النص المفهرس
صفحات 1361-1380
كتاب الحج ٣٦٢ .. وقد اختلفت الرواية عن مالك فى الوقت الذى يجوز إليه إرداف الحج على العمرة فيه، فقال فى الموطأ فى هذا الحديث: ذلك ما لم يطف بالبيت وبين الصفا والمروة، وهذا يقتضى أن له ذلك ما لم يكملها. وقال ابن القاسم: ذلك له ما لم يكمل الطواف، فإذا طاف وركع الركعتين لم يكن قارنًا، ولم يصح الإرداف. وقال أشهب وابن عبدالحکم: له ذلك ما لم يشرع فى الطواف، فإذا شرع فیه، لم یکن ذلك له. وقد حكى القاضى أبو محمد هذه الثلاثة الأقوال رواية عن مالك. ووجه قوله: ((إن ذلك ما لم يكمل السعى)»، أن السعى ركن مقصود من العمرة، فصح إرداف الحج عليها ما لم يكمل أصله الطواف. ووجه اختيار ابن القاسم أن طواف الورود ليس من أركان الحج، فإذا أردف الحج قبل التلبس بالسعى لم يفته شىء من أركان الحج، فإذا شرع فى السعى فقد فاته ركن من أركان الحج، وهو السعى؛ لأنه قد افتتحه للعمرة ومضى جزء من أجزائه لغير الحج، فلا يصح افتتاح الحج حينئذ. ووجه قول أشهب أن المقصود بالإحرام بالعمرة الطواف والسعى، وهو الذى يتقدر بهما، وأما الإحرام فلا يتقدر بزمان ولا مكان وإنما يراد الطواف والسعى، فله الإرداف ما لم يتلبس بالمقصود، وهو الطواف، فإذا تليس به لم يكن له الإرداف لأنه قد شرع فيه للعمرة خالصًا ولا يصح أن يكون السعى للحج مبنيا على طواف لغيره من النسك، فقات بذلك إرداف الحج. فصل: وقوله: ((وقد صنع ذلك عبدالله بن عمر))، يريد أنه أردف الحج على العمرة بعد أن شرع فى الطواف لأن عبدالله بن عمر إنما أردف الحج على العمرة فى طريقه إلى مكة بقرب إحرامه بها، وقد تقدم ذكر ذلك. فصل: وقول عبدالله بن عمر: ((إن صددت عن البيت صنعت كما صنعنا مع رسول الله ﴿)) حين أحرم بالعمرة، وهو خائف أن يصدّ عن البيت لأجل الفتنة التى بلغته، وقال: ذلك بمعنى إن صد صنع كما صنع النبى ﴿﴿ وأصحابه عام الحديبية إذ صدهم المشركون عن البيت، فحلق ﴿﴿ ونحر هديه وحل حيث حبس، فلذلك أقدم عبدالله بن عمر على الإحرام بالعمرة مع تخوفه أن يصد عن البيت، ثم نظر فرأى أن حكم العمرة فى ذلك حكم الحج، فالتفت إلى أصحابه، فقال: ((ما أمرهما عندى إلا واحد)»، يريد الحج والعمرة. وهذا تصريح بالقياس وإلحاق الحج بالعمرة من وجه النظر دون نص، فقال عبدالله ٣٦٣ كتاب الحج . ابن عمر: ((أشهدكم أنى قد أوجبت الحج مع العمرة))، فأردف الحج على العمرة، وإنما معنى إشهاده لهم على ذلك ليعلموا ما صار إليه من ذلك، فيقتدى به من فرضه التقليد أو ينبه على النظر من هو من أهل النظر والاجتهاد. فصل: وقول مالك: ((وقد أهل أصحاب رسول الله ﴿4 عام حجة الوداع بالعمرة))، يريد أن منهم من أهل بالعمرة، وقد تقدم ذلك مسندًا، فقال ﴿15: ((من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة)) إعلام منه 8 بجواز إرداف الحج على العمرة فى مثل ذلك الحال التى كان أصحاب رسول الله ﴿، وفيه أمر بالقران على رأى من رأى القران أفضل من التمتع أو إباحة على رأى من رأى أن التمتع أفضل. وإنما خص بذلك من كان معه هدى لما يلزم القارن من الهدى، وإن كان للهدى بدل من الصوم إلا أنه يشق فى السفر وكثرة الشغل، وهذا لمن كان معه حيوان يصلح للهدی لم یوجبه بعد ولم یقلده أو ثمن هدی، فیقال: له أن یردف الحج ویسوق الهدى وأما إن كان معه هدى قد ساقه وقلده، فلا يخلو أن يسوقه عن تطوع أو واجب، فإن كان ساقه عن تطوع ثم أراد أن ينحره عن قرانه، فهل يجزئه ذلك أم لا؟. روى ابن المواز عن مالك أنه يرجو أن يجزئه، إن فعل، وكان الأقيس أن لا يجزئ إلا أن مالكًا وأصحابه لم يختلفوا فى أن هذا مجزئ عن دم القران، واختلفوا فى إجزائه عن دم المتعة، فقال ابن القاسم عن مالك: أرجو أن يجزئه وغيره أحب إلىّ منه. وقال عبدالملك: لا يجزئه لمتعته. ورواه أشهب عن مالك، وهى لابن القاسم فى المدونة. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى أقيس فى المسألتين، وقد رأيت من أصحابنا من أشار إلى ذلك. مسألة: وإن كان ساق الهدى الذى معه بأن كان لشىء وجب عليه، فأراد أن يصرفه لقرانه أو متعته. فصل: وقوله :﴿: ((ثم لا يحل حتى منهما جميعًا)) نهى عن أن يحل من طواف وسعى بعد أن أردف الحج على العمرة، وإن كان قد أدخله على العمرة حتى يحل منهما جميعًا يوم النحر؛ لأن الحل ينافى الإحرام، فلو استحال إحلاله بالعمرة مع بقائه على الإحرام للحج كان جميع الإحرام مشتركًا لهما، ولولا أن مقتضى القران اشتراك النسكين لما أجزأ طواف واحد وسعى واحد لهما للإجماع على أنه لا يجزئ بعض طواف ولا بعض سعی لمن أفرد حجه ولا لمن أردف عمرته. ٣٦٤ . .... کتاب الحج قطع التلبية ٧٣٦ - مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِى بَكْرِ الثّقَفِىِّ أَنْهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِّى إِلَى عَرَفَةَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِى هَذَا الْيَوْمِ مَحَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ الْمُهِلُّ مِنَّا فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِرُ الْمُكَبِرُ فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. الشرح: قوله لأنس، وهما غاديان من منى إلى عرفة بين المأزمين، وكره مالك أن يمر من غير طريق المأزمين، فإن مر على غيره، فلا شىء عليه لأنها ليست من المناسك، وإنما اختار أن يسلك على سبيل الاقتداء والتبرك. فصل: وقوله: ((كيف كنتم تصنعون فى هذا اليوم؟))؛ يريد من التلبية والذكر، إن كان أنس قد شهد ذلك مع رسول الله ﴿﴾، فقال له أنس: ((كان يهل المهل منا، فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه)»، وذلك يدل على إباحة الأمرين. وقد روی محمد عن مالك فیمن غدا من منی إلی عرفة: له أن یکبر، وله أن یلبی، وقال: قد کان القوم یلبون ویکبرون. ٧٣٧ - مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ كَانَ يُلِى فِى الْحَجِّ حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ قَطَعَ الْتِّيَّةَ. قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ الأَمْرُ الَّذِى لَمْ يَزَّلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا. الشرح: قوله: ((كان يلبى فى الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة، قطع التلبية)) هذا يحتمل أن يفعله استحبابًا، وقد اختلف قول مالك فيما يستحبه من ذلك، فروى عنه ابن المواز، يقطع التلبية إذا ازاغت الشمس. وروى عنه ابن القاسم: يقطع التلبية إذا راح إلى المصلى. وروى عنه أشهب: يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف، واختاره سحنون: وروى عنه ابن المواز: يقطع التلبية إذا وقف بعرفة. وقال أبو حنيفة ٧٣٦ - أخرجه البخارى فى كتاب الجمعة حديث رقم ٩١٧، وكتاب الحج حديث رقم ١٥٤٩. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٢٥٤، ٢٢٥٥. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٣٠٠٠، ٣٠٠١. وابن ماجه فى كتاب المناسك لحديث رقم ٢٩٩٩، ٣٠٠٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ١١٦٢٦، ١٣٠٣٣. والدارمى حديث رقم ١٨٠٢، و کتاب الأضاحی حدیث رقم ١٨٧٧. ٧٣٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧١٥. المغنى ٤٣١/٣. ٣٦٥ كتاب الحج .. والشافعى: لا يقطع التلبية حتى يرمى أول جمرة من جمرات العقبة يوم النحر. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ما تعلق به أصحابنا أن التلبية إجابة الداعى بالحج، فإذا انتهى إلى الموضع الذى دعى إليه، فقد أكمل التلبية، فلا معنى لاستدامتها بعد ذلك. ووجه القول الأول ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة. ومن جهة المعنى أن التلبية إجابة من دعا إلى الحج، فلو أراد به الإجابة إلى أول العمل لاتقطعت بالإحرام أو بأول الطواف أو بآخر العمل، وهو أول التحلل برمى جمرة العقبة، ولو أراد به الإجابة إلى أول مواضع الحج عملاً فإنه يجب أن يقصر على موضع الإحرام أو مكة، فإن أراد به آخر مواضع الحج عملاً، فهو منى، وأما عرفة فليست أول ذلك ولا آخره، فلا تعلق لقطع التلبية بها وأكثر ما رأيت قطع الناس بعرفة، وما تضمنه الحديث أظهر عندى وأقوى فى النظر، والله أعلم. وقال الشيخ أبو القاسم بأثر قول مالك فى التلبية: إلا أن يكون أحرم باخج من عرفة فيلبى حتى يرمى جمرة العقبة، فحمل الحديث على من هذا حكمه، ولعله تأول قول الراوى أن النبى ﴿* لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة أنه أمر بذلك، والله أعلم. ٧٣٨ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿﴿ أَنْهَا كَانَتْ تَتْرُكُ التَّلْيَةَ إِذَا رَحَعَتْ إِلَى الْمَوْقِفِ. الشرح: معنى ذلك أنها كانت تتركها بعد الصلاة إذا أخذت فى الرواح إلى الموقف، ورواية أشهب عن مالك على هذا وعائشة من أعلم الناس بأفعال النبى وحجت معه حجة الوداع، والله أعلم. ٧٣٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْطَعُ التَِّيَةَ فِى الْحَجِّ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرّمِ حَتَّى يَطُوفٌ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُلَّبِى حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنِّى إِلَى عَرَفَةَ، فَإِذَا غَدَا تَرَكَ النَّلِيَةً، وَكَانَ يَتْرُكُ التِّيَةَ فِى الْعُمْرَةِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ. الشرح: قوله: ((كان يترك التلبية فى الحج إذا انتهى إلى الحرم، وكان يتركها فى ٧٣٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧١٦. ٧٣٩ - أخرجه البخارى حديث رقم ١٥٧٣. مسلم حديث رقم ٢٩٩٢. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧١٧. کتاب الحج ... ٣٦٦ . العمرة إذا دخل الحرم))، متقارب المعنى، فأما الحاج، فقد اختلف قول مالك فيه، فروى عنه ابن المواز أنه إن كان من أهل الميقات، فإنه يقطع التلبية فى أول الحرم. وروى عن مالك: يقطعها إذا دخل مكة. وروى أشهب: لا يقطعها، وإن دخل الحرم، ولكن يقطعها فى الطواف. وجه رواية ابن المواز مراعاة طول مدة الإحرام والتلبية، فمن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل الحرم لأن وصوله إلى الحرم من أول عمل مناسكه لأنه بذلك يجمع بين الحل والحرم، وإن أحرم من الحرم استدام التلبية ليدوم أمر تلبيته. ووجه رواية من روى يقطعها عند دخول مكة، أن ذلك وقت الشروع فى الطواف والاغتسال له، فترك التلبية له إلى الفراغ منه مستحب. ووجه رواية أشهب أن المسافة كلها مسافة تلبية، وإنما يؤمر بتركها فى الطواف خاصة لأنها عبادة من شرطها الطهارة، ولها تعلق بالبيت كالصلاة. فصل: وقوله: ((حتى يطوف ويسعى بين الصفا والمروة))، يريد أنه كان يستديم الترك للتلبية حتى يتم الطواف والسعى. وقد اختلفت الرواية عن مالك فى وقت معاودة التلبية، فروى ابن المواز فى كتابه يعاودها بعد السعى. وروى أشهب عن مالك: يعاود بعد الطواف. وجه رواية أشهب أن الطواف عبادة متعلقة بالبيت، فلذلك استحب فيها ترك التلبية، وأما السعى فلا تعلق له بالبيت. ووجه رواية ابن المواز أن السعى ركن من أركان أفعال الحج، فشرع فيه ترك التلبية كالطواف والوقوف بعرفة. فصل: وقوله: ((ثم يلبى حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا ترك التلبية))، يحتمل أن هذا كان يفعله عبدالله بن عمر، مع تجويزه التلبية بعد الغدو إلى الوقت الذى شرع تر کها فیه، وقد تقدم من قول مالك: إن شاء کېر وإن شاء لبى. فصل: وقوله: ((وكان يترك التلبية فى العمرة إذا دخل الحرم، ولم يفرق بين الإهلال من الميقات وغيره))، وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. وقد اختلفت أقوال أصحابنا فى ترك التلبية فى الحج عند دخول الحرم لمن أهل من الميقات، ولم يختلف فى العمرة، وذلك لقصر مدة العمرة وأنها أقل عملاً من الحج. ٠٠ ٣٦٧ كتاب الحج ٧٤٠ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لا يُلِّى وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ. الشرح: معنى ذلك أن عبدالله بن عمر يقطع التلبية حين الطواف إلا أنه كان يعاودها فى الحج بعد الطواف والسعى، وقد روى ذلك مفسرًا. ٧٤١ - مَالِك، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِى عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْهَا كَانَتْ تَنْزِلُ مِنْ عَرَفَةَ بِنَعِرَةً ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى الأَرَاكِ، قَالَتْ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُهِلُّ مَا كَانَتْ فِى مَنْزِلِهَا وَمَنْ كَانَ مَعَهَا، فَإِذَا رَكِبَتْ فَتَوَجَّهَتْ إِلَى الْمَوْقِفِ تَرَكَتِ الإِهْلالَ. قَالَتْ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَعْتَمِرُ بَعْدَ الْحَجِّ مِنْ مَكّةَ فِى ذِى الْحِجَّةِ ثُمَّ تَرَكَتْ ذَلِكَ، فَكَانَتْ تَخْرُجُ قَبْلَ هِلالِ الْمُحَرَِّ حَتَّى تَأْتِىَ الْجُحْفَةَ، فَتُقِيمَ بِهَا حَتّى تَرَى الْهِلالَ، فَإِذَا رَأَتِ الْهِلالَ أَهَلْتْ بِعُمْرَةٍ. الشرح: قولها: ((كانت تنزل من عرفة بنمرة ثم تحولت إلى الأراك))، يقتضى أن نمرة من عرفة، وأن الأراك موضع غيره. وذكر جماعة من أصحابنا أن نمرة والأراك شىء واحد، وإنما نمرة موضع الأراك بعرفة، فإن لم يكن ما قالوه مخالفًا للحديث، فإن معنى الحديث أنها كانت تنزل فى موضع من نمزة ثم تحولت من موضعها ذلك إلى منبت الأراك بنمرة. وهذا على معنى أنه أرفق فى النزول والتصرف، وكل ذلك واسع أن ينزل الإنسان من عرفة حيث شاء وجرى العمل بنزول الإمام بنمرة. فصل: وقولها: ((وكانت تهل ما كانت فى منزلها))، تريد أنها كانت تلبى إلى أن تركب متوجهة إلى الموقف، ويحتمل أن تريد إلى الصلاة، ووصفته بأنه رواح إلى الموقف لأن المقصود بذلك الرواح إلى الموقف والمصلى بقرب الموقف، والرواح إليهما واحد، وإنما الرواح بعد ذلك من الموقف إلى المصلى. فصل: وقوله: ((وكانت عائشة تعتمر بعد الحج من مكة فى ذى الحجة))، تريد أن إهلالها بالعمرة كان بعد كمال حجها، وذلك لا يكون إلا بعد الإفاضة. وبعد ٧٤٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧١٨. البيهقى فى السنن الكبرى ١٠٤/٥. ومعرفة السنن والآثار ١٠٠٦٤/٧. المحلى ١٣٨/٧. ٧٤١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧١٩. كتاب الحج ٠٣٦٨ الانصراف من منى. وقد روى ابن المواز عن عائشة منع العمرة يوم النحر وأيام التشريق لمن حج. قال مالك فى المدونة: تكره العمرة لمن حج يوم النحر وأيام التشريق حتى تغيب الشمس من آخرها، سواء تعجل فى يومين أو تأخر. قال الشيخ أبو القاسم فى تفريعه: من حج فلا يعتمر حتى يفرغ من حجه، ومن رمى فى آخر أيام التشريق فلا يعتمر حتى تغرب الشمس، فأشار إلى أن هذا حكم من تأخر دون من تعجل. وجه قول مالك أنها أيام مختصة بعمل الحج، فيكره لمن تعجل أن يترك التمادى على تمام عمل حجه ويتعجل قبل ذلك ليشرع فى عمل نسك آخر مختص بغير هذه الأيام. فرع: فمن أحرم من الحج بعمرة فى ثالث أيام التشريق بعد أن جل، فلا يخلو أن يحرم بها قبل أن يرمى أو بعد أن يرمى، فإن أحرم قبل الرمى، ففى المدونة عن ابن القاسم: لا يلزمه الإحرام ولا شىء، وإن أحرم بها بعد الرمى، ففى المدونة: لا يحرم بها حتى يفرغ من حجه، فإن أحرم بها فى هذه الأيام لم تلزمه. وقال الشيخ أبو القاسم: تلزمه العمرة إن أحرم بها بعد الرمى ويمضى فيها حتى يتمها بعد غروب الشمس، ولا يجوز له إتمامها غروب الشمس، وهذا يقتضى منافاة اليوم لعمل العمرة دون الإحرام بها، وأما من جعل التحصيب من عمل الحج، فليزمه أن لا يحرم بها قبل إتمام ذلك، وهو ظاهر قوله فى المدونة: إن أحرم بها فى هذه الأيام لم تلزمه. ويحتمل قول ابن الجلاب أن يكون على قول من لا يرى التحصيب من عمل الحج، والله أعلم. وأصل ذلك ما روى عن عائشة فى الحديث المسند قبل هذا ((فلما كانت ليلة الحصبة أرسل معى عبدالرحمن فأهللت بعمرة مكان عمرتی)). فرع: وهل ذلك لمن يريد أن يعتمر فى المحرم أو لا؟ ففى كتاب محمد: فى ذلك روايتان، إحداهما: قال مالك: ولا بأس أن يعتمر فى المحرم عمرة أخرى فتكون العمرتان فى سنتين. قال ابن القاسم: ثم استثقله مالك، وقال: لا يعجبنى لكل من حج، وهو يريد عمرة المحرم، وكرهه كراهة شديدة. وجه رواية الجواز ما احتج به من أنهما عمرتان فى سنتين، فجاز ذلك كما لو تباعد ما بينهما. ووجه رواية المنع تقارب ما بين العمرتين فى الزمان والتباعد مشروع بينهما على قوله: ((إن العمرة فى العام مرة)). ...... ٣٦٩ كتاب الحج مسألة: فإذا قلنا: إنه لا يعتمر إلا واحدة، عمرة فى ذى الحجة أو عمرة فى المحرم، فقد قال مالك: العمرة فى المحرم أحب إلى، وذلك على حسب ما انتقلت إليه عائشة. ووجه ذلك الإتيان بالعمرة فى غير أشهر الحج، وهذا على قول من قال: إن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، وأما على قول من قال: إن العشرين من ذى الحجة ليست من أشهر الحج، فيجوز أن يكون الأمران سواء، ويحتمل أن يقال على هذا: إن تأخير العمرة إلى المحرم أفضل للفصل بين النسكين وإبعاد ما بينهما. مسألة: وأما أهل الآفاق ممن لم يحج، ففى المدونة عن مالك: لهم أن يحرموا بالعمرة فى أيام التشريق، وليسوا كحاج أهل منى، ولم يذكر يوم النحر فيحتمل أن يخصه بالمنع لما كان يوم الحج الأكبر ويحتمل أن يكون حكم يوم النحر فى ذلك حكم أيام التشريق، وهذا الذى حكاه القاضى أبو محمد فى الإشراف عن المذهب، قال ابن القاسم فى المدونة: وسواء كان إحلاله من عمرته فى أيام متى أو بعدها، وهذا يقتضى أن اليوم لا ينافى عمل العمرة، وإنما ينافيه عمل الحج لأن إحرامه بالحج يقتضى استيعاب هذه الأيام بعمل الحج فليس له صرف ذلك إلى نسك آخر، والله أعلم. ٧٤٢ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَدًا يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ مِنِّى، فَسَمِعَ التّكْبِيرَ عَالِيًا، فَبَعَثَ الْحَرَسَ يَصِيحُونَ فِى النّاسِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا الَِّةُ. الشرح: إنما منع عمر بن عبدالعزيز من إفراد التكبير، وقطع التلبية، وليس ذلك بخلاف لما رواه أنس، وإنما أخبر أنس أن المكبر كان يكبر فلا ينكر عليه، وأن الملبى كان يلبى فلا ينكر عليه، فأخبر أن التلبية كانت ظاهرة بينهم فى ذلك الوقت، فأنكر عمر بن عبدالعزيز تركها وقطعها جملة فى وقت هى فيه مشروعة، فخاف إطراحها ودروسها حتی ینقطع حکمها. فصل: وقوله: ((إنها التلبية))، يحتمل أن يريد به أن الذكر المشروع فى هذا الوقت المخصوص به هو التلبية))، وأن التكبير لا يختص بهذا الوقت، بل يظهر فيه التكبير كما يظهر فى غيره من الأوقات، ويحتمل أن يريد أن التلبية من جملة أذكار هذا الوقت الذى لا يجوز الإخلال به والترك له إلى غيره، والأول أظهر من جهة اللفظ. ٧٤٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٢٠. ٠٣٧٠ .. كتاب الحج إهلال أهل مكة ومن بها من غيرهم ٧٤٣ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكّةَ مَا شَأْنُ النّاسِ يَأْتُونَ شُعْئًا(١) وَأَنْتُمْ مُدَّهِنُونَ، أَهِلُوا إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ. الشرح: قوله: ((ما بال الناس يأتون شعثًا، وأنتم مدهنون))، إنكار للادهان وعدم الشعث على الحج بعرفة، لأن من سنة الحج بعرفة أن يكون أشعث أغبر، أنكر عمر بن الخطاب على أهل مكة أن يفوتهم مثل هذه الفضيلة بتأخيرهم الإهلال إلى يوم التروية فأراد أن يقدموا الإهلال من أول ذى الحجة ليبعد عهدهم بالترجل والادهان، ويأخذوا من الشعث بحظ وافر، وهو الذى اختاره مالك، رحمه الله، لمن أحرم بالحج. وقد تقدم أن عبدالله بن عمر كان يختار للمكى أن يهل يوم التروية لمعنیین، أحدهما أنه لم ير النبى ﴿ يهل حتى تنبعث به راحلته. والثانى: أن من شأن المحرم أن لا يقيم فى موضع ينشئ فيه إحرامه، وإنما يحرم ويلبى عند أخذه فى التوجه إلى حيث يقتضى إحرامه التوجه إليه، فكره أن يحرم من مكة ثم يقيم بها بعد إحرامه ثمانية أيام. وقد قال مالك فى كتاب محمد وموطأ ابن وهب: لا ينبغى لأحد أن يهل بحج أو عمرة، ثم يقيم بأرض يهل بها حتى يخرج، ولكن الفرق بين الأمرين ما كرهه عمر بن الخطاب لأهل مكة من أن يأتوا عرفة مدهنين. ٧٤٤ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَامَ بِمَكَّةَ تِسْعَ سِنِينَ وَهُوَ يُهِلُّ بِالْحَجِّ لِهِلالِ ذِى الْحِجَّةِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبِيِ مَعَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ. الشرح: تعلق مالك، رحمه الله، فى هذه المسألة مع ما تقدم بفعل عبدالله بن الزبير مدة تسعة أعوام بحضرة الصحابة والتابعين، وهو الأمير الذى يشهر فعله ولا يخفى ٧٤٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٢١. المغنى ٤٠٥/٣. (١) أشعث الرأس: منتفش الشعر مغبر الرأس. ٧٤٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٢٢. قال فى الاستذكار: ما جاء عن عمر بن الخطاب - يعنى الحديث السابق -. وعبد الله بن الزبير فى إهلال أهل مكة اختيار واستحباب ليس على الإلزام والإيجاب؛ لأن الإهلال إنما يجب على من يتصل به عمله فى الحج لا على غيره؛ لأنه ليس من السنة أن يقيم المحرم فى أهله. ......... ٣٧١ کتاب الحج أمره، ولا ينكر عليه أحد، ولا يثابر مع دينه وفضله وورعه إلا على ما هو الأفضل عنده، ووافقه على ذلك أخوه عروة مع علمه ودينه، وعلى هذا كان أمر جمهور الصحابة ولذلك قال عبيد بن جريج لابن عمر: رأيتك تفعل أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يفعلها. قَالَ مَالِكٍ: وَإِنَّمَا يُهِلُّ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ بِالْحَجِّ إِذَا كَانُوا بِهَا، وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِنْ جَوْفٍ مَكَّ لا يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ(١). الشرح: ومعنى ذلك أن المهل بالحج من مكة من أهلها كان أو من غيرهم، فإنه لا پهل من غير الحرم لأنه ليس لهم ميقات يمرون عليه به دون ما يحرمون منه. ووجه آخر أن المهل من الميقات متوجه إلى البيت بإحرامه من ميقاته لئلا يرد عليه إلا محرمًا، فمن كان عند البيت وفى الحرم لم يكن له أن يحرم منه للإحرام لأن الذى يقصد بالإحرام قد صار فيه ونسكه يقتضى الخروج إلى الحل للوقوف بعرفة، فلا معنى للخروج إلى الحل للإحرام. مسألة: فمن أهل منهم من الحل، فقد روى ابن القاسم عن مالك فى المدونة: لا شىء عليه، وإن لم يعد إلى الحرم، وهذا زاد ولم ينقص، وهذا عندى فيمن عاد إلى الحرم ظاهر، فأما من أهلَّ من الحل وتوجه إلى عرفة دون دخول الحرم أو أهل من عرفة بعد أن توجه إليها حلالاً مريدًا للحج، فإنه نقص ولم يزد، وإنما لم يجب عليه الدم على هذا القول لأن مكة ليست فى حكم الميقات لأن المواقيت إنما وقتت لئلا يدخل المحرم إلى البيت إلا بإحرام، فمن كان عند البيت، فليس له ميقات بدليل أن المعتمر لا يحرم، والمواقيت يستوى فى الإحرام منها الحج والعمرة. فرع: ومن أين يحرم من أحرم بالحج من مكة؟ روى أشهب عن مالك: يحرم من داخل المسجد. وروى ابن حبيب عنه: يحرم من باب المسجد. وجه رواية أشهب أن هذا المسجد مخصوص بالإهلال ومتعلق بأركان الحج، فلذلك كان الإحرام منه، وليس كذلك سائر المساجد، فإنها مبنية للصلاة، فلم يشرع الإهلال بها، ألا ترى أن المسجد الحرام يرفع فيه الصوت بالإهلال دون سائر المساجد. ووجه قول ابن حبيب أن الإحرام بالنسك إنما يكون حين الأخذ فى التوجه إليه كالإحرام من مسجد الميقات. (١) ذكره فى الاستذكار ١٦٥/١١. . كتاب الحج ٣٧٢ .. فصل: وقوله: ((لا يخرج من الحرم)) يقتضى إن إحرامه، من جميع الحرم مباح وإن اختير الإحرام من داخل المسجد أو باب المسجد فمن أحرم من الحرم فلا شىء عليه وقد روى ابن الزبير عن جابر أمرنا النبى ﴿ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح(٢) . قَالَ مَالِك: وَمَنْ أَهَلَّ مِنْ مَكّةَ بِالْحَجِّ فَلْيُؤَخِّرِ الطّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْىَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنِى وَكَذَلِكَ صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. الشرح: ومعنى ذلك أن الطواف الذى هو ركن من أركان الحج إنما هو طواف الإفاضة، فأما طواف الورود، فليس بركن من أركان الحج، وإنما هو الورود على البيت بالنسك کتحية المسجد بالر کعتین، وهذا أو كد ألا ترى أن المسجد لا يحتاج إلى وداع، والبيت قد شرع فيه الوداع، فإذا أحرم من مكة، فليس عليه طواف ورود لأنه لم يرد من جهة من الجهات سواء أحرم بالحج من مكة يوم التروية أو قبله أو بعده. ووجه ذلك أن حكم مناسك الحج والعمرة أن يؤتى بهما بعد الجمع بين الحل والحرم، فمن أحرم من الحرم لم يجز أن يطوف ويسعى لأن فعله ذلك يكون قبل الجمع بين الحل والحرم، فإذا رجع من عرفة جاز له ذلك لأن الجمع بينهما ما قد وجد. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنه يتأخر السعى بين الصفا والمروة إلى أن يعود من منى للإفاضة لأن من شرط السعى أن يعقب طوافًا واجبًا ولا يجب على الحاج المحرم من مكة طواف إلا طواف الإفاضة ومن قدم الطواف بالبيت والسعى فبالخروج إلى عرفة، ففى المدونة: لا يجزئه ذلك وليعد الطواف والسعى بعد الرجوع من عرفة، فإذا لم یعدهما حتى خرج إلى بلده فعلیه الهدی وذلك آیسر شأنه. ووجه ذلك أنه لما أتى بالسعى بعد طواف غير واجب لزمه أن يعيده بعد طواف واجب، فإذا فاته ذلك لخروجه إلى بلده لزمه الهدى لما أدخل فيه من النقص بالإتيان له بعدد طواف غير واجب. وسُئِلَ مَالِك عَمَّنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ مَكّةَ لِهِلالِ ذِى الْحِجَّةِ كَيْفَ يَصْنَعُ بِالطّوَافِ؟ قَالَ: أَمَّا الطّوَافُ الْوَاحِبُ فَلْيُؤَخِرُهُ، وَهُوَ الَّذِى يَصِلُ (٢) أخرجه مسلم حديث رقم ١٢١٤ من طريق محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج أخبرنى أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، فذكره. ٠٠ ٣٧٣ کتاب الحج بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّعْىِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيَطُفْ مَا بَدَا لَهُ، وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ كُلِّمَا طَافَ سُبْعًا، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ ﴿ الَّذِينَ أَمَلُّوا بِالْحَجِّ، فَأَخْرُوا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْىَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى رَجَعُوا مِنْ مِنِّى، وَفَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكَانَ يُهِلُّ لِهِلالِ ذِى الْحِمَّةِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكّةَ، وَيُؤَخِّرُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْىَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنِّى. الشرح: وهذا كما قال أن من أهل بالحج من مكة وبقى بعد إهلاله بها أيامًا فإن له أن يطوف تطوعًا ما شاء. وقوله: ((وأما الطواف الواجب فليؤخره، وهو الذى يصل بينه وبين السعى بين الصفا والمروة))، كلام فيه تجوز لأن التأخير هاهنا بمعنى الإسقاط لأن طواف الورود سقط جملة على ما ذكرناه فلا يفعل، ولو كان مؤخرًا على الحقيقة الآتى به بعد ذلك، والله أعلم. فصل: وإنما سمى طواف الورود، الطواف الواجب لأنه واجب على الوارد، وليس يجب بمجرد الحج، ولو كان من أركان الحج لما سقط عمن أحرم من مكة، ولا على المراهق، فإن أخره الوارد المدرك، فقد قال ابن القاسم: عليه دم. وقال أشهب: لا شىء علیه. وجه قول ابن القاسم أن هذا نسك قد وجب عليه فى حجه، فإذا تركه حتى فات مع القدرة عليه، فعليه الدم. أصل ذلك رمى الجمار. ووجه قول أشهب أن كل ما لا يجب بتركه الدم على من أحرم من مكة، فإنه لا يجب به الدم على من أحرم من غير مكة، أصل ذلك طواف الوداع. فصل: وقوله: ((وليطف ما بدا له))، يريد من التطوع، فإن الطواف مشروع مستحب التنفل به لمن لم يكن عليه طواف واجب. وقوله: ((وليصل ركعتين كلما طاف سبعًا))، فيه مسائل، غير أننا نذكر منها ما تعلق بظاهر هذا اللفظ ونؤخر سائرها إلى مواضعها إن شاء الله تعالى، فمن ذلك أن من حكم الطواف أن تتعقبه ركعتان لما روى ابن عمر: ((أن النبى ﴿3﴾ طاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام ركعتين))(١). (١) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (٣٩٦، ١٦٢٤، ١٦٢٧، ١٦٤٦، ١٧٩٤) .= ٣٧٤ كتاب الحج فرع: وقال القاضى أبو محمد: إنها سنة، ويجب بفواتها الدم. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى أنها واجبة فى الطواف الواجب، ويجب بالدخول فى التطوع، والله أعلم. فصل: وقوله: ((وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله (18 حين أهلوا بالحج من مكة، فأخروا الطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة حتى رجعوا من منى»، يريد الذين كانوا مع النبى ﴿﴿ فى حجة الوداع، فمن أحرم بعمرة وحل من عمرته بمكة ثم أحرم بالحج من مكة، فإنهم لم يطوفوا بحجهم حتى رجعوا من منى. فصل: وقوله: ((وفعل ذلك عبدالله بن عمر، فكان يهل لهلال ذى الحجة من مكة))، فذكر خلاف ما تقدم من روايته عنه أنه كان لا يهل إلا يوم التروية، وهذا يقتضی اختلاف فعله، والله أعلم. وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَلْ يُهِلُّ مِنْ حَوْفٍ مَكّةَ بِعُمْرَةٍ؟ قَالَ: بَلْ يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ فَيُخْرِمُ مِنْهُ. الشرح: وهذا كما قال أن المكى لا يحرم بالعمرة من الحرم، وإنما يحرم من الحل بها من الحل بخلاف الحج. والأصل فى ذلك حديث عائشة قالت: فدعا عبدالرحمن بن أبى بكر، فقال: ((اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة)). ومن جهة القياس أن النسك من شرطه الجمع بين الحل والحرم وجميع أفعال العمرة فى الحرم، فلو أحرم بها من الحرم لما جمع فيها بين الجبل والحرم، وإنما جاز ذلك فى الحج لأنه لابد فيه من الخروج إلى الحل للوقوف بعرفة. فرع: فإن أحرم المعتمر من الحرم لزمه الإحرام، وعليه أن يخرج إلى الحل فيدخل منه مهلاً بالعمرة، قاله مالك. ووجه ذلك ما ذكرناه من أن سنة العمرة أن يبدأ بها من الحل ويكون انتهاؤه فى الحرم لقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣] فإذا ابتدأها من الحرم، فقد ابتدأها من غير الميقات الواجب لها فلزمت بالدخول فيها، ووجب استدراك ما يجب من شروطها من الجمع بين الحل والحرم. =مسلم حديث رقم (١٢٣٤). النسائى فى الصغرى حديث رقم (٢٩٣٠، ٢٩٦٠). أحمد فى المسند حدیث رقم (١٣٩٠٥). ٣٧٥٠ کتاب الحج . مسألة: فإن كان قارنًا، فهل يهل من الحرم أم لا؟ اختلف أصحابنا فى ذلك، فقال ابن القاسم: لا يهل من الحرم. وقال سحنون: له أن يهل من الحرم. وجه رواية ابن القاسم أن هذا مهل بعمرة فوجب أن يكون إهلاله من الحل كالمفرد. ووجه قول سحنون، أن النسکین متی اجتمعا، فإن الحكم للحج. أصل ذلك سائر الأفعال، والله أعلم. مالا يوجب الإحرام من تقليد الهدى(١) ٧٤٥ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمُ عَنْ عَمْرَةً بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ كَبَ إِلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ :﴿ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَمْدَى هَدْيًا حَرُمٌ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجٌ خَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْىُّ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْى، فَاكْتُبِى إِلَىَّ بِأَمْرِكٍ أَوْ مُرِى صَاحِبَ الْهَدْىِ. قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَذْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ بَيَدَىَّ ثُمَّ قَلْدَهَا رَسُولُ اللِّ ﴿ بِيَدِهِ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مَعَ أَبِى، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى (١) قلد الهدى: علق فى عنقها ما يدل على إهدائها للحرم. ٧٤٥ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٥٨٥. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٣٤٠. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٨٣٢، ٨٣٣. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٧٢٣، ٢٧٢٤، ٢٧٢٥، ٢٧٢٦، ٢٧٢٧، ٢٧٢٨، ٢٧٣١، ٢٧٣٢، ٢٧٣٣، ٢٧٣٥، ٢٧٣٦، ٢٧٣٧، ٢٧٣٨، ٢٧٤١، ٢٧٤٢، ٢٧٤٣، ٢٧٤٤، ٢٧٤٥. وأبو داود فی كتاب المناسك حديث رقم ١٤٩٤. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٣٠٧٨، ٣٠٨٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٣٩، ٢٣٣٥٢، ٢٣٣٨٣، ٢٣٤١٨، ٢٣٤٦٢، ٢٣٥٦٩، ٢٣٨٠٨، ٢٤٢٣٣، ٢٤٢٩٢، ٢٤٣٢٣، ٢٤٣٤١، ٢٤٣٨٩، ٢٤٣٩٨، ٢٤٤٦١، ٢٤٥٤٢، ٢٤٥٩٣، ٢٤٦٣٣، ٢٤٦٨٧، ٢٤٧٩٨، ٢٤٨١٣، ٢٤٩٥٩، ٢٥٠٥٨. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٨٥٥. والطحاوى بشرح المعانى ١٣٨/٢ عن جابر. وذكره الهيثمى فى المجمع ٢٢٧/٣ وعزاه لأحمد. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٥٦/٥: هكذا هذا الحديث فى الموطأ عند جميع رواته فيما علمت، ورواه عثمان بن عمر، عن مالك، بخلاف بعض معانيه، لأنه ذكر فيه الإشعار، وليس ذلك فى رواية غيره فى هذا الحديث عن مالك، فيما علمت. كتاب الحج ٠٣٧٦ رَسُولِ اللّهِ ﴿ شَىْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتّى نُحِرَ الْهَدْىُ(١). الشرح: قول عبدالله بن عباس: ((من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج»، يقتضى ظاهره أن من قلد هديه ليبعث به حرم عليه ما حرم على الحاج من الطيب واللباس، وإلقاء التفث، وجماع النساء وغير ذلك من موانع الإحرام. وذهب جماعة الفقهاء إلى أنه لا يحرم عليه شىء من ذلك، وكذلك قالت عائشة واحتجت فى ذلك بفعل النبى ﴿﴿ وهى أعلم الناس به، وما روته فى ذلك يجب أن يصار إليه، ولذلك كانت تسئل عنه ويلجأ إليها فى معرفته. فصل: وقوله: ((وقد بعثت بهدى، فاكتبى إلى بأمرك أو مری صاحب الهدى))، يريد أنه قد لزمه ما يلزم من بعث بهديه، وقد أنكر ما قاله ابن عباس من لزمه اجتناب محظورات الإحرام، ولم يكن عنده فى ذلك نص يرد به قوله، ولا كان ممن يرد بنظره نظر ابن عباس، فأراد أن يعتمد على ما عند عائشة رضى الله عنها فى ذلك. فصل: وقول عائشة: ((ليس كما قال ابن عباس))، رد لقوله وإظهار لمخالفته، واحتجت على ذلك بفعل النبى ﴿1، وأعلمته أنها المباشرة له، وذلك يؤكد معرفتها به واستيقانها لعلمه لأن الراوى إذا باشر القضية، رجحت روايته على رواية من لم یباشرها. فصل: وقولها: ((ثم قلدها رسول الله ﴿﴿ بيده))، يحتمل أن تكون أرادت بذلك تبيين حفظها للأمر ومعرفتها من تناول كل شىء منه، ويدل ذلك على اهتبالها بهذا الأمر ومعرفتها به ويحتمل أنها أرادت أن النبى ﴿3﴾ تناول ذلك بنفسه، وعلم وقت التقليد لئلا يظن أحد أنه استباح محظور الإحرام بعد تقليد هديه، وقبل أن يعلم هو (١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٥٧/٥: فى الحديث معان من الفقه، منها: أن عبدالله بن عباس كان يرى: أن من بعث بهدى إلى الكعبة، لزمه إذا قلده أن يحرم ويجتنب كل ما يجتنب الحاج حتى ينحر هديه، وقد تابع عبدالله بن عباس على ذلك عبدالله بن عمر وطائفة، وروى بمثل ذلك أثر مرفوع من حديث جابر، عن النبى 198. ومنها: أن أصحاب النبى #$ كانوا يختلفون فى مسائل الفقه وعلوم الديانة، فلا يعيب بعضهم بعضا بأكثر من رد قوله، ومخالفته إلى ما عنده من السنة فى ذلك، وهكذا يجب على كل مسلم. ومنها: ما كان عليه الأمراء من الاهتبال بأمر الدين والكتاب فيه إلى البلدان. ومنها: عمل أزواج النبى 18 بأيديهن وامتهانهن أنفسهن، وكذلك كان رسول الله ﴿ يمتهن نفسه فى عمل بيته، فربما خاط ثوبه، وربما خصف نعله. وقد قلد هديه المذكور فى هذا الحديث بيده ﴿﴾. ٣٧٧ كتاب الحج . بذلك، فتبين من ذلك أنه لم يأت شيئًا من هذا الأمر إلا وهو عالم بتقليد هديه. فصل: وقولها: ((بعث بها مع أبى)) تريد أن النبى 18، فعل ذلك فى سنة لتبين بذلك علمها بجميع هذه القضية، ويحتمل أن تريد بذلك أنه من آخر هدى بعث به النبى ) لأن النبى ﴿3﴾ حج فى العام الذى يلى هذا العام حجة الوداع، لئلا يظن أن هذا كان فى أول الأمر ثم نسخ، ويتعلق بذلك بصغر سن عبدالله بن عباس، وأنه لم يشاهد من أفعال النبى ﴿﴿ إلا أواخرها. وذهبت عائشة رضى الله عنها فى ذلك كله إلى رفع الإشكال، وإزالة اللبس عليه، وتممت بذلك بأن قالت: ((فلم يحرم على رسول الله 8 شىء أحله الله له حتى نحر الهدى))، تريد أن كل شىء كان حلالاً له قبل أن يبعث هديه، فلم يحرم عليه منه شىء يبعثه الهدى إلى أن نحر، وهذه المدة التى يدعى فيها الامتناع من محظور الإحرام، وأما بعد نحر الهدى، فلا خلاف فى الإباحة. ٧٤٦ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْذِى يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ، وَيُقِيمُ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَىْءٌ، فَأَخْبُرَتِى أَنْهَا سَمِعَتْ عَائِشَةً تَقُولُ: لا يَحْرُ إِلا مَنْ أَهَلَّ وَلَّى. الشرح: قولها: ((لا يحرم إلا من أهلَّ ولبى)»، جواب مقابل للفظ يحيى لأن يحيى إنما سأل هل يحرم على من بعث بهديه شىء أم لا؟ فجوابه المقابل له ((لا)) أو ((نعم)، فأجابته عمرة أنه لا يحرم إلا من أهلَّ ولبى، وإنما صح ذلك لعلمها بأنه لا يحرم شىء مما ٧٤٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٢٤. قال فى الاستذكار ١٧٤/١١: قد روى حديث عائشة المسند فى أول الباب: ابن جريج وغيره. ورواه أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة. ورواه الأسود، عن عائشة. ومسروق عن عائشة. من أئمة أهل الحديث بالكوفة. وهو حديث مجتمع على إسناده. واختلف فى معنى هذا الحديث فقال جماعة من أهل العلم، منهم عطاء، وسعيد بن جبير: إذا قلد الحاج هدية فقد أحرم وحرم عليه ما يحرم على الملبى بالحج. وكذلك إذا أشعر هديه. واختلفوا فى تحليله، فمنهم من قال: الإحلال كالتقليد والإشعار، ومنهم من أباه. وقالت طائفة: لا يكون محرما إلا من أحرم ولبى كما روى عن عائشة. وقال آخرون: إذا نوى بالتقليد الحج أو العمرة فهو محرم وإن لم يلب وهذا كله عنهم فى معنى قول الله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾. وكلهم يستحب أن يكون إحرام الحج وتلبيته فى حين تقليده الهدى وإشعاره. وقالت طائفة منهم ابن عمر كقول ابن عباس: من قلد هديه سواء خرج معه أو بعث به وأقام وهو يفعله يحرم عليه ما يحرم على المحرم. کتاب الحج . ٣٧٨ سألها إلا على محرم، فإن لم يكن محرمًا، فلا يحرم شىء عليه. ٧٤٧ - مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ النّيْمِىِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنٍ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَنْهُ رَأَى رَجُلًا مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ، فَسَأَلَ النّاسَ عَنْهُ فَقَالُوا: إِنّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلِّدَ، فَلِذَلِكَ تَحَرَّدَ. قَالَ رَبِيعَةُ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. الشرح: قوله: ((رأى رجلا متجردًا بالعراق))، يريد أنه رآه متجردًا عن المخيط إلا أنه لابس الإحرام، وذلك ببلد يلبس جميعهم المخيط، فأنكر عليه مخالفة عادة الناس، فلما سأل عنه أخبر أنه إنما تجرد لأنه أمر بهديه أن يقاد، فلما لقى ربيعة عبدالله بن الزبير سأله عن ذلك، إن كان عنده علم فى ذلك، فقال عبدالله: ((بدعة)). ولعل عبدالله قد علم ما عند عائشة فى ذلك، فعول عليه وحكم بأن ما خالفه بدعة، لأنه خلاف لفعل النبى ﴿، ولعل عبدالله بن عباس قد رجع عنه أو كان بلغه قول عائشة فى ذلك فقد رجع عن مسائل حين أعلم بما فيها عن النبى ﴿3﴾ كمسألة المتعة وتجويز الذهبين والفضتين. وسُئِلَ مَالِك عَمَّنْ خَرَجَ بِهَدْى لِنَفْسِهِ، فَأَشْعَرَهُ وَقَلْدَهُ بِذِى الْحُلَيْفَةِ، وَلَمْ يُحْرِمْ هُوَ حَتَّى جَاءَ الْحُحْفَةَ. قَالَ: لا أُحِبُّ ذَلِكَ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ فَعَلَهُ، وَلا يَنبَغِى لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْهَدْىَ وَلا يُشْعِرَهُ إِلَا عِنْدَ الإِهْلالِ إِلا رَجُلٌ لا يُرِيدُ الْحَجَّ، فَيَبْعَثُ بِهِ وَيُقِيمُ فِى أَهْلِهِ. الشرح: وهذا كما قال لأن سنة التقليد والإشعار تكون عند الدخول فى النسك للحج أو العمرة. والأصل فى ذلك حديث المسور بن مخرمة فى ذكر زمن الحديبية، قال: حتى إذا كانوا بذى الحليفة، قلد النبى ﴿﴿ هديه وأحرم بالعمرة(١). ومن جهة المعنى أن الهدى تبع للنسك ومن سنته وفضائله، وما كان بهذه الصفة، فحكمه أن لا ينفرد عن النسك ولا يتقدم عليه إلا أن يكون متصلاً به لمعنى يوجب ذلك، وإنما يبين ذلك لتقدمه على الإحرام لأن من سنة الإحرام أن يتعقب السعى إلى ما ٧٤٧ - ذكره ابن عبد البر فی الاستذكار برقم ٧٢٥. (١) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٦٩٥، ٤١٧٩). أبو داود حديث رقم (٢٧٦٥). أحمد فى المسند حديث رقم (١٨٤٤٩). كتاب الحج .. ٣٧٩ .... أحرم، ولذلك يهل الراكب إذا استوت به راحلته، ويهل الماشى إذا انفصل عن موضع صلانه ماشيًا، فلو أخر تقليد هديه وإشعاره لحال ذلك بين إحرامه وسعيه، فقد وصل به؛ لأننا قد نجد من الأفعال ما يكون للإحرام والنسك، ويتقدم الإحرام متصلا به كلبس الثياب وركعتى الفجر. وأما إذا قلد هديه بذى الحليفة وأخر الإحرام إلى الجحفة أفرد الهدى، وجعل له حکم نفسه، ومن سنته أن یکون تبعًا لنسكه، فقد أتى به على خلاف سنته، وهذا لمن أراد الحج أو العمرة. فأما من أراد أن يبعث بهديه، ويقيم حلالا فى أهله، فلا بأس بذلك لأن هذا هدى قد بنى فيه على الإفراد له، وذلك جائز كما فعل رسول الله ﴿﴿ حين بعث بهديه. وسُئِلَ مَالِك هَلْ يَخْرُجُ بِالْهَدْىِ غَيْرُ مُحْرِمِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لا بَأْسَ بِذَلِكَ. الشرح: وهذا كما قال أنه يخرج بالهدى غير محرم، وذلك على ضربين، أحدهما أن يخرج من المدينة، وهو مريد للحج أو العمرة غير أنه يخبر بهذا عن جواز خروجه به من المدينة حلالاً إلى موضع الإحرام، والثانى: أن يرسل به صاحبه إلى مكة مع لا يلزمه الإحرام بدخولها. وسُئِلَ أَيْضًا عَمَّا اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ مِنَ الإِحْرَامِ بِتَغْلِيدِ الْهَدْىِ مِمَّنْ لا يُرِيدُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ، فَقَالَ: الأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِى نَأْخُذُ بِهِ فِى ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ أُمِّالْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ بَعَثَ بِهَدْيِهِ ثُمَّ أَقَامَ فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَىْءٌ مِمَّا أَحَلُهُ اللَّهُ لَهُ حَتّى نُجِرَ هَدیُهُ. الشرح: قوله: «عما اختلف الناس فیه»، یرید قول ابن عباس فى ذلك ومن ذهب إليه. وقوله: ((من الإحرام بتقليد الهدى ممن لا يريد الحج ولا العمرة)»، يريد أن الإحرام المختلف فيه إنما هو أن يكون محرمًا بتقليد الهدى خاصة لا لحج ولا عمرة، وما أرى ابن عباس أطلق عليه اسم محرم، ويلزمه ذلك باجتنابه ما يجتنبه المحرم لأن المحرم إنما سمى محرمًا لأنه دخل فى عبادة يحرم بها عليه معان مباحة، إذا دخل فيها. وهذا إنما يطلق فى الشرع على من حرمت عليه محظورات الحج بالإحرام بالحج، أو کتاب الحج ٣٨٠ محظورات الصلاة بالإحرام بالصلاة، فأخذ مالك فى ذلك بقول عائشة رضى الله عنها وما روته من فعل النبى ◌َ﴾ فى ذلك. ما تفعل الحائض فى الحج ٧٤٨ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِى الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ الّتِى تُهِلُّ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ: أَنْهَا تُهِلُّ بِحَجِّهَا أَوْ عُمْرَتِهَا إِذَا أَرَادَتْ وَلَكِنْ لا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهِىَ تَشْهَدُ الْمَنَّاسِكَ كُلَّهَا مَعَ النَّاسِ غَيْرَ أَنْهَا لا تَّطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلا تَقْرَبُ الْمَسْجِدَ حَتّى تَطْهُرَ. الشرح: قوله: ((فى المرأة الحائض: أنها تهل بحجها أو عمرتها إذا أرادت))، يريد أن حيضها لا يمنعها من الإهلال بالحج والعمرة لأن الإحرام بالحج والعمرة لا ينافى الحيض ولا النفاس، ولذلك لا يفسدان شيئا منهما إذا طريا عليهما، ويفسدان الصوم والصلاة لما کانا منافیین لهما. فصل: وقوله: ((ولكن لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة))، يريد أن الحائض إن أحرمت بالحج أو طرأ عليها الحيض بعد إحرامها، فإنها لا تطوف بالبيت لأن الطواف بالبيت ينافيه، ولذلك يفسده الحيض والنفاس ويمنع صحته وتمامه لأن من شرطه الطهارة. فصل: وقوله: ((ولا بين الصفا والمروة))(١)، يريد أن الحائض تمتنع من السعى بين ٧٤٨ - أخرجه الترمذى حديث رقم ٩٤٤. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٢٦. وقال فى الاستذكار: ما قاله ابن عمر، رضى الله عنه، نقله جماعة العلماء، وهى السنة المأثورة عن أسماء بنت عميس: أمرها رسول الله ﴾ وهى نفساء أن تغتسل ثم تهل بالحج أو العمرة غير أن لا تطوف بالبيت. انتهى. وهذا الحديث أخرجه مسلم حديث رقم ٢٨٦٠. أبو داود حدیث رقم ١٧٤٣. ابن ماجه حديث رقم ٢٩١١. (١) قال فى الاستذكار ١٩١/١١ - ١٩٢: إنما ذلك من أجل أن السعى بين الصفا والمروة موصول بالطواف لا فصل بينهما، والطواف لا يكون عند الجميع إلا على طهارة، وإن كانوا قد اختلفوا فى حكم من فعله على غير طهارة، ولا يوجبونها شرطًا فيه كما هو عندهم فى الطواف؛ لأنهم لم يختلفوا فيمن طاف على طهارة فلما أكملها انتقضت طهارته أنه يهدى هديًا صحيحا فالطواف لو ترك كان بالهدى أولى. وفى هذا الخبر وما كان مثله دليل على أن= کتاب الحج ٣٨١ ........... الصفا والمروة كما تمتنع من الطواف بالبيت، ومعنى ذلك أن السعى إنما يكون بأثر الطواف بالبيت، فإذا لم يمكن الحائض الطواف بالبيت لم يمكنها السعى بين الصفا والمروة، وإن لم تكن من شرطه الطهارة لأنه عبادة لا تعلق لها بالبيت، ولو طرأ على المرأة الحيض بعد كمال الطواف لصح سعيها. فصل: وقوله: ((وتشهد المناسك كلها غير أنها لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة))، يقتضى أنها تفعل جميع المناسك غير ما استثنى منها، فتقف بعرفة والمزدلفة، وترمى الجمار وتبيت بمنى؛ لأن الطهارة ليست بشرط فى شىء من ذلك. فصل: وقوله: ((ولا تقرب المسجد حتى تطهر))، يريد أن الحائض لا تدخل المسجد، وقد قدمنا أنها لا تدخل المسجد الحرام ولا غيره، ولا تبت به، فيمتنع عليها الطواف حينئذ لمعنيين، أحدهما: أنه فى المسجد، والحائض لا تدخل المسجد، والثانى: أن الحيض حدث يمنع الطهارة والطواف لا يكون إلا بالطهارة. العمرة في أشهر الحج ٧٤٩ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ه اعْتَمَرَ ثَلاَنًا، عَامَ الْحُدَِّيَةِ، وَعَامَ الْقَضِيَّةِ، وَعَامَ الْجِعِرَّانَةِ(١). -الحائض لا تقرأ القرآن، وفى القياس؛ ولا شيئا منه، لأنها لو قرأت القرآن صلت، ولو صلت دخلت بالمسجد، وعلى هذا أكثر العلماء وهى رواية أشهب، عن مالك، وهو الصواب، وبالله التوفيق. ٧٤٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٢٧. · قال فى التمهيد ٣٦٧/٥: هذا يروى أيضا من وجوه قد ذكرنا كثيرا منها فى باب هشام بن عروة، منها: حدثنا عبدالوارث بن سفيان، وعمر بن حسين، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، قال: حدثنا محمد بن فلبح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: اعتمر رسول الله ﴿ ثلاث عمر، اعتمر من الجحفة عام الحديبية، فصده الذين كفروا فى ذى القعدة سنة ست، واعتمر من العام المقبل فى ذى القعدة سنة سبع آمنا، هو وأصحابه؛ ثم اعتمر الثالثة فى ذى القعدة سنة ثمان حين أقبل من الطائف من الجعرانة. قال أبو عمر: هكذا كان ابن شهاب يقول كلهن فى ذى القعدة، و کذلك فی حدیث عبدالله بن عمرو بن العاص، وغيره؛ وقد ذكرنا ذلك فى باب هشام بن عروة، وفى حديث هشام بن عروة عن أبيه، ((إحداهن فى شوال واثنتان فى ذى القعدة)). (١) أخرج نحوه البيهقى بالدلائل ٤٥٥/٥.