهَا فَاشْرَبْ بَعْدَ مَا يَرْوَى فَصِيلُهَا، فَإِذَا نَحَرْتَهَا فَانْحَرْ فَصِيلَهَا مَعَهَا. الشرح: قوله: ((إذا اضطررت إلى بدنتك فاركبها ركوبًا غير فادح))، على ما تقدم من أن المضطر إلى بدنته له ركوبها غير أنه لا يفدحها ولا يضيعها. فصل: وقوله: ((إذا اضطررت إلى لبنها فاشرب بعد ما يروى فصيلها)) إباحة للشرب إلى لبنها بعد رى فصيلها، وليس له أن يضر به، ويدخل عليه من شرب لبنه ما بضعفه بشرب ذلك، ومعنى بعد رى فصيلها عندى بعد أن يترك للفصيل ما يشك أن يكفيه؛ لأن الفصيل إذا روى الآن احتاج بعد ساعة إلى الشرب والمعاودة، فلا يكون معنى بعد رى فصيلها أن يشرب بأثر رى الفصيل، وإنما معناه أن يترك له مقدار ريه، وإنما منع من الشرب من غير ضرورة لما ذكرناه فى الركوب مخافة أن يدخل على الفضيل أو على أمه ضرر الشربة، فمنع من ذلك فى الجملة. وقال ابن القاسم: لا يشرب لبنها بعد رى فصيلها، ولعله أراد أن لا تكون ضرورة، فیعود إلى أصله فى الإباحة؛ لأنها منافع لا تنقص الحلقة کالر کوب. وقد روى ابن عبدالحكم عن مالك إذا اضطر إلى ذلك، جاز له شربه. وقال ابن وهب: لا يشرب لبنها إلا من ضرورة، وهذا كله على ما قدمناه. فصل: وقوله: ((وإذا نحرتها فانحر فصيلها معها)) يريد أن حكمه حكمها، لاسيما إذا ولدته بعد إيجابها كولد أم الولد تلده أن تكون أم ولد، فإن حكمها حكمه، والله أعلم. * العمل فى الهدى حين يساق ٨٣٧ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ أَنْهُ كَانَ إِذَا أَهْدَى مَدْيًّا مِنَ الْمَدِينَةِ قَلْدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِى الْحُلَيْفَةِ يُقَلِّدُهُ قَبْلَ أَنْ يُشْعِرَهُ، وَذَلِكَ فِى مَكَانٍ وَاحِدٍ، ٨٣٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨١٢. ٨٣٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨١٧. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٣٢/٥. المحلى ٠١١١/٧ ........... .٥٤ کتاب الحج وَهُوَ مُوَجَّةٌ لِلْقِيْلَةِ يُقَدِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ وَيُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الأَيْسَرِ ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ خَتَّى يُوقّفَ ◌ِهِ مَعَ النّاسِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ يَدْفَعُ بِهِ مَعَهُمْ إِذَا دَفَعُوا، فَإِذَا قَدِمَ مِنِى غَدَةَ النّحْرِ نَحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَكَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ يَصُفُهُنَّ قِيَامًا، وَيُوَجِّهُهُنَّ إِلَى الْقِيْلَةِ ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ. الشرح: قوله: ((إذا أهدى هديًا من المدينة)) يقتضى أن الهدى قد يساق من بعيد الشقة وطول المسافة إذا كان يؤمن عليه فى مثل تلك المسافة، والإبل والبقر أضعف عن ذلك، فلا تهدى إلا من المسافة التى تسلم فيها مثلها. وقد روى ابن المواز والعتبى عن مالك: لا تساق الغنم إلا من عرفة، وما قرب من ذلك، وهذا لأنها تضعف عن قطع طويل المسافة. فصل: وقوله: ((قلده وأشعره بذى الحليفة)) يريد أنه يستصحبه فى المدينة، فإذا كان بذى الحليفة موضع إحرامه أوجبه بالتقليد والإشعار، وذلك أن السنة أن لا يكون إيجابه لمن يريد الإحرام إلا عند إحرامه. وفى العتبية والموازية عن مالك: للشامى والمصرى أن يقلد هديه بذى الحليفة ويؤخر إحرامه إلى الجحفة. وفى المدنية من رواية داود بن سعيد عن مالك: لا بأس بذلك، وفعل ذلك فى مكان واحد أحب إلىّ. وقال مالك فى الموازية: يقلد هديه ثم يشعره ثم يجلله، وإن شاء، ثم يركع ثم يحرم، فالسنة اتصال ذلك كله؛ لأن إيجاب الهدى من أحکام النسك، فمن أراد الإحرام استحب له أن یکون إيجابه نسكه فی الهدی عند التزام نسكه بالإحرام، ولذلك روى أن النبى 18 خرج زمن الحديبية فى بضع عشرة مائة من أصحابة حتى إذا كانوا بذى الحليفة، قلد النبى 4 الهدى وأشعره وأحرم بالعمرة. فصل: وقوله: ((قلده وأشعره)) يقتضى مباشرة ذلك بنفسه، وهو الأفضل من الاستنابة فيه؛ لأن ذلك مباشرة لتقريب الهدى كذبح الأضحية، وهذا فى الرجل. وأما المرأة، فقد قال: قال مالك فى العتبية: لا ينبغى أن تقلد المرأة بدنتها ولا تشعرها؛ لأنه لا يقلد ولا يشعر إلا من ينحر، إلا أن لا تجد من يلى ذلك لها كالذبح، وإن لم تجد من يلى ذلك إلا جاريتها، فلتفعل. وهذا القول يقتضى أن ذلك ليس لنقص الأنوثة، لأنه قد جوزلها أن تستنيب من هى فى ذلك بمنزلتها، وإنما لما فيه ابتذالها وإظهار ما يلزمها ستره من جسدها. كتاب الحج ..... ٥٤٨ ٠٠٠ فصل: وقوله: ((يقلده قبل أن يشعره، وذلك فى موضع واحد)) يريد أن يبدأ بالتقليد ثم يليه الإشعار بغير فصل. واختار ذلك ابن القاسم من رواية ابن المواز عنه؛ لأن التقليد أخف، وفيه بعض التدليل، ولذلك بدأ به، والتقليد والإشعار وإيجاب، فلذلك لم يجز أن يفرق بينهما، وقد قال ابن القاسم فى المدونة: وكل ذلك واسع، يريد أن الترتیب المذکور ليس بواجب. فصل: وقوله: ((وهو موجه إلى القبلة)) يريد أن التقليد والإشعار من سنته أن يكون والهدى موجه إلى القبلة، وكذلك قال مالك، وكذا من سنة المباشر لذلك أن يكون متوجهًا إلى القبلة؛ لأن هذه كلها معان من النسك لها تعلق بالبيت، فشرع فيها استقباله فیما یمکن فيه. فصل: وقوله: ((يقلده بنعلين)) هذا هو المستحب أن يقلده بنعلين فى رقبته للحديث المتقدم حديث ابن عباس عن النبى ﴿3﴾ وفيه: وقلدها نعلين، وإن قلدها نعلاً واحدة، فقد قال مالك: تجزئه النعل والواحدة. مسألة: قال ابن حبيب: واجعل حبل القلائد مما شئت. وقد روى عن عائشة أنها من العهن. وروى ابن المواز عن ابن القاسم: لا قالت: فتلت قلائد هدى النبى ﴾ يقلده بالأوتار. قال مالك: وأحب إلىّ أن تكون الأوتار مما أنبتت الأرض، وبه قال ربيعة. ولعله أدار أنها أحب إليه من الأوتار التى هى من القعب أو الجلد، وإن كان العهن أحب إلیه، ويحتمل أن نبات الأرض أحب إليه من ذلك كله، وحمل حدیث على الجواز. مسألة: قال مالك: وأحب إلىّ يفتل فتلاً. والأصل فى ذلك حديث عائشة رضى الله عنها: ((فتلت قلائد رسول الله ﴿4 بيدى))(١). ومن جهة المعنى أن ذلك أبقى لها على طول السفر، والمدة مع تصرف الهدايا فى الرعى وغيره. مسألة: وتقلد الإبل كانت لها أسنمة أو لم تكن، قاله مالك، وكذلك البقر. وووجه ذلك أن التقليد شعار الهدى، فلا يجوز تركه إلا لضرورة، وأما الغنم، فقال مالك: لا تقلد. وقال ابن حبيب: تقلد، وبه قال الشافعى. (١) أخرجه البخارى حديث رقم (١٦٩٦، ١٦٩٩، ١٧٠٠). مسلم حديث رقم (١٣٢١). الترمذى حديث رقم (٩٠٨). النسائى فى الصغرى حديث رقم (٢٧٨٣). أبو داود حديث رقم (١٧٥٧، ١٧٥٩). أحمد فى المسند حديث رقم (٢٣٩٧١، ٢٥٤٧٨). ٥٤٩٠٠ ....... كتاب الحج . وجه قول مالك أن الغنم تضعف عن التقليد، ويشق عليها المشى إذا كانت مقلدة. ووجه قول ابن حبيب ما روى عن عائشة رضى الله عنها: ((أن رسول الله ولا أهدى غنما مقلدة)»(٢). فصل: وقوله: ((ويشعره من الشق الأيسر)) الإشعار من سنة الهدى، وبه قال الشافعى، ومنع منه أبو حنيفة. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك، والجمهور ما روى أن النبى ﴿﴿ قلد هديه وأشعره بذى الحليفة وأحرم بالعمرة. مسألة: وأما إشعاره من الشق الأيسر، فهو من سنته. والأصل فى ذلك ما قدمناه من أن السنة أن تكون موجهة إلى القبلة، وأن يكون مباشر ذلك متوجهًا إلى القبلة، ولا یتأتی مع ذلك أن يليه منه إلا الشق الأيسر. وقد روى ابن عباس أن النبى ﴿﴿ أشعر بدنته فى صفحة سنامها الأيمن (٣)، ولعله کان ذلك لصعوبتها أو لیری الجواز. وقد روى عن نافع قال: كان ابن عمر إذا كانت ذلولاً أشعرها من قبل شقها الأيسر، وإن كانت صعوبًا، فرق بدنتين ثم قام بينهما، فأشعر إحداهما من الأيمن، والأخرى من الأيسر. قال فى العتبية: لم يشعرهما ابن عمر فى الشقين أنهما سنة، لكن ليذللها، وإنما السنة فى الشق الأيسر فى الصعاب وغيرها. وقال ابن المواز: قوله: ((يشعرها من الشقين)»، أى الشق أمكنه. فرع: والإشعار طولاً فى شق البعير، وهو فى عرض السنام بطول البعير، وهذا هو الأظهر؛ أنه إنما يراد بذلك الإعلان بأمر الهدى، وإذا كان الإشعار بالطول على ما ذكرناه الدم يسيرًا، فلا يقع به المعنى المقصود. مسألة: وهذا إذا كان للبقر أو الإبل أسنمة، فإن لم يكن لها أسنمة، فإنها تقلد ولا تشعر، رواه العتبى. واختار ابن حبيب، أن تشعر الإبل والبقر، وإن لم يكن لها أسنمة. وجه قول مالك أن الإشعار مختص بالسنام بدليل أنه لا يفعل فى غيره مع وجوده، فإذا عدم فقد عدم محل الإشعار كالغنم. ووجه قول ابن حبيب أن هذا هدى من الإبل والبقر، فكان حكمه أن يشعر كالتى لها أسنمة. وأما الغنم فإنها لا تشعر جملة لأن (٢) أخرجه أبو داود حديث رقم (١٧٥٥). أحمد فى المسند حديث رقم (٢٥٢٠٩). (٣) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٢٤٣). الترمذى حديث رقم (٩٠٦). النسائى فى الصغری حدیث رقم (٢٧٧٣). أحمد فى المسند حديث رقم (١٨٥٨). · كتاب الحج ٥٥٠ . الإشعار مضر بها لصعر أجسامها وضعفها عنه، ففى إشعارها تعريضها للهلاك. فصل: وقوله: ((ثم يساق معه حتى يوقف مع الناس بعرفة)) يريد أنه يستصحب هدي ويحضر معه وصوله إلى مكة وخروجه إلى منى وعرفة حتى يوقف بعرفة حين وقوف الناس، فأما الوقوف فى غير ذلك من الأيام، فغير مشروع ثم يدفع به معهم إذا دفعوا يريد بعد غروب الشمس. فصل: وقوله: ((فإذا قدم منى غداة النحر نحره قبل أن يحلق أو يقصر)) يريد بعد رمى جمرة العقبة وقبل الحلاق أو التقصير، فذلك محل النحر ولا يجوز نحر الهدى ليلاً، وعلى هذا مالك وجماعة أصحابه إلا أشهب، فقد روى عنه ابن حارث أنه يجوز نحر الهدى أو ذبحه ليلاً. والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى: ﴿ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٣٤]. فصل: وقوله: ((وكان ينحر هديه بيده)) يريد أنه كان يباشر ذلك بنفسه، وهى السنة، وقد تقدم ذكره، وكان يصفهن قيامًا، ويوجههن إلى القبلة على ما تقدم من أن نحرهن قيامًا مصفوفة أيديهن، هو الشأن والسنة، ويوجههن إلى القبلة لما قدمناه من أنه نسك متعلق بالبیت یمکن التوجه، فکان ذلك من سننه. فصل: وقوله: ((ثم يأكل ويطعم)) يريد أنه كان يأكل من هدى التطوع إذا بلغ محله ويطعم من شاء وسيأتى بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى عند ذكر ما يؤكل منه من الهدايا ويميزه من غيره، وبالله التوفيق. ٨٣٨ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا طَعَنَ فِى سَنَامٍ هَدْيِهِ وَهُوَ يُشْعِرُهُ، قَالَ: بِسْمِ اللّهِ وَاللَّهُ أَكْبُرُ. الشرح: قوله: ((أنه كان إذا طعن فى سنام هديه)) يريد أن شروعه فى الإشعار لابد أن يكون فيه بعض الطعن فى سنام البعير يشق الجلد، ثم يمر السكين على مثل ذلك، فكان يقول إذا شرع فى ذلك: بسم الله والله أكبر، على معنى التسمية على ابتداء النسك، ويحتمل أن يكون التسمية للإيجاب كما يسمى للذبح، وهذا مما رواه أشهب عن مالك فى العتبية: أن من تولی إشعار هدیه، قال: بسم الله والله أکبر. ٨٣٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٠/١٢. ٥٥١ ... كتاب الحج . ٨٣٩ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْهَدْىُّ مَا قُلّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةً. الشرح: قوله: ((الهدى ما قلد وأشعر)) يريد أن من حكمه وسنته التقليد والإشعار، وأن من حكم ما ينحر منه بمنى أن يوقف بعرفة. والأصل فى ذلك أن الهدى من شرطه أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ولا يجزئ من اشتراه بالحرم أن ينحره بالحرم دون أن يخرجه إلى الحل، هذا مذهب مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن اشتراه فى الحرم، ونحره فيه أجزأه. كا جمع فى هديه بين الحل والحرم؛ لأنه قلده والدليل على ما نقوله أن النبى وأشعره بذى الحليفة وساقه إلى البيت. ودليلنا من جهة القياس أن هذا نسك من شرط صحته أن يجمع بين الحل والحرم كالعمرة. مسألة: إذا ثبت أنه يجمع فيه بين الحل والحرم، فإنه يلزم من كان معه وساقه من الحل أن ينهض به معه، ويقف به بعرفة مع الناس، وكذلك فعل النبى ﴿3﴾ بما ساق معه من الهدى فى حجه، وكذلك كان يفعل ابن عمر، وقد تقدم عن ابن عمر وكذلك قال: هاهنا ما قلد وأشعر ووقف به بعرفة، يريد أن هذا الهدى الكامل الصفات والفضائل. ٨٤٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَلِّلُ بُدْنَهُ الْقُبَاطِئَّ وَالأَنْمَاطَ وَالْحُلَلَ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ فَيَكْسُوهَا إِيَّهَا. الشرح: قوله: ((كان يجلل بدنه القباطى)) يريد أنه كان يكسوها إياها إذا أهداها، والقباطى ثياب بيض والأنماط ثياب ديباج والحلل ثياب مزدوجة، وذلك يقتضى أن تجلل الأبيض والملون والخز والكتان وسائر أنواع الثياب. قال مالك: ولا تجلل بالمخلق وغير ذلك من الألوان خفيف والبياض أحب إلينا، ومعنى ذلك أن الخلوق طيب، فكره المخلق لما فيه من الطيب وأباح سائر الألوان، وإن کان البیاض احب ذلك إليه. ٨٣٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٠/١٢. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٣٢/٥. المحلى ٠١١١/٧ ٨٤٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٣/١٢. کتاب الحج ٥٥٢ ............. فصل: وقوله: ((ثم يبعث بها إلى الكعبة فيكسوها إياها)) يريد أنه كان يرى أن هذا أحق ما صرفت إليه إذا كانت البدن لها تعلق بالبيت، وكانت تجلل، وكانت الكعبة مما يشرع كسوتها، فكان ما يليق بها مصروفًا إليها. ٨٤١ - مَالِكِ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارِ مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرٌ يَصْنَعُ بِحِلالِ بُدْنِهِ حِينَ كُسِيَتِ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكِسْوَةَ؟ قَالَ: كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا. الشرح: ومعنى ذلك أن جلال البدن كانت كسوة الكعبة، وكانت أولى بها من غير ذلك، فلما كسيت الكعبة رأى أن الصدقة بها أولى من غير ذلك؛ لأن الهدى، وإن كان له تعلق بالبيت، فإن مصرفه إلى المساكين ومستحقى الصدقة، ويحتمل أن يكون عبدالله بن عمر كان يكسو جلال بدنه الكعبة قبل أن يعلم أن النبى کان یقسم جلال بدنه، فلما علم بذلك رجع إليه وأخذ به. ٨٤٢ - مَالِك عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: فِى الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ الثِّىُّ فَمَا فَوْقَهُ. ٨٤٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَشُقُّ حِلالَ بُدْنِهِ وَلا يُحَلِّلُهَا خَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنِّى إِلَّى عَرَفَّةً. الشرح: ومعنى ذلك أن جلال البدن تشق على أسنمتها لمعنيين، أحدهما: أن يبدو الإشعار، والثانى: أن ذلك أثبت لها على ظهور البدن. قال مالك: وذلك من عمل الناس وما علمت أن أحدًا ترك ذلك إلا عبدالله بن عمر، وذلك أنه كان يجلل الحلل والأنماط المرتفعة، فكان يترك ذلك استبقاء للثياب، ولم يكن يجلل إلا حين يغدو من منى إلى عرفة؛ لتبقى الثياب بحالها، ولا تتغير بطول اللبس لها. قال ابن المبارك: كان ابن عمر يجللها بذى الحليفة؛ فإذا مشى ليله نزع الجلال، فإذا قرب من الحرم جللها، وإذا خرج إلى منى جللها، فإذا كان حين النحر نزعها، فعلى هذا يحتمل أن تكون هذه الرواية مخالفة لرواية مالك، ويحتمل أن يكون مالك إنما قصد الإخبار عن آخر عمله فيها، واستوفى ابن المبارك الإخبار عن جميع أحوالها. ٨٤١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٣/١٢. ٨٤٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨١٩. المغنى ٥٥٣/٣. ٨٤٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٤/١٢. ٠ ٥٥٣ .... كتاب الحج . وروى ابن المواز عن ابن نافع أن عمر كان يعقد أطراف الجلال على أذنابها من البول ثم ينزعها قبل أن يصيبها الدم فيتصدق بها، قال مالك: وأحب إلىّ إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقها ولا يجللها حتى يغدو من منى إلى عرفة، وإن كانت بالثمن اليسير على الدرهمين ونحوه، فأحب إلى أن تشق ويجللها من حين يحرم فتأول. قوله: ((لا يشق جلال بدنه))، على الامتناع من ذلك جملة، وأن الذى يتعلق بغدوه من منى إلى عرفة هو التحليل خاصة. مسألة: وهذا فى الإبل، وأما البقر والغنم، فلا تجلل، قاله مالك فى المبسوط. ووجه ذلك أن التحليل زيادة على الهدى بعد كماله على وجه المبالغة فى تحسينه وتمامه والهدى من البقر والغنم ناقص فى باب الهدى إنما يخرج عند الاقتصار على الإجزاء والضرورة إليه لمن لم يجد غيره، فلا معنى لتحليله؛ لأن الاقتصار على الأدون منه ينافى التحليل الذى هو زيادة على الأفضل، ولأن يجعل ثمن الجلال فى فضل جنس الهدى أولی من أن يجعله فيما تبع الهدى. ٨٤٤ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِيْنِيهِ: يَا يَنِىَّ لا يُهْدِيَنَّ أَحَدُكُمْ مِنَ الْبُدْنِ شَيْئًا يَسْتَحْبِى أَنْ يُهْدِيّهُ لِكَرِيمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنِ اخْتِيرَ لَهُ. الشرح: ومعنى ذلك الوعظ لهم، والنهى عن أن يهدى أحدهم من الهدى ما یستحی ان یهدیه لمن يكرم عليه، وذكرهم بأن الله أكرم الكرماء، أحق من استحیی منه أن يهدى له الحقير، وأولى من اختير له الرفيع، والتوقى فى ذلك من وجهين، أحدهما: التوقى مما يمنع الإجزاء، والآخر: مما يمنع الفضيلة، فأما ما يمنع الإجزاء والفضائل، فهو على ما يأتى ذكره فى الضحايا إن شاء الله. وقد يختص بالهدى معان نذكرها، وذلك أن أفضل الهدى الإبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز بخلاف الضحايا لأن القصد فى الهدى كثرة اللحم والقصد فى الأضحية طيب اللحم، ولحم الضأن أفضل اللحوم التى تجزى فى الضحايا. مسألة: وتراعى صحتها على الظاهر من المذهب حين تقليدها وإشعارها، فإذا كانت معيبة عند التقليد بعيب يمنع الإجزاء، ثم زال ذلك العيب عنها قبل النحر، فإنها غير مجزئة لأنه أوجبها معيبة ناقصة عن الإجزاء كما لو قلدها قبل أن تبلغ سن الإجزاء ٨٤٤ - انفرد به مالك. کتاب الحج ٥٥٤ .... ثم بلغته بعد ذلك، فإنها لا تجزئ، وإن كانت سليمة حين التقليد، ثم أصابها قبل النحر ما يمنع الإجزاء أجزأت عنه. قال الشيخ أبو بكر: فى هذا شىء والقياس أن لا يجزئ لأن وجوبها لم يتناه عند مالك وهو مراعى، ألا ترى أنها لو عطبت قبل أن ينحرها لم تجزه، وعليه بدلها، فكذلك يجب إذا حدث بها عيب يمنع الإجزاء أن لا تجزئ، ومعنى ذلك أن إيجابها بالتقليد لما لم يمنع ضمان جملتها لم يمنع ضمان جزء من أجزائها، والله أعلم. * العمل فى الهدى إذا عطب أو ضل ٨٤٥ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ صَاحِبَ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْهَدْىِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴾. ((كُلُّ بَدَنَةٍ عَطِيَتْ مِنَ الْهَدْىِ فَانْحَرْهَا ثُمَّ أَلْقِ قِلَادَتَهَا فِى دَمِهَا ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا)). الشرح: صاحب الهدى هو ناجية بن جندب الأسلمى، وقال: ابن عفير اسمه ◌َّ ناجية إذ نجا من قريش. ذکوان وسماه النبی وقوله: ((كيف أصنع بما عطب من الهدى)) يحتمل أن يكون سؤالا عن جميع جنس الهدى، ويحتمل أن يكون سؤالاً عن هدى معهود عندهما، وهو الهدى الذى بعث به ﴿وَ﴾ معه، وهو الأظهر فسؤاله عما يصنع ما عطب منه، وذلك يحتمل معنيين من جهة اللفظ، أحدهما: العطب من جهة الموت والفوات غير أن جواب النبى 18 يمنع هذا. والمعنى الثانى: أن يكون عطبت بمعنى بلغت مبلغًا لا يمكن توصيلها معه، وذلك على ضربين، أحدهما: أن يكون ذلك منع إيصالها فى الوقت وبعده، والثانى: أن يمنع منه فى الوقت من إعياء غلب عليها، ويمكن إيصالها بعد الوقت. ٨٤٥ - أخرجه أبو داود ١٥٢/٢ كتاب الحج باب الهدى إذا عطب قبل أن يبلغ عن ناحية الأسلمى. والترمذى ٢٤/٣ كتاب الحج باب ما جاء إذ عطب الهدى ما يصنع به عن ناحية الخزاعى. وابن ماجه ١٠٣٦/٢ كتاب المناسك باب فى الهدى إذا عطب عن ناحية الخزاعى. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٤/٦: هذا حديث مرسل فى الموطأ، وهو فى غير الموطأ مسند؛ لأن جماعة من الحفاظ رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ناجية الأسلمى صاحب بدن رسول الله # وغير نكير أن يسمع عنه عروة. ........ ٥٥٥ کتاب الحج فصل: وقوله : ((كل بدنة عطبت من الهدى)) يحتمل الوجهين المتقدمين من استغراق الجنس والعهد، ولا يمتنع أن تكون الأولى بمعنى العهد. والثانية: الاستغراق الجنس، وذلك بأن يسأله عن حكم ذلك الهدى، فيخبره عن حكم سائر الهدايا، ليبين للناس، ولیعلمهم حکم جمیع الهدى. فصل: وقوله : ((فانحرها ثم ألق قلائدها فى دمها)) يبين أنه لم تفت الذكاة، وإنما منع بلوغها محلها، فأمره بنحرها، وهذا حكم ما عطب من الهدى، سواء كان واجبًا أو غيره، غير أن الواجب عليه بدله، ولا يدل عليه فى غير الواجب إلا على وجه من التعدى فيه، وأمره بأن يلقى قلائدها فى دمها والقلائد هى التى يقلد بها عند الإشعار. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ومعنى ذلك عندى أن لا يستبقى شيئًا منها، ولا يتشبث بشىء من أمرها ولا القلائد على بزارتها وقلتها، وأنها مضافة إليها ولا غير ذلك، ولا يستبقى المتولى لأمرها منها ما ينتفع به، ولا ما ينتفع هو به، وإن كانت القلائد لا يبقى فيها كبير منفعة، ولا هى مما جرت العادة أن يستأنف تقليدها لهدی آخر، فلذلك أمره بإلقائها فى دمها. وقد روى عن مالك فى الهدى يعطب قبل محله، وهو تطوع، فقال: لينحره مكانه ویلقی قلائدها فى دمه من سنته وحكمه، والله أعلم. وروى عنه ابن المواز أنه قال: إنه علم للإذن للناس فى أكلها، ولذلك کله وجه. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى أن يريد بذلك إبقاء علامة الهدى فيها لئلا يتعدى أحد فيصرفها عن وجهها ببيع أو منع، والله أعلم. فصل: وقوله : ((وخل بينها وبين الناس يأكلونها)) يريد والله أعلم، أن آخر عمله فيها نحرها، وإلقاء قلائدها فى دمها، وأنه لا يلى تفريق ذلك على الناس، وإنما يخلى بينهم وبينها وظاهر هذا اللفظ أن لا يأخذ المتولى منها شيئًا لأنه قال: يأكلونها، وهذا يقتضى أن يخلی بينهم وبين جميعها. مسألة: ومن أرسل معه هدى، فأمره صاحبه أن ینحره ثم يخلی بین الناس وبينه، فتصدق هذا به، فقد روى ابن القاسم عن مالك: لا ضمان على صاحبه وأراه قد أجزا عنه؛ لأن صاحبه لم يتصدق به، ولا تصدق به أحد عن إذنه، وإنما تصدق به غيره کرجل أجنبی قسمه بین الناس، فلا شىء بذلك على صاحبه. .. كتاب الحج ٠٥٥٦ مسألة: ولو كان صاحب الهدى أمره حين أرسله معه، أن يأكل منه أو يقسمه بين الناس، لم يجز. ٨٤٦ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنْهُ قَالَ: مَنْ سَاقَ بَدَنَةٌ تَطَوُّعًا، فَعَطِيَتْ فَنَحَرَهَا ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ النّاسِ يَأْكُلُونَهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا أَوْ أَمَرَ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهَا غَرِمَهَا. ٨٤٧ - مَالِك، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ. الشرح: قوله: ((من ساق بدنة تطوعًا فعطبت)) يريد امتنعت من الوصول إلى محلها، ومحلها موضع يجوز فيها نحرها، وذلك مكة أو منى على ما يأتى بعد هذا، إن شاء الله تعالی. وقد روى فى المبسوط عن مالك عن عبدالملك فيمن بلغ بهديه مكة فعطب بها، وهو يريد عرفة، قال: يجزئه، قيل: فمن تعمد ذلك، قال: يجزئه لأنه قد بلغ محله. وقال مالك: كل هدى بلغ به مكة فعطب أو نحر بها مما جاء من الحل، فهو مجزئ إلا هدى المتعة، فإنه لا يجزئ لأنه يبتدئ به من مكة، فإذا عطب بها لم يجتمع فيه الحل والحرم. ووجه ما تقدم من قول مالك وعبدالملك، قوله: ((حتى بلغ محله)) ولا خلاف ان مکة محل لنحر الهدى. وأما هدى التمتع، فإنه إنما يبدأ أمره للمتمتع بمكة عند الإحرام بالحج، فإن كان ابتدأ تقليده من مكة، فلا يجمع بين الحل والحرم إلا بعد خروجه إلى الحل مقلدًا، وإن كان قلده قبل ذلك، وأشعره ففى الموازية عن أشهب وعبدالملك: لا يجزئه. قال: وسهل فيه ابن القاسم أنه يجزئه. مسألة: فلو عطب الهدى يمنى، وقد مرّبمكة أو عطب بعرفة أو بالمزدلفة، فقال عبدالملك فى المبسوط: لا يجزئ حتى يرجع من عرفة إلى منى؛ لأن منى فى غير أيام النحر كغيرها لا يجزئ النحر فيها. ومعنى ذلك أنه إذا عطب بموضع يجوز فيه نحره بلغ محله، وإذا عطب بمحل لا يجوز فيه نحره، فهو بمنزلة ما عطب قبل الوصول. ٨٤٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٢١. ٨٤٧ - انفرد به مالك. كتاب الحج ........... ٥٥٧ فصل: وقوله: ((ثم خلى بينها وبين الناس يأكلونها فليس عليه شىء)) إنما ذلك لأنه لم يكن وجب عليه شىء تعلق بذمته يلزمه قضاؤه، وإنما تغلق حق الهدى بتلك العين لتطوعه وتعيينه لها، فإذا عطب من غير فعله، فلا شيء عليه. فصل: وقوله: ((فإن أكل منه أو أمر من يأكل منه فعليه بدله)). والأصل فى ذلك الحديث المتقدم: ((أن النبى ﴿3﴾ أمر صاحب هديه لما عطب منه أن ينحرها، ويلقى قلائدها فى دمها، ويخلى بين الناس وبينها))، وهذا يقتضى أن لا يأكل شيئًا منها. قال القاضى أبو محمد: إنما منع أن يأكل منها؛ لأنه يخاف أن يسرع إلى إعطابها ليأكل منها. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى فيه نظر، وإن كان قد قال: لا يأكل منها، وإن أكل منها أبدلها، على وابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم، غير أن التعليل فيه تلك القوة. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى أن يقال أنه لما قلده هديا، ومعنى ذلك أن يبلغه محله، فقد يضمن ذلك الامتناع من الانتفاع به على وجه إتلاف عينه إلى أن يبلغ محله، فلا يكون له أكل شىء من قبل ذلك، فإن أكل منه كان عليه بدله. وقد قال سفيان الثورى: الرأى أن يغرم ما أكل ولكن السنة مضت بتضمينه كله وما قاله سفيان يطرد على ما عللنا به غير أنه إنما لزمه بدله، ولم يلزمه بقدر ما أكل منه لأنه إنما يغرم ما أكل هديا والهدى لا يتبعض، فمن لزمه بعضه لزمه جميعه ليصح کونه ھدیًا. ٨٤٨ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَهْدَى بَدَنَّةٌ حَرَاءٌ أَوْ نَذْرًا أَوْ هَذْىَ تَمَتِّعٍ، فَأُصِيبَتْ فِى الطَّرِيقِ، فَعَيْهِ الْبَدَلُ. الشرح: قوله: ((من أهدى بدنة جزاء أو نذرًا أو هدى تمتع فأصيبت فعليه البدل)» يقتضى أن البدنة قد تهدى على غير هذا الوجه، وهو التطوع، فأما ما أهدى منه عن واجب ابتدأ بنذره أو عن جزاء صيدا أصابه أو لجبر عبادة كالمتمتع، فإذا لم يبلغ محله فإن عليه بدله، ومعنى هذا النذر أن ينذر فى ذمته غير معينة لم يكن عليه بدلها؛ لأن إيجابها بالنذر كإيجابها بالتقليد. ٨٤٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٢٢. کتاب الحج ٥٥٨ .٠ وأما ما وجب عليه من هدى متعلق بذمته بنذر أو غيره، فإنه يجب إيصاله إلى محله على ما وجب عليه، فإن أصيب فى الطريق فعليه بدله. ٨٤٩ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ: مَنْ أَهْدَى بَدَنَةٌ ثُمَّ ضَّلْتْ أَوْ مَأَتَتْ، فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَذْرًا أَبْدَلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا، فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَّرَكَهَا. الشرح: قوله رضى الله عنه: ((من أهدى بدنة ثم ضلت، فإن كانت نذرًا)) يريد نذرًا متعلقًا بالذمة، وهذا حكم كل هدى متعلق بالذمة من جزاء صيد أو قران أو تمتع، أن يبدل إن ضل، فإن وجده بعد ذلك، فلا يخلو أن يكون ضل قبل الإيجاب، فأبدله فلا يلزم نحره إذا وجده، وليتصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره، رواه ابن المواز عن ابن القاسم. وإن كان ضل بعد الإيجاب ووجده بعد يوم عرفه، فقد روى محمد عن مالك أنه اختلف قوله فيه، والذى نأخذ به أنه يجزئه عما وجب عليه، وعليه أن ينحره بمكة، إن كان أدخله من الحل، وإلا أخرجه إلى الحل، ثم رده إلى الحرم، فنحره بمكة، وهو اختيار أشهب. وروى ابن القاسم: لا يجزئه، وإن لم يجد غيره، صام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع، وقاله ابن القاسم وابن عبدالحكم. وجه القول الأول أنه هدى أوجبه لقرانه، وقد بلغ محله دون نقص، فوجب أن يجزئه. أصله إذا وجده قبل عرفة. ووجه القول الثانى أنه لما أوجبه على الوقوف بعرفة والنحر لزمه هذا الحكم. فرع: فإن ضل هدى النذر فأبدله، ثم وجد الأول لزمه، فقد روى ابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن ضل هديه الواجب، اشترى غيره فقلده ثم وجد الأول، فهما هديان، ولا يأكل من الأول، يريد أن الأول كان مما لا يؤكل منه، فلذلك أقره على أصله لما كان نذرًا، وأباح له الأكل من الثانى؛ لأنه لما وجد الأول تحقق للثانى حكم التطوع الذى يجوز له الأكل منه. فصل: وقوله: ((فإن كان تطوعًا فإن شاء أبدله منه، وإن شاء تركه)) ومعنى ذلك أنه إنما أوجب على نفسه تقليده تلك العين، فإذا ضلت لم يلزمه لأنه لم يكن له تعلق بذمته. ٨٤٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٨١/١٢. ٥٥٩٠ کتاب الحج . فرع: فإن أبدله ثم وجد الأول نحرهما، قاله ابن المواز. ووجه ذلك أنه قد تطوع بإيجاب كل واحد منهما لأنه لم يكن لزمه أن يبدل الأول، فلما أبدله كان تطوعه بالثانی کتطوعہ بالأول، فکان حکمه کحکمه. فرع: ومن ضلت بدنته بعد ما أوقفها بعرفة، فوجدها رجل يوم النحر، فعرف أنها بدنة فنحرها، قال: اشهدوا أنى أنحرها عن صاحبها ثم جاء صاحبها فعرفها، فقد قال مالك فى المدنية: تجزئه، ولا أرى على الذى نحرها ضمانًا. وقال فى الموازية لابن وهب عن مالك، فيمن وجد منى بدنة، يريد مقلدة يعرفها إلى يوم ثالث النحر: فإنه ينحرها، وتجزئ عن صاحبها، وإنما أخرها إلى أيام النحر؛ لأن ذلك وقت للنحر منى، وهو أفضل النحر، ولو عرفها بعد ذلك إلى اليوم الرابع، ولم يكن له نحرها إلا بمكة، فتفوته فضيلة النحر منى، وإنما ذلك لمن لم يجد بدنته أو بدنة غيره إلا بعد اليوم الثالث، فإن ذلك لا ينحره إلا بمكة لفوات النحر منى. مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمٍ يَقُولُونَ: لَا يَأْكُلُ صَاحِبُ الْهَدْىِ مِنَ الْحَزَاءِ وَالْنُسُكِ. الشرح: قوله: ((لا يأكل صاحب الهدى من الجزاء والنسك)) هو المشهور من قول العلماء، ويريد بالجزاء جزاء الصيد والنسك فدية الأذى، والذى ذهب إليه مالك أنه يؤكل من كل هدى بلغ محله إلا ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذر للمساكين، هذا المشهور من المذهب. وفى المدنية ومن رواية داود بن سعيد: أن مالكًا سئل عن الرجل يأكل من الفدية أو من جزاء الصيد، وهو جاهل، قال: ليس عليه شىء، وليستغفر الله عز وجل، وقد كان ناس من أهل العلم يقولون: يؤكل منه. وقال الشافعى: لا يؤكل من هدى واجب. وقال أبو حنيفة: يؤكل من هدى القران. والتمتع، ومنع الأكل مما وجب بحكم الإحرام. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير﴾ [الحج: ٣٦] إلى قوله: ﴿فكلوا منها﴾. ودليلنا من جهة القياس أن هذا هدى وجب لحق الإحرام، فلم يخير بينه وبين الطعام، فجاز أن يؤكل منه. أصل ذلك هدى القرآن والتمتع. مسألة: إذا ثبت ذلك، فالمتفق عليه من قول مالك أنه يؤكل من الهدى الواجب إذا كتاب الحج ٥٦٠ بلغ محله من ثلاث: جزاء الصيد وفدية الأذى وما نذره للمساكين. فأما جزاء الصيد وفدية الأذى، فإنه مخير بينهم وبين الإطعام للمساكين، قال فى جزاء الصيد: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ وقال فى فدية الأذى: ﴿فمن كان منكم مريضًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أو نسك﴾. وقد فسر ذلك النبى ﴿4 فى الحديث الذى يأتى بعد هذا إن شاء الله تعالى، عن كعب بن عجرة ((أنه أمره رسول الله ﴿﴿ أن يحلق رأسه، وقال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة مساكين، مدين مدين، أو انسك بشاه، أى ذلك فعلت أجزاك))(١). فلما كان بدله الذى هو الإطعام منصرفًا إلى المساكين، فكذلك الهدى منه، وأما نذره للمساكين فقد تعين لهم، فلا يجوز له أن يصرف شيئا من ذلك عنهم. مسألة: ولو نذر بدنة، ولم يعلقها بالمساكين، وإنما نذرها بدنة، فهو كالتطوع لأن إيجابها بالنذر كايجابها بالتقليد إلا أن يفرق فى التعيين إن كانت بدنة النذر غير معينة، وذلك يوجب اختصاصها بالمساكين. مسألة: ومن أكل من جزاء الصيد وفدية الأذى بعد أن بلغا محلهما، فالمشهور من مذهب مالك أن عليه بدل الهدى. وقال ابن الماجشون: ليس عليه إلا قدر ما أكل منه. وجه قول مالك أنه أكل من هدى ممنوع منه بعينه، فوجب عليه بدل هدى التطوع يأكل منه. ووجه قول عبدالملك أن الهدى قد بلغه، واستوفى معنى الهدى فيه وإنما استهلك منه جزءًا يستحقه غيره، فكان عليه قدر ما استهلك كما لو استهلكه غيره ممن لا يحل له. مسألة: فأما نذر المساكين، ففى المدونة: إن أكل منه فعليه قدر ما أكل، وقال فى موضع آخر: لا يجزئه، وعليه البدل. وجه القول الأول أن من نذر هدياً للمساكين، فقد نذر عبادتين متباينتين، إحداهما: للهدى، والثانية: أن يكون للمساكين، فإذا أهدى الهدى، فقد أكمل إحدى العبادتين، فلا يفسدها ما أدخل النقص فى عبادة أخرى، وهذا قد سلم له الهدى، وإنما دخل النقص فى الصدقة على المساكين، فلا يفسد بذلك الهدى، وإنما عليه قدر ما (١) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٧١٥). مسلم حديث رقم (١٢٠١). الترمذى حديث رقم (٢٩٧٤). أبو داود حديث رقم (١٨٥٦). ابن ماجه حديث رقم (٣٠٨٠). أحمد فى المسند حديث رقم (١٧٦٣٥). ....... ٥٦١ كتاب الحج . أكل؛ لأن إطعام المساكين يتبعض، وليس هذا مثل جزاء الصيد وفدية الأذى، فإن من شرط صحته أن لا يأكل منهما لأن كل واحدة منهما عبادة واحدة، ولا يصح وجود بعضها دون بعض. فرع: فإذا قلنا عليه الهدى، فلا تفريع فيه، وإذا قلنا عليه قدر ما أكل من أى شىء يكون ذلك، رأيت لبعض أصحابنا أنه يريد لحمًا، والذى قال عبد الملك بن الماجشون فی کتاب محمد بن حبیب: علیه ثمن ما أکل طعامًا يتصدق به. انتهى الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع وأوله «هدى المحرم إذا أصاب أهله،