النص المفهرس
صفحات 1421-1440
٤٢٢ ٠ · كتاب الحج ووجه الرواية الثانية أنه صيد له والصائد يقصد ويعتقد أنه لا يأكله إلا محرمًا فكأنه صاده لمحرم. والذى يصيد لنفسه يصيد ليأكله حلالاً. والأول عندى أظهر. مسألة: فإن صيد بعد إحرامهم من أجلهم، وكانوا معينين أو غير معينين، لم يجز لهم أكله لأنه صيد للمحرمين. رواه ابن المواز عن مالك، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: يجوز لمن صید من أجله من المحرمین أن یأ کل منه. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فإن قيل المراد به الاصطياد، فالجواب أن الأظهر من الآية غير ما ذكرتم، فإنه إذا كان الصيد فى الآية بمعنى الاصطياد ثم أضافه إلى البر فى قوله: ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ وجب أن يكون البر هو الصيد، وذلك لا يصح، فلا يجوز حمل ذلك على ظاهره، ولا بد فيه من إضمار، وهو: وحرم عليكم صيد البر أو صيد وحش البر، وحمل الآية على ما قلناه يغنى عن هذا الإضمار، ولا يجوز ادعاؤه مع استغناء الكلام عنه إلا بدلیل. وجواب ثان وهو أنه قد روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه كره أكل لحم الصيد، وهو محرم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ [المائدة: ٩٦] إلى قوله تعالى: ﴿حرما﴾ [المائدة: ٩٦] فاحتج بذلك على بن أبى طالب رضى الله عنه على الامتناع من أکل لحم صید الیر. وهذا يقتضى أن المراد به عين الصيد، ولو تأول فيها المنع من الاصطياد لما احتج بها على المنع من أكل اللحم، وعلى رضى الله عنه من أهل اللسان مع الدين والعلم، فوجب أن يكون ما فسر الآية به هو معناها. قَالَ مَالِكَ فِيمَنْ أَحْرَمَ وَعِنْدَهُ صَيْدٌ قَدْ صَادَهُ أَوِ ابْتَاعَهُ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ وَلا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ. الشرح: وهذا كما قال أن من ملك صيدًا قبل إحرامه ثم أحرم، فلا يخلو أن يكون أحرم وهو فى يده أو يكون خلفه فى أهله، فإن كان خلفه فى أهله، ثم أحرم وليس معه، فإنه لا يزول ملكه عنه، وليس عليه إرساله. وهذا معنى قول مالك: ((ولا بأس أن يجعله فى أهله))، يريد قبل إحرامه، وهو معنى قوله: ((وعنده صيد))، يريد أنه فى ملكه إلا أنه ليس بحاضر معه فى وقت إحرامه، وبه قال أبو حنيفة. ٤٢٣ كتاب الحج . وللشافعى فى ذلك قولان، أحدهما: مثل قولنا، والآخر :: أنه يزول ملكه عنه. والدليل على بقاء ملكه عليه أن هذه حرمة تمنع ابتداء الاصطياد، فلم تمنع استدامته كحرمة الحرم. مسألة: وأما من أحرم وبيده صيد ثم أرسله إلى أهله، ثم نفر لما جاز له إمساكه، ولوجب عليه إرساله، رواه القاضى أبو إسحاق فى مبسوطه، واحتج لذلك بأن ملكه قد زال عنه فى إحرامه، وهذا أصل قد اختلف فيه أصحابنا على ما سنبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى، وذلك أن من أحرم وبيده صيد له، فإنه يجب عليه إرساله. وهل يزول عنه ملكه بنفس الإحرام أم لا؟ قال القاضى أبو إسحاق: يزول عنه ملكه بإحرامه. وقال القاضى أبو الحسن والشيخ أبو بكر: لا يزول عنه ملکه، وإنما يجب عليه إرساله، فإذا اختلط بالوحش ولحق بها زال ملكه عنه. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا القول فائدته عندى أنه لا يجوز لغير المحرم أن يصطاده حتى يلحق بالوحش، ويمتنع بمثل امتناعها، ومن صاده قبل ذلك أخرج عن يده وملكه. فرع: فإن لم يرسله المحرم، فجاء من أرسله من يده، لم يجب عليه ضمانه فى رواية ابن القاسم، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن. وروى أشهب بن الحسن عن مالك: على من أرسله من يده ضمانه، وبه قال أبو حنيفة. وقال القاضى أبو الحسن: إذا قلنا إن ملك المحرم يزول عنه بنفس الإحرام، فيلزمنا أن نقول: لاضمان على مرسله. وعلى قولنا الآخر أنه باق على ملكه وإنما يجب عليه إرساله، فالضمان على مرسله من يده. وجه رواية ابن القاسم أن هذا صيد يجب على المحرم إرساله، فإذا أرسله من يده غيره لم يكن عليه ضمانه كما لو صاده فى حال إحرامه، فجاء من أرسله. ووجه رواية أشهب أن ملك المحرم باق على الصيد، بدليل أنه لو أرسله، فعاد إلى بيته لكان على ملكه ويده باقية عليه، فإذا أرسله غيره من يده، فقد تعدى عليه فى ملكه وأزل يده عما كان فى ملكه وعرض الصيد للهلاك واصطياد الحلال. مسألة: ومن أحرم بيده صید، فأمسكه حتى حل، فعليه إرساله، وكذلك لو اشتراه فى حال إحرامه. وروى الشيخ أبو محمد فى نوادره عن عطاء أنه إذا حل، وهو عنده، فإن له إمساكه، والذى روى عبدالرزاق عن عطاء مثل قولنا. کتاب الحج ٤٢٤ ووجه ذلك أن الصید حال الإحرام منع الملك وینافیه، فلم یرسل من یده ما یملکه. قَالَ مَالِك فِى صَّيْدِ الْحِيْتَانِ فِى الْبَحْرِ وَالأَنْهَارِ وَالْبِرَكِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ: إِنَّهُ حَلالُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَصْطَادَهُ. الشرح: وهذا كما قال أن صيد الحيتان حيث كانت من مواضعها فى البحر الملح والعذب والأنهار والغدران والبرك والعيون والمياه القليلة والكثيرة. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦] واسم البحر واقع على العذب والملح، قال الله تعالى: ﴿وهو الذى مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج﴾ [الفرقان: ٥٣]. مسألة: ودواب البحر والأنهار والبرك وغيرها يجوز للمحرم صيدها، قاله مالك فى المختصر. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والسلحفاة عندى مما يجوز للمحرم اصطياده، على قول مالك من أنها تؤكل بغير ذكاة، وهى ترس الماء، وأما على قول ابن نافع من أنها لا تؤكل بغير ذكاة، فإنه لا يجوز للمحرم اصطيادها، وبه قال عطاء فیما يعيش فى البر والبحر. ووجه إباحة ذلك للمحرم قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦] ولا خلاف أن السلحفاة من صيد البحر لأنها لا تكون إلا فيه، وأما سلحفاة البر ففى المبسوط عن مالك: لا يصيد المحرم سلحفاة البر. ووجه ذلك عندى أنه اعتقد أنها قد تكون فى البراری دون المياه. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأصح عندى أنها لا تكون إلا فى المياه، ولكنها تخرج فى كثير من الأوقات، وتكون فى البر كما تصنع الضفادع وغيرها من دواب البحر، وإنما كانت تكون من دواب البر لو كان منها نوع ينفرد بالحياة فيه، وهذا معدوم، والله أعلم. مسألة: وأما الضفدع، ففى المبسوط عن مالك أنه من صيد البحر. وفى كتاب محمد: ولا شىء على المحرم إن قتله. قال أشهب: وقيل يطعم شيئًا، ولعل أشهب قد راعى فى هذه الرواية قول ابن نافع: لا تؤكل إلا بذكاة. مسألة: وأما طير الماء، ففى المبسوط عن مالك: لا يصيد المحرم. والدليل على صحة ٤٢٥ ........ كتاب الحج .. ذلك أنه مما لا يستباح أكله الا بذكاة، فوجب أن يكون من صيد البر كغيره من الطير. * * ما لا يحل للمحرم أكله من الصيد ٧٧٦ - مَالِكِ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ حَتَّمَةَ اللَّيِىِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿﴾ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ لَه فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ ﴿ مَا فِى وَجْهِهِ قَالَ: (إِنَّا لَمْ ذَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلا أَنَّا حُرُمٌ). الشرح: وقوله: ((أنه أهدى لرسول الله (48 حمارًا وحشيًا)) هكذا رواه الزهرى عن عبدالله، وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم عنه، ويحتمل أن يكون إنما رده النبى الله لأحد أمرين، إما لأنه لا يصح قبوله له، وإما لأنه يلزمه إرساله، فلا فائدة فى قبوله إلا الإضرار من كان له، ويجوز له الانتفاع به. وعلى الوجهين أن من أهدى له صيد وهو محرم، فإنه يجوز له الامتناع من قبوله. وفى المبسوط من رواية ابن نافع عن مالك: بلغنى أن الحمار الوحشى الذى أهدى الصعب بن جثامة للنبى ﴿، وهو محرم، إنما رده عليه من أجل أن الحمار كان حيًا. مسألة: ومن أهدى له صيد فى حال إحرامه فقبله، لم يكن رده على قياس المذهب، لأنه قد ملكه بالقبول على قول القاضى أبى الحسن، أو قد خرج عن ملك الواهب، وإن لم يوجد فى ملك الموهوب على مذهب القاضى أبى إسحاق، فليس له أن يرده على واهبه إن كان حلالاً. وقد قال ابن حبيب فى محرم ابتاع صيدًا: فإنه ليس له أن یرده علی بائعه منه، إن کان حلالاً، ولو رده علیه لزمه جزاؤه. ٧٧٦ - أخرجه البخاری فی کتاب الحج حديث رقم ١٦٩٦، وکتاب الهبة حديث رقم ٢٣٨٥، ٢٤٠٦. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٠٥٩. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٧٧. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٧٦٧، ٢٧٦٨. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٣٠٨١. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٥٨٢٦، ١٦٠٥٩، ١٦٠٦٦، ١٦٠٧٧. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٥٨. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤١١/٥: هذا حديث لم يختلف فى إسناده على مالك، ولا على ابن شهاب، وكل من فى إسناده فقد سمعه بعضهم من بعض سماعا. کتاب الحج ٤٢٦ .. فصل: وقوله: ((فلما رأى ما فى وجهه))، يريد من التغير والإشفاق لرد النبى ؟ هديته مع أنه ﴿ يقبل الهدية ويأكلها فخاف الصعب أن يكون ذلك لمعنى يخصه، فلما رأى النبى ﴿وَ﴾ ما فى وجهه أعلمه وجه رده لها ليزيل ما فى نفسه، وليعلم أمته هذا الحكم، فأخبره أنه لم يردها عليه إلا أنه كان من الإحرام فى حال من لا يجوز له الانتفاع مثل هذا من الصيد. ٧٧٧ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَامِرٍ بْنِ رَبِعَةً قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِى يَوْمٍ صَائِفٍ قَدْ غَطِّى وَجْهَهُ بِقَطِفَةٍ أُرْجُوَانٍ(١) ثُمَّ أَتِىَ بِلَحْمٍ صَيْدٍ، فَقَالَ لأصْحَابِهِ: كُلُوا فَقَالُوا: أَوَ لا تَأْكُلُّ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّى لَسْتُ كَّهَيْفَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِى. الشرح: قوله: ((أن عثمان بن عفان كان يغطى وجه، وهو محرم))، قد بينا أن إحرام الرجل متعلق بوجهه، فلا يخمره وفعل ذلك مكروه. قال القاضى أبو محمد: وروى عن عبدالله بن عمر منعه. وقال أبو حنيفة: ذلك محرم عليه. وقال الشافعى: ليس محرما عليه، وهو المروى عن جابر وعبدالله بن الزبير وزيد ابن ثابت. ودليلنا على الشافعى أن هذه عيادة لها إحرام، فكره للرجل تغطية وجهه فيها كالصلاة. فصل: وقوله: (فی یوم صائف))، يريد شديد الحر. وقوله: ((بقطيفة أرجوان))، القطيفة كساء له حمل، والأرجوان صوف أحمر لا ينتفض شىء من صبغه، فلا يمنع المحرم منه إلا لما أنكره عمر على طلحة بن عبيدالله من لبس الثوب المصبوغ بالمدر، وقال: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم الناس. فصل: وقوله: ((فأتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا ثم قال: إنما صيد من أجلى))، ذهب إلى أن الصيد إنما يحرم من المحرمين على من صيد من أجله دون غيره، وقد خالفه فى ذلك على بن أبى طالب وامتنع من أكله، وإن كان صيد من أجل عثمان، ولم يصد من أجله. وفى المبسوط عن ابن القاسم: وكان مالك لا يأخذ بحديث عثمان بن عفان حين ٧٧٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٥٦. عبد الرزاق فى المصنف ٤٣٤/٤. (١) القطيفة: ثوب مُخمل. الأرجوان: الصبغ الأحمر. کتاب الحج ٤٢٧٠٠ .... قال لأصحابه: كلوا وأبى أن يأكل. وما روى عن عثمان رضى الله عنه يقتضى صحة ذكاته عنده، وهذه المسألة مبنية على أن ما صاده المحرم وذبحه ميتة لا يجوز لحلال ولا لحرام أكله، والاصطياد والذبح لأجل الحرمين ممنوع، فإذا كانت ذكاته هذا الصيد ممنوعة لحق الإحرام، فإنه يجب أن لا تقع بها ذكاة ولا استباحة أكل كما لو باشر ذلك المحرم أو أمر به. ٧٧٨ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أُخْتِى إِنّمَا هِىَ عَشْرُ لَيَالٍ، فَإِنْ تَخَلِّجَ فِى نَفْسِكَ شَىْءٌ فَدَعْهُ، تَغْنِى أَكْلَ لَحْمِ الصَّْدِ. الشرح: قول عائشة رضى الله عنها: ((يا ابن أختى، إنما هى عشر ليال))(١)، تشير إلى قصر مدة الإحرام، وأن الصبر عن أكل لحم الوحش فى موته لا يحلق به كبير مضرة ولا مشقة، وإنما هو صبر يسير يستسهل لما يختلج فى النفس من أمر الصيد، فما كان يشك فيه من أمر لحم الصيد، فواجب أن يأخذ فيه بالأحوط، ويترك أصله إلا ما تيقن إباحته، ووضح لدیه حكمه، ولم يختلجه شك فى إباحته، فإن له أن يأكله كما يأكل لحم الأنعام، ولم يفسر فى الحديث أن كلامهما فى لحم الصيد، ولكن أورد من الحديث ما حفظه ثم فسره بما فهم من مقصده وتيقن من معناه. وهذا دليل فضله وورعه، وثقة نقله، واقتصاره على ما ثبت فى حفظه، وتحقق عنده على أن عموم لفظ الحديث يشتمل عليه. وقد روى ذلك مفسرًا فى نص الحديث من حديث عبدالرزاق أن عروة قال: سألت عائشة عن لحم الصيد للمحرم، فقالت: ((يا ابن أختی، إنما هی أيام قلائل، فما حاك فى نفسك فدعه)). قَالَ مَالِك فِى الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ يُصَادُ مِنْ أَحْلِهِ صَيْدٌ فَيُصْنَعُ لَهُ ذَلِكَ الصَّيْدُ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِهِ صِيدَ: فَإِنَّ عَلَيْهِ حَزَاءَ ذَلِكَ الصَّيْدِ كُلِّهِ. الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن المحرم إذا صيد من أجله صيد وصنع من أجله، ٧٧٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٥٧. (١) قال فى الاستذكار ٣٠٨/١١: قول عائشة لعروة: ((إنما هى عشر ليال)) تعنى أيام الحج، فإنها خاطبت بهذا من كان إحرامه قبل يوم الترويه أن يكف عن أكل لحم الصيد جملة، فما صاده الحلال من أجله أو من أجل غيره، ليدع ما يريبه إلى مالا يريبه، ويترك ما شك فيه وحاك فى صدره. كتاب الحج ٤٢٨ فأكل منه عالمًا بذلك، فإن عليه جزاء، فإن لم يعلم فلا جزاء عليه، رواه ابن المواز عن مالك، ثم قال بأثره: وقد قيل لا جزاء عليه، علم أو لم يعلم لأنه أكل ميتة إلا أن يعلم قبل ذبحه، فيذبحه علی ذلك أو يأمر بصيده فهذا عليه جزاؤه. قال القاضى أبو الحسن: إن وجوب الجزاء على من أكل من لحم صيد، صيد من أجله عالماً بذلك استحسان على غير قياس أن لا جزاء عليه، وبه قال أصبغ، وهو قول أبى حنيفة. وللشافعى فى ذلك قولان، أحدهما: وجوب الجزاء، والثانى: نفيه. وجه وجوب الجزاء ما قدمناه من أن الاصطياد لأجل الحرمين ممنوع، فإذا صيد من أجله، ولم يأكل منه لم يلزمه بذلك جزاء، لأنه لم يباشر الاصطياد، ولا أمر به من تلزمه طاعته، ولا وجد منه مقصود الاصطياد الذى هو الأكل، والذى يدعو الصائد إلى الاصطياد، فإذا أكله، فقد أتى بمقصود الاصطياد له، فلزمه الجزاء لأن ما وجد من فعله فيه ينضاف إلى الاصطياد الذى كان من أجله، فيجب به الجزاء. وهذا القول مبنى على أن للأكل تاثيرًا فى وجوب الجزاء على المحرم. ووجه القول الثانى أن المحرم إذا صاد صيدًا فأكل منه محرم غيره لم يجب على الآكل جزاء، فبأن لا يجب عليه جزاء إذا أكل منه أولى، وهذا القول مبنى على أنه لا تأثير للأكل فى وجوب الجزاء، والله أعلم. فرع: ولو أكل من هذا الصيد محرم غيره، فقد روى أشهب عن مالك: لا جزاء فيه. وروى عن مالك أيضًا: أن عليه الجزاء. وهذا مبنى على ما تقدم من الخلاف فى تأثير الأكل فى وجوب الجزاء. فرع: وقوله: ((فإن عليه جزاء ذلك الصيد كله))، لفظ فيه تجوز لأن الجزاء إنما هو كفارة عند مالك، وليس ببدل من الصيد، ولا على وجه الضمان له. وقال الشافعى: إن ذلك بدل من الصيد وليس بكفارة. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا ليذوق وبال أمره﴾ [المائدة: ٩٥] وفائدة هذا الخلاف أن من قال أن ما يخرج من الجزاء على وجه الكفارة، فإذا قتل جماعة صيدًا وجب على كل واحد منهم كفارة كاملة، وبه قال أبو حنيفة. ومن قال ذلك على وجه البدل يتوزعونه بينهم. ٤٢٩٠٠ ......... كتاب الحج وسُئِلَ مَالِك عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْئَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَيَصِيدُ الصَّيِّدَ فَيَأْكُلُهُ أَمْ يَأْكُلُ الْمَيْنَةَ؟ فَقَالَ: بَلْ يَأْكُلُ الْمَيْنَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُرَخّصْ لِلْمُحْرِمِ فِى أَكْلِ الصَّيْدِ وَلا فِى أَخْذِهِ فِى حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ، وَقَدْ أَرْخَصَ فِى الْمَيْنَةِ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ. الشرح: وهذا كما قال أن المحرم إذا اضطر إلى أكل ميتة فوجدها، ووجد صيدًا، كان الواجب أن يأكل الميتة، ولم يعرض للصيد لأن المنع فى الصيد بقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥]، ولم يستثن فيه ضرورة ولا غيرها، وقال فى الميتة: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا أثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٧٣] فأرخص فيها للضرورة، فلم يتعلق المنع بحال الضرورة، فهو ممنوع من الصيد غير ممنوع من الميتة، فلم يجز له التعرض إلى الصيد. فصل: وقوله: ((ولم يرخص للمحرم فى أكل الصيد ولا فى أخذه))، يحتمل معنيين، أحدهما: أنه لم ينص على ذلك كما نص فى حكم الميتة، والثانى أنه لم يرخص فى ذلك ما دام واجدا للميتة أو غيرها لأن أكله للصيد بعد تصيده حكمه حكم الميتة، وتصيده أيضًا ممنوع، فكان فيه منعان، ويحتمل أن يكون منع الصيد أشد تغليظًا لما فيه من التسبب إلى التصيد الممنوع، والله أعلم. مسألة: وما صيد من الصيد لأجل المحرم، وكانت عنده ميتة، فقد روى ابن المواز عن مالك: يأكل الصيد، ويؤدى جزاءه أحب إلينا، فوجه ذلك أنه مختلف فى كونه ميتة، غير ذكى، والقائلون بأنه ذكى أئمة مشهورون، فكان أكله أولى من أكل ما اتفق على كونه ميتة، ويلزمه بعد ذلك الجزاء على ما قدمنا فيمن صيد من أجله صيد من المخرمين، فأكل منه وهو عالم، ولا يسقط عنه الضرورة ما يجب عليه من الجزاء، ألا ترى أن محرمًا لو اضطر إلى أكل الميتة، فلم يجدها فاصطاد صيدًا وأكل منه، فإنه يجب عليه الجزاء لأن محظورات الإحرام لا تسقط للضرورة، وتجب الكفارة فيما تناوله المحرم منها. قَالَ مَالِك: وَأَمَّ مَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ أَوْ ذَبَحَ مِنَ الصَّيْدِ، فَلا يَجِلُّ أَكْلُهُ لِحَلالٍ وَلا لِمُحْرِمٍ لأَنَّهُ لَيْسَ بِذَكِى كَانَ خَطَأْ أَوْ عَمْدًا، فَأَكْلُهُ لا يَحِلُّ، وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ. کتاب الحج ٤٣٠ ٠ الشرح: وهذا كما قال أن ما ذبحه المحرم من الصيد، فإنه لا يحل أكله لحلال، ولا لحرام لأن ذكاته لا تصح للصيد فهو ميتة، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد قولى الشافعى. وله قول آخر: أن غير القاتل يأكل منه. الدليل على ما نقوله أن هذه زكاة لا يستباح بها المذکی لحق الله، فلا يستبيح بها غيره كالذكاة فى غير الصيد على الوجه الممنوع. مسألة: فإن صيد الصيد وذبح لأجل محرم، أو أشار محرم على حرام أو حلال أن ١ يصيده ويذبحه للمشير أو دله عليه ليذبحه له، فقد قال القاضى أبو الحسن: لا تصح ذکاته، قال: وقد وجد منصوصًا أن هذا ما ذبح للمحرمین، فلا یأکله محرم ولا غيره، وهذا الذى ذكره فى المبسوط على ما ذكر. وكذلك فى كتاب محمد عن مالك. : ووجه ذلك ما قدمناه من أن ذبحه ممنوع فى حق الله تعالى. فصل: وقوله: ((كان ذلك خطأ أو عمدًا))، فإن ذلك سواء فى المنع، وقد يصيد المحرم، وهو يعتقد أنه يصيد أسدًا، وقد يذبح الصيد الداجن فى الليل، وهو يظن شاة، وقد یذبح ویصید وینسی إحرامه ولا يستباح ذلك كله. فصل: وقوله: ((قد سمعت هذا عن غير واحد))، يريد أنه قد قال غيره من العلماء قبله ما ذكره، واختاره وإن كان له هو أن يقوله ما لم يتقدمه إجماع يخالفه، إلا أن فى ذلك تقوية للمقالة، وممن قال أن ما ذبحه المحرم ميتة لا يأكله حلال ولا حرام، سعيد بن المسيب والحسن البصرى وعطاء والقاسم وسالم. قال مالك: وَالَّذِى يَقْتُلُ الصَّيْدَ ثُمَّ يَأْكُلُهُ إِنْمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مِثْلُ مَنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ. الشرح: وهذا كما قال أن من قتل الصيد، فقد وجب عليه جزاؤه لقتله إياه، فإن أكل منه بعد ذلك فلا جزاء عليه فيه، غير الجزاء الأول، وهو الذى وجب بالقتل، وبهذا قال الشافعى وأبو يوسف وأبو محمد. وقال أبو حنيفة: فى قتله جزاء كامل، وفى أكله ضمان ما أكل. وقال عطاء: من ذبح صيدًا ثم أكله فعليه كفارتان. والدليل على ما نقوله أنه إتلاف بعد قتل، وجب به الجزاء، فلم يجب به ضمان كما لو قتله ثم أحرقه. مسألة: فإن أکل منه غيره من المحرمین، ففی کتاب محمد: لا شىء عليه. وفى رواية أشهب عن مالك فى ذلك نظيره: وإن أکله حلال، فلا شيء عليه. ٤٣١ كتاب الحج وجه رواية ابن القاسم ما احتج به من أنه أكل ميتة، فلا يجب عليه بذلك الجزاء كما لو أكل ميتة لم يصدها ولا صيدت من أجله. ووجه رواية أشهب أنه ممنوع من أكله لأجل الإحرام كما هو ممنوع من صيده، فوجب عليه الجزاء بأكله كما يجب عليه بقتله ولا يجوز أن يوجد من المحرمين أحد الأمرين، الأكل والقتل، إلا وعليه الكفارة. مسألة: وإذا عاد المحرم لقتل الصيد أو تكرر منه لزمه الجزاء كلما عاد وتكرر منه قتل الصيد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وهو قول عمر بن الخطاب وسعيد بن جبير والحسن البصرى، وإليه رجع عطاء. وقال ابن عباس: لاجزاء عليه إلا فى أول مرة، فإن عاودا لم يحكم عليه بجزاء، وبه قال مجاهد والنخعى والشعبى. الدليل على صحة ما ذهب إليه عمر بن الخطاب ومن قال بقوله، قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥] فنهى عن قتل جنس الصيد، والصيد اسم لما يصطاد، ثم قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥] فالضمير فى قوله: ﴿ومن قتله﴾ [المائدة: ٩٥] عائد إلى الصيد الممنوع من قتله، ومن قتل صيدًا ثانيًا، فهو قاتل للصيد، وداخل تحت عموم قوله: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ الآية، فيجب عليه الجزاء. فإن قيل إنما أراد به أول مرة، وقد بين ذلك فى آخر الآية بقوله تعالى: ﴿عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة: ٩٥] فتولى تعالى الانتقام منه، وجعل ذنبه أعظم من أن تكون له كفارة بالجزاء، فلا جزاء عليه فيه. فالجواب أن عطاء قد قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿عفا الله عما سلف﴾ يعنى ما كان فى الجاهلية، قال: ومعنى قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ يعنى فى الإسلام، وعليه الكفارة. وقال القاضى أبو إسحاق: معناه من عاد بعد الذى سلف قبل تحريم الصيد، ﴿وعفا الله عما سلف﴾ يريد قبل التحريم، ولهذا التأويل وجه صحيح بل هو الأظهر؛ لأن قوله تعالى: ﴿عفا الله عما سلف﴾ ظاهره ما سلف قبل نزول الآية، ولا يحتمل أن يكون معنى سلف المرة الأولى لأن الأولى ليست بسالفة ممن يأتى بعد، وهى بعد الثانية ممن مضى وعلى هذا تأول الجميع قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٢] أن المراد به قبل نزول التحريم. وقال القاضى أبو إسحاق: يحتمل أن يكون الانتقام منه بأشياء تصيبه، قال تعالى: کتاب الحج ٤٣٢ ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] ولا خلاف بيننا فى وجه الانتقام منه، وليس فى قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ ما ينفى وجوب الجزاء عليه، لو لم يكن فى الآية ما يدل على ذلك، وكيف والآية متضمنة له، وعلى أنه يصح أن يقال من الانتقام منه، وجوب الجزاء عليه. مسألة: ومن قتل صيدًا مملوكًا وجب عليه مع الجزاء لصاحبه القيمة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو إبراهيم المزنى: لا جزاء عليه، وإنما عليه القيمة لصاحبه. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾. أمر الصيد فى الحرم قَالَ مَالِك: كُلُّ شَىْءٍ صِيدَ فِى الْحَرَمٍ أَوْ أُرْسِلَ عَلَيْهِ كَلْبٌ فِى الْحَرَمِ، فَقُتِلَ ذَلِكَ الصَّيْدُ فِى الْحِلِّ، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَزَاءُ الصَّيْدِ، فَأَمَّا الَّذِى يُرْسِلُ كَلْبُهُ عَلَى الصَّدِ فِى الْحِلِّ فَيَطْلُبُهُ خَتَّى يَصِيدَهُ فِى الْخَرَمِ، فَإِنَّهُ لا يُؤْكَلُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِى ذَلِكَ جَزَاءٌ إِلا أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْحَرَمِ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ قَرِيبًا مِنَ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُه(٦). الشرح: وهذا كما قال، والأصل فى ذلك أن الصيد ممنوع فى الحرم للحلال والحرم. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [البقرة: ١٠٤] وما رواه ابن عباس أن النبى ﴿﴾ قال: ((إن الله حرم مكة، فلم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدى، وإنما أحلت لى ساعة من نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف». وقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لصاغتنا وقبورنا، فقال: ((إلا الإذخر)). مسألة: وقد اختلف قول مالك فيما يقرب من الحرم، وإن كان يمنع الاصطياد كما يمنعه الحرم، فقال أشهب: ليس له حكم الحرم. وروى ذلك عن مالك وابن القاسم، قال مالك: والاصطياد فيه مباح إذا سلم من القتل فى الحرم. وقال ابن الماجشون: إن كل ما يسكن بسكون ما فى الحرم، ويتحرك بتحر كه، فإن حكمه حكم الحرم، وقاله مالك. (*) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٥٨. ٠٠ ٤٣٣ كتاب الحج وجه القول الأول أن الحرم محدود، وفائدة تحديده أن ما خرج عن حده، فإن حكمه غير حكم الحرم. فصل: ووجه القول: الثانى: أن تحديده ليس بمنصوص على غايته حتى لا يكون بين الحل والحرم شىء منه جملة إلا الحظ البين الواضح، وإذا كان الأمر على ذلك وجب الاحتياط فيما قرب ليتيقن استيفاء حرمة الحرم. مسألة: فإن قتل الصيد فى الحرم، حلال أو حرام، فلا يخلو أن يكون تصيده فى الحرم أو الحل، فإن كان تصيده فى الحرم، فعليه الجزاء، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. وقال القاضى أبو الحسن: إنه إجماع الصحابة والتابعين. وقال داود: لا جزاء علیه، إن کان حلالا . والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حـ م﴾ [المائدة: ٩٥] فوجه الدليل من الآية قوله: ﴿وأنتم حرم﴾ والحرم جماعة حرام، يقال أحرم الرجل، فهو محرم وحرام، إذا أتى الحرم، وإذا أحرم بحجة أو عمرة يبين ذلك قول الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا فدعا فلم أر مثله مخذولا يريد أنه كان فى حرم المدينة، ولا خلاف أنه لم يكن محرمًا بحج ولا عمرة، ولا ادعى ذلك له أحد، وإذا ثبت أن هذا اللفظ يقع على من دخل الحرم، وعلى من أحرم بنسك وجب أن يحمل عليهما. والدليل على ذلك من جهة القياس أن الدخول فى الحرم إحرام يتعلق به النسك ويمنع التصيد، فأوجب أن يجزى بقتل الصيد كالإحرام بالحج أو العمرة. مسألة: وأما إن صاد الحلال فى الحل، فإن له ذبحه فى الحرم، وبه قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك، وحكاه مالك عن عطاء، وذكر أنه رجع عنه. والدليل على ذلك ما احتج به الشيخ أبو بكر من أن الحرم موضع استيطان، وإقامة، فلو لم يجز فيه ذبح الصيد لشق ذلك على أهله، وليس ذلك لمنزلة الإحرام لأن حرمة الحرم متأبدة، وحرمة الإحرام غير متأبدة، وهذا الدليل فيه نظر، وترك ذبح ما صيد فيه عندى أحوط، والله أعلم. مسألة: ويحرم الاصطياد فى حرم المدينة. وقال أبو حنيفة: ليس بحرام، ورأيت للقاضى أبى الحسن أنه مكروه، والأول هو المذهب. .. كتاب الحج ٤٣٤ . والدليل على ذلك قوله : ((ما بين لابتيها حرام))(١). وقوله: ﴿1﴾: ((إنى أحرم ما بين لابتى المدينة أن يقطع عضاهها وينفر صيدها))(٢). فرع: فإذا قلنا بتحريم الاصطياد فيه، فهل يجب الجزاء؟ المشهور من مذهب مالك أنه لا يجزئه. وقال القاضى أبو محمد: إن مقتضى قول مالك أنه يجزئه، وهو قول أبى وهب. وقول مالك الأول أظهر؛ لأن المدينة لا تتعلق الكفارة والفدية بالأعمال المختصة بها فلذلك تعلقت الكفارة بقتل صيدها. فصل: وقوله: ((وأرسل عليه كلب فى الحرم فقتل ذلك الصيد فى الحل، فإنه لا يحل أكله، وعلى من فعل ذلك جزاء ذلك الصيد)) يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون الصائد فى الحل والصيد فى الحرم، والثانى: أن يكون الصائد فى الحرم والصيد فى الحل، فأما إن كانا فى الحرم، فأخذه الخارج فى الحرم أو الحل، فعليه جزاؤه لأن الصيد قد كان متحرمًا بحرمة البيت، فإذا صاده أو أخرجه منه، فأخذه فى الحل، فقد انتهك حرمة الحرم، وأخذ صيدا متحرمًا به، فوجب عليه جزاؤه، ولو كان الصائد فى الحل والصيد فى الحرم لكان هذا حكمه لأن ذلك المعنى موجود فيه. مسألة: فإن كان الصيد فى الحل والصائد فى الحرم، فقد قال ابن القاسم: لا يجوز له الاصطياد. وقال ابن الماجشون: له ذلك. وجه قول ابن القاسم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥] ولم يغير حال الصيد. ومن جهة المعنى أن هذه حرمة تمنع الاصطياد، فوجب أن يكون الاعتبار فيها بحال الصائد دون حال الصيد كحرمة الإحرام. ووجه قول ابن الماجشون: أن الحرم لا تأثير له فى الصائد تأثيره وحرمته للصيد، فإذا لم يتحرك بحرمة الحرم جاز اصطياده، وأما الصيد فلم يتلبس بعبادة تحرم عليه صيدًا ولا غيره. فصل: وقوله: ((وأما الذى يرسل كلبه على الصيد فى الحل، فيطلبه حتى يصيده فى الحرم، فإنه لا يؤكل ولا جزاء عليه))، وهذا على قسمين إذا كان الصيد والصائد فى الحل، أحدهما: أن يكونا بقرب الحرم، والثانى: أن يكونا على بعد منه، فإن كان بعيدًا (١) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٨٦٩، ١٨٧٣). مسلم حديث رقم (١٣٧٢). الترمذى حديث رقم (٣٩٢١). (٢) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٣٦٢، ١٣٦٣). أحمد فى المسند حديث رقم (١٥٧٧، ١٦٠٩). كتاب الحج . ٤٣٥ ..... من الحرم، فأرسل كلبه على الصيد، فأدخله الكلب فى الحرم وقتله فيه، أو قتله فى الحل بعد إدخاله الحرم، وإخراجه منه، فإنه لا يؤكل لأنه قد تحرم بحرمة الحرم، فحرم اصطياده وأكله،، ولا جزاء على الصائد لأنه لم ينتهك حرمة الحرم ولا غرر بإرساله بقر به. فرع: والبعد هو ما يغلب على ظنه أن الكلب لا يلحقه به وأنه سیدر که قبل ذلك أو يرجع عنه. وقال ابن الماجشون: إن البعد من الحرم بمقدار ما لا يسكن الصيد فيه بسكون من فى ذلك الموضع من الحل، ولا يجوز أن يرسل من فى الحرم كلبه على صيد فى ذلك الموضع من الحل، والله أعلم. فصل: وقوله: ((أن لا يكون أرسله عليه، وهو قريب من الحرم، فإن أرسله قريبًا من الحرم، فعليه جزاؤه))، يريد أن الإرسال بقرب الحرم ممنوع، وذلك يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون على ما قاله ابن الماجشون أن له حكم الحرم، والثانى ما قاله أشهب: أن ذلك على معنى الاحتياط والامتناع من التغرير بإرسال جارح على صيد قرب الحرم، فلا يدركه إلا فى الحرم. والأصل فى ذلك قوله : ((ألا وإن حمى الله محارمه، وأن الرائع حول الحمى يوشك أن يقع فيه))(٣) وهذا تنبيه على الامتناع من كل فعل لا تؤمن معه مواقعة المحظور. فصل: وقوله: ((فإن أرسله قريبًا من الحرم، فعليه جزاؤه قبل وصوله إليه، فإذا أخذه بعد إدخاله الحرم، فإن أخذه فيه وأخرجه منه بأخذه، فعليه الجزاء)»(٤)، وقد تقدم معناه. (٣) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (٢٠٥١). الترمذى حديث رقم (١٢٠٥). النسائى فى الصغرى حديث رقم (٤٤٥٣). أبو داود حديث رقم (٣٣٢٩). أحمد فى المسند حديث رقم (١٧٩٠٣). (٤) قال فى الاستذكار ٧/١٢ - ٩: اختلف الفقهاء فى الذى يرسل كلبه فى الحل فيقتل الصيد فى الحرم. فقال مالك: عليه جزاؤه، وكذلك لو رمى سهمًا فى الحل فقتل فى الحرم. وهو قول الأوزاعى، والليث. وقال أبو حنيفة: لو رمى من الحل فوقعت الرمية فى الحرم فقتل صيدًا، فعليه الجزاء، وإن أرسل كلبًا فى الحل، فقتل فى الحرم فلا جزاء عليه. وقال الثورى فى شجرة أصلها فى الحرم وأغصانها فى الحل سقط عليها طائر؟ قال: ما كان فى الحل يلزم وما كان فى الحرم فلا يلزمه. وقال الوليد بن مزيد: سئل الأوزاعى عن رجل أرسل كلبه فى الحل على صيد، فأدخله الحرم، ثم أخرجه من الحرم فقتله؟ فقال: لا أدرى ما أقول فيها فقال السائل: لو= کتاب الحج ٤٣٦ مسألة: وإذا أدركه بقرب الحرم قبل وصوله إليه، فعلى قول أشهب: لا شىء عليه؛ لأنه قد سلم مما غرر به ولو أكله، وعلى قول ابن الماجشون أن له حكم الحرم بقربه منه، فلا يؤكل وعليه جزاؤه، وإن كان أخذه قبل إدخاله فيما حكمه حكم الحرم فقد سلم ویأ کله. الحكم فى الصيد قَالَ مَالِك: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلٍ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيَا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَدُّوْقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥](١). الشرح: تفسير قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، قد ذكرنا أن معنى حرم، عند جماعة من أهل العلم محرمون، إما بالإحرام بالنسك، وإما بالكون فى الحرم، فنهى تعالى عن قتل الصيد على هذه الحال ثم أخبر عز وجل بأن على من قتله متعمدًا الجزاء. وقال كثير من أهل العلم: إن الناسى لإحرامه المتعمد لقتله من جملة العامدين، وما ذكروا وجه صحيح لأنه نص تعالى على متعمد القتل، ولم يخص ناسيًا لإحرامه، ولا ذاكرًا له، فيجب أن يحمل على عمومه، وقد ذكرنا أن داود يقول: لا شىء على من نسى الإحرام، وتعمد القتل، والآية حجة عليه لاسيما مع قوله بالعموم. = رددتنى شهرًا فيها لم أسل عنها أحدًا غيرك. فقال الأوزاعى: لا يؤكل الصيد وليس على صاحبه جزاء. قال الوليد: فحججت فى العام المقبل، فلقيت ابن جريج؛ فسألته عنها؟ فحدثنى عن عطاء عن ابن عباس مثل ما قال الأوزاعى. قال أبو عمر: لا خلاف بين العلماء من السلف والخلاف فى تحريم الصيد بمكة من سائر الحرم وأنه حرم آمن كما قال الله، عز وجل: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرمًا آمنا﴾. وقال إبراهيم عليه السلام: ﴿رب اجعل هذا البلد أمنا﴾ وقال رسول الله ﴿: (إن الله، عز وجل، حرم مكة ولم يحرمها الناس)). وقال عليه السلام: إن إبراهيم حرم مكة وهذا معناه أنه دعى فى تحريمها فكان سبب ذلك، فأضيف إليه على ما تعرفه العرب من کلامها. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٥٩. ٠ ٤٣٧ کتاب الحج وأما المخطئ بالقتل فلم يجر له فى الآية ذكر، فلا معنى للاحتجاج بالآية على إثبات الجزاء فیه ولا نفیه، إلا لمن يقول بدليل الخطاب، ونحن لا نقول به ولا داود. وقال ابن شهاب: يجب على العامد الجزاء بالآية وعلى المخطئ بالسنة فبين أنه لا حكم للمخطئ فى الآية، وقد قال القاضى أبو إسحاق: ثبت حكم المخطئ بقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائد: ٩٦] فعم، وهذا فيه نظر. فصل: وقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]، ذهب مالك والشافعى ومحمد بن الحسن إلى أن المراد به إخراج مثل الصيد المقتول من النعم إن كان له مثل، والنعامة لها مثل وهى البدنة، وبقز الوحش له مثل وهى البقر الإنسية. وقال أبو حنيفة: لا يضمن شىء من ذلك مثله، وإنما يضمن بالقيمة، ثم يشترى بتلك القيمة هدیًا أو طعامًا. والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ فأخبر تعالى أن على القاتل مثل ما قتل من النعم ﴿یحکم به ذوا عدل منكم﴾ فوجه الدليل من الآية أنه قال تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ وذلك يقتضى أن مثل المقتول من النعم هو الجزاء والقيمة لا ينطلق عليها مثل للمقتول لاغة ولا شرعًا، وإنما المثل ما يشبهه، وأشبه النعم بالنعامة البدنة من جهة الخلقة. ومما يؤكد ما قلناه ما بينه الله تعالى بقوله: ﴿هديا بالغ الكعبة) وهو منصوب على الحال من الضمير الذى فى يحكم وهو المثل من النعم، وذلك يقتضى أنهما يحكمان به هديًا، وهذا يوجب اختصاصه بالمثل من النعم هذا الذى أورده شيوخنا فى هذه المسألة. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أنه يصح أن يقال فيه أن قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ أن المثل هاهنا صفة للمقتول فكأنه قال فجزاء مثل هذا المقتول من النعم، بمعنى قصر جزاء مثل هذا المقتول على النعم على وجه الهدى، ولو كان المثل متعلقا بالنعم لقال: فجزاؤه مثله من النعم أو مثل المقتول من النعم، فهذا الظاهر للفظ إلا أن يمنع منه إجماع أو غيره من الأدلة مما يوجب العدول عن الظاهر. وإذا كان الجزاء من النعم والمثلى عائدًا إلى المقتول من الصيد لأنه مضاف إليه كان نصًا فى وجوب إخراج النعم ولم يجز أن يقال أن معنى المثل القيمة، ولو كان ذلك سائغًا فى كلام العرب لأنه قد قصر الجزاء على النعم ولم يصرفه إلى قيمة ولا غير ذلك إلا إلى النعم خاصة. ودليلنا من جهة السنة ما رواه جابر بن عبدالله أن النبى 48 سئل عن الضبع، فقال: کتاب الحج ٤٣٨ ((هى صيد»(٢) وجعل فيها كبشا، فوجه الدليل من ذلك أنه ﴿﴿ جعل فى الضبع كبشًا، وأبو حنيفة يجعل فيها القيمة. ودليلنا أيضًا إجماع الصحابة على ذلك، فقد روى عن ابن عباس أن عمر قضى وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبى سفيان فى النعامة ببدنة من الإبل، وهؤلاء الخلفاء والأئمة المشهورون قضوا بذلك فى آفاق مختلفة وأزمان مفترقة تختلف فيها القيم مع علم كل أحد أن قيمة البدنة أكثر من قيمة النعامة، وشاعت قضاياهم بذلك فى الآفاق والأمصار فلم يعلم لهم مخالف ولا منكر لحكمهم فثبت أنه إجماع. ودليلنا من جهة القياس أن هذا حيوان يخرج على وجه التكفير، فلم يخرج بالقيمة كالرقبة فى كفارة القتل. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الواجب مثل الصيد فى النعامة بدنة، وفى الفيل بدنة، وفى بقر الوحش وحمار الوحش بقرة، وفى الضبع شاة، وفى الظبى شاة، وليس فيما دونه من الصغیر هدی. وقد اختلف فى الضب، فروى ابن وهب عن مالك: فيه شاة. وروى عنه ابن وهب: قيمته طعام أو صيام. وحكى القاضى أبو الحسن أن مثل الثعلب على قياس المذهب شاة. وفى كتاب محمد عن ابن القاسم ما يقتضى الأمثل له من النعم، وأن فيه الإطعام. وأما الأرنب واليربوع، ففى كتاب ابن حبيب عن مالك: فى كل واحد منهما عنز. وقال مالك فى المختصر: يحكم فيهما بالاجتهاد لأنه لا مثل لهما فى الخلقة، يريد من النعم. مسألة: وهذا حكم الصيد كله إلا حمام مكة، فقد قال مالك: فيه شاة، وبه قال عمر وابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وقتادة. وقال أبو حنيفة: ليس فيها إلا قيمتها. وبه قال النخعى. (٢) أخرجه الترمذى حديث رقم ٨٥١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٨٣٦. أبو داود حديث رقم ٣٨٠١. ابن ماجه حديث رقم ٣٠٨٥، ٣٢٣٦. أحمد فى المسند حديث رقم ١٣٧٥١، ٠١٤٠١٦ ..... ٤٣٩ كتاب الحج والدليل على صحة ما قاله مالك أنه إجماع الصحابة حكم به عمر وأفتى به ابن عمر فى المواسم، فلم ينكر ذلك أحد ولا خالفه، فثبت أنه إجماع. ودليلنا من جهة المعنى أن الشاة فى الحمامة ليست من جهة الصورة، ولكن التغليظ لحرمة مكة، فألحقت بما له مثل من النعم فى الهدى، وأقل ذلك شاة. مسألة: وأما حمام الحل، فحكمه حكم سائر الطير يضمن بقيمته، وبه قال قتادة وقال الشافعى: فى حمام الحل شاة، وبه قال عطاء. والدليل على ما نقوله أن هذا مما لا مثل له من النعم، ولا له حرمة الاختصاص بالبيت أو بالحرم، فلم تجب فيه شاة كالعصفور. مسألة: إذا ثبت ذلك، فقد اختلف أصحابنا فى حمام الحرام، فقال مالك: فيه شاة، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ، وقال ابن القاسم: فيه حكومة. وجه قول مالك أن هذا متحرم بالحرم، فکانت فیه شاة کحمام مکة. ووجه قول ابن القاسم أن هذا حمام لا يختص بالبيت كحمام الحل. فرع: وقمارى الحرم ويمامه عند أصبغ بمنزلة حمام الحرم، وقال ابن الماجشون: إن هذا الحكم يختص بالحمام دون غيره. وجه قول أصبغ أن هذه أنواع من الحمام، فكان فيها شاة كالحمام. ووجهه قول ابن الماجشون أن الاختصاص بالبيت، والتحرم به إنما وجد من الحمام دون غيره، وبذلك مضى حكم السلف لتخصصها بذلك. مسألة: يجب فى صغار الصيد ما يجب فى كباره، وفى معيبه ما يجب فى سليمه، وبه قال عمر وابن عمر. وقال أبو حنيفة: تجب فى ذلك كله القيمة على أصله. وقال الشافعى: يجب فى فرخ النعامة فصيل، وفى ولد بقرة الوحش عجل، وفى ولد الظبى سخلة، وفى المعيب من الوحش معيب من مثله من النعم. الدليل على ما نقوله، قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منکم هدیا بالغ الكعبة﴾ فقيد ذلك ما يصح أن یکون هدیًا دون ما لا يجزى فيه. ودليلنا من جهة المعنى أن هذا حيوان مخرج على وجه الكفارة، فلم يختلف باختلاف سن المتلف. أصل ذلك الرقبة. فصل: وقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] يقتضى إخراج الجزاء على هذا الوجه من حكم ذوى العدل به لأنه قد قيد الجزاء بحكم کتاب الحج ٤٤٠ الحكمين، فكان شرطًا فيه كتقييد الصفات، ولا نعلم خلافًا فى ذلك، فإن أخرج أحدًا الجزاء قبل الحكم، فعليه إعادته بالحكم إلا حمام مكة، فإنه لا يحتاج إلى حكمين، قاله مالك. ووجه ذلك أن ما اتفق عليه من جزاء حمام مكة ليس يمثل لها من جهة من الجهات، فلو اجتهد حكمان فى ذلك لما جاز أن يؤديهما اجتهادهما فى الحكم إلا إلى الشاة، فلذلك لم يحكم فيها الحكمان. وأما غير ذلك من الصيد، فإنه محتاج فيه إلى حكم الحكمين بتحقيق مثل ذلك الصيد، وهل يحتاج إلى الحكمين لاتحتام جنس الجزاء أو لا؟ قال القاضى أبو محمد: إنه إذا حكم الحكمان اتحتم عليه ما حكما به، ولم يكن له الرجوع إلى غيره. وقال الشيخ أبو إسحاق فى زاهيه: له الرجوع ما لم ينفذا عليه الحكم، فإذا أنقذاه، فلا رجوع له عنه. وفى المدونة أنهما إن حكما عليه باختياره بالهدى، كان له الرجوع إلى الطعام أو الصيام بحكمهما أو بحكم غيرهما، وبه قال أكثر أصحابنا. وجه القول الأول أن هذا حکم ثابت بالشرع، فوجب أن ینحتم ما حكما به من الإصابة. أصل ذلك سائر أحكام الشرع. ووجه القول الثانى أن المحكوم عليه فى جزاء الصيد لما كان مخيرًا فيما يحكم به ثبت أن حكمهما إنما يتعلق بمقدار ما يلزمه من مثل الصيد أو قدر الطعام أو الصيام. فإذا قدر الصيد بمثله من النعم، ثم اختار الإطعام ثم يلزمه المثل الذى حكما به عليه، وكان له أن ينتقل إلى ما يختاره من الإطعام أو الصيام، فحكم حكمين فى تقديره بالاختیار له بعد الحکم کالاختیار له قبل الحکم. فصل: وكما قال تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ لم يجز أن يقتصر على أقل من اثنين لأنه شرط فيه العدد كما شرط العدالة، وكما شرط العدد فى الشهود، فقال تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا يجوز أن يكون المحكوم عليه أحدهما، وبه قال الحسن البصرى. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ والحاكم يجب أن يكون غير المحكوم عليه، فكأنه قال: يحكم به عدل منكم عليكم لأن الإنسان لا يحكم على نفسه، فإن قيل، لا نسلم أن المراد بالآية ما ذكرتم لأنها تستقل ((من)) ولا يتقدر محذوف لأن الله تعالى خاطب بذلك المؤمنين، فتحمل الآية على كل عدل من المخاطبین، والقاتل من جملتهم ولا يمتنع أن يحكم الإنسان على نفسه. ............. ٤٤١ كتاب الحج . ولذلك قيل: أحكم على نفسك، قبل أن يحكم عليك الحاكم. فالجواب أن مخاطبة البارى المؤمنين لا يقتضى المحكوم عليه من جملة الحاكم فى ذلك، ألا ترى أنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، والمشهود له منهم، ولا يجوز أن یکون أحد الشهیدین. وقولهم: إن الإنسان قد يحكم على نفسه لأن معنى الحكم عليه القهر له والغلبة والرد عن الباطل إلى الحق، وهذا يستحيل أن يفعله الإنسان فى نفسه كما يستحيل أن يأمرها وينهاها فاقتضى ذلك أن المحكوم عليه غير الحكمين قال الله تعالى: ﴿وائتمروا بينكم بمعروف﴾ [الطلاق: ٦] ولا يجوز أن يأمر الإنسان نفسه. وأما قول الناس: أحكم على نفسك قبل أن يحكم عليك الحاكم، فمن كلام السوقة، ومن لا يحتج بقوله، ولو سلمنا أنه قد نطقت به العرب؛ لكان معناه أخرج عن الحق وأده إلى مستحقه، فإن ذلك يقوم مقام الحكم عليك قبل أن يحكم به عليك، وهذا على وجه المجاز كما قال الشاعر: فإذا انتهت عنه فأنت حكيم ابدأ بنفسك فانهها عن غیها وإن كنا قد أجمعنا على أن الإنسان لا ينهى ولا يأمرها، وإنما ذلك على وجه المجاز والاتساع فى اللغة. فرع: فإن اختلف الحكمان فى الحكم استأنف الحكم غيرهما، ولو أراد أن يأخذ بقول أحدهما لم يكن له ذلك، ولم يستأنف الحكم فى ذلك، قاله فى المختصر. قال الشیخ آبو بکر: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يخگم یه ذوا عدل منكم﴾ فإذا أخذ بقول أحدهما، فلم یحکم به ذوا عدل، وإنما يحكم به حگم واحد. فصل: وقوله تعالى: ﴿هديا بالغ الكمية﴾ يقتضى ظاهرة أن يكون ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد مما يجوز أن يهدى، وهو الجذع من الضأن، والثنى من غيره، وبهذا قال مالك وجميع أصحابه. وإن أخرج ما دون ذلك لم يجزه فى لحمه شبع من يشبع من ذلك الصيد، وجوز ذلك أبو حنيفة على القيمة والشافعى على وجه المثل. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة﴾