النص المفهرس
صفحات 1261-1280
٠٢٦٢ کتاب الزكاة وأما المشترى فلا زكاة عليه؛ لأنه لم يتعلق حق الوجوب بالمال عنده، فإن أعدم البائع، وقد أتلف حظ المساكين، فلا يخلو أن يوجد الطعام بيد المبتاع أم لا، فإن وجد بيده، فقد قال ابن القاسم فى المدونة: إنه يؤخذ من المشترى، ويرجع على البائع بقدر ذلك من الثمن. وقال أشهب: لا يؤخذ شىء ويتبع البائع. وجه قول مالك أنه ليست له ولاية على المساكين، وإنما أجيز له البيع لضرورة الشركة، فإذا لم يوصل إليهم العوض، تعلقت حقوقهم بعين المال حيث وجد. ووجه قول أشهب أن صاحب الحائط مباح له البيع كأبى الصبى يبيع ماله ويأكل منه، فلا حق للولد فیه، وإن وجده بعينه. مسألة: وإذا باع رب الزرع زرعه، قائمًا فى وقت يجوز له ذلك، فكيف يعرف مبلغه ليؤدى زكاته. قال ابن المواز عن مالك: يسأل المبتاع ويأتمنه على ذلك ويزكى على قوله؛ لأنه أصح الطرق التى يجدها إلى معرفة المقدار لأنه لا تهمة على المبتاع فيه بأن يؤثم نفسه لغيره، فإن كان المبتاع غير مسلم توخى بقدر الزرع، ولا يأخذ فى ذلك بقول غير المسلم. قال مالك: وَلا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ حَتّى يَنْبَسَ فِى أَكْمَامِهِ وَيَسْتَغْنِىَ عَنِ الْمَاءِ. الشرح: وهذا كما قال أنه لا يصلح بيعه حتى بيبس فى أكمامه وهى غلف حبه ويستغنى عن الماء غنى لو سقى بالماء لم ينفعه، وهذا انتهاء يبسه، فحينئذ يجوز بيعه، وسیأتی بیان ذلك فى البيوع إن شاء الله تعالى. وَقَالَ مَالِك فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام ١٤١]: أَنَّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ. الشرح: كما قال أن ظاهر الآية يقتضى الزكاة؛ لأنه ليس فى الثمار والحبوب حق واجب يوم الحصاد غير الزكاة، وقد أمرنا بإخراج هذا الحق، والأمر يقتضى الوجوب، فكان الظاهر أن الحق المأمور به يوم الحصاد هو الزكاة، وقد أيد ذلك مالك بأن قال: إنه قول قد قيل وسمعه من غيره، ولا يكون ذلك إلا من أهل العلم ومن ليس من أهل العلم لا ينقل مثل مالك قوله، ولا يرجح به مذهبه. وفى العتبية من رواية عبدالملك، عن ابن وهب: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، يقول: أيها الزارع أد حق ما رفعت، ويا أيها الوالى لا تأخذ أكثر من حقك، فتكون من المسرفين. ٠٠٠٠٠٠٠ ٢٦٣ كتاب الزكاة . قَالَ مَالِك: وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ أَوْ أَرْضَهُ وَفِى ذَلِكَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ، فَرَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ إِلا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ. الشرح: وهذا كما قال أن من باع أصل حائطه قبل أن يبدو صلاحه، فإن الزكاة فيه على المبتاع؛ لأن الثمرة كانت على ملكه حين تعلق الزكاة بها، فعليه الزكاة، فإذا بيعت بثمرها قبل بدو الصلاح لم تتعلق الزكاة بها إلا وهى على ملك المبتاع. وأما الزرع فلا يصح بيعه بشرط التبقية إلا مع الأرض، فلذلك راعى فيه بيع الأرض مع الزرع، وإنما يملك الحب يملك الزرع يدلك على ذلك أنه لو اكترى أرضًا فزرعها لكانت الزكاة على الزرع دون رب الأرض؛ لأن رب الأرض لا ملك له فى الزرع الذى نماؤه الحب. وقال أبو حنيفة: العشر على رب الأرض دون الزارع. * * * ما لا زكاة فيه من الثمار قَالَ مَالِك: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَحُدُّ مِنْهُ أَرْبَعَةً أَوْسُقٍ مِنَ الثّمْرِ، وَمَا يَقْطُفُ مِنْهُ أَرْبَعَةً أَوْسُقٍ مِنَ الزَّبِيبِ، وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةً أَوْسُقٍ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةً أَوْسُقٍّ مِنَ الْقِطْنَّةِ إِنَّهُ لا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ، وَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةٌ خَتَّى يَكُونَ فِى الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ النَّمْرِ أَوْ فِى الرَّبِبِ أَوْ فِى الْحِنْطَةِ أَوْ فِى الْقِطْنَّةِ مَا يَبْلُغُ الصَّنْفُ الْوَاحِدُ مِنْهُ خَمْسَةٌ أَوْسُقٍ بِصَاعِ الّبِىِّ :﴿5﴾ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ مِنَ التّمْرِ صَدَقَةٌ() وَإِنْ كَانَ فِى الصَنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ تِلْكَ الأَصْنَافِ مَا يَبْلُغُ حَمْسَةٌ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ فَإِ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةً أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. الشرح: وهذا كما قال أن من كان له أقل من نصاب من تمر، ومثله من زبيب، ومثله من الحنطة، ومثله من القطنية أنه لا يضاف بعضها إلى بعض ليكمل نصاب الزكاة فى ماله؛ لأن هذه أصناف مختلفة المنافع متباينة الأغراض. واستدل فى ذلك بقوله : ((ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة)) ومن عنده خمسة أوسق من تمر وزبيب، فليس عنده خمسة أوسق من التمر، وإنما عنده ما دون خمسة أوسق، فلا ز کاة عليه فيه. ٢٦٤ کتاب الزكاة وقوله: ((فإن كان فى كل صنف خمسة أوسق ففيه الزكاة))، وكذلك الزبيب والحنطة والقطنية. قال مالك: وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَجُدَّ الرَّجُلُ مِنَ النِّمْرِ خَمْسَةً أَوْسُقٍ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ وَأْوَانُهُ، فَإِنّهُ يُحْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَتْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. الشرح: وهذا كما قال أن الخلطة بالتمر ما يقع عليه هذا الاسم، سواء كان نوعًا واحدًا أو أنواعًا كثيرة، ويجتمع من جنسها خمسة أوسق، فإن الزكاة فيها؛ لأن الأغراض فيها والمنافع والمقاصد متفقة ومتقاربة، وإنما بينها كما بين الذهب الجيد والردىء، والضأن والماعز، والبخت والعراب. قال مالك: الْحِنْطَةُ كُلُّهَا السَّمْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ كُلُّ ذَلِكَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ كُلّهِ خَمْسَةً أَوْسُقٍ جُمِعَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ، وَوَحَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَّةً فِيهِ. الشرح: وهذا كما قال أن الحنطة تجمع أنواعها كلها كما تجمع أنواع التمر، فتجمع المحمولة، وهى البيضاء إلى السمراء، فإذا بلغت النصاب ففيها الزكاة، وهذا لا خلاف فيه، وكذلك يجمع إلى الحنطة الشعير والسلت، لا يختلف مالك وأصحابه فى ذلك، وبه قال الحسن وطاوس والزهرى وعكرمة. ومنع من ذلك أبو حنيفة والشافعي، وقالا: إن الشعير والسلت كل واحد منهما جنس منفرد غير الحنطة لا تجمع فى الزكاة. ولا يتجه بيننا فى هذا وبين أبى حنيفة خلاف فى الحكم، وإنما يتجه فى التسمية خاصة؛ لأنه لا يراعى النصاب فى الحبوب، فهو يزكى القليل والكثير من هذه الأجناس. وقال القاضى أبو محمد: إن هذه المسألة مبنية عندنا على تحريم التفاضل فيها، وهذا القول فيه نظر؛ لأنه يحرم التفاضل فی أشیاء، وليست جنس واحد فى الزكاة. وقد صرح مالك بأن القطانی فی البيوع أجناس مختلفة، وهی عنده فى الزكاة جنس واحد. وقد عول أصحابنا فى هذه المسألة على فصلين من جهة المعنى، أحدهما: أن هذه الثلاثة أشياء أعنى الحنطة والشعير والسلت لا ينفك بعضها عن بعض فى المنبت والمحصد، فكانت جنسًا واحدًا كالحنطة والعلس والشعير والسلت. والصنف الثانى ٢٦٥ كتاب الزكاة . هو أن منافع هذه الأصناف الثلاثة متقاربة ومقاصدها متساوية، فحكم لها بأنها جنس واحد كالسمراء والمحمولة. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى فى تعليل ذلك تشابه الحنطة والسلت فى الصورة والمنفعة وهما أقرب تشابهًا من الحنطة والعلس. وقد سلم لنا المخالف العلس، فيلزمه تسليم السلت، وإذا سلم السلت لحق به الشعير، فإن الأمة بين قائلين، قائل يقول: إن هذه الأنواع الثلاثة صنف واحد، وقائل يقول: إنها ثلاثة أصناف، فمن قال: إن السلت والحنطة صنف والشعير صنف فقد خالف الإجماع، فإذا ثبت ذلك، فإن الزكاة مبنية على الصنف لتحتمل الأموال المواساة، فإن كان عنده جنس من المال يحتمل المواساة أدى زكاته، وإذا قصر عن ذلك عليه زكاته لضيق المال عن احتمال المواساة. فإن كانت الأموال التى عنده منفعتها واحدة ومعظم مقصودها، سواء احتملت المواساة من جميعها ولم يضيق ما يخرجه من الزكاة انتفاعه بذلك النوع من المال، ولا ضاق عليه جنس تلك المنفعة بمواساته منها، بل يبقى عنده من جنس تلك المنفعة ما يقوم به، ولا فرق فيما يعود إلى انتفاعه واستضراره بما يخرج من الزكاة بين أن تكون تلك المنفعة فى أشخاص متفقة الصور والأسماء أو مختلفتها. ولو كانت الأسماء متفقة والمنافع مختلفة لاستضرار انتفاعه بإخراج بعض نوع من المنفعة لا يحتمل ما عنده من نوعها المواساة، فإذا أخرج منها مع قلتها لم يبق عنده منها ما ينتفع به، ولا ينفعه فى هذا النوع من المنفعة أن تكون عدده أنواع منافع أخر توافق هذه فى الأسماء دون المنافع، ولذلك لما كان المقصود من الدنانير والدراهم التجارة والتصرف للتنمية، ضم أحدهما إلى الآخر مع اختلاف الأسماء والصور. مسألة: وأما العلس، فهو الإشقالية، فقد روى ابن حبيب أنه من جنس القمح والشعير والسلت فى الزكاة وتحريم التفاضل، قال: وهو قول مالك وأصحابه إلا ابن القاسم. قال ابن القاسم: قال عبدالرحمن بن دينار: سألت ابن كنانة عن الإشقالية، وفسرنا له أمرها ومنفعتها هل تجمع فى الزكاة مع القمح، وأريناه إياها، فقال: هذا صنف من الحنطة، يقال له العلس يكون باليمن، وهو يجمع فى الحنطة الزكاة. وجه القول الأول، وبه قال الشافعی، أن منفعته من جنس منفعلة القمح، ولا یکاد کتاب الزكاة ٢٦٦ يخلو منه. ووجه قول ابن القاسم، وبه قال ابن وهب وأصبغ أنه لا يصحب الحنطة والشعير فى الوجود، فيوجد حيث يعدم ويعدم حيث يوجد، فدل ذلك على اختلاف منفعتهما. مسألة: فأما الذرة والدخن والأرز، فكل واحد منها صنف لا يضاف إلى شىء، ولا يضاف إليه شىء، هذا هو المشهور من المذهب. وروى زيد بن بشر عن ابن وهب أن الحنطة والشعير والسلت والذرة والأرز والدخن كلها صنف واحد لا يجوز فى شىء منها التفاضل، وإذا كانت عنده صنفًا" واحدًا فى البيع، فكذلك فى الزكاة، وقد تقدم من قول القاضى أبى محمد ما يصحح هذا البناء. i قال مالك: وَكَذَلِكَ الرَّبِيبُ كُلُّهُ أَسْوَدُهُ وَأَحْمَرُهُ، فَإِذَا قَطَفَ الرَّجُلُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَحَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. الشرح: وهذا كما قال أن الزبيب كله جنس واحد أسوده وأحمره يجمع فى الزكاة؛ لأن منفعته واحدة ومعظم مقصوده سواء، وإن جاز أن يكون فى بعضه مقاصد وأغراض ليست فى سائره إلا أن معظم المقاصد متفق، وعلى هذا تجرى الزكاة والجمع فيها واعتبار أجناسها. قال مالك: وَكَذَلِكَ الْقِطْيَّةُ هِىَ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالتّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا وَأَلْوَانُهَا وَالْقِطِيَّةُ الْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَاللُِّيًا وَالْخُلْبَانُ وَكُلُّ مَا ثَّبَتَ مَعْرِقْتُهُ عِنْدَ النّاسِ أَنْهُ قِطْنَّةٌ، فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الأوَّلِ صَاعِ النّبِىِّ :﴿ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْنَافِ الْقِطْنَّةِ كُلّهَا لَيْسَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْقِطْنَّةِ، فَإِنَّهُ يُحْمَعُ ذَلِكَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ. الشرح: وهذا كما قال، وأصل ذلك أن ما كان من الحبوب مقتاتًا مدخرًا للعيش. غالبًا، فإنه تجب فيه الزكاة، والذى يقتات من ذلك الحنطة والشعير والسلت والأرز والدخن والذرة والباقلاء والحمص واللوبيا والجلبان والعدس والترمس والبسيلة والسمسم وحب الفجل، وما أشبه ذلك. وهذه الحبوب على ضربين، منها ما هو صنف لنفسه لا يضم إلى غيره كالأرز ٢٦٧ ... کتاب الزكاة والذرة والدخن، على المشهور من المذهب، ومنها ما يضم بعضه إلى بعض كما تضم أنواع التمر بعضها إلى بعض، وذلك كالقطانى يضم بعضها إلى بعض، وهى الفول واللوبيا والحمص والترمس والجلبان والعدس، وما جرى مجراها لتقارب منافعها، واتفاق معظم الأغراض فيها. وأما البسيلة، وهى الكرسنة، ففى العتبية من رواية أشهب عن مالك أنها من القطنية. وقال ابن حبيب: بل هی صنف على حدته. وقد اختلف قول مالك فى القطانى فى البيوع، فمرة قال: إنها صنف واحد، ومرة قال: هى أصناف مختلفة. واختلف أصحابنا فى تحريم ذلك فى الزكاة، فمنهم من قال: هى رواية أخرى فى الزكاة، ومنهم من قال: هى فى الزكاة صنف واحد دون خلاف، وهى فى البيوع على روايتين. وهذا الظاهر من الموطأ لما يأتى بعد هذا. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى أن يكون كل صنف منها صنفًا منفردًا لا يضاف إلى غيره فى الزكاة والبيوع لأننا إن عللنا الجنس بانفصال الحبوب بعضها من بعض، اطرد ذلك فيها، وانعكس وصح، وإن عللنا باختلاف الصور والمنافع صح، والله أعلم وأحكم. قَالَ مَالِك: وَقَدْ فَرَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْقِطْنَّةِ وَالْحِنْطَةِ فِيمَا أُخِذَ مِنَ النّبَطِ، وَرَأَى أَنَّ الْقِطْنَّةَ كُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَأَخَذَ مِنْهَا الْعُشْرَ، وَأَخَذَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالرَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ. الشرح: استدل مالك، رحمه الله، فى الفرق بين القطنية والحنطة بأن عمر بن الخطاب خفف عن النبط فيما كان يأخذه منهم من الحنطة، لما كانت الحاجة إليها أكد من سائر الأقوات، والقطانى التى هى للأدم، وكان يأخذ من القطانى العشر كاملاً، فعلم بذلك اختلافها فى المنافع والمقاصد. ولو كانت الحاجة إليها سواء، والمنافع بها متفقة لكانت الرغبة فى كثرة جلبها إلى المدينة سواء، ولا يدخل عليه فى ذلك الزيت والحنطة، فإنه أخذ منهما جميعًا نصف العشر لتأكد الحاجة إليهما، ولم يدل ذلك على أنهما من جنس واحد. وقد يحتاج إلى الجنسين حاجة متساوية مع اختلاف منافعهما، إلا أنه فى الجنس الواحد الذى تتفق منافعه وتتساوى، ولا يجوز أن تختص الحاجة ببعضه دون البعض، كتاب الزكاة ٢٦٨ فلذلك علق الحكم مالك، رحمه الله، باختلاف حكم الحنطة والقطنية، ولم يلزمه تساوى الحاجة فى الحنطة، والله أعلم وأحكم. قَالَ مَالِك: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُحْمَعُ الْقِطْنَّةُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِى الرَّكَاةِ حَتّى تَكُونَ صَدَقْتُهَا وَاحِدَةً، وَالرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهَا اثْنِ بِوَاحِدٍ يَدًّا بِيَدٍ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْحِنْطَةِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًّا بِيَّدٍ، قِيلَ لَهُ فَإِنَّ الذّهَبَ وَالْوَرِقَ يُحْمَعَانِ فِى الصَّدَقَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ بِالدِّينَرِ أَضْعَاقُهُ فِى الْعَدَدِ مِنَ الْوَرِقِ يَدًا بِيَّدٍ. الشرح: وهذا كما قال ولذلك قال أصحابنا: إنه لم يختلف قوله فى الزكاة أن القطانى صنف واحد، يضاف بعضها إلى بعض فى الزكاة، وأنها مع ذلك فى البيوع أصناف يجوز التفاضل فيها، ففرق بينها، فالمتفق عليه من مذهب مالك أن الورق يجمع إلى الذهب فى الزكاة، وهى فى البيوع صنفان يجوز التفاضل فيهما، فعلى هذا يجوز أن يجمع فى الزكاة ما يجوز التفاضل فيه. وأما ما يحرم التفاضل فيه، فيجب أن يجمع فى الزكاة، وقد أشار القاضى أبو محمد فيما تقدم إلى ذلك، فيجب على هذا أن تكون المنافع المعتبرة فى الجنس لتحريم التفاضل عند المنافع المعتبرة فى الجنس للجمع فى الزكاة. قَالَ مَالِك فِى النَّخِيلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَحُذَّانِ مِنْهَا ثَمَانِيَةً أَوْسُقٍ مِنَ النَّمْرِ: إِنُّ لا صَدَقَّةً عَلَيْهِمَا فِيهَا، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لْأَحَدِهِمَا مِنْهَا مَّا يَخُذُّ مِنْهُ حَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلِلآخَرِ مَا يَحُذُّ ◌َرْبَعَةً أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ الأَوْسُقِ، وَلَيْسَ عَلَى الَّذِى حَذْ أَرْبَعَةً أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا صَدَقَةٌ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِى الشُّرَكَّاءِ كُلِّهِمْ فِى كُلِّ زَرْعٍ مِنَ الْحُبُوبِ كُلِّهَا يُحْصَدُ أَوِ النَّعْلُ يُحَدُّ أَوِ الْكَرْمُ يُقْطَفُ، فَإِنْهُ إِذَا كَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَحُدُّ مِنَ التّمْرِ أَوْ يَقْطِفُ مِنَ الرَّبِيبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، أَوْ يَحْصُدُ مِنَ الْحِنْطَةِ خَمْسَةً أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَّمْسَةٍ أَوْسُقٍ فَلا صَدَقَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَحِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَ جُدَادُهُ أَوْ قِطَافُهُ أَوْ حَصَادُهُ خَمْسَةً أَوْسُقٍ. الشرح: وهذا كما قال أن الزكوات مبنية على أن من بلغ ما ملكه النصاب وجب عليه الزكاة، ومن قصر ملكه عن النصاب، فلا زكاة عليه، ولا ينظر إلى الجملة إذا ............ ٢٦٩ کتاب الزكاة افترقت فى الملك كما لا ينظر إلى افتراقها إذا اجتمعت فى الملك، فإذا وجد رجلان ثمانية أوسق، فإن كانت بينهما على السواء، فلا زكاة على واحد منهما؛ لأنه لم يجد أحدهما خمسة أوسق وهى النصاب. ولو كان لأحدهما خمسة أوسق، وللآخر ثلاثة لكانت الزكاة على صاحب الخمسة أوسق عن الخمسة أوسق، ولم يجب على صاحب الثلاثة شىء لما ذكرناه، وإن كان لرجل خمسة أوسق يجدها فى بلاد مختلفة متباعدة لجمعت عليه وأدى الزكاة عنها، فإنما الاعتبار فى ذلك بالملك دون الاجتماع والافتراق. قَالَ مَالِك: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَانُهُ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ كُلِّهَا الْحِنْطَةِ وَالْتّمْرِ وَالرَّبِيبِ وَالْحُّبُوبِ كُلِّهَا ثُمَّ أَمْسَكَةُ صَاحِبُهُ بَعْدَ أَنْ أَدَّى صَدَقْتَهُ سِنِينَ ثُمَّ بَاعَةُ أَنّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِى ثَمَنِهِ زَكَةٌ حَتّى يَحُولَ عُلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهُ إِذَا كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الأَصْنَافِ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطّعَامِ وَالْحُبُوبِ وَالْعُرُوضِ يُفِيدُهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يُمْسِكُهَا سِنِينَ ثُمَّ يِيعُهَا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِى ثَمَنِهَا زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهَا، فَإِنْ كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْعُرُوضِ لِّجَارَةِ، فَعَلَى صَاحِبِهَا فِيهَا الزَّكَاةُ حِينَ يَبِيِعُهَا إِذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا سَنَةٌ مِنْ يَوْمَ زَكَّى الْمَالَ الَّذِىِ ابْتَاعَهَا بِهِ. الشرح: وهذا كما قال أن ما أخرجت زكاته من الحبوب والثمار ثم باعه صاحبه بعد سنین أنه لا ز کاة علیه فی ثمنه حتی یحول علیه الحول بعد قبضه، وهو الذی یرید بقوله: ثم باعه؛ وأقام المال غائبًا عنه أعوامًا قبل أن يقبضه لا يستأنف به حولاً، وإنما أطلق اللفظ على غالب أحوال الناس فى البيع؛ لأنه مفارق القبض. فصل: ثم قال: ((وهذا إذا كان أصل تلك الأصناف من فائدة أو غيرها لم تكن للتجارة))، ومعنى ذلك أن هذه الحبوب والثمار لا يخلو أن تكون للقنية أو التجارة، فإن كانت للقنية، فهو الذى ذكره وأراده بقوله: إذا كانت من فائدة، يريد كالميراث والهبة أو غلة حائطه وزرع أرضه. وأما إن كانت للتجارة، فأما الثمار، فلا يتصور ذلك فيها، إلا أن تشترى بأعيانها للتجارة بعد أن بدا صلاحها، فهذه قد وجبت الزكاة فيها على بائعها. وأما إن ابتاعها قبل بدو صلاحها، فهى على وجه التبع للأرض. ٢٧٠ کتاب الزكاة مسألة: وأما الحبوب، فإن كانت للتجارة زكيت زكاة الزرع ثم زكى ثمن ما بيع منه بعد حول من يوم الحصاد، والاعتبار فى كونها للتجارة بثلاثة معان الحنطة المزروعة، والأض المزروع فيها، والزراعة، فإن كانت هذه المعانى الثلاثة للتجارة، فلا خلاف فى المذهب أن حكم الحب حكم التجارة، وإن لم يكن شىء منها للتجارة، ولم يتعلق به حكم التجارة إلا بعد أن يحول على ثمنه الحول من يوم يقبضه على ما تقدم من قول مالك، رحمه الله. مسألة: وإن كانت الأرض للقنية، واشترى البذر للتجارة وزرع، يريد التجارة، فى المدونة: إن كانت الأرض له فزرعها للتجارة، فإنه لا يزكى ثمن الحنطة حتى يحول عليه الحول من يوم قبضه. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى حكم الأرض إذا اشتريت للتجارة؛ لأنها إذا اشتريت للتجارة، فالتجارة متعلقة برقبتها دون منافعها، وإذا اكتريت للتجارة، فالتجارة متعلقة بمنافعها. مسألة: وإذا كانت الحنطة للقنية، والأرض والزراعة للتجارة، فقد رأيت لبعض المتأخرين من المغاربة فيمن اشترى حنطة للقنية والأرض والزرع للتجارة أنه لا يجرى فيها حكم الزكاة حتى ينض الثمن؛ لأن ما كان للقنية من العروض لا يجرى فيها حكم التجارة بالنية. قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله عنه: وهذا لا يصح على قول أشهب، فإن كان للقنية يعود إلى التجارة بمجرد النية فيما ملكه بالبيع، وما ملكه بالميراث يحتمل وجهين، قد تقدم ذكرها. وأما على قول ابن القاسم، فيحتمل وجهين، أحدهما: جريان الزكاة فيها؛ لأن الزراعة عمل، والثانى: لا تجرى فيها الزكاة؛ لأن الزراعة ليست بعمل للتجارة، وإنما هى عمل لزكاة الحب دون زكاة الثمن. مسألة: فإن كانت الأرض للتجارة، والحنطة للتجارة وزرعها للقنية، فلم أر فيها نصًا لأصحابنا، والذى يقتضيه المذهب أنه لا زكاة فى ثمنه حتى يحول الحول من يوم قبضه، فعلى هذا يجرى أمر المعانى الثلاثة متى يكون واحدًا منها للقنية منع جريان زكاة العين فى الحنطة، وهو ظاهر ما فى المدونة، والذى يقتضيه قول أصحابنا المتقدم ذ کرهم، وبالله التوفيق. ٠٠ ٢٧١ كتاب الزكاة فرع: فإن قلنا بوجوب الزكاة بالبيع بعد الحول، فإن لم يبع بعد الحول، وكان مدخرًا، فلا زكاة فيه حتى يبيعه بعد الحول، وإن كان مريدًا، فإنه يقوم حنطة إذا كمل لها حول من يوم زکی الزرع، قاله ابن القاسم فى المدونة. ووجه ذلك أن زكاة الزرع أملك بالحنطة عند الحصاد من زكاة التجارة کالماشية، فیجب عند الحصاد إخراج زكاة الزرع منه، وزكاة الزرع لا تتكرر. ولما كان للتجارة فى هذا الحب تأثير، ولم يتمكن أن يجمع زكاتان فى عام واحد، أولاهما للعين، والثانية للقيمة، لزم أن يستأنف حول من يوم الحصاد، فإذا كمل قوم مع سائر ماله وأدى زكاته، والله أعلم وأحكم. ما لا زكاة فيه من الفواكه والقضب والبقول قَالَ مَالِك: السُّنَّةُ الَّتِى لا اخْتِلافَ فِيهَا عِنْدَنَا، وَالَّذِى سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْهُ لَيْسَ فِى شَىْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ كُلّهَا صَدَقَّةُ الرَّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ وَالَّيْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ إِذَا كَانَ مِنَ الْغَوَاكِهِ. قَالَ: وَلا فِى الْقَضْبِ(١) وَلَا فِى الْبُقُولِ كُلَّهَا صَدَقَةٌ وَلَا فِىَ أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمٍ بَيْعِهَا وَيَقْبِضُ صَاحِبُهَا ثَمَّنَّهَا وَهُوَ نِصَابٌ. الشرح: وهذا كما قال أنه لا اختلاف عند أهل المدينة فيما ذكره أنه لا زكاة فى شىء من الفواكه مما ذكر من ذلك وما لم يسمه، وأضاف مالك، رحمه الله، التين إلى جملتها لأنه لم يكن ببلده، وإنما كان يستعمل عندهم على معنى التفكه لا على معنى القوت. وقال عبدالملك ابن حبيب: الزكاة واجبة فى كل ثمرة لشجرة ذات ساق، سواء كان مما يدخر كالجوز والفستق، أو لا يدخر كالرمان والفرسك، وبه قال أبو حنيفة. والدليل على ما نقوله أن هذا ليس مقتات مدخر، فلم تجب فيه الزكاة كالحشيش. فأما التین، فإنه عندنا بالأندلس قوت، وقد آحقه مالكبما لا ز کاة فیه. ويحتمل أصله فى ذلك القولين، أحدهما: أنه لا زكاة فيه؛ لأن الزكاة إنما شرعت (١) القضب: نبت يشبه البرسيم. کتاب الزكاة ٢٧٢ فيما كان يقتات بالمدينة، ولم يكن التين يقتات بها، فلم يتعلق به حكم الزكاة، وإن تعلق بالزبيب والتمر لما كانا مقتاتين بها، والثانى أن حكم الزكاة متعلق بالتين قياسًا على الزبيب والتمر، وإن لم يكن التين مقتّاتًا بالمدينة، قال ابن نافع وعلى عن مالك: ألحق العلماء بالحنطة والشعير ما أشبه ذلك من الحبوب، فكان الأرز بالعراق أكثر من البر والذرة باليمن أکثر. فصل: وقوله: ((وليس فى القضب ولا فى البقول كلها صدقة))، هذا قول مالك والشافعى وجميع أصحابهما. وقال أبو حنيفة: فى جميع البقول الزكاة إلا القضب والحشيش والحطب. والدليل على ما نقوله أن الخضر كانت بالمدينة فى زمن النبى ﴾ بحيث لا يخفى ذلك عليه، ولم ينقل إلينا أنه أمر بإخراج شىء منها، ولا أن أحدًا أخذ منها زكاة، ولو کان ذلك لنقل کما نقل ز کاة سائر ما أمر به النبی ﴾﴾ فثبت أنه لا ز کاة فیها. ودليلنا من جهة القياس أنه نبت لا يقتات، فلم تجب فيه الزكاة كالحشيش والقضب. * ما جاء فى صدقة الرقيق والخيل والعسل ٦٧٧ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنٍ ٦٧٧ - أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٧٠، ١٣٧١. ومسلم حديث رقم ١٦٣١، ١٦٣٢، ٠١٦٣٣ والترمذى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٥٦٩، وكتاب الصوم حديث رقم ٦٢٨. والنسائى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٢٤٢٠، ٢٤٢١، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٢٤٢٤، ٢٤٢٥، ٢٤٦٧، ٢٤٦٨، ٢٤٦٩، ٢٤٧٠، ٢٤٧١، ٠٢٤٧٢ وأبو داود فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٥٩، ١٣٦٠، وكتاب المناسك حديث رقم ١٥٩٥. وابن ماجه فى · كتاب الزكاة حديث رقم ١٨٠٢، ١٨١٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٦٩٩٤، ٧٠٩٠، ٧١٤٣، ٧٤٣٠، ٨٩١٣، ٨٩٤٦، ٩٠٧٧، ٩٢٠٩، ٩٦٧٤، ٩٦٩٥، ٠٩٧٩٦ والدارمى فى کتاب الزكاة حديث رقم ١٥٧٦، وكتاب الصوم حديث رقم ١٦٣٢. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٦/٥: هكذا هذا الحديث فى الموطأ عند جماعة الرواة، ورواه حبيب كاتب مالك، عن مالك، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، فأخطأ، وكان كثير الخطأ، وقد نسب إلى الكذب لكثرة غرائبه وخطئه عن مالك؛ وهذا الحديث أيضًا أخطأ فيه يحيى بن يحيى، كخطئه فى الحديث الذى قبله سواء؛ وأدخل بين سليمان وعراك بن مالك واوًا، فجعل الحديث لعبدالله بن دينار، وعراك، وهو خطأ غير مشكل؛ وهذان الموضعان مما عد عليه من= ٢٧٣٠٠٠ كتاب الزكاة مَالِكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى عَبْدِهِ وَلا فِى فَرَسِهِ صَدَقةٌ)). الشرح: قوله : ((ليس فى عبده ولا فى فرسه صدقة))، يقتضى نفى كل صدقة فى هذا الجنس إلا ما دل الدليل عليه، ولا خلاف أنه ليس فى رقاب العبيد صدقة. وذهب مالك والشافعى إلى أنه لا صدقة فى رقاب الخيل. وقال أبو حنيفة: تزكى أنساث الخیل إذا انفردت، ولا تز کی ذکورها. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك، ومن قال بقوله هذا الحديث، وهو قوله: ((ليس على المسلم فى عبده ولا فى فرسه صدقة))، وهذا نفى، والنفى على الإطلاق يقتضى الاستغراق. ودليلنا من جهة القياس أن هذا حيوان لا تجب فى ذكوره الزكاة، إذا انفردت، فلا تجب فيها مع الأناث كالبغال والحمير عكسه الإبل والبقر. ٦٧٨ - مَالِكِ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَالُوا لِأَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّحِ: خُذْ مِنْ خَيْلِنَا وَرَقِقِنَا صَدَقَةُ، فَأَبِى ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنٍ الْخَطّابِ فَأَبِى عُمَرُ ثُمَّ كَلِّمُوهُ أَيْضًا، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَكْتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنْ أَحُوا فَخُذْهَا مِنْهُمْ وَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ وَارْزُقْ رَقِيقَهُمْ. قَالَ مَالِك: مَعْنَى قَوْلِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ يَقُولُ: عَلَى فُقَرَائِهِمْ. الشرح: قوله: ((فأبى عليهم)»، أى أبو عبيدة بن الجراح، دليل على أنه مدة صحبته للنبى ﴿ لم يره أخذ من الخيل، ولا من الرقيق شيئًا، ولذلك امتنع أن يأخذ من هذين الصنفين ولم يمتنع أن يأخذ من سائر المواشى، ولو كان النبى 18 يأخذ من الخيل شيئًا لما خفى ذلك على أبى عبيدة ومثله، ممن كان بلازم النبى ﴿٣ كما لا يخفى عليه أخذه من سائر الماشية. =غلطه فى الموطأ، والحديث محفوظ فى الموطآت كلها وغيرها: لسليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، وهما تابعان نظيران، وعراك أسن من سليمان، وسليمان عندهم أفقه؛ وكلاهما ثقة حليل عالم، وعبدالله بن دينار تابع أيضًا ثقة. وتوفى عراك بن مالك الغفارى بالمدينة، سنة اثنتين ومائة، وتوفى سليمان بن يسار سنة سبع ومائة. ٦٧٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٧٣. عبد الرزاق فى المصنف ٣٥/٤. ٢٧٤ ٠٠ کتاب الزكاة ثم كتب أبو عبيدة فى ذلك إلى عمر بن الخطاب، فوافق قوله قول عمر بن الخطاب، هذا وعمر ممن كان يخرجه النبى ﴿﴿ فى أخذ الصدقات، ولم يعلم أن النبى ﴿﴿ أخذ من الخيل شيئًا، ولو كان فيها شىء لأمره النبى ﴿﴿ بأخذه كما أمره بالأخذ من سائر المواشى. فصل: وقوله: ((ثم كلموه أيضًا))، يريد أن أهل الشام ألحوا فى ذلك على أبى عبيدة ابن الجراح، وكلموه بعد أن أبى عليهم، وبعد أن أبى عمر بن الخطاب، فكتب إلى عمر بمعاودتهم القول، فكتب عمر إليه: ((خذ منهم إن أحبوا))، يريد أن هذا تطوع منهم، ومن تطوع بشىء أخذ منه، سواء كان مما تجب فيه الصدقة أو من غيره. وقوله: ((وارددها عليهم»، يريد على فقرائهم. وقوله: ((وارزق رقيقهم»، يحتمل أن يريد أن يجرى لرقيقهم رزقًا لكونهم فى ثغر من ثغور المسلمين، يستعان بهم فى الحرب، وليس لهم سهم فيرتفقون بأرزق، ويحتمل أن يريد بذلك أن هذا مكافآت لهم على تطوعهم بالصدقة من رقيقهم. ٦٧٩ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنٍ حَزْمٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِى، وَهُوَ بِمِنَّى، أَنْ لا تَأْخُذَ مِنَ الْعَسَلِ وَلا مِنَ الْخَيْلِ صَدَقَةٌ. الشرح: قوله: ((أن لا تأخذ من العسل صدقة))، يقتضى أن لا زکاة فیه من وجهین، أحدهما: أنه نفى أن يؤخذ منه صدقة، وهذا اسم يتناول الزكاة، فاقتضى ذلك منع أخذ الزكاة منه، والوجه الثانى: أنه نهاه أن يأخذ من العسل صدقة، وليس فى العسل صدقة يمكن أن يشار إليها بأن للإمام أخذها غير الزكاة، فإذا منع من أخذ الصدقة منها كان ذلك مقصورًا على الزكاة، وهذا قول مالك والشافعى أنه لا زكاة فى العسل. وقال أبو حنيفة: فیه الزكاة. والدليل على ما نقوله أن هذا طعام يخرج من حيوان، فلم تجب فيه الزكاة كاللبن. ٦٨٠ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ ٦٧٩ - انفرد به مالك. ٦٨٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٧٤. البيهقى فى معلافة السنن والآثار ٨١٠٦/٦. .............. ٢٧٥ کتاب الزكاة صَدَقَّةِ الْبَرَاذِينِ (١) فَقَالَ: وَهَلْ فِى الْخَيْلِ مِنْ صَدَقَةٍ. الشرح: جواب سعيد لمن سأله عن صدقة البراذين، يقتضى أن اسم الخيل واقع عليها وعلى غيرها من العراب فأنكر عليه سؤاله عن صدقة البراذين، بما يقتضى منع الصدقة فى جميع أجناس الخيل؛ لأن هذا السؤال إنما هو على معنى الإنكار لما سأل عنه. جزية أهل الكتاب ٦٨١ - مَالِك، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَخَذَ الْجِزْيَةً مِنْ مَحُوسِ الْبَحْرَيْنِ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسٍ فَارِسَ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَخَذَهَا مِنَ الْبَرْبَرِ. الشرح: قوله: ((أن رسول الله (9 أخذ الجزية من مجوس البحرين))، على ما روى أن رسول الله ﴾ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتى بجزيتها، وأهل الكفر على ضربين، أهل كتاب وهم اليهود والنصارى، وغير أهل كتاب وهم المجوس وعبدة الأوثان وكل من ليس له كتاب، فلا خلاف فى جواز إقرارهم على الجزية، عربًا كانوا أو عجمًا. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]. مسألة: فأما المجوس، فإنه يسن بهم سنة أهل الكتاب فى أخذ الجزية منهم، وليسوا (١) البرذون: نوع من الخيل والبغال غير العربية. ٦٨١ - أخرجه البخارى ٢٠٧/٤ كتاب الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب عن عبدالرحمن ابن عوف. والترمذى فى كتاب السير حديث رقم ١٥١٤. عبد الرزاق فى المصنف ٩٦/٦. ذكره ابن عبد البر فی الاستذكار برقم ٥٧٦. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٥٧/٥: هكذا هذا الحديث فى الموطأ عند جميع رواته. وكذلك رواه معمر، عن ابن شهاب؛ ورواه عبدالرحمن بن مهدى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، والسائب بن يزيد ولد على عهد رسول الله 4 وحفظ عنه، وحج معه، وتوفى النبى ﴿ وهو ابن تسع سنين وأشهر. ورواه ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب. کتاب الزكاة .... ٢٧٦ عنده بأهل كتاب، وبه قال أبو حنيفة، وهو أحد قولى الشافعى، وله قول آخر أنهم أهل كتاب. قال المروزى، من أصحابه: وفائدة القولين أننا إذا قلنا أنهم ليسوا بأهل كتاب لم تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم، وإذا قلنا أنهم أهل كتاب حلت مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأنكر ذلك أكثر أصحاب الشافعى، وقالوا: إن مذهب الشافعى أن لا يجوز منا کحتهم ولا ذبائحهم بوجه. والدليل على ما نقوله بأنهم ليسوا أهل كتاب قوله تعالى: ﴿إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين﴾ [الأنعام: ١٥٩]. ودليلنا من جهة السنة الحديث الذى يأتى بعد هذا إن شاء الله تعالى، قول النبى ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)). ودليلنا من جهة القياس أن المجوس فرقة لا تجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم، فلم يكن أهل الكتاب كعبدة الأوثان. مسألة: وأما عبدة الأوثان وغيرهم ممن ليس بأهل كتاب، فإنهم يقرون على الجزية، هذا ظاهر مذهب مالك. وقال عنه القاضى أبو الحسن: يقرون على الجزية إلا قريش. وقال الشافعى: لا يقرون على الجزية بوجه. وقال أبو حنيفة: لا يقر منهم على الجزية إلا العجم دون العرب، وبه قال ابن وهب من أصحابنا. والدليل على ما نقوله ما روى ابن بريرة، قال: كان رسول الله ﴿﴾ إذا أمر أميرًا على سرية أو جيش وصله، وقال له: ((إذا أنت لقيت عدوًا من المشركين، فادعهم إلى ثلاث، فأيتهن ما أجابوك إليها أقبل منهم، وكفَّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى أن يتحولوا من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن هم أبوا أن يتحولوا إلى دار المهاجرين، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب الإسلام يجرى عليهم حكم الله كما يجرى على المؤمنين، ولا يكون لهم فى الفىء ولا فى الغنيمة شىء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فاسألهم إعطاء الجزية، فإن فعلوا، فاقبل منهم و کف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم»(). ودليلنا من جهة القياس أن هؤلاء أهل دين يجوز استبقاؤهم بالاسترقاق، فجاز استبقاؤهم بالجزية كأهل الكتاب. (*) أخرجه مسلم حديث رقم ١٧٣١. الترمذى حديث رقم ١٦١٧. أبو داود حديث رقم ٢٦١٢. ابن ماجه حديث رقم ٢٨٥٨. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٥٢١. الدارمی حدیث رقم ٢٤٤٢. ٢٧٧ كتاب الزكاة .. ٦٨٢ - مَالِك، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٌّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ: مَا أَدْرِى كَيْفَ أَصْنَعُ فِى أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: ((سُنُوا بِهِمْ سِنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ)). الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: لا أدرى كيف اصنع فى أمرهم؟))، يريد من إقرارهم على دينهم، وأخذ الجزية منهم أو دعائهم إلى الإسلام، فإن أبوه، قوتلوا عليه، ولا تقبل منهم جزية، وهذا من فقه عمر وورعه وتوقيه، فإنه كان إذا أراد الحكم شاور فيه أهل العلم ليقوى فى نفسه ما ظهر إليه بنص ينقل إليه أو موافقة منهم لرأيه. وقول عبدالرحمن بن عوف: ((أشهد لقد سمعت رسول الله ﴿ يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب))(١)، فتوى له بما عندهم من العلم فى ذلك، وأسنده إلى النبى ؟ لتسكن إليه نفس المستفتى، ولا يقال باجتهاد ولا رأى، ولو أخبر بذلك عن رأيه لكان لعمر وغيره أن يقابله برأيه أو يعارضه باجتهاده. وفى هذا دليل أنهم ليسوا من أهل الکتاب. ووجه الدليل أنه أضاف الكتاب إلى غيرهم وأمر أن يسن بهم سنة أهل الكتاب، فلو كانوا أهل كتاب لقال هم من أهل الكتاب، ولم يقل: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. ٦٨٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ ٦٨٢ - أخرجه البخارى فى كتاب الجزية والموادعة حديث رقم ٢٩٢٣. والترمذى فى كتاب السير حديث رقم ١٥١٢. وأبو داود فى كتاب الخراج والإمارة والفىء حديث رقم ٢٦٤٦. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٥٦٩. والبيهقى فى السنن الكبرى ١٨٩/٩ عن عبد الرحمن بن عوف. وابن أبى شيبة ٢٢٤/٣ عن عبد الرحمن بن عوف. وعبد الرزاق فى المصنف برقم ١٠٠٢٥، ٦٩/٦ عن عبدالرحمن بن عوف. وذكره فى الكنز برقم ١١٤٩٠، وعزاه السيوطى إلى ابن أبى شيبة عن عبدالرحمن بن عوف. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٥٨/٥: هذا حديث منقطع لأن محمد بن على لم يلق عمر ولا عبدالرحمن بن عوف، رواه أبو على الحنفى بعن مالك، فقال فيه: (وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده)) وهو مع هذا أيضًا منقطع، لأن على بن حسين لم يلق عمر ولا عبدالرحمن بن عوف. (١) قال ابن عبد البر: هذا من الكلام الذى خرج مخرج العموم، والمراد منه الخصوص لأن المراد فى الجزية لا فى غيرها من الأنكحة والذبائح. ٦٨٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٧٨. عبد الرزاق فى المصنف ٨٧/٦، ٣٢٩/١٠. کتاب الزكاة ٢٧٨ الْخَطَّابِ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ. الشرح: وقوله: ((ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهمًا))، يقتضى أنه قدرها بهذا المقدار، وذلك لما رآه من الاجتهاد والنظر للمسلمين، واحتمال أحوال أهل الجزية. وقد اختلف الناس فى مقدار الجزية، فالذى ذهب إليه مالك أن قدرها على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهمًا لا يزيد على ذلك، فمن كان منهم من يضعف خفف عنه بقدر ما يراه الإمام، هذا هو المذهب. وقال ابن القاسم: لا ينقص من فرض عمر لعسر ولا يزاد عليه لغنى. وقال القاضى أبو الحسن: لا حد لأقلها، قال: وقيل: أقلها دينار وعشرة دراهم. وقال الشافعى: أقلها دينار، ولا يتقرر أكثرها؛ لأنه إذا بذل الغنى دينارًا، لم يجز قتالهم، وهذا تصريح بأن أكثر الجزية دينار. وقال أبو حنيفة: الجزية على ثلاثة أقسام، أقلها: على الفقراء والمتعلمين، اثنا عشر درهمًا ودينار. والثانى: على أوسط الناس، أربعة وعشرون درهمًا وديناران. والثالث: على أغنيائهم ثمانية وأربعون درهمًا وأربعة دنانير. والدليل على ما نقوله أن هذا فعل عمر بن الخطاب، وحكمه بحضرة المهاجرين والأنصار وفضائله تسمع وتشهر، ولم يخالفه فى ذلك أحد ولا أنكر فعله، فثبت أنه إجماع. فصل: وقوله: ((مع أرزاق المسلمين))، يريد أقوات من عندهم من أجناد المسلمين على قدر ما جرت عادة أهل تلك الجهة من الاقتيات. وقد روى ذلك مفسرًا، روى أسلم أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم أن لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسى، وجزيتهم أربعون درهمًا على أهل الورق منهم، وعلى أهل الذهب أربعة دنانير. وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت مدين من الحنطة، وثلاثة أقساط زيت كل شهر لكل إنسان والكسوة التى يكسوها أمير المؤمنين الناس ضريبة، ويضيفون من نزل بهم من المسلمين ثلاث ليال وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعًا ٢٧٩ کتاب الزكاة . لكل إنسان فى كل شهر وودك لا أدرى كم هو ولا تضرب الجزية على النساء والصبيان ويختم فى أعناق رجال أهل الذمة. فصل: وقوله: ((وضيافة ثلاثة أيام))، يريد ضيافة المار المسافر من المسلمين يكون ذلك على أهل الذمة أقصى أمد ضيافته ثلاثة أيام؛ لأنها فرق بين السفر والإقامة، ولذلك من عزم على مقام يوم زائد عليها أمر بإتمام الصلاة؛ لأن الغالب أن المسافر لا يتلوم لطالب رفقة أو تعذر حاجة أكثر من ثلاثة أيام، فإن أراد مقام أكثر من ذلك، فهو مقيم لا يلزم أهل الذمة ذلك، والذى يلزمهم من ضيافة المسلمين فى مدة الضيافة ما سهل عليهم وجرت العادة به. وقد روى أسلم أن أهل الشام اشتكوا إلى عمر بن الخطاب حين قدم عليهم الجابية أنه إذا نزل بهم أحد من المسلمين كلفهم ذبح الغنم والدجاج، فقال عمر بن الخطاب: اطعموهم مما تأكلون لا تزیدوهم علیه. وروى ابن المواز عن مالك أنه قال: ويوضع من أهل الجزية ضيافة ثلاثة أيام؛ لأنه لم يوف لهم، وهذا يدل على أنها لازمة مع الوفاء بما عوهدوا عليه. ٦٨٤ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّ فِى الظّهْرِ(١) نَاقَةٌ عَمْيَاءَ، فَقَالَ عُمَرُ: ادْفَعْهَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَنْتَفِعُونَ بِهَا، قَالَ: فَقُلْتُ: وَهِىَ عَمْيَاءُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَقْطُرُونَهَا بِالإِلِ، قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ تَأْكُلُ مِنَ الأَرْضِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَمِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ هِىَ أَمْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، فَقُلْتُ: بَلْ مِنْ نَعَمٍ الْجِزْبَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَرَذْتُمْ وَاللَّهِ أَكْلَهَا، فَقُلْتُ: إِنَّ عَلَيْهَا وَسْمَ(٢) الْجِزِيَةِ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَنْجِرَتْ وَكَانَ عِنْدَهُ صِحَافٌ تِسْعٌ، فَلا تَكُونُ فَاكِهَةٌ وَلا طُرَيْفَةً إِلا جَعَلَ مِنَّهَا فِى ◌ِلْكَ الصِّحَافٍ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَزْوَاجِ النّبِىِّ :﴿ وَيَكُونُ الْذِى يَبْعَثُ بِهِ إِلَى حَفْصَةَ ابْنِهِ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ كَانَ فِى حَظٌّ حَفْصَةَ. قَالَ: فَحَعَلَ فِى ◌ِلْكَ الصِّحَافِ مِنْ لَحْمٍ ◌ِلَّكَ الْحَزُورِ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَزْوَاجِ النّبِىِّ ﴿ وَأَمَرَ بِمَا بَقِىَ مِنْ لَحْمٍ تِلْكَ الْحَزُورِ فَصُنِعَ فَدَعَا عَلَيْهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ. ٦٨٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٧٩. (١) الظهر: ما يركب عليه من الدواب. (٢) الوَسْم: وضع العلامة بالكىّ. کتاب الزكاة ٢٨٠ الشرح: قوله: ((فى الظهر ناقة عمياء))، على معنى إطلاع الإمام على ما غاب عنه من النعم ليرى فيها رأيه، فأمره أن يدفعها إلى أهل بيت من المسلمين ينتفعون بها فى الحمل عليها، فراجعه أسلم بعدم الانتفاع بظهرها لكونها عمياء، وأن أمرها مما يوؤل إلى نحرهم إياها، فقال عمر: ((تقطر بالإبل، فتمشى مع جملتها، وتهتدى بها)، فقال أسلم: ((فكيف تأكل من الأرض؟))، يريد أنها لا تبقى إذا لم تقدر على الأكل؛ لأنها لا تبصر مراعی الإبل ولا تعلم به. وهذا يدل على أن العمى أمر حدث بها حينئذ، فلما رأى عمر مراجعة أسلم له بأنها لا يمكن اقتناؤها ولا منفعة فيها إلا للأكل، سأل: ((أمن نعم الصدقة هى؟)) ليعلم اختصاصها بالمساكين، ((أو من نعم الجزية؟))، فيعلم أن أكلها جائز الأغنياء والفقراء، فلما قال: ((هى من نعم الجزية))، علم أن مراجعته إياه بأن لا منفعة فيها كان يدعوهم لأكل أمثالها من نعم الجزية، فاعتقد فى أسلم رغبة فى ذلك، فقال: ((أردتم والله أكلها))، فاستظهر أسلم بوسم الجزية عليها، وذلك مقتضى مخالفة وسم الجزية لوسم الصدقة احتیاطًا من عمر ليصرف کل مال فى وجهه. فصل: وقوله: ((وأمر عمر بها فنحرت وكان عنده صحاف تسع فلا يكون عنده فاكهة ولا طريفة إلا جعل منها فى تلك الصحاف))، يقتضى أنه قد كانت تكون عنده الطرائف والفواكه، ويحتمل أن يكون ذلك من أموال الجزية والأحباس وخراج الأرضين وسائر الوجوه المباحة للأغنياء، فكأنه أعد هذه الصحاف على عدة أزواج النبى ﴿﴿ ليتعاهدهن بالفواكه والطرائف ومراقبة للنبى ﴿ وحفظًا له فى أهله بعده. وكان عمر، رضى الله عنه، لاختصاص حفصة به يجعل لها من آخر من يجعل لها منهن، وإن نقص بعض السهام عن المساواة جعل النقص فى حظها طلب مرضات غيرها، وعلمًا بأنها سترضى ذلك من فعله ولا تأسف من إيثاره عليها إذ كان أباها ويجوز له التبسط عليها وتتيقن محبته فيها. فصل: وقوله: ((وأمر بما بقى من لحم تلك الجزور فصنع فدعا عليه المهاجرين والأنصار))، يريد أنه دعاهم إلى أكله استئلافًا لهم وإيناسًا وتواسيًا فى مال الله تعالى وهى سنة للإمام أن يجمع وجوه أصحابه للأكل عنده، وقد كان جعل لعثمان بن يسار بالكوفة فى كل يوم نصف شاة لهذا المعنى وجعل لصاحبيه ربع شاة ربع شاة. قَالَ مَالِك: لا أَرَى أَنْ تُؤْخَذَ النّعَمُ مِنْ أَهْلِ الْحِزْيَةِ إِلا فِى حِزْيَتِهِمْ. ٢٨١ کتاب الزكاة الشرح: وهذا كما قال، ومعناه أن النعم لا تؤخذ منهم صدقة كما تؤخذ من المسلمين لأنهم لا زكاة عليهم فى أموالهم، وإنما تؤخذ منهم النعم فى جزيتهم بقيمتها، وقد فسر ذلك ابن وهب فى جامعه فقال: وأخبرنى مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يؤتى بنعم كثيرة من نعم الإبل فيأخذها فى الجزية، قال: وذلك بالقيمة تكون جزیته عشرة دنانير، فتوخذ بنت مخاض بكذا وكذا، وابنة لبون بکذا و کذا، فيكون ذلك بالقيمة. وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم فى بلاد المسلمين، والذب عنهم والحماية لهم، والعين يتعذر عليهم أو على أكثرهم، فكان يؤخذ منهم على وجه الرفق بهم والتيسير عليهم وكذلك سائر العروض والثياب. ٦٨٥ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كْتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَضَعُوا الْجِزْيَةَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحِزْيَةِ حِينَ يُسْلِمُونَ. الشرح: قوله: ((أن عمر بن عبدالعزيز كتب إلى عماله أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حين يسلمون))، يحتمل أن يريد به وضعها عنهم فى المستقبل، ويحتمل أن يريد به وضع ما بقى عليهم منها، فلا يطلبون به، وهذا هو الأولى والأظهر؛ لأنه إذا احتمل اللفظ المعنيين حمل عليهما إذ لا تنافى بينهما. ووجه آخر أنه لا يخفى على عامل عمر ولا غيره من الجهال أن من أسلم لم يثبت عليه جزية مستقبلة، فحمل الكلام على ذلك يبطل فائدته، وحمله على إبطال ما بقى عليه من الجزية يقتضى فائدته، ومثل هذا مما يمكن أن يحتاج عمر إلى أن یکاتب به، ويحمل الناس على رأيه فيه. وإلى هذا ذهب مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعى: لا يسقط عنه ما بقى من الجزية، ويؤديها فى حال إسلامه. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. ودليلنا من جهة القياس أن هذه عقوبة تختص بالرجال وتجب بالكفر، فوجب أن تسقط بالإسلام، وكذلك القتل. مسألة: إذا ثبتت الجزية على الذمى سقطت موته، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعى: لا تسقط بموته. ودليلنا أن هذه عقوبة، فوجب أن تسقط بالموت كالحدود. ٦٨٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٨٠.