النص المفهرس
صفحات 1321-1340
٣٢٢ کتاب الحج . بلبس الثياب على الوجه المقصود بتلك الخياطة والمحرم ممنوع من الترفه، ولذلك منع من حلق الشعر وإلقاء التفث وإزالة القمل عن جسده وأمر بالتشعث. وأما ما كان مخيطًا، وهو على الصورة التى يحصل عليها بالنسج المعتاد دون الخياطة كالمنزر المرقوع، فلا بأس بليسه؛ لأن الترفه لا يحصل بتلك الخياطة ولا منفعة فيها إلا لستر العورة أو دفع المضرة عن الجسد والمحرم مأمور بها، فلذلك لم يمنع ما يختص بهما من اللباس. ولذلك لو لبس القميص أو البرنس أو السراويلات على الوجه الذى يلبس عليه ما ليس بمخيط، لما كان بذلك بأس مثل أن يلقى القميص على كتفه، ويأخذ كميه أمامه وكذلك البرنس والقباء؛ لأن ذلك لبس يحصل له دون الخياطة التى يحصل المنع بلبسها، وقد روى إباحة ذلك كله ابن المواز عن مالك، وروى عنه أنه كره الارتداء بالسراويل. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ووجه ذلك عندی قبح الزى كما كره لغير المحرم لبس السراويل مع الرداء دون القميص، والله أعلم. مسألة: وليس له أن يدخل منكبيه داخل القباء، فإن فعل ذلك افتدى، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا شیء علیه حتی یدخل یدیه فی کمیه. والدليل على ما نقوله أن هذا لبس مخيطًا على الوجه المعتاد فكانت عليه فدية، كما لو أدخل یدیه فی کمیه. مسألة: ومقدار ما تجب فيه الفدية فى لبس المخيط أن ينتفع بذلك، فإما أن يحرمه ثم يزيله فلا شىء عليه، وكذلك الخفان والمقدار الذى يعتبر فى ذلك أن يقصد دفع مضرة حر أو بر فيدفعه عن نفسه فى مدة طالت أو قصرت. والثانى أن يطول لبسه كاليوم ونحوه وإن لم يقصد به دفع شىء بعينه، فإنه قد جعل له الترفه بنفسه. فصل: وأما قوله: ((لا تلبسوا العمائم))، فإن لبس العمائم، وما فى معناها من القلانس ممنوع؛ لأن المحرم مأمور بالشعث والعمة تمنع منه؛ ولأن إحرام الرجل فى رأسه، فلزمه كشفه محرمًا، ولا يحل له ستره إلا من عذر مع الفدية؛ لاختصاص الإحرام به. قال القاضی أبو محمد: ولا خلاف فى ذلك. فصل: وقوله: ((ولا الخفاف إلا أن لا يجد نعلين))، منع من لبس الخفين لما فيهما من صيانة الرجل وترفهه، إلا أن تدعو إليهما ضرورة لعدم النعلين، فليقطعهما أسفل من ٣٢٣٠ .... کتاب الحج الكعبين ويلبسهما لقوله : ((وليقطعهما أسفل من الكعبين))، فشرط فى جواز لبسهما عند عدم التعلين قطعهما أسفل من الكعبين، ولا خلاف فى ذلك عند جماعة الفقهاء. وحكى عن عطاء بن أبى رباح وابن حنبل وقوم من أصحاب الحديث: أنه إذا لم يجد النعلين، لبس الخفين التامين ولم يقطعهما. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجماعة قوله : ((إلا أحدًا لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين))، وهذا أمر، والأمر يقتضى الوجوب. ودليلنا من جهة المعنى أن هذه حالة إحرام، فلا يجوز فيها لبس الخف التام مع القدرة على قطع أصل ذلك، إذا وجد النعلين. ودليل ثان، أن هذا قادر على قطع الخف ومقارنة التعلين له، فلا يجوز له أن يلبس الخف التام كما لا يجوز له أن يلبس الخفين مع القدرة على النعلين، أما هم فاحتج من نص قولهم بحديث ابن عباس الذى يأتى مسندًا بعد هذا، وهو: ((ومن لم يجد نعلین فليلبس الخفين)). والجواب عنه أن ابن عباس حفظ لبس الخفين ونقله ولم ينقل صفة لبسه، وعبدالله ابن عمر قد نقل صفة لبسه، فكان أولى. سُئِلَ مَالِك، عَمَّا ذُكِرَ عَنِ النّبِىِّ ﴿ أَنْهُ قَالَ: ((وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْبَسْ سَرَاوِيلَ)(١). فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا وَلا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرّاوِيلَ لأَنَّ النّبِىَّ نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلاتِ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ النِّيَابِ الَّتِى لَا يَنْبَغِى لِلْمُخْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا، وَلَمْ يَسْتَفْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِى الْخُقْنِ(٣). (١) أخرجه مسلم ٨٣٦/٢ كتاب الحج رقم ٥ باب ١، عن جابر بن عبد الله. والنسائى ١٣٣/٥ كتاب الحج، باب ٣١، الرخصة فى لبس السراويل لمن لم يجد الإزار عن ابن عياس. وابن ماجه برقم ٢٩٣١، ٩٧٧/٢ كتاب المناسك، باب ٢٠ عن ابن عباس. والدارقطنى ٢٢٨/٢ عن ابن عباس. وأحمد ٢٢١/١ عن ابن عباس. والبيهقى فى الكبرى ٥١/٥ عن جابر. والطبرانى فى الكبير ١٧٨/١٢ عن ابن عباس. والدارمى ٣٢/٢ عن ابن عباس. (٢) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٨٢/٥: وقال عطاء بن أبى رباح، والشافعى، وأصحابه، والثورى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود: إذا لم يجد المحرم إزارًا لبس السراويل، ولا شىء عليه. وحجة من ذهب إلى هذا، ما حدثناه عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد،= كتاب الحج ٣٢٤ الشرح: وهذا كما قال فى السراويل، وعلى ما رأى أنه ليس للمحرم أن يلبسها على حسب ما تلبس عليه، كما ليس له أن يلبس الخفين غير مقطوعين إذا لم يجد النعلين؛ لأن السراويل إذا قطعت لم يقع الستر بها، فإذا لبست على وجهها كانت بمنزلة لبس الخفين غير مقطوعين، فيحتمل أن يريد بقوله: إنه لا يلبسها سراويل على وجهها وليصرفها عن جهتها إلى ما يستباح لبسه، وهو الأظهر من قوله، ويحتمل أن يريد به: لا يلبسها دون فدية كما يلبس الخفين المقطوعين. فصل: وقوله: ((ولم أسمع بهذا))، يحتمل أن يريد أنه لم يسمع به على ما يريد المخالف من أنه لبس السراويل من غير تعيين دون فدية تجب عليه على ما يقوله الشافعى، ويحتمل أن يريد به أنه لم يرد الاستثناء فى السراويل. وفى حديث ابن عمر الذى ورد فيه لبس الخفين على صورة لا تجب فيها الفدية، وأما حديث ابن عباس فلم يتعرض له؛ لأنه ذكر فيه لبس الخفين مطلقًا، ولا خلاف بيننا أنه من لبسهما على ظاهر حديث ابن عباس: أنه يجب عليه الفدية، وأنه داخل تحت الجبة، فكذلك السراويل. * لبس الثياب المصبغة فى الإحرام ٧٠٤ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللِّ ﴿ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًّا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ رَرْسٍ، وَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْبَسْ خْقَيْنٍ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ)). =عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله (18 يقول: ((السراويل لمن لم يجد الإزار، والخف لمن لم يجد النعلين)). ٧٠٤ - أخرجه البخارى فى كتاب العلم حديث رقم ,١٣١ ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ,٢٠١٢ والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ,٧٦٣ والنسائی فی کتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦١٦، ٢٦١٧، ٢٦١٩، ٢٦٢٠، ٢٦٢٣، ٢٦٢٤، ٢٦٢٥، ٢٦٢٦، ٢٦٢٧، ٢٦٢٨، ٢٦٢٩، ٢٦٣٠،,٢٦٣١ وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم , ١٥٥٤ وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٢٩٢٠، ٢٩٢١. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٢٥٢، ٤٣١٠، ٤٦٦٤، ٤٨٣١، ٠ ٤٨٦، ٤٩١٩، ٥٠٥٦، ٥٠٧٣، ٥١٧٠، ٥٢٦٩، ٥٦٣٨، ٥٩٦٤. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٣٠، ٠١٧٣٢ والبيهقى فى الكبرى ٥٠/٥ عن ابن عمر. وابن خزيمة برقم ٢٥٩٨، ١٦٢/٤ عن ابن عمر. کتاب الحج ٣٢٥ الشرح: قوله: ((نهى رسول الله ﴿ أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو ورس»، دون سائر أنواع الصبغ، وأفضل لباس المحرم البياض، لما روى عن النبى أنه قال: ((خير ثيابكم البياض، يلبسها أحياؤ كم ويكفن فيها موتاكم)). فإن كان مصبوغًا فيجتنب المصبوغ بالزعفران أو الورس، يجتنبه الرجال والنساء، لما فيه من الطيب والصبغ الذى يستعمله غالبًا للتجمل، وهذان المعنيان ينافيان الإحرام، ومن لبسه من الرجال والنساء، فعليه الفدية. مسألة: وأما المصبوغ بالمعصفر، فعلى ضربين، مقدم ومورد. فأما المقدم، فممنوع للرجال والنساء؛ لأن المبالغة فى صبغه لا تتحقق غالبًا إلا للتحمل، ولما فيه من مشابهة الزعفران والورس؛ لأنه يتعلق منه بالجسد ما يشبه ردغها، فكره لذلك. مسألة: وأما المورد بالعصفر والمصبوغ بالمغرى أو المشق، قال ابن المواز: والأصفر بغير زعفران ولا ورس، فليس بممنوع لبسه للمحرم؛ لأنه ليس فيه طيب ولا يفعل غالبًا إلا إبقاء على الثوب، فيكره للإمام المقتدى به لبسه لئلا يلبس على من لا يعرف، فيقتدى به فى لبس المصبوغ الممنوع لبسه أو ينقله عنه إلى من يقتدى به، رواه محمد بن أشهب. ٧٠٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْلَمٌ مَوْلَى عُمَّرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذَا الثّوْبُ الْمَصْبُوغُ يَا طَلْحَةُ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْمَا هُوَ مَدَرّ(١)، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ(٢) أَئِمَّةٌ يَقْتَدِى بِكُمُ النّاسُ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاهِلا رَأَى هَذَا الثّوْبَ لَقَالَ: إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَلْبَسُ الثّيَابَ الْمُصَّغَةَ فِى الإِحْرَامِ، فَلا تَلْبَسُوا أَيُّهَا الرَّمْطُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ التِيَابِ الْمُصَّغَةِ. الشرح: قول عمر بن الخطاب لطلحة فى الثوب المصبوغ: ((ما هذا))، يقتضى إنكاره عليه ثوبًا مصبوغًا فى حال إحرامه، إلا أن ذلك يحتمل وجهين، أحدهما: أنه علم أنه ٧٠٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٧٩. البيهقى فى السنن الكبرى ٦٠/٥، ومعرفة السنن والآثار ٩٦٨٧/٧. المحلى ٢٦/٧. المجموع ٣٥٧/٧. (١) المدر: الطين المتماسك. (٢) الرهط: الجماعة من الرحال دون العشرة. كتاب الحج ٣٢٦ مصبوغ بمدر، فكرهه له، وأنكره عليه لما ذكره من أنه إمام يقتدى به الناس فى ليس المصبوغ، ويحكون عنه مثل هذا، ولا يفرقون بينه وبين الممنوع. وهذا أصل فى أن الإمام المقتدى به يلزمه أن يكف عن بعض المباح المشابه للمحظور، ولا يفرق بينهما إلا أهل العلم لئلا يقتدى به من لا يعرفه، وأن يلزم غيره الكف عنه، ألا ترى أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قد قال بهذا، ولم يراجعه طلحة بن عبيدالله، ولا أحد ممن سمعه. ويحتمل أن یکون رأی ثوبًا مصبوغًا، ولم یعرف صباغه، من مدر هو أو غيره، فأنكر أن يكون مثل طلحة بن عبيدالله يأتى المحظور، فلما تبين له أنه صباغ مدر أنكر عليه التشبيه بالمحظور. ٧٠٧ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْبِ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيق أَنْهَا كَانَتْ تَلْبَسُ الثَّابَ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشْبَّعَاتِ، وَهِىَ مُحْرِمَةٌ لَيْسَ فِيهَا زَعْفَرَانٌ. الشرح: قوله: ((كانت تلبس الثياب المعصفرات المشبعات وهى محرمة))، يدل على استباحتها لها، ولعله كان من المقدم الذى لا ينتقض على الجسد منه شىء. وقد روى ابن حبيب عن مالك فى المعصفر المقدم: لا بأس أن تلبسه المحرمة ما لم ينتقض منه عليها شىء؛ لأنه إذا لم ينتقض منه شىء فقد ذهبت بهجته ومشابهته المصبوغة بالزعفران والورس، وأما المحرم، فلا يلبس المقدم، وإن لم ينتقض منه شىء. فكانت أسماء، رضى الله عنها، تلبس المعصفر المقدم؛ لأنه مباح كما لبس طلحة ابن عبيدالله، رضى الله عنه، المصبوغ بالمدر، ولو تركت لبسه كان أفضل، فإنها كانت قدوة من أهل العلم، ولعل عمر، رضى الله عنه، لو رآها تلبسه لأنكره عليها مثل ما أنكر على طلحة بن عبيدالله لباس المصبوغ بالمدر. وقد روى ابن عبدوس عن أشهب أنه کره لباس المعصفر، وإن كان لا ينتقض لمن لا يقتدى به. وبقولنا قال أبو حنيفة فى هذه المسألة أنه كره المعصفر المقدم للرجال والنساء. وقال الشافعى: هو مباح على كل حال. ٧٠٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٨٠. الشافعى فى الأم ١٤٧/١. البيهقى فى السنن الکبری ٥٩/٥. وقال فى الاستذكار رواية مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبى بكر لم يتابعه أحد، والله أعلم، على قوله: ((عن أبيه)) من أصحابه فى هذا الحديث عن هشام بن عروة وإنما يرونه عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء. ٣٢٧٠ ... كتاب الحج . والدليل على ما نقوله أن هذا صبغ له ردغ على الجسد يحصل الاستمتاع منه بالزينة والرائحة، فكان المحرم ممنوعًا من لبسه كالمصبوغ بالزعفران والورس، والله أعلم. فرع: فإن لبسه، فالظاهر من مذهب مالك، رحمه الله، وما يحتج به أصحابه العراقيون أن الفدية تجب عليه. وقال القاضى أبو محمد: إن من أصحابنا من يوجب به الفدية، ويجعله مقارنًا للطيب. وقال أشهب: لا فدية فيه. وجه ما قدمناه أنه لون ممنوع منه لحرمة الإحرام منه ما ينتقتض على جسده، فإن كان زينة ويستمتع برائحته كانت عليه الفدية کالزعفران. ووجه قول أشهب أنه لیس بحرام فى نفسه، وإنما يكره لشبهه بالزعفران والورس، فلا تجب الفدية بلبسه كغيره من ألوان الحمرة والصفرة، والله أعلم. سُئِلَ مَالِك عَنْ ثَوْبٍ مَسَّهُ طِيبٌ ثُمَّ ذَهَبَ مِنْهُ رِيحُ الطّيبِ، هَلْ يُحْرِمُ فِيهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبَاغٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ. الشرح: وهذا كما قال أن ريح الطيب إذا ذهب من الثوب وبقى أثره، فإنه لا يمنع المحرم من لبسه؛ لأن منع الطيب المحرم، إنما يتعلق بإتلافه، وبه تتعلق الفدية، فمن لم يتلف شيئًا منه، فلا شىء عليه، وإن شم ريحه، ولذلك لا تجب على المحرم فدية إذا مر بالعطارين فشم رائحة الطيب، لكن شم رائحة الطيب مكروهة له فى الجملة؛ لأنها من دواعى النكاح، فلو أحرم فى ثوب فيه ريح طيب، فقد أتى ما هو ممنوع منه، إلا أنه لا فدیة علیه، رواه ابن المواز. ووجه ذلك أنه لم يتلف شيئًا من الطيب، فإذا زال من الثوب ريح الطيب ولم تكن فى لونه زينة كلون الزعفران والورس أو كان مما فى لونه زينة، فزال اللون بالغسل، فلا مانع يمنع من الإحرام فيه، والله أعلم. لبس المحرم المنطقة ٧٠٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمِنْطَقَةٍ(١) لِلْمُحْرِمِ. ٧٠٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٨١. الشافعى فى الأم ٢٥٢/٧. المغنى ٢٣٩/٧. المجموع ٢٦٠/٧. (١) المنطقة: ما يشد به وسط الإنسان. کتاب الحج ٣٢٨ الشرح: قوله: ((كان يكره لبس المنطقة للمحرم))، يحتمل أن يريد لبسها لغير حاجة إليها؛ لأن المنطقة مما تستعمل وتشد على الجسد ليترفه بلبسها، فلا يجوز للمحرم لبسها علی ذلك الوجه، فإن لبسها لحاجته إليها کحمل نفقته، ولم یترفه فى لبسها بشد إزاره، وإنما شدها تحت إزاره، فلا بأس بذلك، ولا فدية عليه؛ لأن ذلك مما تدعو الضرورة إليه، ولا بدل لها من الملبوس المعتاد كالسراويل والنعلين اللذين لهما بدل من الملبوس المعتاد، وإن شد المنطقة لغير الوجه الذى ذكرناه أو شذها لذلك فوق إزاره، فعليه الفدية. ٧٠٨ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنْهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ فِى الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ: أَنَّهُ لا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا جَعَلَ طَرَفَيْهَا جَمِيعًا سُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ(١) . قَالَ مَالِك: وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ. الشرح: قوله: ((فى المنطقة يلبسها المحرم تحت ثيابه، أنه لا بأس به))، يريد إذا لبسها على الوجه الذى ذكرناه من حمل نفقته فيها، وخص ذلك بأن يلبسها تحت ثيابه لئلا يلبسها فوق ثيابه فيترفه بشدها ثيابه، وذلك ممنوع على ما قدمناه. وقوله: ((إذا جعل فى طرفيها سيورا يعقد بعضها إلى بعض))، يريد أن يكون فى كل واحد من طرفيها سير، فيعقد أحدهما إلى الآخر، وهذا نوع من شدها، ولو كان فى أحد طرفيها سيور، وفى الآخر ثقب يدخل فيها السير ويشد لما كان به بأس، وذكره ابن المواز. قال ابن المواز، عن مالك: وسواء كان النطاق من خرقة أو جلدة إذا شده تحت إزاره، والله أعلم. تخمير المحرم وجهه ٧٠٩ - مَالِكِ، عَنْ يَحْثَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى ٧٠٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٨٢. (١) قال فى الاستذكار ٤٢/١١: إنما كره سعيد بن المسيب أن يدخل السير وهو الخيط فى ثقب المنطقة؛ لأنه كالخياطة عنده، والمخيط لا يجوز للمحرم لبسه. وأجازا ربط الخيط على ما وصف؛ لأنه كالهيمان، الذى يجوز له عقده عند أكثر العلماء، وقد كرهه قوم من العلماء منهم سعيد بن جبیر، وعطاء، والصواب قول من أباحه، وبالله التوفيق لا شريك له. ٧٠٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٨٣. الشافعى فى الأم ١٤٩/٢. البيهقى فى السنن الكبرى ٥٤/٥. کتاب الحج ٣٢٩٠٠ الْغُرَافِصَةُ بْنُ عُمَّيْرِ الْحَتَفِىُّ أَنْهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَانَ بِالْعَرْجِ يُغَطِّى وَجْهَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ. الشرح: قوله: ((رأى عثمان بن عفان بالعرج يغطى وجهه، وهو محرم))، يحتمل أن يكون فعل ذلك، رضى الله عنه، لحاجته إليه، ويحتمل أن يكون فعله؛ لأنه رآه مباحًا، وقد خالفه ابن عمر وغيره، فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطيته، وإلى ذلك ذهب مالك، وإنما ذكر فعل عثمان بن عفان، وذكر الخلاف عليه ليكون للمجتهد طريق إلى الاجتهاد بظهور الخلاف إليه ووقوفه عليه. وقال القاضى أبو الحسن: إنما ذلك مكروه، وليس بحرام. وحكى القاضى أبو محمد: المتأخرى أصحابنا فى ذلك قولين، الكراهية والتحريم. وقال أبو حنيفة: يتعلق الإحرام بالوجه كتعلقه بالرأس. وقال الشافعى: لا يتعلق له بالوجه، والدليل على ما نقوله ما روى ابن عباس عن النبى ﴾ قال فى الرجل الذى وقصته ناقته وهو محرم: ((اغسلوه بماء وسدر وكفنوه فى ثيابه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه، فأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)). ودليلنا من جهة المعنى أن هذا شخص يتعلق به حکم الإحرام، فلزمه کشف وجهه مع السلامة كالمرأة. فرع: فإن غطى المحرم وجهه، فهل عليه فدية أم لا؟ قال ابن القاسم: لم أسمع من مالك فى ذلك شيئًا، وأرى أن لا فدية عليه، وبهذا قال القاضى أبو الحسن. وقال القاضى أبو محمد، فى شرح الرسالة: فى قول ابن القاسم نظر. وقال فى غيرها: من متأخرى أصحابنا من قال: هو على روايتين، قال: وتحصيل المذهب، أنها إن قلنا بتحريم التغطية، فعليه الفدية، وإن قلنا بكراهيتها دون التحريم، فلأ فدية فيه. ٧١٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقولُ: مَا فَوْقَ النَّقَنِ مِنَ الرَّأْسِ فَلا يُخَمِّرْهُ(١) الْمُخْرِمُ. الشرح: قوله: «ما فوق الذقن من الرأس))، بیان لعلة تخميره، وهو ما قاله ان ما ٧١٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٨٤. الشافعى فى الأم ٢٤١/٧. البيهقى فى السنن الكبرى ٥٤/٥. المحلى ٩٢/٧. كشف الغمة ٢١٩/١. (١) التخمير: التغطية. كتاب الحج ٣٣٠ فوق الذقن، وهو عظم الرأس، فله حکم الرأس فى الإحرام کما له حکمه فى الموضحة، وهكذا كل حكم يتعلق بالرأس، فإن المراعى فيه ما فوق الذقن. ٧١١ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَفْنَ ابْنَهُ وَاقِدُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَاتَ بِالْحُحْفَةِ مُحْرِمًا، وَخَمَّرَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ، وَقَالَ: لَوْلا أَنَّا حُرُمٌ لَطَيْنَاهُ. قَالَ مَالِك: وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الرَّجُلُ مَا دَامَ حَيّ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدِ انْقَضَى الْعَمَلُ. الشرح: فعل عبدالله بن عمر من تخمير وجه ابنه، وقد مات محرمًا، ذهب إليه مالك ورأى أن المحرم إذا مات، ومن لم يكن محرمًا، سواء يفعل بالمحرم من تخمير والرأس ما يفعل بغيره، وكذلك الخيوط والطيب، وإنما امتنع عبدالله بن عمر من أن يطيبه لأجل إحرامه هو، لا لأجل إحرام الميت، وقال: ((لولا أنا حرم لطيبناه)). وقال الشافعى: إذا مات الميت لا يخمر رأسه ولا يطيب، ويستدام له حال إحرامه بعد الموت. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن الكفن يغطى به رأس الميت الحلال، فجاز أن يغطى به رأس الميت المحرم، وأصل ذلك التراب. أما هم، فاحتج من نص قولهم فى ذلك بالحديث الذى تقدم ذكره تقدم أن النبى ﴿ قال فى المحرم الذى وقعت به ناقته: ((اغسلوه بماء وسدر وكفنوه ولا تخمروا رأسه ولا و جھہ، فإنه یبعث یلبی)). والجواب أن هذا الحديث مما لا حجة فيه؛ لأن النبى ﴿﴿ علل المنع من تخمير رأسه ومنعه من الطيب بما لا طريق لنا إلى معرفته، وإذا علل بما لا طريق لنا إلى معرفته دل على اختصاصه بذلك الحكم، وذلك أنه منع من أن يعطى رأسه؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، ولا طريق لنا نحن إلى من يموت اليوم من المحرمين يبعث ملبيًا، فثبت أنه من الأحكام التى لم نكلفها إذ لا طريق لنا إلى معرفة علتها، وبالله التوفيق. فصل: وقوله: ((وإنما يعمل الرجل ما دام حيًا))، على ما تقدم من أن الرجل إذا مات، فقد انقضى عمله، فلا يصح منه إحرام ولا غيره من الطاعات. فإن قيل فهذا يبطل غسل الميت، فإنه يعمل به بعد الموت، وإن كان من العبادات، فكذلك استدامة صفة الإحرام من كشف الرأس واجتناب الطيب. ٧١١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٨٧. البغوى فى شرح السنة ٣٢٣/٥. المجموع ٠١٦٣/٥ المحلى ١٥١/٥. المغنى ٥٣٧/٢. ٠٠ ٣٣١ كتاب الحج . فالجواب أن الغسل إنما هو تنظيف لظاهر الجسد؛ لأنه لا يخلو من شىء يخرج منه من دم وغيره مع ما يصحب المريض من تغير الريح بطول المرض، وقلة الاغتسال، فشرع غسله وحنوطه لتنظيفه وستره؛ لأن من تركه من غير غسل متكّا لحرمته، وإظهارًا لما يجب أن يستر من حاله. يدل على ذلك أنه لابد أن يفعل ذلك به، وإن مات طاهرًا، ولذلك شرع تكفينه وستر وجهه ورأسه لئلا يظهر منه إلا ظاهر جماله، وليس كذلك منع الميت من الطيب وتغطية الرأس، فإنه ليس فيه شىء مما يحتاج الميت إليه بل هو ضد ما يحتاج إليه من ستره وتطبيب رائحته فافترقا. وجواب ثان، وهو أنه لا يجوز اعتبار الإحرام بالطهارة، ألا ترى أن الطهارة يبتدأ فعلها بالميت، والإحرام لا يبتدأ فعله بالميت، فلا يستدام فعله بالميت. ٧١٢ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسُ الْقُفَازَيْنِ. الشرح: قوله: ((لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)»، يقتضى تعلق الإحرام فى اللباس بوجهها وكفيها، وذلك أن جميع بدن المرأة عورة إلا الوجه والكفين، ولذلك يجب عليها ستر جميع جسدها فى الصلاة وغيرها، ولا تعلق للإحرام بالعورة. مسألة: إذا ثبت ذلك، فعلى المرأة أن لا تلبس مواضع الإحرام منها مخيطًا يختص به والذى يختص بالوجه من المخيط النقاب والبرقع، والذى يختص بالكفين القفازان، فوجب على المرأة أن تعريهما من ذلك، ويستحب لها أن تعريهما من غير ذلك من اللباس، فإن أدخلت يديها فى قميصها، فلا شىء عليها؛ لأن ذلك لا يختص بها، ولا سبيل إلى الاحتراز منه، وبالله التوفيق. ٧١٣ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنّا ٧١٢ - قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٧٩/٥: رواه ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعًا؛ ورواه ابن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا أيضًا. أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٧٠٧. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٦٣. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦٣١. وأبو داود فى كتاب المناسك حدیث رقم ١٥٥٤، ١٥٥٥. ٧١٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٨٥. کتاب الحج ٣٣٢ نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا، وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ رضى الله عنهما. الشرح: قولها: « کنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات))، تريد أنهن كن يسترن وجوههن بغير النقاب على معنى التستر؛ لأن الذى يمنع النقاب أو ما يجرى مجراه على ما ذكرناه، وإضافة ذلك إلى كونهن مع أسماء بنت أبى بكر؛ لأنها من أهل العلم والدين والفضل وأنها لا تقرهن إلا على ما تراه جائزًا عندها، ففى ذلك إخبار بجوازه عندها، وهى ممن يجب لهن الاقتداء بها، وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا بأن تسدل ثوبًا على وجهها، تريد الستر، ولا يجوز أن تسدله لحر ولا لبرد، فإن فعلت ذلك، فعليها الفدية. ما جاء فى الطيب فى الحج ٧١٤ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ لإِخْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. الشرح: قولها رضى الله عنها: ((كنت أطيب رسول الله ﴿ لإحرامه قبل أن يحرم))، ظاهره يقتضى أنها كانت تطيبه بما يقع عليه اسم طيب مما له رائحة، وقد يحتمل أن يكون من الطيب الذى لا تبقى رائحته، وقد روى ذلك مفسرًا أنها قالت: ((طيبت ٧١٤ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٤٣٩. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٠٤٢، ٢٠٥٥، ٢٠٥٨. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٨٤٠. والنسائى فى كتاب الغسل والتيمم حديث رقم ٤١٤، ٤٢٨، وكتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦٣٤، ٢٦٣٥، ٢٦٣٦، ٢٦٣٧، ٢٦٣٨، ٢٦٣٩، ٢٦٤٠، ٢٦٤١، ٢٦٤٢، ٢٦٤٣، ٢٦٤٤، ٢٦٤٥، ٢٦٤٦، ٢٦٤٧، ٢٦٤٨، ٢٦٤٩، ٢٦٥٠، ٢٦٥١، ٢٦٥٢، ٢٦٥٣، ٢٦٥٤، ٠٢٦٥٥ وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٤٨٣. وابن ماجه فى كتاب المناسك ٢٩١٧، ٢٩١٩، ٣٠٧٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٧٦، ٢٣٨٣٥، ٢٤٢٥١، ٢٤٣٠٢، ٢٤٣٤٧، ٢٤٤٠٩، ٢٤٤٦١، ٢٤٥٧٠، ٢٤٦٠٧، ٢٤٦٣٣، ٢٤٧٩٨، ٢٤٨١٣، ٢٤٨٨٤، ٢٤٩٦٦. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٣٣، ١٧٣٤، ١٧٣٥. ٣٣٣ کتاب الحج رسول الله ﴾ لإحلاله وطيبته لإحرامه طيبًا لا يشبه طيبكم هذا()) يحتمل أن تريد ليس لرائحته بقاء، ولعله إنما كان يتطيب قبل إحرامه ثم يدور على نسائه فيغتسل فيذهب ريحه، ثم يغتسل لإحرامه فلا يبقى من رائحته شىء. وقد روى عن عائشة أنها قالت: ((أنا طيبت رسول الله 98 عند إحرامه ثم طاف فی نسائه ثم أصبح محرمًا))(١). وروى عن عائشة أنها قالت: ((كنت أطيب رسول الله ﴿ يطوف على نسائه ثم یصبح محرمًا ینضخ طيبًا))(٢). ويحتمل أن يكون فى الكلام تقديم وتأخير فيكون تقديره فيطوف علی نسائه ينضخ طيبًا ثم يصبح محرمًا كقوله تعالى: ﴿الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا قيمًا﴾ [الكهف: ١] تقديره أنزل الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا، وهذا هو الأظهر لأن النبى ﴿ كان يتطيب لطوافه على نسائه ثم يقيم ليلة ثم يصبح فيغتسل ويحرم ولا يكاد أن يبقى مع هذا ريح الطيب، وقد قدمنا من الأحاديث ما يؤيد هذا التأويل(٣). ومعنى تأويلنا لهذه الأحاديث وما ورد فى معناها أن مالكًا، رحمه الله، لا يجيز لأحد من الأمة استعمال الطيب عند الإحرام إذا كان طيب تبقى له رائحة بعد الإحرام، ولا يدهن بدهن فيه ريح تبقى، ولنا فى الكلام على الأحاديث الواردة فى ذلك طريقان، أحدهما: التأويل على ما قدمناه من الأحاديث، والثانى: تسلميها وإجراؤها (*) أخرجه النسائى فى الصغری حديث رقم ٢٦٨٨. (١) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (٢٧٠) من طريق أبو النعمان قال: حدثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: سألت عائشة فذكرت لها قول ابن عمر ما أحب أن أصبح محرما أنضخ طيبا، فقالت عائشة: ((أنا طيبت رسول الله ... )) فذكره. (٢) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (٢٦٧) من طريق محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبى عدى ويحيى بن سعيد، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال ذكرته لعائشة فقالت: ((يرحم الله أبا عبدالرحمن كنت ... )) فذكره. وأخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١١٩٢). النسائى فى الصغرى حديث رقم (٤٣١). أحمد فى المسند حديث رقم (٢٤٨٩٣) من حديث عائشة. (٣) قال النواوى فى شرح صحيح مسلم: تأول هؤلاء حديث عائشة هذا على أنه تطيب ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام ويؤيد هذا قولها فى الرواية الأخرى: طيبت رسول الله ** عند إحرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرمًا فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده. انظر: شرح مسلم للنووى (٨٠/٨). · کتاب الحج ......... ٠٣٣٤ على ظاهرها، إلا أن ذلك حكم يختص بالنبى ﴿﴿ بدليل ما نذكر بعد هذا فى منع ذلك لغير النبى 1 وقال القاضى أبو الحسن: إن ذلك عند مالك على الكراهية لا على التحريم. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعى: ليس بممنوع لأحد يريد الإحرام. والدليل على منع ذلك لغير النبى ﴿ ما روى عنه ﴿﴿ أنه قال للذى سأله، وقد أحرم بعمرة، وهو لابس جبة مضمخًا بطيب: ((اغسل عنك الطيب، وانزع الجبة، واصنع فى عمرتك ما كنت تصنع فى حجتك)). فأمر السائل بغسل طيب تطيب به قبل إحرامه وخلع مخيط لبسه قبل إحرامه، وهذا نص فى موضع الخلاف، فأما أن يكون ما طیب به څ مما لا تبقى له رائحة بعد الإحرام، فیجمع بین الحدیثین، ويكون حكمه فى ـّ﴾ قبل إحرامه مما تبقى ريحه، فيكون حكمه ذلك حكمها، وأما أن يكون ما تطيب به فى ذلك مخالفًا لحكمها حين أمر الواجد منها بغسله ولم يغسله هو فى حقه، ولذلك معصوم، ونحن غير وجد لأن الطيب من دواعى النكاح المحرم على المحرم، وهو معصومين. فرع: وإن تطيب لإحرامه، فلا فدية عليه لأن الفدية إنما تجب بإتلاف الطيب فى وقت هو ممنوع من إتلافه وهذا أتلفه قبل ذلك، وإنما تبقى منه بعد الإحرام الرائحة، وليس ذلك بإتلاف فتجب به الفدية، ورأيت لبعض فقهاء القرويين: أن من تطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعد الإحرام فهو بمنزلة من تطيب بعد الإحرام لأن استدامته بعد الإحرام کابتداء التطيب به. فإن کان أراد بذلك أنه ممنوع فى الحالتين فهو صحيح، وإن كان أراد به وجوب الفدية، فهو غير صحيح؛ لأن القدية إنما تجب بإتلاف الطيب أو بلمسه، وأما الانتفاع بريحه فلا تجب به فدية، وإن كان ممنوعًا، ولذلك لا تجب الفدية على من مر بالعطارين فشم ریح الطيب والتذ. ٧١٥ - مَالِك، عَنْ حُمَّيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ أَنَّ أَغْرَابيًّا جَاءَ إِلَى ٧١٥ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٦٦٤. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٠١٧. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٦٥. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦١٨، ٢٦٥٩. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٥٥٣. وأحمد فى المسند حدیث رقم ١٧٢٦٩، ١٧٢٨٣. ٣٣٥ کتاب الحج رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ وَعَلَى الأَعْرَابِىِّ قَمِيصٌ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِّى أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِى أَنْ أَصْنَعَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «أَنْزَغْ قَمِيصَكَ وَاغْسِلْ هَذِهِ الصُّفْرَةَ عَنْكَ، وَافْعَلْ فِى عُمْرَتِكَ مَا تَفْعَلُ فِى حَجِّكَ)). الشرح: قوله: ((أن أعرابيا جاء إلى رسول الله (49 بحنين»(١)، يريد منصرفه من حنين بالجعرانة، وهما موضعان متقاربان. وقوله: ((وعلى الأعرابى قميص، وبه أثر صفرة))، الصفرة إذا كانت من غير طيب غير ممنوعة مثل أن تكون من سائر الأصبغة، الصفر غير الزعفران والورس، ولكن الصفرة فيما روى كانت طيبًا، كذلك رواه ابن جريج عن عطاء، فقال: وهو مضمخ بطيب. وهذا الأعرابى أحرم على هذا الوجه وهو غير عالم بالمنع جملة أو غير عالم به فى العمرة، وإن علم بمنعه فى الحج، فلما حاك فى نفسه بخبر مخبر أو بغير ذلك، سأل النبى ٤، فقال: ((إنى أهللت بعمرة، فكيف تأمرنى أن أصنع؟)) هذا السؤال مجمل فى هذا الحديث إذا اختلف حكم ابتداء العمل واستدامته، وذلك أنه لم يبين للنبى هل أحرم على هذه الصفة أو فعل ذلك بعد إحرامه. وقد بين قيس بن سعد ذلك فى حديث عن عطاء أنه أحرم على هيئته تلك، وذلك أنه قال: يا رسول الله إنى أحرمت بعمرة وأنا کما ترى. فصل: وقوله 18: ((انزع قميصك واغسل عنك هذه الصفرة)) أمر له بإزالة ما ينافى الإحرام من اللباس والطيب، وإن كان ذلك مما تلبس به قبل الإحرام لأن الإحرام يمنع استدامتها كما يمنع استدامة استعمالها، والله أعلم. فصل: وقوله : ((واصنع فى عمرتك ما تفعل فى حجتك)) يقتضى أنه علم من حل المسائل أنه عالم بما يفعل فى ذلك الحج وإلا فلا يصح أن يقول له ذلك -قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٩٩/٥: هذا حديث مرسل عند جميع رواة الموطأ فيما علمت ولكنه يتصل من غير رواية مالك من طرق صحيحة ثابتة، عن عطاء بن أبى رباح، وهو محفوظ من حديث يعلى بن أمية، عن النبى (١) قال ابن عبد البر: فالمراد منصرفه من غزوة حنين، والموضع الذى لقى فيه الأعرابى رسول الله ﴿﴿ هو الجعرانة، وهو بطريق حنين بقرب ذلك معروف، وفيه قسم رسول الله 48 غنائم حتین. کتاب الحج ٣٣٦ لأنه إذا لم يعلم ما يفعله فى ذلك الحج لم يمكنه أن يمثله المعتمر، ويجب أن يكون ما أمره بأن يفعل فيه ما يفعله الحاج غير ما أمره من إزالة القميص وغسل الصفرة لأن نزع القميص وغسل الصفرة قد نص له عليهما، فلا معنى أن ينصرف. قوله: ((وافعل فى عمرتك ما تفعل فى حجتك)) إليهما لأن ما تقدم من قوله فيهما أبين من هذا اللفظ الثانى. والوجه الآخر أنه قد عطف هذا اللفظ الثانى على النزوع والغسل فالظاهر أنهما غيرهما، ولا شىء يمكن أن يشار إليه فى ذلك إلا الفدية، والله أعلم، ولا يقتضى ذلك إثبات الفدية ولا نفيها وإنما أحاله على من قد علم من حال من أحرم بالحج. وقد أجاب أصحابنا فى هذه المسألة بأنه لا فدية عليه لأنه إنما أتلف الطيب قبل الإحرام. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والذى عندى أن الفدية عليه لما لبس من القميص، إن كان استدام مدة تجب بها الفدية، والله أعلم. ٧١٦ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ، وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ، فَقَالَ: مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ: مِنِى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: مِنْكَ لَعَمْرُ اللّهِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ أُمَّ حَبِيَةَ طَّْنِى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ فَلْتَغْسِلْهُ. الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب وجد ريح طيب، وهو بالشجرة، فقال: ممن ريح هذا الطيب)) فى ذلك الموضع، لأنه كان فى ركب محرمين، والشجرة موضع بطريق المدينة، إلى مكة فأنكر ريح الطيب فيه، فسأل عنه، فقال معاوية: ((منى يا أمير المؤمنين))، وذلك أن معاوية لم يكن عنده مما ينكر فى ذلك الموضع إلا لمن ابتدأه فيه، فقال له عمر: (منك لعمر الله))، على معنى الإنكار عليه، فقال معاوية: ((إن أم حبيبة طيبتنى))، ليعلمه أن التطيب كان بالمدينة، ولعله أن أم حبيبة مع علمها، ومعرفتها بأحوال النبى ﴿ وأفعاله لمحلها منه قد وافقته على هذا الرأى، فقال له: ((عزمت عليك لترجعن فلتغسلنه))، فمنعه بذلك من استدامة ما كان عليه، ولم ير فيه رأيه ولا رأى أم حبيبة. ٧١٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٩٠. البيهقى فى السنن الكبرى ٣٥/٥، ومعرفة السنن والآثار ٩٤٨٨/٧. ٣٣٧ كتاب الحج . ولا بد أن يكون عند عمر رضى الله عنه فى ذلك توقيف من النبى ﴿﴿ أو علم من أين قالته أم حبيبة، فلم يرض فى ذلك تأويلها ولا صح عنده وجه استدلالها، ولعلها فعلت ذلك يمثل خبر عائشة ((كنت أطيب رسول الله ﴿﴿ لإحرامه قبل أن يحرم)) فمنع معاوية من التعلق بفعلها والأخذ فى ذلك برأيها وإنما جاز ذلك لعمر بن الخطاب وإن كان معاوية وأم حبيبة من أهل العلم والاجتهاد، والمسألة مسألة اجتهاد، ولم ينقل فى ذلك نص يرد ما ذهبنا إليه لأنه كان الإمام الذى يختار للناس ويلزمهم الرجوع إلى اجتهاده، وله أن يأخذ الناس بما يراه الصواب فيما ظهر إليه من أقولهم وأفعالهم. ٧١٧ - مَالِك، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ زُبَيْدٍ، عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَحَدَ رِيحَ، طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّحَرَةِ، وَإِلَى خَنِْهِ كَثِرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَقَالَ عُمَرُ: مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ كَثِيرً: مِنِّى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَبَّدْتُ رَأْسِى، وَأَرَدْتُ أَنْ لا أَحْلِقَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَاذْهَبْ إِلَى شَرَبَةٍ، فَاذُلُكْ رَأْسَكَ خَتَّى تَنْقِيَّهُ، فَفَعَلَ كَثِيرُ بْنُ الصَّلَّتِ. قَالَ مَالِك: الشَّرَّبَةُ حَقِيرٌ يَكُونُ عِنْدَ أَصْلِ النّخْلَةِ. الشرح: يحتمل أن يكون هذا جرى لعمر مع معاوية وكثير فى سفرين مختلفين، وذلك أن الشجرة موضع يقرب من الميقات، فمن جوز التطيب لمن يريد الإحرام صحبه ريح الطيب إلى ذلك المكان، فكان عمر رضى الله عنه لفرط تفقده لأمور المسلمين واهتباله بأديانهم ومراعاته لها كان يتفقد هذا المعنى منهم فى جميع أسفاره لعلمه بمخالفة من يخالفه فى ذلك، ويواظب على حملهم على ما هو الأفضل عنده والأصوب له، ويحتمل أن يكون ذلك فی سفر واحد. فصل: وقول كثير: ((لبدت رأسى وأردت أن أحلق))، التلبيد أن يضفر رأسه بصمغ وغاسول یلصق فیقتل قمله ولا یتشعث، قاله ابن المواز وغيره، وكان كثير جعل فیما ◌َّد به رأسه طيبًا، وكثيرًا ما يستعمله كذلك من لا يريد الإحرام، وكان كثير لما أراد الحلاق لَّد بما فيه طيب لأن التلبيد يلزم الحلاق، فأمره عمكر أن يذهب إلى شربة، وهى مستنقع الماء عند أصل النخلة، فيغسل بها رأسه حتى يزيل عنه الطيب، والله أعلم. مسألة: والأظهر أنه لا تلزمه فدية، بغسل الطيب لأن الهدية إنما تحب بإتلاف الطيب ٧١٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٩١. كتاب الحج ٣٣٨ حال الإحرام، وهذا أتلفه قبل الإحرام إلا أن يكون من الكثرة بحيث بقى منه ما تجب الفدية بإتلافه أو لمسه، فتجب بذلك الفدية. ٧١٨ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدٍ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بَعْدَ أَنْ رَمَى الْحَمْرَةَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يُفِيضَ عَنِ الطِّيبِ فَنَهَاهُ، سَالِمٌ وَأَرْخَصَ لَهُ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَّابِتٍ. الشرح: سؤال الوليد بن عبدالملك عن التطيب بعد الحلاق، يحتمل أن يكون لما بلغه من الاختلاف فى التطيب للإحرام، فلما سأل وجد الخلاف فيه كالخلاف فى التطيب قبل الإحرام، ومذهب مالك المنع من ذلك ومن دواعى النكاح، قال: ومن رمى جمرة العقبة فقد حل له كل شىء إلا النساء والطيب والصيد، فإذا أفاض، حل له كل شىء. مسألة: فمن تطيب قبل أن يفيض فلا فدية عليه لأنه قد وجد منه أحد التحللين. ووجه آخر أنه محل اختلف فى استباحة استعمال الطيب فيه، فلم يجب فدية. أصل ذلك التطيب للإحرام. قَالَ مَالِك: لا بَأْسَ أَنْ يَدَّهِنَ الرَّجُلُ بِدُهْنٍ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَقَبْلَ أَنْ يُفِيضَ(١) مِنْ مِنِّى بَعْدَ رَمْىٍ حَمْرَةِ العقبة. الشرح: وهذا كما قال أن له أن يدهن قبل إحرامه بدهن غير مطيب لأنه ليس فى ذلك أكثر من التنظيف، وذلك جائز قبل الإحرام كغسل رأسه بالغاسول أو نحوه وإنما يكره له الدهن المطيب قبل إحرامه لبقاء رائحة طيبه، وللإدهان المحرم ثلاثة أحوال، أحدها: قبل الإحرام، وقد ذكرناه، والثانى: بعد رمى جمرة العقبة وقبل الإفاضة، فلا بأس به، بدهن غير مطيب لأنه ليس فى الادهان حينئذ أكثر من إزالة الشعث، وذلك مباح له، وأما الدهن المطيب فحكمه حكم الطيب. ٧١٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٩٢. وقال فى الاستذكار: لم يختلف عن خارجة فيما حكاه عنه مالك فى موطئه، واختلف عن سالم فروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، وربنا قال: عن أبيه، وربما لم يقل، قال عمر: إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقنم فقد حل لكم كل شىء حرم عليكم إلا النساء والطيب. (١) الإفاضة: الخروج باندفاع وسرعة، والمراد الطواف. ٠ ٣٣٩ .... كتاب الحج . مسألة: وأما الحالة الثالثة: فبعد الإحرام وقبل وجود شىء من التحلل، فإن الادهان حينئذ ممنوع بدهن مطيب وغير مطيب، وروى ابن حبيب عن الليث إباحة ذلك ما يجوز له أكله من الادهان، وقال: إنه قول عمر وعلىّ رضى الله عنهما. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذا معنى ينافى الشعث، فمنع منه المحرم كالتطيب والتنظف فى الحمام. فرع: فإن فعل شيئًا من ذلك، فقد روى ابن حبيب عن مالك أن عليه الفدية، واختار ابن حبيب أن لا فدیة علیه. وجه قول مالك أن هذا معنى ينافى الشعث ويزيله، فوجب على المحرم باستعماله الفدية كغسل رأسه بالغاسول ودخوله الحمام. ووجه قول ابن حبيب إسقاط الفدية لظهور الخلاف فى إباحته. سُئِلَ مَالِك عَنْ طَعَامٍ فِيهِ زَعْفَرَانْ هَلْ يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا تَمَسُّهُ النَّارُ مِنْ ذَلِكَ، فَلا بَأْسَ بِهِ أَنْ يَأْكُلَهُ الْمُحْرِمُ، وَأَمَّا مَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ مِنْ ذَلِكَ، فَلا يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ. الشرح: وهذا كما قال أن الزعفران وغيره من أنواع الطيب إذا خلط بمأكول وأنضج بالنار لا بأس أن يأكله المحرم هذا الذى ذكره مالك في الموطأ ونحوه فى المدونة. وقد روى ابن عبدالملك فى مختصره الكبير عن مالك: لا بأس أن يأكل المحرم الخبيص والخشكنان وما طبخته النار من الزعفران. قال الشيخ أبو بكر: إنما قال ذلك لأن النار قد غيرت فعل الطيب الذى فى هذه الأشياء، فجاز له أكلها، وكذلك إذا أكل أو شرب شيئًا فيه طيب قد استهلك حتى لا يرى فيه أثر ولا رائحة، فأما إذا بقى له أثر صبغ أو رائحة فتلزمه به الفدية. وقد روى ابن المواز: لا شىء على المحرم فى شربها. قال مالك: وتكره الدقة الصفراء والأشنان الأصفر والشراب الذى فيه الكافور. قال الشيخ أبو بكر: لأن الطيب فى غير هذه الأشياء مستهلك ولا هى معمولة بالنار، فعلى المحرم يتناولها، الفدية، فبين أن المطبوخ بالنار لا يعتبر بأن يكون الزعفران غلب عليه وإنما يعتبر ذلك فيما خلط بغيره ولم تمسه النار. وقال القاضى أبو محمد: ما كان من الطعام فيه طيب أو زعفران قد مسته النار کتاب الحج ٣٤٠ كالخبيص والخشكنان، فلا بأس أن يأكلها المحرم لأنه بالطبخ قد خرج عن أن يكون طيبًا ولحق بالطعام، ولأنه فى وقت أكله متلف باستهلاكه وغلبة الطعام وهو وإن كان لم يحرر القول فقد بين أن إباحة ذلك لمعنيين، أحدهما: الطبخ، والثانى: غلبة ما مازجه عليه وأراد بالاستهلاك غلبة الممازج عليه مع بقاء عينه، والاستهلاك الذى أباحه الشيخ أبو بكر فى إباحة ما لم تمسه النار، وإنما هو عدم العين جملة. وقال القاضى أبو محمد فى الاستهلاك الذى اعتبره فيما مسته النار: أنه لا فدية فى تناوله، وأما إذا لم تمسه النار، ففيه روايتان، إحداهما: وجوب الفدية، والثانية: نفيها. وقال ابن حبيب عن مالك: إنما ذلك إذا مسته النار حتى لا يلصق باليد منه شىء كالخبيص والخشكنان، فأما الفالوذ والدقة وما أشبهها مما يلصق زعفرانه باليد والشفة فيصبغها فلا يأكله المحرم. وأشار إليه ابن المواز: والفالوذ الذى ذكر لا يلصق زعفرانه بيد ولا شفة وإنما يكون ذلك فيما طبخ من الأمراق كالسكباج وما أشبهه، فأجمع أصحابنا على أن للنار تأثيرًا فى الإباحة، فعلى رواية الشيخ أبى بكر: يؤثر إذا كان على صفة لا يعلق بالید. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن المعانى المعتبرة فى استهلاك الطيب على ما ذكره الشيخ أبو بكر: اللون والرائحة. وذكر ابن المواز: اللون والطعم، فيحتمل أن يعتبرا جميعًا الثلاث الصفات على حسب ما يعتبر فى المياه، ويحتمل أن يعتبر كل واحد منهما ما انفرد بذكره دون ما ذكره الآخر، فیکون وجه قول الشيخ أبى بكر أن الطيب مقصوده الرائحة دون الطعم، ويكون وجه قول محمد أنه لما انتقل إلى حكم الطعام اعتبر فيه الطعام، والله أعلم وأحكم. مواقيت الإهلال ٧١٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((يُهِلُّ ٧١٩ - أخرجه البخارى فى كتاب العلم حديث رقم ١٣٠، وكتاب الحج حديث رقم ١٤٢٥، ١٤٢٨، ١٤٣٠، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ٦٧٩٨. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٠٢٤، ٢٠٢٥، ٢٠٢٦، ٢٠٢٧. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٦١، ٨٣١. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦٠١، ٢٦٠٤٢، ٢٦٠٥، ٢٦٥١، ٢٦٥٢، ٢٦٥٥. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٤٧٦، ١٧٣٧. وابن ماجه فى كتاب= ٣٤١ كتاب الحج أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الْخُلْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْحُحْفَةِ، وَيُّهِلُّ أَهْلُ نَحْدٍ مِنْ قَرْنِ)). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَبَغَنِى أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: ((وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمَّلُّمَ)(١). الشرح: قوله ﴿15: ((يهل أهل المدينة من ذى الحليفة)) توقيت منه ﴿﴿ لأهل كل بلد وجهة موضع إحرامهم، ومعنى ذلك أنه لا يجوز تأخير الإحرام لمريد النسك عن ذلك الموضع إلا لضرورة، ولا خلاف فى ذلك لمن أراد النسك، وأما من لم يرده وأراد دخول مكة، فإنه على ضربين، أحدهما أن يكون دخوله مكة يتكرر كالأكرياء والحطابين، فهؤلاء لا بأس بدخولهم مكة بغير إحرام، ولا خلاف فى ذلك لأن المشقة تلحقهم بتكرر الإحرام والإيتان بجميع النسك. مسألة: والضرب الثانى أن يندر دخوله مكة، فهذا قد اختلف الناس فيه، فقال مالك: لا يجوز له دخول مكة بغير إحرام. وقال الزهرى: يجوز له ذلك. والدليل لقول مالك أن هذا قاصد مكة لا يتكرر دخوله إليها، فلزمه الإحرام كالقاصد للنسك، واستدل الزهرى فى ذلك ما رواه عن أنس ((أن رسول الله ﴾ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر))(٢). قال: فلو كان حرامًا لما كان على رأسه المغفر. =المناسك حديث رقم ٢٩٠٥، ٢٩١٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٢٢٣، ٤٣٢٧، ٤٣٥٦، ٤٨١٥، ٤٨٢٦، ٤٨٤٣، ٤٨٦٥، ٤٩٢٥، ٥٠٧١، ٥٢٣٥، ٥٢٧٣، ٥٨٦٦، ٥٩١٦، ٥٩٧٥، ٦١٠١. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٢٣، ١٧٩٠. والبيهقى فى الكبرى ٢٦/٥ عن ابن عمر. والطيرانى فى الكبرى ١٤/١١ عن ابن عباس. والبغوى بشرح السنة ٣٥/٦. وذكره فى الكنز برقم ١١٩٠٣ وعزاه السيوطى لأحمد والترمذى والنسائى عن ابن عمر. (١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣١٢/٥: هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ عن مالك، فيما علمت. وكذلك رواه أصحاب نافع كلهم عن نافع، عن ابن عمر. وكذلك رواه عبدالله بن دينار، عن ابن عمر. وكذلك رواه ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن النبى 49 مثله سواء. اتفقوا كلهم على أن ابن عمر لم يسمع من النبى 48 قوله: ويهل أهل اليمن من يلملم. انتھی. ويلملم: بفتح المثناة تحت واللامين، وهو جبل من جبال تهامة. (٢) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٨٤٦). الترمذى حديث رقم (١٦٩٣). النسائی فی الصغری حدیث رقم (٢٨٦٨). أبو داود حديث رقم (٢٦٨٥).