النص المفهرس

صفحات 1241-1260

کتاب الزكاة
٠٢٤٢
يرى الوالى))، يريد بالحاجة أن يكونوا أشد فقرًا من غيرهم وأكثر عددًا وأقل مرافق،
والإيثار يكون على ضربين، أحدهما: أن يعطى صنف الحاجة الأكثر ويعطى غيرهم
الأقل، والثانى: أن يعطى صنف الحاجة الجميع ولا يعطى غيرهم شيئا، وذلك جائز عند
مالك، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعى: لا يجزى مع وجود الأصناف إلا أن يدفع إلى جميعهم، فإن عدموا
جاز أن يدفع الجميع إلى من وجد إلا العامل، فلا يجوز دفع الجميع إليه.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله 48: ((فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ
من أغنيائهم فترد على فقرائهم)). ودليلنا من جهة القياس أن هذه صدقة يجب صرفها
إلى الفقير، فجاز أن يحضوا بها كالكفارات.
فصل: وقوله: ((عسى أن ينقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين))، يريد
العطاء لأجل الحاجة؛ لأن الشدة والحاجة لا تبقى على حال واحدة، بل ينتقل من قوم
إلى قوم، ويكون العطاء لكل إنسان بقدر حاجته وكثرة عياله، وقلة تصرفه، وقلة
سؤاله، وما يعرف من صلاحه، وليس لذلك حد، وإنما هو على قدر الاجتهاد، فأما
كثرة العيال، فإن حاجة من تلزمه نفقتهم أكثر وغناء ما يدفع إليه عنه أقل؛ ولأن كل
واحد من عياله من أهل الصدقة، وإذا كانت نفقته تجب على من لا مال له، فإن ذلك
وجوب لا ینتفع به ولا یغنی عنه.
وأما قلة التصرف، فإن الفقير الذى له التصرف أقدر على الاكتساب، وتنمية ما
يعطى من الزكاة، والاستغناء عن غيره الذى لا تصرف له، ولا قدرة به على
الاكتساب، فهذا يسرع إليه الضياع، ويتعجل إتلاف ما بيده، فكان أولى بالزيادة.
وأما قلة السؤال، فإن فى السؤال نوعًا من الاكتساب، فالسائل يستعين بسؤاله،
والذى لا يسأل يشتد أمره، فيجب أن يزاد من العطاء والسؤال مكروه إلا لضرورة،
فيجب أن يعان هذا الذى لا يسأل على ما التزم من ترك السؤال.
وأما صلاح الحال فروى المغيرة عن مالك: يؤثر الفقير الصالح لحسن حاله، ولا يمنع
لسوء حاله، ويعطى القوى البدن، ولا يمنع لقوة بدنه، وهذه الصفات مذكورة فى قوله
تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربًا، فى الأرض يحسبهم
الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافًا وما تنفقوا من خير
فإن الله به عليم﴾ [البقرة: ٢٧٣].

٢٤٣
كتاب الزكاة
مسألة: وكم يعطى من الصدقة؟ روى على بن زياد وابن نافع عن مالك: ليس فى
ذلك حدًا، وإنما هو على اجتهاد المتولى، قيل: فيعطى الفقير قوت سنة ثم يزيده، فقال:
ذلك بقدر ما يرى القاسم، وقد يقل المساكين وتكثر الصدقة.
روى عن المغيرة: يعطى أقل من النصاب ولا يبلغه.
وجه الرواية الأولى أن أحوال الناس تختلف بما ذكر من الصفات، فيعطى كل إنسان
بقدر حاجته، وإن كان ذلك أكثر من عشرين دينارًا كقضاء دين الغريم. ووجه الرواية
الثانية أن الشريعة فرقت بين من يأخذ الصدقة، وبين من تدفع إليه وقررت أخذها من
الغنى الذى له عشرون دينارًا، وأن الصدقة تعطى للفقير، فيجب أن لا يعطى لمن ملك
عشرین دینارًا؛ لأن ذلك حد بین الغنى والفقير.
مسألة: وصفة إعطاء الصدقة أن يخرجها المتصدق من يده، ولا يحبسها عنده،
ويفرقها على من تصدق بها عليه، قاله المغيرة عن مالك. والفقراء أجانب للمتصدق
وأقارب، فأما الأجانب، فلا خلاف فى جواز دفع الزكاة إليهم، وأما الأقارب فعلى
ضربين: ضرب يلزم رب المال الإنفاق عليهم، وضرب لا يلزمه ذلك لهم.
فأما من يلزم رب المال الإنفاق عليهم بأصل، فلا يجوز له دفع زكاته إليهم؛ لأنهم
أغنياء بما يستحقون من النفقة عليهم، وأما من لا تلزمه النفقة عليهم، فلا يخلو أن
يكونوا فى عياله أو لا يكونون، فإن كانوا فى عياله، فقد روى مطرف عن مالك أنه لا
ينبغى له أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد أساء، ولا يضمن إن لم يقطع عن نفسه بذلك
الإنفاق عليهم. وقال ابن حبيب: فإن قطع بذلك الإنفاق عن نفسه، فلا يجزئه.
ووجه ذلك أنه انتفع بزكاة ماله حيث قطع بها عن نفسه نفقة من قد كان التزم
الإنفاق عليه، والقيام به وأظهر الإحسان إليهم، واستعان على ذلك بزكاة ماله.
مسألة: وأما من لم يكن فى عياله، فلم يختلف قول مالك أنه يجوز صرف الزكاة
إليه، إذا ولى غيره إخراج زكاته، واختلف قوله: ((إذا تولى هو إخراج زكاته)، فروى
عنه مطرف أن مالكًا كان يعطى قرابته من زكاته.
وروى الواقدى عنه أن أفضل من وضعت فيهم زكاتك أهل رحمك الذين لا
تعول.
وجه رواية ابن القاسم أن الكراهية تتوجه فى ذلك من وجهين، أحدهما: أن يريد

کتاب الزكاة
٢٤٤
بذلك صلة أقاربه، وصرف مذمتهم عنه. والوجه الثانى: أن يميل به حب أقاربه إلى
إيثارهم.
ووجه رواية مطرف والواقدى أن إخراج الزكاة مبنى على صرفها إلى من يختص بمن
يخرجها ما لم تلزمه نفقته، ولذلك اختصت بأهل البلد. والأصل فى ذلك قوله :
((وأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)).
مسألة: وإن أعطت المرأة زوجها الفقير من صدقة مالها، فهل تجزئها أم لا؟ روى
ابن حبيب عن مالك أنها لا تجزئها. وقال ابن حبيب: إن صرف ذلك فى منافعها لم
يجزها، وإن لم يصرف ذلك فى منافعها، وكان محتاجًا أجزأها، وبه قال أشهب.
وجه رواية الجواز أنه لا يلزمها الإنفاق عليه، ولا على بنيه، فجاز لها صرف
زكاتها إليه كالأجنبى. ووجه رواية المنع أن المرأة تستحق الإنفاق عليه، فكان لها أن
تعطی صدقتها غريمها ليستعين بها على أداء دينها.
قَالَ مَالِك: وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصََّقَاتِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّةٌ إِلا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى
الإِمَامُ.
الشرح: وهذا كما قال أنه ليس لما يعطى العامل على الصدقة حد، وإنما ذلك إلى
اجتهاده، فيجتهد فى أمره على بعد سعيه وقربه، ومشقته، ويسارته وقلته، وما يلزمه
من المؤنة فى ذلك لنفقته، فإن أعطاه نفقة من بيت المال قصر من عطائه، وإن كان لم
يعطه نفقة زاد فى عطائه.
ما جاء فى أخذ الصدقات والتشديد فيها
٦٧١ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ قَالَ: لَوْ مَنَّعُونِى
٦٧١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٦٥ . .
وقال فى الاستذكار ٢٢٤/٩: هذا فيه حديث يتصل عن النبى
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا قتيبة بن
سعيد، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهرى، قال: أخبرنى عبيدالله بن عبدالله، عن
أبى هريرة، قال: لما توفى رسول الله ﴿﴿ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب،
قال عمر لأبى بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى=

٢٤٥٠٠
........
کتاب الزكاة
عِقَالا(١) لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ.
الشرح: قوله، رضى الله عنه: (لو منعونى عقالاً)) روى عيسى عن ابن القاسم أنه
قال: العقال القلوص. ورواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك. وقال محمد بن عيسى:
العقال واحد العقل التى يعقل بها الإبل؛ لأن الذى يعطى البعير فى الزكاة يلزمه أن
يعطى معه عقاله، فيقول: لو أعطونى البعير ومنعونى عقاله الذى يعقل به لجاهدتهم
علیه.
وقد روى أن عمر كان يأخذ مع كل فريضة عقالاً ورواء الخيل.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى أن يكون قصد بذلك المبالغة
فى تتبع الحق، وأنه لا يأخذ منهم إلا جميع ما كان يأخذه منهم رسول الله ﴾، وهذا
كما يقول القائل فى الشاة: والله لا تركت منها شعرة، ولا يريد بذلك الشعرة، فإنه لا
يمكن تتبعها.
ويحتمل أن يريد بقوله: ((لو منعونى عقالاً))، لو منعونى ما يساوى عقالاً، وذلك بأن
يكون ما يعطيه يقصر عن حقه الذى لا يجوز التقصير عنه بقيمة العقال؛ لأنه لا يجوز له
أخذه ولا التجاوز فيه. وقال أبو عبيد: العقال صدقة عام.
وروى أن معاوية بن أبى سفيان بعث عمرو بن عيينة بن أبى سفيان، وهو ابن أخيه
ساعيًا على كليب، فأساء فيهم السيرة، فقال شاعرهم:
فکیف لو قد سعى عمرو عقالين
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا
لأصبح القوم أو نادوا ولم يجدوا عند التحمل للهيجا حمالين
یرید صدقة عامین.
٦٧٢ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنْهُ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَّا فَأَعْجَبَهُ
=يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على
الله))، فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعونى
عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﴾ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو
إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبى بكر للقتال، فعرفت أنه الحق .!
أخرجه البخاری حدیث رقم ٧٢٨٥. مسلم فى حديث رقم ٢٠٠. الترمذى حديث رقم ٢٦٠٨.
النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٤٤٣.
(١) العقال: الحبل الذى تربط به الدابة.

٢٤٦
كتاب الزكاة
فَسَأَلَ الَّذِىِ سَقَاهُ مِنْ أَيْنَ هَذَا الَبْنُ؟ فَأَخْبُرَهُ أَنْهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا نَعَمّ
مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَّةِ، وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَبُوا لِى مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ فِى سِقَائِى، فَهُوَ هَذَا،
فَأَدْخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ.
الشرح: قوله: ((أنه شرب لبنًا فأعجبه))، يريد استطابه، فسأل من سقاه إياه، فذكر
أنه من نعم الصدقة، وأنه أخذه بغير عوض، فأدخل عمر يده فاستقاءه.
ووجه ذلك أن اللبن كان من الصدقات، ولعلها لم تبلغ محلها؛ لأنه يحتمل أن يكون
هذا اللبن أعطى لمن ليس من أصناف الصدقة مثل أن يكون غنيًا أو مملوكًا، فلذلك
استقاءه عمر، رضى الله عنه، وإنما استقاءه لئلا ينتفع به، وهو لا يستديم لذته ولا
يسوغ نفسه لذة أصلها محظورة، وإن لم يأتها قصدًا وهذا نهاية فى الورع والتوقى.
وإن كان الذى سقاه إياه عبده، ولعله قد أخرج قيمته مع ذلك وأوصلها إلى
المساکین.
ولو كان الذى حلب له هذا اللبن مستحقًا للصدقة لما حرم على عمر، رضى الله
عنه، القصد إلى شربه، ولجاز له ذلك كما جاز لرسول الله ﴿4 أكل اللحم الذى
تصدق به على بريرة، وقال: ((هو لها صدقة ولنا هدية)) وهذا الذى فعله عمر بن
الخطاب لم یکن واجبًا علیه؛ لأنه قد استهلكه بالشرب، ولا فائدة فى أکثر مما ذکرنا
من ترك الانتفاع به تورعًا.
وقد سأل يحيى بن مزین، عيسى بن دينار، فقال له: أرأيت لو أن رجلاً أصابه مثل
هذا أكان يفعل مثل ذلك؟ فقال عيسى: نعم، ما أحسن ذلك، وإنما أراد التناهى فى
الورع؛ لأن ذلك هو الواجب عليه اللازم له.
قَالَ مَالِك: الأمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ مَنْعَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَحَلَّ فَلَمْ
يَسْتَطِعِ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا، كَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ جِهَادُهُ حَتّى يَأْخُذُوهَا مِنْهُ.
الشرح: وهذا كما قال أن من منع حقًّا من حقوق الله التى لا تختلف فى وجوب
دفعه يجب على المسلمين جهاده حتى يأخذوه منه، وهكذا فعل أبو بكر فى أهل الردة
لما منعوا الزكاة جاهدهم عليها، وأجمع المسلمون على صواب فعله فى ذلك، ويحتمل
أن يريد هاهنا بالفريضة الزكاة خاصة، ويحتمل أن يريد سائر الحقوق التى يكون
حکمها حکم الزكاة فى ذلك.
٦٧٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٦٦.

٢٤٧
کتاب الزكاة
٦٧٣ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَامِلا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَبَ إِلَيْهِ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلا
مَنَعَ زَكَاةً مَالِهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ دَعْهُ وَلا تَّأْخُذْ مِنْهُ زَكَاةٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ:
فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَأَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ زَكَاةَ مَالِهِ، فَكَتَبَ عَامِلُ عُمَرَ إِلَّيْهِ
يَذْكُرُ لَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ خُذْهَا مِنْهُ.
الشرح: قوله: ((أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز كتب إليه أن رجلاً منع الزكاة)) على
حسب ما يجب للعامل والوالى من مطالعة أمير المؤمنين بما يحدث من أمور الناس وأخذ
رأيه فيما يراه من ذلك من الأحكام، وما كتب به عمر بن عبدالعزيز: ((دعه ولا تأخذ
منه شيئًا مع المسلمين)) تلطف منه، رضى الله عنه، فى إغراء الرجل المانع للزكاة بأدائها
وتوبيخًا له وتبیینًا لقبح ما يؤدى إليه فعله.
فلما علم من حال ذلك الرجل أنه ممن يميز مثل هذا ولا يزجر به ولا يرضى
بالإصرار عليه، ولو أصر هذا المانع للزكاة على المنع وتمادى لما أقره عمر على ذلك
ولقهره على دفعها ولو أدى ذلك إلى قتله، ولكن هذا من حسن نظره واجتهاده
وتلطفه أن يبدأ بالتوبيخ قبل الجهاد والقتل، ومن منع الزكاة فالواجب أن يعظه الوالى
ويوبخه، فإن أصر على المنع أجبره على أخذها منه، وهذا فيما إلى الإمام قبضه من
الحب.
زكاة ما يخرص من ثمار النخيل والأعناب
٦٧٤ - مَالِكِ، عَنِ الْقَةِ عِنْدَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنٍ يَسَارٍ، وَعَنْ يُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَالْبَعْلُ (١) الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ
بِالْنّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ).
٦٧٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٦٧.
٦٧٤ - أخرجه البخارى ٢/ ١٥١ كتاب الزكاة باب العشر فيما سقى من ماء السماء عن ابن
عمر. مسلم ٦٧٥/٢ كتاب الزكاة، باب ١ رقم ٧ عن جابر بن عبدالله. أحمد ٣٤١/٣ عن
جابر بن عبد الله. البيهقى فى الكبرى ١٣٠/٤ عن سالم بن عبدالله، عن أبيه. ابن خزيمة برقم
٢٣٠٨، ٣٧/٤ عن سالم بن عبدالله، عن أبيه.
(١) البعل: نبات يشرب بعروقه لا بسقيه.

٢٤٨
کتاب الزكاة
الشرح: قوله : ((فيما سقت السماء والعيون))، ما سقت السماء هو ما لم يكن
له سقى إلا بالمطر. ((وما سقت العيون))، فهو ما سقى بالعيون الجارية على وجه الأرض
التى لا يتكلف فى رفع مائها آلة ولا عملاً وهو السيح، وأما البعل، فقال أبو داود:
البعل ما شرب بعروقه، وكذلك قال أبو عبيد فى غريب الحديث وأنشد:
من الواردات الماء بالقاع تستقى بأعجازها قبل استقاء الحناجر
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى والله أعلم، أن معناه أن
أصولها تصل إلى المياه تحت الأرض، فيقوم لها مقام السقى، ولا تحتاج أن تسقى بما
ينزل إلى عروقها من وجه الأرض من مطر أو غيره.
وقال ابن حبيب: البعل ما شرب بعروقه من غير سقى سماء ولا غيرها، والسيح ما
سقته السماء، وهذا شىء لا أراه يكون إلا بمطر، إلا أنها على كل يأخذها سقى النيل،
والله أعلم، فهذا فيه العشر لقلة مؤنة سقيه.
وأما النضح، فهو الرش والصب، فما سقى بالنضح هو ما يسقى بما يستخرج من
الآبار بالمغرب أو بالسانية ويستخرج من الأنهار بآلة، ففى هذا نصف العشر لكثرة
مؤنته، وهذا أصل فى أن لشدة النفقة وخفتها تأثيرًا فى الزكاة.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن سقى حبه أو ثمرته فى جميع عامه بأحد الأمرين كان
ذلك حكمه، وإن اختلف أمره، فكان مرة يسقى بالنضح، ومرة بماء السماء، فإننا
ننظر، فإن تساوى الأمر فيهما كان عليه ثلاثة أرباع العشر، وإن كان أحد الأمرين
أكثر كان حكم الأقل تبعًا للأكثر؛ لأن التتبع له يشق، والتقدير يتعذر، والزكاة مبنية
عند المشقة فى مراعتها على المساواة بين أرباب الأموال، ومستحقى الزكاة.
وحكى القاضى أبو محمد فى ذلك روايتين، إحداهما: ما ذكرناه. والثانية: أن
الاعتبار بما حيى به الزرع وثم، وإن كان الأقل. قال: ووجهه بالسقى كمال الزرع
وانتهاؤه إلى حيث ينتفع به، وهذا لا يوجد إلا فيما يحيا الزرع به أو يفوت بقواته.
قال: والأصول تشهد بما قلناه، يداين غرماءه فى سقى زرعه، والنفقة عليه، ثم يفلس،
فإنه يبدأ بآخرهم نفقة؛ لأنه هو الذى أحيا الزرع بنفقته وسقيه.
٦٧٥ - مَالِكِ، عَنْ زِيَادٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لا يُؤْخَذُ فِى صَدَقَةٍ
٦٧٥ - أخرجه أبو داود بنحوه مرفوعًا برقم ١٦٠٧، ١١٣/٢ كتاب الزكاة باب ما لا يجوز من
الثمرة عن أبى أمامة بن سهل، عن أبيه. والدارقطنى ١٣٠/٢ عن أبى أمامة بن سهل عن أبيه .=

کتاب الزكاة
٢٤٩٠
.....
النّخْلِ الْجُعْرُورُ وَلا مُصْرَانُ الْفَارَةِ وَلا عَذْقُ ابْنٍ حُبَيْقٍ. قَالَ: وَهُوَ يُعَدُّ عَلَى صَاحِبٍ
الْمَالِ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِى الصَّدَقَةِ.
قَالَ مَالِك: وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ الْغَنَمُّ تُعَدُّ عَلَى صَاحِبِهَا بِسِخَالِهَا، وَالسَّخْلُ لا يُؤْخَذُ
فِى الصَّدَقَةِ وَقَدْ يَكُونُ فِى الأَمْوَالِ ثِمَارٌ لا تُؤْخَذُ الصَّدَقَّةُ مِنْهَا مِنْ ذَلِكَ الْبُرْدِىُّ وَمّا
أَشْبَهَهُ لا يُؤْخَذُ مِنْ أَدْنَاهُ كَمَا لا يُؤْخَذُ مِنْ خِيَارِهِ. قَالَ: وَإِنْمَا تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ
أَوْسَاطِ الْمَالِ.
الشرح: قوله: ((لا يؤخذ فى صدقة النخل الجعرور ولا مصران الفأرة ولا عذق ابن
حبيق))، هذه أنواع من ردىء التمر، فنهى أن تخرج فى زكاة التمر، وذلك أن التمر
المزكى لا يخلو أن يكون لونًا واحدًا أو أكثر من ذلك، فإن كان لونًا واحدًا، وكان من
وسط التمر أدى منه، وإن كان من ردىء التمر، فالذى يظهر من قوله فى الموطأ ورواه
ابن نافع عن مالك: أن عليه أن يشترى الوسط من التمر، فيؤدى عن زكاة هذا
الردىء، وبه قال عبدالملك بن الماجشون.
وروى ابن القاسم وأشهب عن مالك: يؤدى منه، وليس هذا كالماشية، واختاره ابن
نافع.
وجه رواية ابن نافع أن هذا مال يقتضى زكاته الإمام، فلم يجز أن يخرج فى زكاته
الردىء منه كالماشية. ووجه رواية ابن القاسم أن هذا مال یزكى بالجزء منه، فوجب أن
يخرج زكاته منه رديئًا كان أو جيدًا كالعين، والفرق بينه وبين الماشية أن الزكاة تجلب
إلى من تدفع إليه، وتنقل من موضع إلى موضع للضرورة إلى ذلك والماشية لا مؤنة فى
حمل الوسط منها، فلو أجيز فيها المريض والأعرج لما أمكن حمله إن احتيج إلى ذلك.
مسألة: فإن كان التمر جيدًا كله، فالذى يقتضيه قوله فى الموطأ، واختاره سحنون
أنه يأتى بالوسط ويجزئه ولا يؤخذ منه الجيد، وهذا على رواية ابن نافع. وروى ابن
القاسم عن مالك أنه يؤخذ من الجيد، والقولان مبنيان على ما قدمناه.
مسألة: فإن کانت أنواع التمر كثيرة، فعن مالك فى ذلك روایتان، روى عنه ابن
=والطحاوى بشرح المعانى ٢٠١/٤ عن أبى أمامة بن سهل، عن أبيه.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٣/٥: وهذا مروى عن ابن شهاب، عن أبى إمامة بن سهل، عن
أبيه، عن النبى 58. هكذا يرويه سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، عن ابن شهاب.

كتاب الزكاة
.
٢٥٠
القاسم: يؤدى الزكاة من أوسطه. وروى عنه أشهب: يؤدى من كل صنف بقدره.
فوجه قول ابن القاسم يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون هذا مبنيًا على رواية ابن
نافع المتقدمة، والثانى: أن الأنواع إذا كثرت لحقت المشقة فى إخراج الزكاة من كل
جزء منها وشق حساب ذلك وتمييزه، فكان الأعدل الرجوع إلى وسط ذلك، ويلزم ابن
القاسم أن يقول فى الذهب والورق مثله.
ووجه رواية أشهب أن هذا مال يخرج زكاته بالجزء منه ولا مضرة فی قسمته،
فوجب أن يخرج زكاة كل جزء منه كما لو كان جزءًا واحدًا أو جزءين.
فرع: وهذا إذا كانت الأنواع متساوية، فإن كان الواحد هو الكثير وسائرها الأقل،
فقال عيسى بن دينار: تؤخذ الزكاة من الكثير ولا يلتفت إلى الأقل.
فصل: وقوله: ((وهو يعد على رب المال ولا يؤخذ منه فى الصدقة))، يبين أنه وإن
كان لا يقبل فى الصدقة ويكلف صاحبه الوسط، فإنه يحسب عليه، وتؤخذ منه الزكاة.
وصرح مالك بقياس ذلك على الغنم فقال: وإنما مثل الغنم تعد على أصحابها
بسخالها، ولا تؤخذ فى الصدقة.
فيحتمل أن يكون كلام مالك فى هذه المسألة على تمر فيه الجيد والردىء والوسط،
فيؤدى الزكاة من وسطه، ولا تؤخذ من الجيد ولا من الردىء، وإن كان يعد على
أربابه إلا أنه إذا كان عنده جيد كله أو ردىء كله أخذ منه، ولا يكلف أن يأتى
بالوسط من غيره.
ويحتمل أن يكون كلامه فى الصدقة فى التمر فى الجملة لمن كان تمره على ما
ذكرناه، فيؤخذ منه، وإن كان تمره كله جيدًا ورديئًا، فيأتى بالوسط ولا يؤخذ منه ما
عنده من الجيد أو الردىء، وهذا أظهر لما قاسه على الماشية.
ولذلك قال: ويكون فى الأموال ثمار لا يؤخذ منها، وإنما يؤخذ من غيرها عنها
البرنى، وهذا من أفضل أنواع التمر، ثم قال: ولا يؤخذ من رديئه كما لا يؤخذ من
جيده، وإنما الصدقة من أوسط المال. وقد ذكر فى المجموعة عن مالك أنه قال: العجوة
من وسط التمر، فعلى هذا معنى هذه المسألة، والله أعلم.
قَالَ مَالِك: الأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنْهُ لا يُخْرَصُ (١) مِنَ الثّمَارِ إِلا النّخِيلُ:
(١) الخرَص: تقدير الثمار على رءوس الشجر بالتخمين.

............. ٢٥١
كتاب الزكاة
وَالأَعْنَابُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْرَصُ حِينَ يَبْدُوِ صَلَاحُهُ، وَيَحِلُّ بَيْعُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ ثَمَرَ النَّخِيلِ
وَالأَعْنَابِ يُؤْكَلُ رُطَبًا وَعِنْبًا، فَيَخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ لِلتّوْسِعَةِ عَلَى النّاسٍ، وَلِفَلا يَكُونَ
عَلَى أَحَدٍ فِى ذَلِكَ ضِيقٌ، فَيَخْرَصُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُخَلَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ يَأْكُلُونَهُ كَيْفَ
شَاءُوا ثُمَّ يُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ عَلَى مَا خُرِصَ عَلَيْهِمْ.
الشرح: وهذا كما قال أن النخيل والكروم تخرص عند مالك دون سائر ما تجب فيه
الزكاة من الحيوان والثمار، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا يخرص شىء من
ذلك.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ما روى أبو حميد الساعدى، قال: غزونا مع
النبى ﴿﴿ غزوة تبوك، فلما جاء وادى القرى إذا امرأة فى حديقة لها، فقال النبى ﴾
لأصحابه: ((اخرصوا) وخرص رسول الله ﴿لَّه عشرة أوسق، فقال لها: ((أحصى ما
يخرج منها))، فلما رجع إلى وادى القرى قال للمرأة: ((كم جاءت حديقتك؟))(*)،
قالت: عشرة أوسق، خرص رسول الله
ودليلنا ما روى عتاب بن أسيد: أمر رسول الله 8 أن يخرص العنب كما يخرص
النخيل فتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا() .
ودليلنا من جهة المعنى أن الزكاة تجب فى هذه الثمار إذا بدا صلاحها، والعادة
جارية بأن يأكل أهلها منها رطبًا وعنبًا، ويبيعون ويعطون ويتصرفون، فإن أبحنا ذلك
لهم دون خرص أتى على التمرة، فلم يبق للمساكين ما يزكى إلا اليسير، فيضر ذلك
بهم، وإن منعنا أرباب الأموال التصرف فيها قبل أن ييبس، أضر ذلك بهم.
فكأن وجه العدل بين الفريقين أن يخرص الأموال ثم يخلى بينها وبين أربابها،
ينتفعون بها، ويتصرفون فيها، ويأخذون من الزكاة بما تقرر عليهم فى الخرص، فيصلون
هم إلى الانتفاع بأموالهم على عادتهم، ويصل المساكين إلى حقهم من الزكاة.
فصل: وقوله: ((فإن كان يخرص حين يبدو صلاحه ويحل بيعه))، وذلك أن النخيل
(*) أخرجه البخارى حديث رقم ١٤٨٢. أبو داود حديث رقم ٣٠٧٩. أحمد فى المسند حديث
رقم ٢٣٠٩٢.
(*) أخرجه الترمذى حديث رقم ٦٤٤. أبو داود حديث رقم ١٦٠٣. النسائى فى الصغرى
حدیث رقم ٢٦١٨. ابن ماجه حديث رقم ١٨١٩.

کتاب الزكاة
٢٥٢
والعنب يؤكل رطبًا، فهذا على ما قال أن وقت الخرص هو إذا بدا صلاحه فى الثمرة،
ووجبت فيها الزكاة، وأما قبل ذلك، فلم تجب فيها الزكاة، ولو جد جميعه قبل ذلك لم
يجب عليه شىء، وأيضًا فإن ذلك وقت تناهى عظمها وتمكن خرصها، وأما قبل ذلك
فلا یتأتی خرصها.
مسألة: ومعنى الخرص أن يحزر ما يكون فى هذه النخلة من التمر اليابس عند
الجداد، على حسب ذلك التمر وجنسه، وما علم من حاله أنه يصير إليه عند الإثمار؛
لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرًا، وهذا على قول من يرى أن يخرج فيها الثمر أو الرطب.
وأما على قول من يلزمه القيمة، فإنه لا يحتاج إلى الخرص فى هذا النوع إلا فى معرفة
النصاب خاصة.
فرع: ومتى يقوم هذا النوع عليه؟ روى ابن القاسم عن مالك أنه يؤدى من ثمنه إن
باعه، فإن أکله، فإنه يؤدی قیمته.
وظاهر هذا أنه لو قدم عليه عند إزهائه لوجب أن يؤدى الزكاة على تلك القيمة،
ولا يعتبر بما بعد ذلك من زيادة ثمن أو نقصه.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا الأظهر عندى؛ لأن تقويمه يتأتى فى
ذلك الوقت ويحتاج من التحرز فيه للمساكين وإباحة التصرف فيه لأرباب الأموال مثل
ما يحتاج إليه النخل الذى يثمر.
مسألة: وصفة الخرص أن يخرص الحائط نخلة نخلة، فإذا كمل خرصه أضاف بعضه
إلی بعض، روی ذلك ابن نافع عن مالك.
ووجه ذلك أن هذا أقرب إلى الإصابة وأمكن للحرز، فإذا كثر النخل مع اختلافها
شق الحزر وكثر الوهم.
مسألة: وهل يخفف فى الخرص على أرباب الأموال أم لا؟ المشهور من مذهب
مالك أنه لا يلغى له شيئًا. وقال ابن حبيب: يخفف عنهم ويوسع عليهم. وقال الشيخ
أبو محمد: هذا خلاف مذهب مالك، وحكى القاضى أبو محمد الروايتين عن
مالك.
وجه القول الأول أن هذا تقدير للمال المزكى، فلم يشرع فيه تخفيف كعد الماشية
والدنانير والدراهم. ووجه القول الثانى ما روى عن سهل بن أبى خيثمة أنه قال: أمرنا

٢٥٣٠
...
کتاب الزكاة
رسول الله ﴿﴿ قال: ((إذا خرصتم فخذوا الثلثين ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث،
فدعوا الربع»(١).
ومن جهة المعنى أن التخفيف فى الأموال مشروع؛ لأن صاحب الحائط يكون له
الجار المسكين، فلابد أن يطعمه ويهدى إليه، ولا يكاد أن يسلم حائط من أكل طائر
وأخذ إنسان مار، فيخفف عنه لهذا المعنى.
مسألة: ويجوز أن يرسل فيها الخارص الواحد خلافًا لأحد قولى الشافعى. والأصل
ـّ يبعث عبدالله بن رواحة
فى ذلك حديث عائشة، رضى الله عنها: كان النبى
فيخرص النخل، الحديث.
ومن جهة المعنى أن الخارص حاكم لجنس العين المحكوم فيها، فجاز أن يكون
واحدًا. وأما المحكمان فى جزاء الصيد، فإنهما يخرجان عن العين من غير جنسها
فأشبها المقومین، فلابد أن يكونا اثنين.
فصل: وقوله: ((فيخرص عليهم ويخلى بينهم وبينه يأكلونه كيف شاءوا))، يريد أن
الخارص قد قدر ما يجب فى ثمارهم من الزكاة، فسلم إليهم الانتفاع بها، ويؤخذون
من الزكاة بما قدره عليهم الخارص، وليس ذلك بمضمون عليهم، وإنما ذلك مع
السلامة، وبالله التوفيق.
قَالَ مَالِك: فَأَمَّا مَا لا يُؤْكَلُ رَطْبًا، وَإِنْمَا يُؤْكَلُ بَعْدَ حَصَادِهِ مِنَ الْحُّبُوبِ كُلِّهَا،
فَإِنْهُ لا يُخْرَصُ وَإِنْمَا عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا إِذَا حَصَدُوهَا وَدَقُّوهَا وَطَُّوهَا وَخَلُصَتْ حَبًّا،
فَإِنْمَا عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا الأَمَانَةُ يُؤَدُّونَ زَكَاتَهَا إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَهَذَا
الأَمْرُ الَّذِى لا اخْتِلافَ فِيهِ عِنْدَنَا.
الشرح: وهذا كما قال أن ما لا يؤكل رطبًا وإنما يؤكل يابسًا بعد حصاده، فإنه لا
يخرص؛ لأن الخرص إنما هو لحاجة انتفاع أهلها بها رطبًا، وهذه لا تؤكل رطبة،
فتحتاج إلى الخرص؛ ولأن النخيل والأعناب ثمارها بارزة ظاهرة عن أكمامها فيتهيأ
فيها الخرص، وهذه ثمرتها وحبوبها متوارية فى أوراقها، فلا يتهيأ فيها الخرص.
فصل: وقلنا: ((إنما هى على أهلها إذا حصدوها ودقوها وطيبوها وخلصت حبًا)»،
(*) أخرجه الترمذى حديث رقم ٦٤٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٤٩١. أبو داود
حدیث رقم ١٦٠٥. أحمد فى المسند حديث رقم ١٥٢٨٦.

كتاب الزكاة
٢٥٤
يريد أن الزكاة تجب عليهم فيها وعليهم تنقيتها، وتصفيتها من كل شىء، وتخليصها إلى
هيئة الادخار والاقتيات، ولا يسقط عنهم من زكاتها شىء لأجل الإنفاق عليها، رواه
فى المدنیة ابن دینار عن مالك، رحمه الله.
ووجه ذلك أن هذه الحال التى لا يمكن الانتفاع بها إلا عليها، وعلى هذه الهيئة
كانوا يؤدون الزكاة على عهد رسول الله: ﴿
والدليل على ذلك أن التبن والعذق لا تجب فيه الزكاة، فيجب على أرباب الأموال
تمييز الثمرة التى تجب فيها الزكاة مما لا زكاة فيها، وما وجبت الزكاة فى زيته من
الحبوب، فإن على أرباب الأموال تخليصه زيتًا؛ لأن تلك حال ادخاره والانتفاع به؛
ولأن ثفله لا زكاة فيه، فيجب عليهم تمييزه.
فصل: وقوله: ((وإنما على أهلها فيها الأمانة يؤدون زكاتها إذا بلغ ذلك ما تجب فيه
الزكاة))، يريد أنهم مؤتمنون فى مبلغها وفى وجوب الزكاة فيها، فإذا قالوا: قصرت عن
النصاب، ائتمنوا فى ذلك، ولم تؤخذ منهم الزكاة، وإن قالوا: قد بلغت النصاب،
ومبلغها كذا، ائتمنوا فى ذلك، وأخذت منهم الزكاة على حسب ما أقروا به.
مسألة: وعلى رب الزيتون والحبوب أن يحتسب فى ذلك بما استأجر به منه وبما علف
وأكل فريكًا من الحب؛ لأن الزكاة قد تعلقت به بعد بدو صلاحه ووجب عليه تخليصها
بما له، فما استأجر به على تخليصها منه فهو من حصته.
قَالَ مَالِك: الأَمْرُ الْمُخْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ النَّخْلَ يُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهَا وَثَّمَرُهَا فِى
رُءُوسِهَا إِذَا طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صَدَقَتُهُ تَمْرًا عِنْدَ الْجِدَادِ فَإِنْ أَصَابَتِ
الْثّمَرَةَ جَائِحَةٌ بَعْدَ أَنْ تُخْرَصَ عَلَى أَهْلِهَا وَقَبْلَ أَنْ تُحَذِّ فَأَحَاطَتِ الْحَائِحَةُ(١) بِالثَّمَرِ
كُلِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ، فَإِنْ بَقِىَ مِنَ الثّمَرِ شَىْءٌ يَبْلُغُ حَمْسَةً أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا
بِصَاعِ الِّىِّ ﴿ أُخِذَ مِنْهُمْ زَكَأْتُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَصَابَتِ الْحَائِحَّةُ زَكَاةٌ
وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِى الْكَرْمِ أَيْضًا.
الشرح: وهذا كما قال أن النخيل تخرص على أهلها إذا بدا صلاحها وحل بيعها
وتؤخذ منه، يريد من ثمر النخل، صدقته تمرًا عند الجداد، وإنما كان ذلك لأن الزكاة
واجبة فى عين الثمرة، فلا يكلف أن يشترى عند الخرص من غيرها، ويأتى به؛ ولأن
الجائحة قد تأتى على الثمرة، فلا يكون عليه زكاة.
(١) الجائحة: الآفة التى تصيب الأموال والثمار فتهلكها.

٢٥٥
کتاب الزكاة
والنخيل على ضربين، ضرب يثمر، وضرب لا يثمر، فأما ما يثمر فإن عليه أن يأتى
بزكاته تمرًا سواء أكله أو باعه. قال القاضى أبو محمد: فيه اختلاف، قيل: يخرج من
ثمنه، وقيل: من مثله. قال: ومن أصحابنا من جعل إخراج الزكاة من ثمنه، على رواية
فى إخراج القيم من الزكوات، ومنهم من علله بأن إخراج الزكاة من عينها قد فات
ببيعها، والثمن بدل منها، فكان عليه أن يخرج منه.
فرع: وهل يجوز أن يخرج عن التمر والحب عينًا؟ قال ابن القاسم وأشهب فى
الموازية: أرجو أن يجزئه، ولا تجزئه فى فطرة ولا كفارة يمين. قال عيسى، عن ابن
القاسم: يجزئ ذلك فى زكاة الحب والماشية إذا كان الإمام يضعها موضعها لم يجزاً
أخذ ذلك طوعًا أو كرهًا.
قال أصبغ: وإن كان الإمام غير عدل، لا يضعها مواضعها لم يجزه، أخذ ذلك طوعًا
أو كرهًا. قال أصبغ: والناس على خلاف يجزى ما أخذ كرهًا، وبه كان يفتى ابن
وهب وغيره.
وجه قول ابن القاسم: أنه إذا كان عدلاً جاز حكمه؛ لأنه موافق لبعض أهل العلم،
وإن كان جائرًا لم يجز حكمه. ووجه قول ابن وهب أنه يلزم تسليم زكاة الأموال
الظاهرة إلى الإمام إذا طلبوا، وإن وضعها غير مواضعها بحكم الطاعة الواجبة، فكذلك
إذا أخذ قيمتها، ووجوب تسليمها يتضمن إجزاءها.
فرع: وقال أصبغ: من أخرج عن الحب عينًا أو عن العين حبًا أجزأه، إن كان فيه
وفاء، وما أحب ذلك له، وقاله ابن أبى حازم وابن دينار وابن وهب، وهذا بين فى
تجويز إخراج القيم فى الزكاة، وقد تكرر القول فيه، وبالله التوفيق.
وهذا إذا علم مبلغها، فإذا باعها وجهل مبلغها، ولم يقدر على التحرى، ففى كتاب
ابن المواز: يخرج من ثمنها. وأما إذا أكله فعليه أن يخرج تمرًا ويتحرى ما أمكنه؛ لأنه
لیس له بدل من ثمن ولا غيره يرجع إليه، وإنما يتحرى القيمة بعد تحرى الكيل.
مسألة: فإن كان النخل لا يتتمر والعنب لا يتزبب، فقد روى على بن زياد وابن
نافع عن مالك: إن وجد الزبيب بالبلد أخرج عنه الزبيب. وقال ابن حبيب: إن أخرج
عنه عنبًا منه أجزأه. وقال ابن القاسم: يخرج عشر ثمنه أو نصف عشره، ورواه ابن
دينار عن مالك فى المدونة.
وجه روایة ابن نافع أن هذا عنب، فکانت ز کاته زہییًا کالمتزبب. ووجه قول ابن

کتاب الزكاة
٢٥٦
حبيب أن زكاة التمر والحب عنده مبنية على أن تخرج منه جيدة كانت أو رديئة، فإذا
کان لا یتزبب، فلا يلزم إخراج غيره عنه.
مسألة: رواية ابن القاسم أن العنب لا يخرج فى الزكاة، فإذا لم يمكن إخراج الزبيب
عن الحديقة لتعذره فيها من غير سبب صاحبها وجب بدلها، وهو الثمن أو القيمة.
فصل: وقوله: ((فإن أصابت الثمرة جائحة بعد الخرص وقبل الجداد، وأحاطت
بالثمرة، فلا زكاة عليهم))، وهذا لأن ما أصاب من الجوائح على ثلاثة أضرب، أحدها:
قبل الخرص، والثانى: بين الخرص والجداد، والثالث: بعد الجداد.
فأما ما كان قبل الخرص فلا اعتبار به؛ لأنه الخرص لم يتناوله، وأما ما كان بين
الخرص والجداد، فإنه يبطل حكم الخرص وتسقط الزكاة بعد تقديرها بالخرص؛ لأن
الزكاة إنما تجب بالخرص بشرط وصول الثمرة إلى أربابها، فإذا أصابت الثمرة جائحة،
قصرت بها عن النصاب سقطت الزكاة؛ لأنه لم يصل إلى صاحبها منها نصاب، فكان
بمنزلة أن يخرج الحائط ذلك المقدار.
مسألة: ولو نقص الثمر عن الخرص من غير جائحة، فالذى روى ابن نافع وعلى بن
زياد عن مالك أنه ليس عليه إلا ما خرص عليه، ولا شىء فى الزيادة إذا كان الذى
خرص عليه عالمًا، وإن كان غير عالم أخرج الزيادة، وهذا قول أشهب.
وقال ابن نافع من رأيه: عليه الزيادة وله النقص.
وجه قول مالك أن الخرص حكم بين أرباب الأموال، ومستحقى الزكاة، فلا ينقض
بقول رب المال، ودعواه بل يحمل على اللزوم، ولو رجع إلى قول رب الحائط لم يكن
للخرص معنى. ووجه قول ابن نافع أنه إذا أخرج الحائط غير ما خرص به الخارص تبين
خطؤه، فوجب أن ينقض حکمه.
مسألة: فأما ما أصابت الثمرة من الجائحة بعد الحداد، فإن كان قد ضمنها رب
الحائط بتعديه لزمه غرمها، وإن كان لم يتعد عليها، فلا ضمان عليه فيها.
وجه التعدى فيها أن يدخل التمر بيته، فهذا قد تعدى عليه بنقله لغير حاجة تختص
بالثمرة، فأما إذا جمعه فى جرينه، فأخرج الزكاة منه، وتركها فى الجرين، ولم يأت منه
تعد ولا تفريط، فضاعت الزكاة قبل أن يأتى الساعى، فلا ضمان عليه؛ لأن وضعها فى
الجرين وجمعها فيه يعود منفعة التمر فى تيبيسه وكماله، وهو مما يلزم بها الحائط فعله،

٢٥٧٠٠
كتاب الزكاة .
فلا يلزمه به ضمان وقسمة التمر وإخراج زكاته مما له فعله؛ لأنه يريد أن يخزن حصته،
ويشرع فى الانتفاع بها، والاقتيات منها، فلا يجوز أن يمنع منها بتأخير الساعى،
فكانت القسمة مباحة له، وهذا مخالف للماشية، فإنه لو أبرز زكاة ماشيته قبل أن يأتى
الساعى فهلكت لأخذ منه الساعى الزكاة.
والفرق بينهما أن الخرص فى التمر قد قرر عليه ما يجب عليه من الزكاة، وحكم
عليه بذلك، وأطلقه على الأكل منه وكلفه بتبليغه حد الاقتيات، ولا يصل إلى الانتفاع
بحصته بعد هذا إلا بالقسمة.
قال مالك: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ قِطَعُ أَمْوَالٍ مُتَفَرِّقَةٌ أَوِ اشْتِرَاكٌ فِى أَمْوَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ لا
بَيْلُغُ مَالُ كُلِّ شَرِيكٍ أَوْ قِطَعُهُ مَّا تَحِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَكَانَتْ إِذَا جُمِعَ بَعْضُ ذَلِكَ
إِلَى بَعْضٍ يَتْلُغُ مَا تَحِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يَحْمَعُهَا وَيُؤَدِّى زَكَتَهَا.
الشرح: وهذا كما قال أنه إذا كان لرجل قطع أموال متفرقة، وكانت كل واحدة
لا يبلغ ما يقوم منها خمسة أوسق، وإذا جمع ما يخرج من جميعها كان فيه خمسة أوسق،
فإن الزكاة تجب فيها؛ لأن المالك لها واخذ كالماشية والعين.
وكذلك إذا كان له إشراك فى أموال متفرقة، يكون المال بينه وبين كل شريك منهم
على السواء، ولا يبلغ مال كل شريك منهم ما تجب فيه الزكاة، فإذا كان فى جميع
حصته من تلك الأموال ما تجب فيه الزكاة، زكى دون إشراكه؛ لأن الجمع يلزمه على
ما قدمناه.
فرع: وإنما يجمع من ذلك على رب المال ما كان فى أبان واحد ووقت واحد،
فيضم بكره إلى مؤخره، فإذا كانت له أرضون كثيرة وزرع بعضها فى أول الشتاء
وبعضها فى آخره، وذلك كله من الزراعة التى يضاف إلى الشتاء، جمع ذلك كله فى
الزكاة.
و کذلك حكم الصیف، فإن كان من البلاد التى يزرع فيها صنف واحد فى الشتاء
والصيف، فزرع فى الصيف صنفًا فحصد منه أقل من نصاب، وزرع من ذلك الصنف
فى الشتاء فحصد منه أقل من نصاب إلا أنه إذا أضيف إلى ما حصده فى الصيف كان
نصابًا.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: فالظاهر عندى أنه لا يجمع ذلك عليه

کتاب الزكاة
....
٢٥٨.
لاختلاف الأوقات؛ لأن هذه زراعتان لا تضاف إحداهما إلى الأخرى فى الوقت
والعمل، فلا يضاف إليها فى الزكاة كما لو كانت فى عامين مختلفين.
فرع: فإذا كانت الزراعتان فى أرض واحدة، وكانت إحداهما فى الصيف،
والأخرى فى الشتاء، فلا خلاف نعلمه فى المذهب أنه لا تجمع إحداهما إلى الأخرى،
وإن كانتا جميعًا فى الصيف أو فى الشتاء، فقد روى ابن نافع عن مالك: لا تجمع
إحداهما إلى الأخرى. قال سحنون: يجمعان.
وجه قول مالك أن الزراعة الثانية يجوز أن تكون من بذر الأولى، فلا تضاف إليها،
ولذلك لا يضاف زرع عام إلى عام. ووجه قول سحنون أن هذين حصادان فى وقت
واحد، فضم أحدهما إلى الآخر كما لو كانت فى أرضين مختلفتين.
زكاة الحبوب والزيتون
٦٧٦ - مَالِك أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الَّيْتُونِ فَقَالَ: فِيهِ الْعُشْرُ.
قَالَ مَالِك: وَإِنّمَا يُؤْخَذُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ
أَوْسُقٍ فَمَا لَمْ يَبْلُغْ زَيْتُونُهُ خَمْسَةً أَوْسُئٍ فَلا زَكَاةً فِيهِ.
الشرح: قوله: ((فى الزيتون العشر))، هو قول جماعة الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة،
وأحد قولی الشافعى، وله قول آخر: أنه لا ز کاة فیه ولا شىء.
والدليل على صحة ما يقوله قوله تعالى: ﴿وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير
معروشات والنخل والزرع مختلفًا أكله والزيتون والرمان متشابهًا وغير متشابه كلوا
من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]، والحق هاهنا هو الزكاة؛
لأنه لا خلاف أنه ليس فيه حق واجب غيره، والأمر يقتضى الوجوب.
ودليلنا من جهة السنة قوله : ((فيما سقت السماء العشر))، وهذا عام، فنحمله
على عمومه إلا ما خصه الدليل. ودليلنا من جهة القياس أن هذا مقتات بزيته، فوجبت
فيه الزكاة کالسمسم.
فصل: وقول مالك: ((إنما يؤخذ من الزيتون العشر بعد أن يعصر، ويبلغ زيتونه خمسة
٦٧٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٧٠.

كتاب الزكاة
٢٥٩
....
أوسق)). وذلك أن الاعتبار فى نصابه إنما هو بالكيل، والكيل لا يتهيأ إلا فى الحب،
فإذا بلغ خمسة أوسق، فقد كمل النصاب، وإذا قصر عن الخمسة الأوسق، فقد قصر
عن النصاب، فلا زكاة فيه، وإنما أمرناه بإخراجه زيتا؛ لأنه لا يجب على رب المال دفعه
على وجه يمكن ادخاره والانتفاع به المنفعة المقصودة منه كالتمر والحب.
مسألة: فأما السمسم وغيره من الحبوب التى تجب فيها الزكاة لسبب زيتها، فإن
عصرها فلا خلاف على المذهب أن عليه أن يخرج من زيتها، وإن لم يعصرها، فقد
اختلف فيه قول مالك، فمرة قال: عليه العصر، ومرة قال: يخرج من الحب.
وجه القول الأول أنه حب تجب الزكاة فيه لزيته، فلم يجز رب المال الإ إخراج
الزيت كالزيتون. ووجه الرواية الثانية أن هذا حب يبقى على حاله غالبًا وينتفع به
كذلك فى الزراعة والبيع، وأما الزيتون فإنما يتصرف فيه بالبيع وغيره على هيئته غالبًا
ولا يزرع، فكان السمسم أشبه بالحب من الحنطة والشعير.
قال مالك: وَالزَّْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ
بَعْلَا فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالنّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَلا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنَ
الزَّيْتُونِ فِى شَجَرِهِ.
الشرح: وهذا كما قال أن حكم الزيتون فى العشر ونصف العشر حكم النخيل
والأعناب وسائر الحبوب، فما كان بعلاً أو سقته العيون والأنهار ففيه العشر، وما
يسقی بالنضح فقيه نصف العشر.
وقول مالك: ((ما كان منه سقته السماء والعيون أو كان بعلاً)) يدل على أن البعل
عنده غير ما سقت السماء والعيون، وقد تقدم القول فيه.
فصل: وقوله: ((ولا يخرص شىء من الزيتون فى شجره))، صحيح لأنه لا فائدة
فى ذلك إذ لا فرق فيه لأرباب الأموال؛ لأنه ليس مما يؤكل رطبًا ولا منفعة فى
ذلك للمساكين؛ لأن الأيدى لا تسرع إليه بالأكل إلا بعد عمل وتغيير؛ لأن
ثمرته مستورة فى الورق لا يكاد يتهيأ فيها الخرص على التحقيق، بخلاف النخل
والعنب.
قال مالك: وَالسُّهُ عِنْدَنَا فِى الْحُبُوبِ الّتِى يَدَّخِرُهَا النَّاسُ وَيَأْكُلُونَهَا أَنْهُ يُؤْخَذُ
مِمَّا سَقَنْهُ السَّمَاءُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا سَقَتْهُ الْعُونُ وَمَا كَانَ بَعْلا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِىَ

كتاب الزكاة
٢٦٠ ..
بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الأوَّلِ صَاعِ النِّىِّ :﴿ وَمَا
زَادَ عَلَى خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابٍ ذَلِكَ.
الشرح: وهذا كما قال أن الحبوب التى فيها الزكاة يعتبر فى جميعها من حكم
السقى والبعل، والنضح ما يعتبر فى النخل، فما كان بعلاً أو حكمه حكم البعل ففيه
العشر، وما كان سقى بالتضح ففيه العشر، ويعتبر فيه النصاب وهو خمسة أوسق،
والوسق يعتبر بالصاع الأول صاع النبى ﴿﴿ فإذا بلغ الحب ذلك ففيه الزكاة، فإن زاد
على ذلك قليلاً كان أو كثيرًا، أخرج من زكاته بحساب ذلك؛ لأنه لا عفو فیه بعد
النصاب، وقد تقدم.
قَالَ مَالِك: وَالْحُبُوبُ الَّتِى فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ(١) وَالذُّرَةُ
وَالدُّخْنُ وَالأَرْزُ وَالْعَدَسُ وَالْحُلْبَانُ وَاللُِّيَا وَالْحُلْحُلانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُبُوبِ
الّتِى تَصِيرُ طَعَامًا، فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَيًّا قَالَ: وَالنّاسُ
مُصَدَّقُونَ فِى ذَلِكَ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِى ذَلِكَ مَا دَفَعُوا.
الشرح: وهذا كما قال أن الحبوب التى جرت عادة الناس باقتياتها على أى وجه
كان، فإن الزكاة تجب فيها؛ لأنها قومت فى أنفسها كالحنطة والشعير. وذكر فى
الموطأ منها عشرة أصناف. وفى المجموعة عن ابن وهب عن مالك: الزكاة فى
الترمس. وزاد فى المختصر: الترمس والفول والحمص والبسيلة.
وزاد فى العتبية أشهب عن مالك: الكرسنة. وذكر ابن حبيب عن جماعة من
أصحاب مالك أن الإشقالية، وهى العلس، فزادوا على ما فى الموطأ ستة أصناف، وهى
داخلة تحت قول: ((وما أشبه ذلك من الحبوب التى تصير طعامًا))، وهذه الحبوب كلها
على ما ذكروه منها ما اعتاد الناس اقتياته، ومنها ما لم يعتادوا ذلك، وهو الكرسنة،
فإنه لم يعتد الناس أكلها فيما علمناه، ولعله أن يذهب ما فيها من المرارة بالعصارة
والصناعة، فتكون منزلة الترمس.
مسألة: قال ابن نافع عن مالك: ليس فى شىء من التوابل زكاة ولا الفستق ولا
القطن. قال عنه ابن وهب: وما علمت فى حب القرطم وبزر الكتان زكاة، قيل: إنه
يعصر منها زيت كثير، قال: فيه الزكاة إذا كثر هكذا.
(١) السلت: حب بين الحنطة والشعير لا قشر له.

کتاب الزكاة
٢٦١٠
...
وقال أصبغ: فى بزر الكتان الزكاة، وهو أعم نفعًا من زيت القرطم. وقال ابن
القاسم: لا زكاة فى بزر الكتان ولا زيته إذ ليس بعيش، وقاله المغيرة وسحنون.
فصل: وقوله: ((والناس مصدقون فى ذلك))، يريد أن يقبل منهم قولهم فى مبلغه؛
لأن هذا مما لا يخرص، ولابد للناس من أن يغيبوا عليه، ولا يمكن أن يجعل مع كل
إنسان من يحفظ عليه ذلك.
وسُئِلَ مَالِك مَّتَّى يُخْرَجُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ أَقَبْلَ النَفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا؟ فَقَالَ:
لا يُنْظَرُّ إِلَى النّفَقَّةِ، وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنِ الطَّعَامِ
وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا: فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ
بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَحِبْ عَلَيْهِ فِى زَيْتِهِ الزَّكَاةُ.
الشرح: وهذا كما قال مالك، رحمه الله، لا ينظر إلى النفقة، ولا يحتسب له بها،
وذلك أن عليه تبليغ الزكاة إلى الحد الذى جرت العادة بادخارها عليه، ولو أخذت
منهم قبل ذلك لما خرص عليهم نخيلهم وعنبهم ولقوسموا فيها، ولكن لا يؤخذ منهم
إلا على هيئة الادخار فعليهم النفقة عليها حتى يخلص ذلك.
فصل: وقوله: ((ولكن يسئل عنه أهله كما يسئل أهل الطعام عن الطعام))، ولذلك
يقال لهم: كم خلص من زيت هذا الزيتون، فيؤخذ منه عشره أو نصف عشره على
حسب سقيه، ويصدقون فيما قالوا عن مبلغه.
وقوله: ((فمن رفع من زيتونه خمسة أوسق أخذ منه فى زكاة الزيتون))، سؤالان،
أحدهما: أن يقال لصاحبه كم مبلغ زيتونك، فإن ذكر أنه قصر عن النصاب، لم يسئل
عن غير ذلك، فإن قال: بلغ النصاب أو زاد عليه سئل، سؤالاً ثانيًا، كم أخرج له من
الزيت، إن كان عصره، فإن كان باعه سئل كم يخرج مثله من الزيت أو سئل عن ذلك
غيره من أهل المعرفة.
قَالَ مَالِك: وَمَنْ بَاعَ زَرْعَهُ وَقَدْ صَلَحَ وَتِيِسَ فِى أَكْمَامِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ وَلَيْسَ
عَلَى الَّذِىِ اشْتَرَاهُ زَكَاته.
الشرح: وهذا كما قال أن من باع زرعه بعد بيسه أن الزكاة عليه؛ لأن الزكاة تعلق
وجوبها به حين صار فيه الحب، فهو حين باع الزرع باع حظه وحظ المساكين، فعليه
أن يأتى يبدل حظ المساكين.