النص المفهرس
صفحات 1301-1320
٣٠٢ كتاب الزكاة ... فصل: وقوله: ((من رمضان))، اختلف أصحابنا فى تأويل ذلك، فقال بعضهم: إن ابتداء الفطر من آخر أيام رمضان؛ لأنه فى أول زمن من شوال. وقال بعضهم: هو الفطر يوم الفطر؛ لأنه هو الفطر من رمضان، وهو الذى يخالف حكم الصوم فيه، وأما الفطر فى أول ليلة من شوال، فإنه ليس فطر من رمضان؛ لأنه لا ينافى صوم ما بعده. فصل: وقوله: ((صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير))، ذكر لما يجوز إخراجه فى صدقة الفطر، ولا خلاف فى جواز إخراج التمر والشعير فى زكاة الفطر، وأن المقدار المخرج منه هو صاع، والصاع أربعة أمداد مد النبى 48 وفيه رطل وثلث، فالصاع خمسة أرطال وثلث، هذا مذهب أهل المدينة، وإليه ذهب مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة: المد رطلان، والصاع ثمانية أرطال. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك نقل أهل المدينة المتصل، رواه خلفهم عن سلفهم، وورثه أبناؤهم عن آبائهم أن هذا المد هو مد النبى 188، وبهذا احتج مالك، رحمه الله، على أبى يوسف بحضرة الرشيد، واستدعى أبناء المهاجرين والأنصار، فكل أتى بعد زعم أنه أخذه عن أبيه أو عن عمه أو عن جاره مع إشارة الجمهور إليه واتفاقهم عليه اتفاقًا يوجب العلم. ويقطع العذر كما لو أن رجلاً دخل بلدًا من بلاد المسلمين، وسألهم عن مدهم الذى يتعاملون به اليوم، والذى تعاملوا به منذ عام أو عامين، وأشار إليه عدد كثير لوقع إليهم العلم الضرورى كما وقع لأبى يوسف، ولذلك رجع عن موافقة أبى حنيفة بغلبة الظن إلى موافقة مالك لما وقع له من العلم. فصل: وقوله: ((صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر))، أو هاهنا على قول جماعة أصحابنا لا يصح أن تكون للتخيير، وإنما هى للتقسيم، ولو كانت للتخيير لاقتضى أن يخرج الشعير من قوته غيره من التمر مع وجوده، ولا يقول هذا أحد منهم فتقديره صاعًا من تمر على من كان ذلك قوته، أو صاعًا من شعير على من كان ذلك قوته. فصل: وقوله: ((على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى))، ذهب أصحابنا إلى أن على هاهنا بمعنى عن، وقد تقدم بيانه، ويؤيد ذلك أنه قال: ((على كل عبد))، والعبد لا يجب عليه شىء من ذلك، وإنما يجب على سيده عند هذا الذى ذكره فقهاء الأمصار، وحكى عن داود أنه لا يجب إخراج الفطرة عن عبده، وإنما يخرجها العبد عن نفسه. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى وجهًا آخر، وهو أن تكون ٣٠٣ کتاب الزكاة . على معناها على قول من قال: إن زكاة الفطر تجب على العبد، ولكن يتحملها عنه السيد. وأما على قول من قال: إنها تجب على السيد ابتداء، فإنه أيضًا يحتمل أن يطلق هذا اللفظ، وإن كان الغرم يلزم السيد دون العبد، ولذلك يقال يلزمك على كل دابة من دوابك درهم، وعلى كل ناقة من إبلك بحارسها درهم. فصل: وقوله: ((من المسلمين))، يقتضى اختصاص هذا الحكم بالمسلمين؛ لأن قيد الحكم بهذه الصفة ولم يطلقه، والأصل براءة الذمة، فيجب استصحاب ذلك حتى يدل الدليل على إشغالها بالشرع، وعلى أن فى الحديث ما يدل على اختصاص هذا الحكم بالمسلمين، وانتفائه عن غيرهم، وذلك أن رسول الله ﴾ سمى ما يخرج زكاة، والزكاة إنما هى تطهير للمسلمين، قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]، فلا تعلق لها بالكفار؛ لأنها لا تطهرهم ولا تزكيهم. فإن قيل إن التقييد بصفة الإسلام. إنما حصل فيمن تجب عليه الزكاة، لا فيمن تحب عنه، ولذلك تكون طهرة وزكاة. فالجواب إن التقييد ورد فى الحديث بعد ذكر من تجب عليه، ومن لا تجب فيجب أن تصرف إلى جميعهم، ولو قلنا: إنها تنصرف إلى جميعهم دون بعض لكان انصرف ذلك إلى من تجب عنه أولى؛ لأنه أقرب مذكور إلى هذه الصفة. والناس بين قائلين، قائل يقول: إن الصفات والتقييد والاستثناء ينصرف إلى جميع المذكور، وطائفة تقول: ينصرف ذلك إلى أقرب مذكور دون غيره، ولا أحد يقول: إنها تنصرف إلى أبعد مذ کور دون أقربه. وجواب ثان، وهو أن من تجب عليه حجة لنا إذا اعتبر الإسلام فيمن يجب عليه يلزم أن یعتبر فیمن يخرج عنه؛ لأنه أحد نوعی من یتعلق به وجوب الزكاة. ٦٩٣ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ الْعَامِرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِئَّ يَقُولُ: كُنَا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ ٦٩٣ - أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٤١٠. ومسلم حديث رقم ١٦٤٣. والترمذى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٦٠٩. والنسائى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٢٤٦٢، ٢٤٦٣، ٢٤٦٤، ٢٤٦٥، ٢٤٦٨، ٢٤٦٩. وأبو داود فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٧٧، ١٣٧٨. وابن ماجه فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٨١٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٠٧٥٣، ١١٢٧٣، ٠١١٤٩٦ والدارمى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٦٠٤، ١٠٦٥. کتاب الزكاة ٣٠٤ ◌َعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، وَذَلِكَ بِصَاعِ النِّىِّ ﴿﴾. الشرح: قوله: ((كنا نخرج زكاة الفطر))، يلحق عند أكثر أهل العلم بالمسند، وهو مذهب مالك والشافعى؛ لأن الصحابى إذا أخبر بفعل من الشرع، وأضاف ذلك إلى زمن النبى ﴿﴿، فالظاهر أنه أضافه إلى زمن النبى ﴿﴿ على أن هذا الحديث، رواه داود بن قيس عن عياض بن عبدالله، فقال: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﴾ زكاة الفطر، فذكره، فصرح برفعه، فإذا كان الأمر المضاف مما يظهر ويتبين ولا يخفى مثله على النبى ﴿)، ولم ينكره وأقر عليه، فإنه حجة؛ لأنه ﴿﴿ لا يقر على المنكر، وإخراج زكاة الفطر يكثر المخرجون لها والآخذون، ويتكرر ذلك حتى لا يمكن أن يخفى أمرها عن النبى ﴿﴿ وهو بين أظهرهم فثبت أن الخبر حجة، وأنه مسند. فصل: وقوله: ((صاعًا من طعام))، والطعام فى كلام العرب واقع على كل ما يتطعم، ولكنه فى عرف الاستعمال واقع على قوت الناس من البر، وهذا يدل على أن إخراج البر فى زكاة الفطر جائز، وإلى هذا ذهب جماعة الفقهاء، وقال بعض من لا يعتد بخلافه من أهل الظاهر: لا يجزئ إخراج البر فى الزكاة، وهذا خلاف لا يعتد به؛ لأنه خلاف الإجماع. ، والدليل على ما نقوله حديث أبى سعيد هكذا: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، والطعام إذا أطلق توجه بعرف الاستعمال إلى البر، يدل على ذلك أن القائل: اذهب بنا إلى سوق الطعام، لا يفهم منه سوق الجزارين، ولا سوق الزيت، ولا سوق شىء من الأطعمة إلا البر. فإن قيل هذا اللفظ يستعمل فى الشعير على حسب ما يستعمل فى البر. فالجواب أن مثل هذا لا ينطلق على سوق الشعير إذا انفرد، وإنما ينطلق على سوق القمح والشعير على سبيل التبع للقمح. وأما سوق الشعير إذا انفرد، فإن هذا الاسم لا ينطلق عليه. ووجه ثان أنه قال: صاع من طعام أو صاع من شعير، فصرح أن المراد بالطعام غير الشعير كما بين أن المراد بالشعير غير ما بعده لما أورد بينهما لفظ التقسيم أو التخيير، ولا یقسم الشیء فی نفسه کما لا یخیر بینه وبین نفسه. فإن قيل، فقد روى حفص بن ميسرة هذا الحديث عن زيد بن أسلم، فقال: كنا ٠٠ ....... ٣٠٥ کتاب الزكاة تخرج فى عهد رسول الله ◌َ﴾ يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر، إن ذلك كان قوتهم الغالب فى ذلك الزمان، ولا يدل على أن اسم الطعام ينطلق عليه. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن زكاة الفطر تخرج من القوت، وقد اختلفت الرواية عن مالك فيما يجزئ إخراجها عنه، فقال مالك فى المختصر: يؤديها من كل ما تجب فيه الزكاة إذا كان ذلك من قوته. وروى عنه ابن القاسم فى كتاب ابن المواز: تؤدى من تسعة أشياء: القمح والشعير والسلت والأرز والدخن والذرة والزبيب والأقط والتمر. زاد ابن حبيب: العلس، فجعلها عشرة. وقال: إن أخرج الدقيق بريعه أجزأه، وكذلك الخبز. وقال أشهب: لا تجزئ الأربعة التى فى حديث الشعير والتمر والزبيب والأقط، إلا أن الشعير يدخل معه القمح والسلت لأنهما جنس واحد، وهذه معان تبين القول فى جواز إخراجها، ثم تبين بعد ذلك صفة إخراجها. فأما القمح فقد تقدم الكلام فيه والشعير ثابت ذكره فى حديث أبى سعيد، وقد انفرد عبدالعزيز بن أبى داود، عن نافع، عن ابن عمر بقوله: كان الناس يخرجون عن صدقة الفطر فى عهد رسول الله ﴿﴿ صاعًا من شعير أو تمر أو سلت أو زبيب، وليس السلت بمحفوظ فی حدیث نافع. والذى يعول عليه فى جواز إخراجه أنه حب من جنس القمح تجزئ فيه الزكاة كالشعير وأيضًا فإن القمح والسلت والشعير جنس واحد، أفضله القمح، وأوسطه السلت، وأدونه الشعير، فإذا كان يجزئ إخراج الشعير، وهو الأدون، فبأن يجزئ إخراج القمح، وهو الأفضل، والسلت هو الأوسط، أولى وأحرى. مسألة: وأما العلس، فقد قدمنا اختلاف أصحابنا فى إلحاقه بالقمح والشعير والسلت والكلام فى إخراجه فى زكاة الفطر مبنى على ذلك، فإن قلنا إنه من جنس القمح والشعير ألحق به على معنى الجنس. وإن قلنا إنه من غير جنسه ألحق به بالقياس. مسألة: وأما التمر، فلا خلاف فى كونه مجزئًا، وهو ثابت فى حديث ابن عمر وحديث أبى سعيد. وأما الزبيب فلا خلاف فى جواز إخراجه بين فقهاء الأمصار. وحكى عن بعض المتأخرين المنع من ذلك، وهو محجوج بالإجماع قبله. کتاب الزكاة ٣٠٦ .. والدليل على ما ذهب إليه الجمهور خبر أبى سعيد المتقدم، وفيه: أو صاعًا من زبيب. ومن جهة القياس أن هذه ثمرة تجزئ الزكاة فى عينها وعند كمال نمائها تقتات غالبًا، فجاز إخراجها فى زكاة الفطر. مسألة: وأما الأقط، فإن إخراجه جائز، وللشافعى فى ذلك قولان، أحدهما: مثل قولنا. والثانى: أنه لا يجزئ. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك حديث أبى سعيد المتقدم، وفيه: أو صاع من أقط. ودليلنا من جهة القياس أن معنى يجزئ فيه الصاع يقتات غالبًا يستفاد من أصل تجب فى عينه الزكاة، فجاز إخراجه فى زكاة الفطر كالحبوب. مسألة: وأما الأرز، والذرة والدخن، فإنه لا يجوز إخراجها عند أشهب، ويجزئ عند مالك. وجه قول مالك ما قدمناه من أنه حب يقتات غالبًا تجزئ فى عينه الزكاة يوم تمامه، فجاز إخراجه فى الزكاة كالقمح والشعير. ووجه قول أشهب أنها ليست من جنس المنصوص عليه، فلم يجز إخراجها كاللحم. مسألة: وأما القطانى، الحمص والعدس والجلبان، فهل يجزئ إخراج الفطرة منها أم لا؟ قال مالك فى المختصر: يخرج من کل ما تجب فيه الزكاة إذا کان ذلك قوته. وروى عنه ابن القاسم: لا يخرج من القطانى، قال ابن حبيب: وإن كان قوته. وجه القول الأول أن هذا حب يقتات غالبًا تجزئ فى عينه الزكاة، فجاز إخراجه فى زكاة الفطر كالقمح والشعير. ووجه الرواية الثانية أن هذه حبوب تستعمل غالبًا بمعنى التأدم، وإصلاح الأقوات، فلم يجز إخراجها فى زكاة الفطر كالإبزار. مسألة: وأما الدقيق، فقد قال مالك: لا يجزىء إخراجه. وقال ابن حبيب: إنما ذلك للريع، فإذا أخرج بمقدار ما يريع القمح أجزاً، وقاله أصبغ. ووجه قول مالك أن زكاة الفطر مقدرة، ومقدار الريع غير مقدر، فلو جوزنا إخراج الدقيق بالربع لأخرجناها عن التقدير الذى فرضها النبى ﴿ وأوجبه إلى الحزر والتخمين الذى يتنافى الزكاة، ولكان لا يطلق على ما يخرج اسم صاع، والنبى ﴿﴿ قد علق حكمها بهذا الاسم. ووجه قول ابن حبيب أن يكون الصاع قد جرى فى الحنطة ثم يطحن بعد ذلك، فإن هذا لا يخرجه عن التقدير إلى الحزر والتخمين. ............... کتاب الزكاة مسألة: وأما التين، فقال مالك: لا يخرج فى زكاة الفطر، وقد ترجح فيه فى المستخرجة، وهذا على قوله: إن الزكاة لا تجزئ فيه، وأن الربا لا يتعلق به، وذلك أنه لم يره من الأقوات لما لم یکن بلد یقتات فیه. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والصواب عندى أنه من الأقوات، وأن تجزئ فيه الزكاة والربا ويخرجه فى زكاة الفطر من يتقوته، والله أعلم وأحكم. مسألة: إذا ثبت ذلك، فهذه الأقوات بعضها أرفع من بعض، فعلى أهل كل بلد أن يخرجوا من غالب قوتهم وأكثر ما يستعمل فى جهتهم، فإن كان رجل يقتات بغير ما يقتات به أهل بلده فينظر، فإن اقتات أفضل من قوتهم، فالأفضل له أن يخرج من قوته. فإن أخرج من قوة بلده أجزأه؛ لأنه هو الذى يلزمه، وما زاد على قوت الناس، فإنما هو بمعنى الترفه والتفكه، فليس عليه إخراجه، وإن كان يقتات دون قوت الناس، فلا يخلو أن يكون ذلك من عسر أو بخل، فإن كان من عسر لم يلزمه غير قوته؛ لأنه غير واجد لأ کثر منه. وإخراج الزكاة يتعلق بالوجود لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]، فإن كان يفعل ذلك لبخل، لزمه أن يخرج زكاة الفطر من قوت الناس؛ لأن حق الزكاة يتعلق بذلك فتقصيره هو فى نفسه لا يسقط عنه الزكاة. وقال ابن حبيب: الحنطة والشعير والسلت جنس واحد، فمن أكل الحنطة وأخرج الشعير أو السلت أجزأه. وجه قول مالك أن هذه زكاة، فإن تعلق بنوع لم يجزأ دون منه. أصل ذلك من وجبت عليه زكاة حنطة لا يجزيه أن يخرج عنها حنطة رديئة. ووجه قول ابن حبيب، قال القاضى أبو محمد: ظاهر الحديث صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، ((أو)) تقتضى التخيير، وهذا الذى حكاه القاضى أبو محمد فيه نظر؛ لأن ابن حبيب لا يجيز التخيير من المذكور فى الحديثين، وإنما يجيز التخيير بين القمح والشعير، وهو مذكور فى الحديث وبين القمح والسلت، وليس بمذكور فى الحديث، وأما التمر والأقط والزبيب المذكور ذلك فى الحديث مع الشعير، فلا نرى فيها التخيير. قال ابن حبيب: وأما الستة الأصناف الباقية، فليخرج من بدله، فإن أخرج من عينه لم يجزه. ٣٠٨ کتاب الزكاة ٦٩٤ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يُخْرِجُ فِى زَكَاةِ الْفِطْرِ إِلا التّمْرَ إِلا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ شَعِيرًا. الشرح: قوله: ((كان لا يخرج فى زكاة الفطر إلا التمر))؛ لأنه كان قوته وقوت أهل بلده بالمدينة، فلذلك كان يرى أن لا يجزيه غير التمر، وكان يقتصر على إخراجه، ويحتمل أنه كان يخرجه مع التمكن من الشعير ويقوت به؛ لأنه كان يرى التمر أفضل منه، وإن كان الشعير يجزيه. وقد قال أشهب: أحب إلىّ أن يخرج بالمدينة التمر. ووجه ذلك أنه أفضل أقواتهم؛ لأنه لا يكاد يقتات فيها إلا التمر أو الشعير، وأما اقتيات القمح فنادر، وإنما أخرج ابن عمر الشعير مرة واحدة إذ أعوزه التمر، وكذلك رواه أيوب عن نافع أنه قال: كان عبدالله يعطى التمر، فأعوز أهل المدينة التمر عامًا، فأعطى شعيرًا. قَالَ مَالِك: وَالْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا وَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْعُشُورِ كُلُّ ذَلِكَ بِالْمُدِّ الأَصْغَرِ مُدِّالنّبِىِّ ﴿ إِلا الظِّهَارَ(١) فَإِنَّ الْكَفْارَةَ فِيهِ بِمُدِّ هِشَامٍ، وَهُوَ الْمُدُّ الأَعْظَمُ. الشرح: وهذا كما قال أن الكفارات كلها غير كفارة الظهار، إنما تخرج بمد النبى ﴾ إما مد لكل إنسان، وإما مدان على حسب ما أثبته الشرع. وقوله: ((وزكاة العشور))، إنما يريد أن اعتبار النصب، إنما هو بمد النبى ﴿3﴾، وكذلك زكاة الفطر الاعتبار بما يخرج إنما هو بالمد المذكور. وأما الظهار، فإن الكفارة فيه يمد هشام بن إسماعيل، وقد اختلف أصحابنا فى مقداره، فمنهم من قال: مدان إلا ثلث، بمد النبى ﴿﴾ ومنهم من قال: مدان به، وإنما قدر مالك كفارة الظاهر به لما رأى أنه مقدار يجزى إلا أن الشرع، ورد بمد هشام؛ لأن الشرع قد كان قبل هشام، وسیأتی الكلام على هذا الفصل فى الظهار، إن شاء الله تعالى. ٦٩٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٩٠. (١) الظهار: قول الرجل لزوجته: أنت علىّ كظهر أمى. ........... ٣٠٩ كتاب الزكاة وقت إرسال زكاة الفطر ٦٩٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ بِرَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى الْذِى تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ. الشرح: قوله: ((كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذى تجمع عنده))، يريد أنه کان يبعث بها إليه لتكون عنده إلى أن يجب خروجها، فيخرجها عنه، وذلك يقتضى أنه كان نصب لها الإمام أو من كان إليه الأمر رجلاً يرسل إليه بها، فتجتمع عنده حتى يضعها فی وقتها حیث رأی. قال مالك: وإذا كان الإمام عدلاً، فإرسالها إليه أحب إلىّ، وذلك أن أهل الحاجة والفاقة إنما يقصدون الإمام، ويطلبون منه لكون بيت المال بيديه، فإذا كان من أهل العدل، فدفع هذه الحقوق إليه أولى ليضعها فى نوائب المسلمين، وما يعتريه من ضروراتهم، ومواضع حاجتهم. مسألة: فإن أخرجها من هى عليه دون أن يرسلها أجزأته؛ لأنها ليست من الأموال الظاهرة التى يبعث إلى الإمام فيها، وإنما هى إلى أمانة من يخرجها. مسألة: ولا يرسل الإمام فيها من يطلب الناس بها كما يفعل فى زكاة الماشية والثمار والحبوب، وإنما ينصب لذلك من يثقه من أهل الدين والفضل، فمن شاء أن يرسل إليه فطرته قبضها، ومن ولى إخراجها لم يطلب منه شيئًا، ولا يجوز لمن وليها عن نفسه أن يخرجها قبل وقت وجوبها، هذا المشهور من مذهب مالك. وروى عن ابن القاسم: إن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه، وبه قال أصبغ، وهذا مبنى على أن الزكاة يجوز إخراجها قبل وقت وجوبها، وقد تقدم ذكره. قَالَ مَالِك: إِنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْعِلْمٍ يَسْتَجِبُّونَ أَنْ يُخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذَا طَلَعَ الْفَخْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوا إِلَى الْمُصَلَّى. قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ الْغُدُرِّ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ أو بَعْدَهُ. ٦٩٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٩١. البيهقى فى السنن الكبرى ١٧٥/٤. والسنن الصغرى ٦٦/٢. ٣١٠ ٠ کتاب الزكاة الشرح: وهذا كما قال أنه يستحب أن يخرج زكاة الفطر بعد طلوع الفجر قبل الغدو إلى المصلى. والأصل فى ذلك ما روى عن ابن عمر أن النبى ﴿3﴾ أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة. ووجه ذلك أن دفعها إلى المساكين فى ذلك الوقت سبب إلى انتفاعهم بها ذلك اليوم وفطرهم بها، وبذلك يستغنون عن التطوف فى ذلك اليوم على الناس فى المصلى ومنعًا لهم من النظر عليه والانتفاع بها فى أول يوم الفطر. مسألة: واختلف الرواية عن مالك فى وقت وجوب زكاة الفطر، فروى عنه أشهب، أنها تجب بغروب الشمس من آخر أيام رمضان. وروى عنه ابن القاسم ومطرف: تجب بطلوع الفجر من أول يوم من شوال. قال القاضى أبو محمد، وجماعة من أصحابنا: إنها تحب بطلوع الشمس من يوم الفطر. قال أبو بكر بن الجهم: وهذا هو الصحيح من مذهب مالك. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: هذا الذى ذكره القاضى أبو محمد وجماعة ممن رأيت كلامه على هذه المسألة، ولأصحابنا بمسائل تقتضى غير هذه الأقوال كلها. وجه رواية أشهب قوله: فرض رسول الله 8 زكاة الفطر من رمضان، فأضافها إلى الفطر من رمضان، وحقيقته أول فطر يقع فى زمان شوال، وهو بعد غروب الشمس من آخر أيام رمضان، فوجب أن یکون ذلك وقت وجوبها. ووجه رواية ابن القاسم ما قدمناه قبل هذا أن الفطر من رمضان إنما ينطلق على الفطر الذى يخالفه صوم رمضان وينافيه، وذلك فطر أول من شوال، وأما الفطر عند غروب الشمس، فليس مناف لصوم رمضان. ومن جهة المعنى أنه يستحب إخراج زكاة الفطر بعد طلوع الفجر، وقبل الغدو إلى المصلى، وهذا يدل على أنه لو كان أول وقت وجوبها عند غروب الشمس لكان ذلك وقت استحباب خروجها. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن قلنا إن وقت الوجوب طلوع الفجر، فمن ولد له مولود أو اشتری مملو کا قبل طلوع الفجر وجب عليه إخراج الزكاة عنه، وإن مات له ولد أو باع عبده، قال أشهب: أو أعتقه أو طلق امرأته طلاقا بائنًا أو احتلم ولده الذكر أو بنى بابنته البكر قبل طلوع الفجر، سقطت عنه زكاة الفطر، وكذلك الأمر فيمن قال: إن وقت الوجوب غروب الشمس. ........ ٣١١ کتاب الزكاة وكذلك يجرى حكم من أسلم فى المشهور من قول مالك وأصحابه إلا أشهب، فإنه قال: لو أسلم قبل الفجر من يوم الفطر أو بعد الفجر من آخر يوم رمضان، فلا فطرة عليه، ويستحب له ذلك، ولو أدرك صيام يوم لزمته. قال ابن حبيب: هذا شاذ، ولو وجبت بالصوم لسقطت عن المولود. فصل: وقول مالك: ((وذلك واسع أن يؤدوا قبل الغدو من يوم الفطر أو بعده))، يريد أنه لا يفيت الإخراج والأداء بالغدو إلى المصلى؛ لأن وقت الأداء واسع، وإن كان وقت الوجوب قد انقضى. من لا تجب عليه زكاة الفطر مَالِك: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِى عَبِيدِ عَبِيدِهِ وَلا فِى أَجِيرِهِ وَلا فِى رَقِيقِ امْرَأَتِهِ زَكَةٌ إِلا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَخْدِمُهُ وَلا بُدَّلَّهُ مِنْهُ، فَتَحِبُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَةٌ فِى أَحَدٍ مِنْ رَقِقِهِ الْكَافِرِ مَا لَمْ يُسْلِمْ لِتِجَارَةٍ كَانُوا أَوْ لِغَيْرِ تِحَارَةٍ. الشرح: وهذا كما قال أنه ليس عليه زكاة فى عبيد عبيده؛ لأن عبيد عبيده ليسوا فى ملكه، وإنما يكونون فى ملكه بعد أن ينزعهم، بدليل أنه لو أعتق عبيده لم يعتقوا بعتقهم، ولكانوا ملكًا لهم، إلا أن يستثنيهم ولينتزعهم، ولا تجب عليه نفقتهم، فلا زكاة عليه فيهم، ولا فطرة عليه فى أجيره، وإن التزم نفقته؛ لأن نفقة الأجير ليست بلازمة بالشرع، وإنما هى إجارة تشترط فى العقد كما تشترط الزيادة من الإجارة و جنسها. وقوله: ((ولا فی رقيق امر أته)»، قد تقدم الكلام فيه. وقوله: ((ولا زكاة عليه فى رقيقه إذا لم يكونوا مسلمين لتجارة کانوا أو غيرها»، لأنهم ليسوا من أهل الطهارة على ما تقدم ذكره، وليست هذه الزكاة من زكاة الأموال، فتجب فيهم عليه إذا كانوا للتجارة، وإنما هى زكاة على وجه الطهرة لمن أخرجت عنه، فسواء كانوا للتجارة أو لغيرها، لم يخرج عنهم. وإنما يختلف حكمهم إذا كانوا للتجارة أو غيرها فى زكاة القيمة، فإنهم إذا لم يكونوا للتجارة زكيت قيمتهم كسائر العروض والحيوان، فلا يعتبر هناك إسلام ولا جزية، وليست كذلك هذه الزكاة، فإنها مختصة بالرقاب، ولذلك لا يخرج عن غير بنى کتاب الزكاة ٣١٢ آدم وتخرج عن الأحرار، فليست من زكاة الأموال، وإنما هى من معنى طهارة بنى آدم، فمن كان من أهل الطهارة، وهم المسلمون، لزمته ولزمت عنه، ومن لم يكن من أهل الطهارة لم تلزمه، ولم تلزم عنه، والله أعلم وأحكم. تم كتاب الزكاة والحمد لله. كتاب الحج الغسل للإهلال ٦٩٦ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِى بَكْرٍ بِالْبَيْدَاءِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: (مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتُهِلَّ). الشرح: البيداء موضع متصل بذى الحليفة، فولدت أسماء قبل أن تحرم، فذكر أبو بكر ذلك لرسول الله ﴿٤﴾، وظاهر الأمر أنه سأله مستفتيًا، فيحتمل أن يكون سأله، إن كان النفاس ودمه الذى يمنع صحة الصوم والصلاة، يمنع صحة الحج، فبين له النبى ؟ أن النفاس لا ينافى الحج، ولا يمنع صحته بل يصح جميع أفعاله مع النفاس إلا ما له تعلق بالبيت من الطواف والركوع الذى يحتاج إلى طهارة، وسيأتى ذكره يعد هذا إن شاء الله تعالى. ولو كان الحيض والنفاس يمنعان صحته وينافيانه، لا متنع من ذلك أداء الحج لكل من يحيض؛ لأن الحج لا ينقضى إلا فى مدة طويلة من وقت الإحرام به إلى التحلل منه، وليس كل من أرادت الحج يمكنها أن تكون فى أول طهرها، فكانت لا تأتى على إكمال الحج حتى يطرأ عليها، فيبطل ما تقدم من حجها. ٦٩٦ - أخرجه مسلم ٨٦٩/٢ كتاب الحج، باب ١٦، حديث رقم ١٠٩ عن عائشة. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦١٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٥٨٣٧. أبو داود حديث رقم ١٧٤٣. ابن ماجه حديث رقم ٢٩١١. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٦٨/٥: هكذا هذا الحديث فى الموطأ مرسلاً عن جماعة الرواة عن مالك، لم يختلفوا فيه فيما علمت، إلا أن بعض رواة الموطأ يقول فيه عن مالك، عن عبدالرحمن ابن القاسم، عن أبيه، أن أسماء. وبعضهم يقول فيه: عن أسماء أنها ولدت، والقاسم لم يلق أسماء بنت عميس، فهو مرسل فى رواية مالك. كتاب الحج ٣١٤ ويحتمل أن يكون سأله عن اغتسالها للإحرام إن علم أن إحرامها بالحج يصح؛ لأن الاغتسال للمحرم مشروع فى ثلاثة مواطن، أحدها: عند الإحرام، فخاف أن يكون النفاس يمنع الاغتسال الذى يوجب حكم الطهر، فبين له النبى 8# أن الغسل مشروع لها؛ لأن ذلك الغسل ليس لرفع حدث، فلا ينافيه حيض ولا غيره، وإنما هو غسل مشروع للإحرام، وإذا لم يمنع الإحرام الحيض والنفاس، لم يمنع الغسل. ٦٩٧ - مَالِك، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِى بَكْرٍ بِذِى الْحُلَيْفَةِ، فَأَمَرَهَا أَبُو بَكْرٍ أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ تُهِلّ(١). الشرح: قوله فى هذا الحديث: ((بذى الحليفة)) وفى الحديث المتقدم ((بالبيداء)) ليس بمختلفين؛ لأن البيداء متصلة بذى الحليفة، ويحتمل أن يكون منزل أسماء مع أبى بكر ومبيتهما بها، فنسب الراوى ذلك إلى الحليفة لأنها كانت المقصودة بالنزول فيها، ولعل أبا بكر، رضى الله عنه، قصد النزول فى ناحية منها للانفراد من الناس لاسيما لحاجة أهله إلى الولادة. وقد قال عبدالرحمن بن مهدى فى روايته عن مالك حديث عبدالرحمن بن القاسم ((أن أسماء بنت عميس نفست محمد بن أبى بكر بذى الحليفة)»، وذلك كله لتقارب الموضعين، ولما قدمنا ذكره، وأما الإهلال، فلا يكون إلا بذى الحليفة، وسنذكره فى موضعه، إن شاء الله. فصل: وقوله فى هذا الحديث: ((فأمرها أبو بكر أن تغتسل ثم تهل))، موافق لما تقدم؛ لأن أبا بكر استفتى لها النبى ﴿، فأمره النبى ﴿ أن يأمرها تغتسل ثم تهل، ٦٩٧ - راجع تخريج الحديث السابق. وطبقات ابن سعد ٢٢٨/٨. الاستذكار لابن عبد البر برقم ٦٧٢. (١) قال فى الاستذكار ١٠/١١: اختلفوا فيه عن سعيد. فرواه ابن وهب عن الليث، ويونس، وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب مرفوعًا أن رسول الله ﴿﴿ أمر أسماء بنت عميس، أم عبد الله بن جعفر، وكانت عاركا أن تغتسل ثم تهل بالحج. قال: ابن شهاب: فلتفعل المرأة فى العمرة ما تفعل فى الحج. ورواه ابن عيينة عن عبد الكريم الجزرى، وعن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب موقوفًا على أبى بكر كما رواه مالك. والمعنى فيه صحيح عند جماعة العلماء فى الحائض والنفساء تغتسلان وتهلان بالحج وإن شاءتا بالعمرة، ثم تحرمان، وإن شاءتا فلتعملا عمل الحج كله إلا الطواف بالبيت. ٣١٥ کتاب الحج . فامتثل أبو بكر أمر النبى ﴿، وأمرها بذلك، فكل روى ونقل ما حفظ من الأمرين، والله أعلم. ٦٩٨ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِدُخُولِهِ مَكّةَ وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةً. الشرح: قوله: ((يغتسل لإحرامه))، على حسب ما تقدم ذكره من أنه مشروع للإحرام ويقدم له. وقوله: ((لدخوله مكة))، أضاف الغسل إلى دخول مكة، وإن كان مقصوده الطواف؛ لأنه يفعل عند دخول مكة ليتصل الدخول بالطواف، والغسل فى الحقيقة للطواف دون الدخول، ولذلك لا تغتسل الحائض ولا النفساء لدخول مكة لتعذر الطواف عليهما. فصل: وقوله: ((ولوقوفه عشية عرفة))، يقتضى أن حقيقة الغسل للوقوف، ولذلك تغتسل الحائض والنفساء للوقوف بعرفة، وإنما يستحب تقديمه قبل الصلاة لمعنيين، أحدهما: اتصال الوقوف بالصلاة، والثانى: أن الصلاة مما شرع لها الاغتسال، فيجمع فى غسله الأمرين، الصلاة والوقوف، كما يفعل عند الإحرام حقيقة الغسل والإحرام، ولكنه يقدمه قبل الصلاة لما قدمناه، والعشاء من وقت الزوال آخر النهار، وهو وقت الوقوف، وسيأتى بيان زمان الوقوف بعد هذا، إن شاء الله تعالى. * * غسل المحرم ٦٩٩ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِهِ ٦٩٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٧٣. البغوى فى شرح السنة ٤٤/٧. البيهقى فى السنن الكبرى ٣٣/٥. ٦٩٩ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٧٠٩. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٠٩١. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٥٦٨.، وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٢٩٢٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٤٢٩، ٢٢٤٤٦، ٢٢٤٧٥. والدارمى فی کتاب المناسك حدیث رقم ١٧٢٥. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٧١/٥: روى يحيى بن يحيى هذا الحديث عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن نافع، عن إبراهيم ابن عبدالله بن حنين، عن أبيه - فذكره. ولم يتابعه على إدخال نافع بين زيد بن أسلم وبين إبراهيم بن عبدالله بن حنين، أحد من رواة الموطأ عن مالك فيماء · كتاب الحج ٠٠٣١٦ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: لا يَغْسِلُ الْمُحْرِّمُ رَأْسَهُ، قَالَ: فَأَرْسَلَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِى أَيُّوبَ الأنْصَارِىِّ فَوَحَدْتْهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ(١)، وَهُوَ يُسْتَرُّ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنِ، أَرْسَلَنِى إِلَيْكَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبَّسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَالَ: فَوَضَعَ أَبُوَ أَيُوبَ يَدَّهُ عَلَى الثّوْبِ فَطَأْطَأَهُ جَتَّى بَدَالِى رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانِ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَفْعَلُ. الشرح: اختلافهما بالأبواء، يحتمل أن يكون بمعنى المذاكرة بالعلم، ويحتمل أن يكون أحدهما فعل من ذلك ما أنكره الآخر. والظاهر من إرسال عبدالله بن عباس إلى أبى أيوب الأنصارى يسأله عن صفة غسل النبى ﴿﴿ وهو محرم، أن عبدالله بن عباس علم عند أبى أيوب من ذلك علمًا، ولو لم يعلم ذلك لأرسل إليه يسأله هل عنده من ذلك علم. فوجد عبدالله بن حنين أبا أيوب يغتسل بين القرنين، وهما الخشبتان يركزان أو الرجلان بينيان على البئر يستقر عليهما، وأبو أيوب يستتر بثوب؛ لأن الغسل يحتاج من كشف عورته إلى ما لابد له معه من الستر، لاسيما حيث لا يأمن من أن يطلع عليه، وينظر إليه، فسلم عليه عبدالله بن حنين، وهو فى تلك الحال؛ لأنه احتاج إلى مخاطبته فيها؛ لأنها الحال التى أرسل إلى سؤاله عنها، فاستفتح لكلامه بالسلام عليه. وإن كان من هو على مثل هذا الحال تجتنب مكالمته، ويغض البصر عنه، وينصرف عن جهته لما هو عليه، ولما يجب إفراده به من العمل، ولا يشتغل بغيره لسرعة تمامه، ولئلا يدخل عليه سهو فى عمله، فأخبره عبدالله بن حنين أنه أرسل يسأله كيف كان رسول الله ﴿ يغسل رأسه وهو محرم. =علمت، وذكر نافع فى هذا الإسناد عن مالك، خطأ عندى لا أشك فيه، فلذلك لم أر لذكره فى الإسناد وجهًا، وطرحته منه كما طرحه ابن وضاح وغيره، وهو الصواب، إن شاء الله، وهذا مما يحفظ من خطأ يحيى بن يحيى فى الموطأ وغلطه. (١) بين القرنين: بفتح القاف ثنية قرن وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر وشبهما من البناء ويمد بينهما خشبة يجر عليها الحبل المسنقى به ويعلق عليها البكرة. ٠ ٣١٧ كتاب الحج . وهذا خلاف لظاهر ما اختلف فيه المسور وعبدالله بن عباس؛ لأنهما اختلفا هل يغسل رأسه أو لا يغسله، ولم يختلفا فى صفة غسله؛ لأن ذلك لا يكون إلا بعد الاتفاق على الغسل، ولا يمكن للمسور أن يقول: إن المحرم إذا أصابته جنابة لا يغسل رأسه. فلابد أن يكون خلافهما فيما زاد على الفرض من الغسل، وفى إمرار اليد جملة، مع اعتقاده أن الفرض إفاضة الماء فقط، لتأويله أو يكون اختلافهما فى غسل غير واجب، فطأطأ أبو أيوب الثوب حتى بدا رأسه لعبد الله بن حنين، ثم قال: أصيب، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر. ولو اقتصر أبو أيوب على فعله لكان مسندًا؛ لأن عبدالله بن حنين إنما سأله عن فعل رسول الله ﴿﴿، فإذا فعل ذلك فعلاً يريه إياه، كان بمنزلة أن يقول هكذا كان يفعل، فکیف وقد أكد ذلك، رضی الله عنه، بأن قال بعد غسل ڕأسه وتخریگه بیدیه: ((هكذا رأيت رسول الله ﴿4 يفعل)). ولعل المسور بن مخرمة إنما أنكر ذلك خشية قتل الدواب فى الرأس، وإزالة الشعث على حسب ما توقع يعلى بن أمية من الصب على رأس عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وليس فى إمرار اليد على الرأس قتل لها ولا إزالتها عن موضعها إلا مثل ما فى صب الماء على الرأس خاصة، ولذلك كانا مباحين. فأما الانغماس فى الماء، فإنه محظور عند مالك، رحمه الله، على المحرم؛ لأنه ربما زال القمل بكثرة الماء عن الشعر، فيأتى من قتل الدواب بما حظر عليه، ومنع منه. وقد روى عمر بن الخطاب وعبدالله بن عباس إجازة انغماس المحرم فى الماء. وأما اغتسال أبى أيوب، فلا يعلم هل كان غسلاً واجبًا أو غير واجب، ولم يبين إلا صفة العمل، والله أعلم. ٧٠٠ - مَالِك عَنْ حُمَيْدِ بْنٍ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِيَغْلَى بْنِ أُمَّةَ وَهُوَ يَصُبُّ عَلَّى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَاءً، وَهُوَ يَغْتَسِلُ: اصْبُبْ عَلَى رَأْسِى، فَقَالَ يَعْلَى: أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَهَا بِى إِنْ أَمَرْتَنِى صَبَبْتُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اصْبُبْ فَلَنْ يَزِيدَهُ الْمَاءُ إِلَا شَعَنًا. ٧٠٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٧٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٦٣/٥. المغنى ٢٩٩/٣. ٣١٨ کتاب الحج الشرح: صب يعلى على رأس عمر وهو يغتسل، يحتمل أن يكون من وراء ستر، ويحتمل أن يغتسل عمر تبردًا، وعليه إزار، فإن الغسل للتبرد جائز للمحرم، وإن كان لغير ضرورة، وهذه رواية ابن القاسم عن مالك. ووجه ذلك ما قاله عمر بن الخطاب، رضى الله عنه: لا يزيد الماء البارد الشعر إلا شعثًا، وإنما يكره غسل الرأس بما يزيل الشعث أو يسبب قتل شىء من الحيوان كالخطمى ونحوه، فمن غسل رأسه به افتدی. فصل: وقوله يعنى: ((أتريد أن تجعلها بى)) حذر من أن يكون صب الماء يلحق به أمرًا من فدیة أو غيرها، فقال: أتريد أن تجعل ذلك علىَّ إذ ولیتنی، ((إن أمرتنی صببت))، یرید إنى أفعل ما تأمرنى به، فكراهيته إنما تتعلق بالأمر، فقال له عمر: ((أصبب فلن يزيده الماء إلا شعثا)(١). ٧٠١ - مَالِكِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَنَا مِنْ مَكّْةَ بَاتَ بِذِى طُوَى بَيْنَ الثََّّيْنِ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يُصَلِّى الصُّبْحَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنَ الثّةِ الْتِى بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَلا يَدْخُلُ إِذَا خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَبِرًا خَتَّى يَغْتَسِلَ قَبْلَ أَنْ يَدْعُلَ مَكْةَ إِذَا دَنًا مِنْ مَكَّةَ بِذِى طُوَّى(١) وَيَأْمُرُ مَنْ مَعَهُ، فَيَغْتَسِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا. الشرح: قوله: ((أن عبدالله بن عمر كان يبيت بذى طوى))، وهو ربض من أرباض مكة، حكمه حكمها، ((حتى يصبح، فيصلى الصبح، ثم يدخل))، يحتمل أن يكون ابن عمر، رضى الله عنه، واظب على هذا لما رأى من فعل النبى ﴿﴿ أو لأن الدخول فى آخر النهار فيه مشقة؛ لأنه يضيق ما بقى من آخره عن قضاء ما يلزم الوارد فى قدومه، وما لابد له من أحوال نفسه، فكيف بما ينضاف إلى ذلك، بل يقدم عليه من قصد به البيت والطواف والركوع والسعى. (١) قال فى الاستذكار: قول يعلى: ((أتريد أن تجعلها بى؟)) يريد الفدية يقول: إن صببت على رأسه ماء يكاد يموت شىء من دواب رأسه من ذلك. أو ليس الشعر وزوال شعثه لزمتنى الفدية. فإن أمرتنى كانت عليك، فأخبره عمر أنه لا فدية فى ذلك الفعل على فاعله ولا على الآمر به. هذا معنی قوله، والله أعلم. ٧٠١ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٦٤٦. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٢٠٧. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٥٨٩. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٦٧، ١٨٤٦. (١) ذى طوى: مثلث الطاء والفتح أشهر، مقصور منون واد بقرب مكة. ........ ٣١٩ کتاب الحج . وربما ترك راحلته ورحله، وربما ترك ذلك لغير حافظ والأمر فى الليل أشد منه فى النهار، فآثر المبيت بذى طوى لمن يقدم آخر النهار، وقدم ليلاً حتى يدخل فى أول النهار، فيتمكن من الطواف والسعى وترك راحلته بين الوارد والصادر، فلا ينفرد بها من يريد اغتياله فيها، ولم ينفسخ فى قضاء حوائجه المختصة به. فصل: وقوله: ((ثم يدخل من الثنية التى بأعلى مكة))، وهی کداء، بفتح الكاف، والتى بأسفل مكة كدى، بضم الكاف، ودخل النبى 18 من كداء بأعلى مكة، ولذلك کان ابن عمر یدخل منها. فصل: وقوله: ((ولا يدخل إذا خرج حاجًا أو معتمرًا حتى يغتسل قبل أن يدخل مكة إذا دنا من مكة بذى طوی))، على ما ذكرناه من أن الاغتسال لدخول مكة مشروع، فمن أتاها من جهة ذى طوى اغتسل بها، ومن أتاها من غير تلك الجهة اغتسل بقربها، وفى أول أرباضها. وقد قال مالك: الغسل لدخول مكة بذى طوى، يريد من جاء من جهتها، قيل له: فمر الظهران، قال: الذى سمعت بقرب مكة، وإنما ذلك لأن من سنة الوارد أن يتصل طوافه بدخوله، فلذلك قدم غسله لئلا يفصل بين الدخول والطواف بطلب الماء والاغتسال. قال مالك: ومن اغتسل بعد دخول مكة فواسع. ووجه ذلك أنه قد يتعذر وتلحق المشقة بمراعاته والاستعداد له مع شغل الوارد ومؤنة السفر. ٧٠٢ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلا مِنَ احْتِلامِ. الشرح: وقوله: ((كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام))، ظاهره أن غسله لدخول مكة والوقوف بعرفة كان يختص بجسده دون رأسه. وقد قال ابن حبيب: إذا اغتسل المحرم لدخول مكة، فإنما یغسل جسده دون رأسه، فقد كان ابن عمر لا يغسل رأسه وهو محرم، إلا من جنابة ومن غسل رأسه فلا حرج ما لم يغمس رأسه فى الماء. وقال الشيخ أبو محمد: لعل ابن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من جنابة، يعنى فى غير هذه المواطن الثلاثة، فذهب إلى تخصيص ذلك. وحكى ابن المواز عن مالك أن ٧٠٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٤/١١. كتاب الحج ٣٢٠ المحرم لا يتدلك فى غسل دخوله مكة والوقوف بعرفة ولا يغسل رأسه إلا بالماء وحده يصب صبًا، ولا يغيب رأسه فى الماء، وإلى هذا ذهب إبراهيم النخعى من أن المحرم یغسل رأسه، غير أنه لا يدلكه بیدیه. وظاهر لفظ مالك يقتضى جواز الغسل، وهو الظاهر من مذهب عمر، رضى الله عنه، وبه قال ابن حبيب، غير أنى اعتبرت ذلك من قول مالك، فرأيت كل موضع أباح فيه الغسل للمحرم لغير جنابة، فإنه لا يذكر فيه إمرار اليد، وإنما يذكر فيه صب الماء، وإذا ذكر غسل الجنابة ذكر إمرار اليد، ولعله اجتنب الخلاف، والله أعلم. مَالِك: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمٍ يَقُولُونَ: لا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ الرَّجُلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ بالْغَسُولِ بَعْدَ أَنْ يَرْبِىَ حَمْرَةَ الْعَقْبَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقْبَةِ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ قَتْلُ الْقَمْلِ، وَحَلْقُ الشَّعْرِ، وَإِلْقَاءُ الّفَتِ(١) وَلُبْسُ الثَّابِ(٢). الشرح: وهذا كما قال وذلك أن الإحرام يمنع من إماطة الأذى وهو جمرة العقبة؛ لأن موانع الإحرام على ضربين، رفث وإلقاء تفت. فالرفث هو الجماع وما فى معناه من الالتذاذ بالنساء، وما يدعو إلى الجماع من الطيب والعقود التى مقصودها الجماع كالنكاح، وأما إلقاء التفث، فهو حلق الشعر، وإزالة الشعث والزينة وقتل القمل وخلع ثياب الإحرام، ولبس المخيط وما فى معناه. فأما إلقاء التفث، فهو مباح بأول التحللين، وأما الرفث، فإنه لا يستناح إلا بآخر التحللين، وهو طواف الإفاضة، فإذا رمى جمرة العقبة، جاز له أن يغسل رأسه بالغاسول؛ لأنه ليس فيه أكثر من إزالة الشعث، وتنقية البشرة والشعر، وقتل القمل، وهذا كله يستباح بالتحلل الأول، وهو رمى جمرة العقبة يوم النحر، والله أعلم وأحكم. (١) التفت، محركة فى المناسك: الشعث، وما كان من نحو قص الأظفار والشارب، وحلق العانة وغير ذلك. وككتف: الشعث، والمغير. انظر: القاموس المحيط مادة تفت. (٢) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٥/١١، وقال: قد احتج مالك لما حكاه عن أهل العلم بحجة صحيحة، لأن عمر بن الخطاب خطب بهذا المعنى على رؤوس الناس منى فلم ينكر أحد، قال: إذا رميتم جمرة العقبة فقد حل لكم كل ما حرم عليكم إلا النساء والطيب. ٣٢١ كتاب الحج . ما ينهى عنه من لبس الثياب فى الإحرام ٧٠٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿﴾: ((لا تَلْبَسُوا الْقُمْصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيِلاتٍ وَلَا الْرَانِسَ(١) وَلَا الْخِفَافَ إِلا أَحَدٌ لا يَحِدُ نَعْلَيْنِ فَلْبَسْ خُفْيْنٍ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْغَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسُوا مِنَ النِّيَّابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلا الْوَرْسُ(٢)). الشرح: اتفق الحفاظ من أصحاب نافع على لفظ هذا الحديث، منهم مالك وأيوب وعبدالله وابن جريج وابن عوف، وكذلك رواه الزهرى عن نافع ورواه جعفر بن برقان، فوهم فيه فى موضعين، أحدهما: أنه قال فيه: فمن لم يجد إزارًا فسراويل، وليس هذا فى حديث ابن عمر. والثانى: أنه قال: قال نافع: ويقطع الخف أسفل من الكعبين، فجعله من قول نافع، والصحيح فى الموضعين ما تقدم ذكره، والله أعلم. فصل: وقوله :﴿: ((لا تلبسوا القمص ولا السراويلات ولا البرانس)»(٣)، مستوعبًا فى منع المحرم المخيط على الصورة التى لا تحصل غالبًا إلا بالخياطة، وهى القميص وما فى معناه من الجبة والفرو، والسراويل وما فى معناه من الثياب، والبرنس وما فى معناه من الغفارة، وما يوضع فى الرأس من قلنسوة وغيرها، وذلك أنه إنما تحصل التفرقة ٧٠٣ - أخرجه البخارى فى كتاب العلم حديث رقم ١٣١. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٠١٢. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٦٣. والنسائى فى كتاب مناسك الحج ٢٦١٦، ٢٦١٧، ٢٦١٩، ٢٦٢٠، ٢٦٢٣، ٢٦٢٤، ٢٦٢٥، ٢٦٢٦، ٢٦٢٧، ٢٦٢٨، ٢٦٢٨، ٢٦٢٩، ٢٦٣٠، ٢٦٣١. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٥٥٤. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٢٩٢٠، ٢٩٢١. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٢٥٢، ٠ ٤٣١، ٤٦٦٤، ٤٨٣١، ٤٨٦٠، ٤٩١٩، ٥٠٥٦، ٥٠٧٣، ٥١٧٠، ٥٢٦٩، ٥٦٣٨، ٥٩٦٤. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٣٠، ١٧٢٣. (١) البرنس: ثوب له رأس. (٢) الورس: نبت أصغر طيب الرائحة يصبغ به. (٣) قال النووى: قال العلماء: هذا من بديع الكلام وجزله فإنه عليه السلام سئل عما يلبسه المحرم، فقال لا تلبسوا كذا وكذا فحصل الجواب أنه لا يلبس المذكورات ويلبس ما سوى ذلك فكان التصريح بما لا يلبس أولى لأنه منحصر والملبوس له غير منحصر. انظر: شرح صحيح مسلم للنوری کتاب الحج، باب ما یباح للمحرم وما لا يباح.