النص المفهرس
صفحات 1221-1240
كتاب الزكاة ٠٢٢٢ وقَالَ مَالِك فِى الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْغَنَمُ لا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ، فَتَوَالَدُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا الْمُصَدِّقُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَتْلُغُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَّهُ بِلادَتِهَا. قَالَ مَالِك: إِذَا بَلَغَتِ الْغَنَمُ بِأَوْلادِهَا مَا تَحِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَعَلَيْهِ فِيهَا الصَّدَقَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ وِلادَةَ الْغَنَمِ مِنْهَا، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا أُفِيدَ مِنْهَا بِاشْتِرَاءٍ أَوْ هِيَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْعَرْضُ لا يَبْلُغُ ثَمَنُهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَّةُ ثُمَّ يِعُهُ صَاحِبُهُ فَبْلُغُ بِرِنْجِهِ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَيُّصَدِّقُ رِبْحَهُ مَعَ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ رِبْحُهُ فَائِدَةٌ أَوْ مِيرَاثًا لَمْ تَحِبْ فِيهِ الصَّدَقَّهُ خَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ أَفَادَهُ أَوْ وَرِثَهُ. قَالَ مَالِك: فَغِذَاءُ الْغَنَمِ مِنْهَا كَمَا رِبْحُ الْمَالِ مِنْهُ. الشرح: وهذا كما قال أن الغنم إذا قصرت عن النصاب أنه لا زكاة فيها، فإذا بلغت بولادتها قبل أن يأتيها المصدق النصاب أخذ منها الزكاة المصدق؛ لأن النماء یکمل نصابها. وفى هذا مسألتان، إحداهما: أن النماء يكمل النصاب على ما تقدم. والثانية: أن المعتبر بمجىء الساعى بعد الحول، فإن كمل النصاب بالولادة قبل أن يصدقها المصدق، وجبت فيها الزكاة، وإن صدقها ثم بلغت النصاب بعد ذلك، فلا زكاة فيها لأن ذلك نماء حول آخر. والأصل فى ذلك ما روى عنه ﴿﴿ أنه قال: ((وأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) فجعل من أحكام الزكاة أن تؤخذ منهم، فإذا لم يكن لرب المال إخراج الزكاة لم تجب عليه، وإنما يجب عليه إذا جاز له إخراجها، وهو إذا صدقها الساعى. ودليلنا على ذلك أن هذا معنى لو تلف المال قبله لم يضمن الزكاة، فوجب أن يتعلق به الوجوب كالحول. مسألة: فإن غاب عنها الساعى حولين، كان وجوب الزكاة فيها مراعى، فإن وجدها الساعى بيده أخذ منه الزكاة للحولين، وصح وجوب الزكاة عليه فيها، وإن لم يجدها بيده لم تجب عليه الزكاة؛ لأن شرط الوجوب قد عدم. وهذا إذا كان يبلد فيه =رقم ٦٢٥. أبو داود حديث رقم ١٥٨٤. ابن ماجه حديث رقم ١٧٨٣. أحمد فى المسند حدیث رقم ٢٠٧٢. ... كتاب الزكاة . .... ٢٢٣ .... السعاة، فإذا كان ببلد لا ساعى فيه، فالزكاة تجب عليه فى كل حول، قاله سحنون. ووجه ذلك ان رب الماشية ساعی نفسه. فصل: وقوله: ((إن الغنم إذا بلغت بولادتها النصاب ففيها الزكاة) وذلك أن ولادة الغنم منها على ما تقدم من أن حكمها حكم الأمهات، وذلك مخالف للفائدة، یرید أن الفائدة لا يكمل بها النصاب، ويكمل بالنسل، وقاسه مالك على نماء العين منه، فإذا بلغ الربح مع الأصل النصاب، وجبت فيه الزكاة، وإن لم يبلغه إلا بفائدة لم يزك حتى يحول الحول على الفائدة. وهذا قياس صحيح لم يسلم له أن نصاب الحولين يتم بريحه، وإنما سلمه الشافعى فيمن اشترى بمائة درهم سلعة قيمتها مائتا درهم ثم باعها بمائتى درهم بعد أن حال الحول من يوم اشتراها، فإن الزكاة فيها، وهذا أصل يصح قياسنا عليه. قال مالك: غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِى وَجٍْ آخَرَ أَنْهُ إِذَا كَانَ لِلرَّحُلِ مِنَ الذْهَبِ أَوِ الْوَرِقِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ثُمَّ أَقَادَ إِلَيْهِ مَالا تَرَكَ مَالَةُ الْذِى أَفَادَ فَلَّمْ يُزَكْهِ مَعَ مَالِهِ الأَوَّلِ حِينَ يُزَكِّيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَى الْفَائِدَةِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ أَفَادَهَا، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ غَثَمَّ أَوْ يَقَرّ أَوْ إِلٌ تَجِبُ فِى كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا الصَّدَقَةُ ثُمَّ أَفَادَ إِلَيْهَا بَعِيرًا أَوْ بَقْرَةٌ أَوْ شَاءٌ صَدَّقَهَا مَعَ صِنْفِ مَا أَفَادَ مِنْ ذَلِكَ حِينَ يُصَدِّقُهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ الَّذِى أَفَادَ نِصَابُ مَاشِيَةٍ. قَالَ مَالِك: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِى هَذا كُلِّه. الشرح: وهذا كما قال أن حكم العين والماشية يختلف فى وجه آخر، الوجه الذى قاس فيه الماشية على العين، لأن الماشية إذا أفاد منها شيئًا، وعنده نصاب من جنسها، فإن حکم الفائدة فى الحول حکم أصل النصاب الذی کان عنده، وفى العين بخلاف ذلك يزكى الفائدة لحولها، والنصاب الذى كان عنده لحوله، وليس من شرط الفرع إذا قيس على الأصل لعلة جامعة بينهما فى حكم من الأحكام أن يقاس عليه فى سائر أحكامه، وإنما يلزم أن يدل الدليل عى أن العلة التى جمعت بينهما فى ذلك الحكم، لها اختصاص بذلك الحكم دون غيره، وإن فارق الأصل الفرع فى أحكام غيرها لا تعلق لها بتلك العلة لأن ما من فرع إلا هو بخلاف الأصل الذى قيس عليه فى عدة أحكام. وفى مسألتنا قاس إتمام نصاب الماشية بتمامها على تمام نصاب العين بتمامه لعلة ٢٢٤ کتاب الزكاة .. صحيحة، وهى أن هذا نماء حادث من العين التى تجب فيها الزكاة، وهو من جنسها، فوجب أن يكمل بها نصابها كالعين وهذه علة تختص بالنماء دون الفوائد، فاختلاف العين والماشية فى الفوائد لا يمنع اجتماعها فى الذى هو من جنس الأصل، وإنما اختلف فى الفوائد، لأنها ليست من الأصل، وزكاة الماشية لها تعلق بالساعى، فإذا لم تجب زكاتها لزكاة الأصل لم يمكن تكرر الساعى ونعمت المعدلة بين أرباب الأموال والمساكين، فإن الفائدة إذا أضيفت إلى أقل من النصاب زكيت بعد استكمال حول الفائدة، وإذا أضيفت إلى النصاب زكيت لحول النصاب، وليس كذلك العين، فإن رب المال يخرج زكاته فيمكن إخراجه عند حلول حوله المختص به، فلم تدع ضرورة إلى اعتباره لحول النصاب، فتعجل قبل حلوله، ولا أن يضاف إلى أقل من النصاب، فيزكى إلى أكثر من حوله، فلذلك افترقا، والله أعلم وأحكم. باب النهى عن التضييق على الناس فى الصدقة قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِى الرَّحُلِ تَحِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَّةُ وَإِلَّهُ مِائَةٌ بَعِيرٍ فَلا يَأْتِيهِ السَّعِى حَتَّى تَحِبَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ أُخْرَى، فَيَأْتِهِ الْمُصَدِّقُ وَقَدْ هَلَكَتْ إِلُهُ إِلاَ خَمْسَ ذَوْدٍ. قَالَ مَالِك: يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنَ الْخَمْسِ ذَوْدِ الصَّدَقَتَيْنِ اللَّيْنِ، وَجَبْتًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ شَيْنِ فِى كُلِّ عَامٍ شَاةً لأنَّ الصَّدَقَّةَ إِنَّمَا تَحِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ يَوْمَ يُصَدِّقُ مَالَهُ، فَإِنْ هَلَكَتْ مَاشِيَئُهُ أَوْ نَمَتْ، فَإِنْمَا يُصَدَّقُ الْمُصَدِّقُ زَكَاةً مَا يَجِدُ يَوْمَ يُصَدِّقُ، وَإِنْ تَظَاهَرَتْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ صَدَقَاتٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَدِّقَ إِلا مَا وَجَدَ الْمُصَدِّقُ عِنْدَهُ، فَإِنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ وَحْبَتْ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَاتٌ، فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَىْءٌ حَتَّى هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا أَوْ صَارَتْ إِلَى مَا لا تَحِبُ فِيهِ الصَّدَقَّةُ، فَإِنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ وَلا ضَمَانَ فِيمَا هَلَّكَ وْمَضَى مِنَ السِّنِينَ. الشرح: وهذا كما قال أن من تأخر عنه الساعى وتلفت ماشيته، فإنه لا يضمن ماشيته لأن إمكان الأداء إلى الإمام من شروط الوجوب فى الأموال الظاهرة، وسواء تلفت بأمر من السماء أو أتلفها هو من غير قصد للفرار من الزكاة، هذا قول مالك ٢٢٥ ...... كتاب الزكاة . وأصحابه. وقال أبو حنيفة: إن أتلفها هو ضمن. وقال الشافعى مرة: مجىء الساعى شرط فى الوجوب. وقال مرة: هو شرط فى الضمان. وأصل هذه المسألة فصلان، أحدهما: هل الزكاة متعلقة بالذمة أو بالعين؟ والثانى: أن مجىء الساعى شرط فى الوجوب أو ليس بشرط فيه؟ وقد تقدم الكلام فى الفصلين، وبينا أن الزكاة متعلقة بالعين، وأن الزكاة إنما تجب بمجىء الساعى، فإذا أكل قبل ذلك ماشيته أو باع ما قصرت به عن النصاب، فلا زكاة عليه. مسألة: إذا ثبت ذلك، فلا يخلو أن يكون بيده يوم غاب عنه الساعى أقل من نصاب أو نصاب، فإن كان بيده أقل من نصاب ثم جاءه الساعى بعد أعوام، فوجد عنده نصابًا بالولادة أو بالمبادلة، فقد قال مالك وابن القاسم: يزكى للأعوام التى كانت فيها نصابًا دون سائر العوام، وهو مصدق فى ذلك. وقال أشهب: يزكى لجميع الأعوام. وجه قول مالك أن الزكاة إنما تعلقت بماله من يوم كمال النصاب، فوجب أن يجرى فيها حكم الزكاة من ذلك الحول، وما قبل ذلك، فلا تعلق للزكاة بها، فلا يعتد بتلك الأحوال کما لو أتاه الساعی فی کل عام. ووجه قول أشهب أنا إذا كنا نراعى ما وجد الساعى بيده دون ما قبل ذلك فى الكثرة والقلة والتقصير عنه، فكذلك فى تمامه والزيادة عليه. مسألة: ولو كمل النصاب بفائدة، فلا خلاف نعلمه فى المذهب فى أنه لا يزكى إلا من يوم كمال النصاب، وقاله أشهب وأصبغ. ووجه ذلك ما قدمناه من أن الفائدة لا تضاف إلا إلى النصاب. مسألة: وإن غاب عنه الساعى، وبيده نصاب ثم جاءه بعد أعوام، فلا يخلو أن يكون بيده نصاب فى جميع المدة أو يكون قد نقص فى بعض المدة عن النصاب، فإن كان فى جميع المدة نصابًا، فالذى قاله مالك أنه يزكى ما يجد بيده للسنين كلها على ما هى عليه يوم مجىء الساعى، فإن غاب عنه وبيده أربعون شاة ثم جاءه وبيده ألف شاة، فإنه يزكيها على أنها كانت ألفًا فى الأعوام كلها، وإن غاب عنها، وهى ألف، فوجدها بعد أعوام وهى مائة، فإنه يزكيها على أنها كانت فى المدة كلها مائة. وقال عبدالملك ابن الماجشون: إن غاب وهى أربعون، فوجدها ألفا، وقال صاحب الماشية: إنها صارت ألفًا فى هذا العام، فإنه يزكيها بجميع الأعوام على ما ذكر صاحبها أنها كانت عليه، ويزكيها لهذا العام على ما يجدها عليه. ٢٢٦ كتاب الزكاة وجه قول مالك وجمهور أصحابنا أننا قد دللنا على أنها إذا زالت عن يده بإتلافه أو یغیر إتلافه قبل مجىء الساعی أنه لا ز کاة علیه فيها. ودليلنا على أن الزكاة مبنية على المعدلة بين أرباب الأموال والمساكين، فكما قلنا لو كان عنده ألف شاة تسعة أعوام ثم باعها قبل مجىء الساعى أنه لا زكاة عليه، فكذلك يجب أن يقول أنه متى غاب عنها الساعى، وهى أربعون، ثم جاء بعد عشرة أعوام، وهى ألف، فإنه يزكيها لجميع الأعوام ألفا. ووجه قول عبدالملك أنه إذا لم يزك أرباب الأموال قبل الحول ما استهلكوه مما جرت فيه الأحوال، وكمل فيه النصاب، فبأن لا يلزمهم ما لم يكن عندهم من الماشية أولی وأحری. فرع: فإذا غاب عنها الساعى، وهى نصاب ثم نقصت عن النصاب ثم عادت إلى النصاب، فوجدها الساعى على ذلك، فلا يخلو أن تكون زيادتها، وبلوغها النصاب بولادة وما جرى مجراها من البدل أو بفائدة، فإن كانت بولادة زكى الجميع لجميع الأحوال على ما هى عليه اليوم وإن كانت بفائدة لم يزكها إلا يوم بلغت النصاب إلى وقت مجىء الساعى. فصل: وقوله: ((وإن كان على رب الغنم صدقات غير واحدة فليس عليه أن يصدق إلا ما وجد الصدقه عنده)) يريد أنه إن كان مضى له أعوام كثيرة وماشيته فى جميعها عنده يجب عليه فيها الصدقة لو جاء المصدق، ثم جاء المصدق، فإنه لا يصدق عليه إلا ما وجد مما يحتمل تلك الصدقات، فإن نقص بعضها عن الصدقات كان فيما بعد الذى ينقصها الحكم على ما ذكرناه، ومعنى ذلك أنه إذا لقى بيده أربعين شاة، قد غاب عنها عشرة أعوام لم يأخذ منها إلا شاة واحدة، لأن أخذ الساعى منها الشاة لعام يمنع أخذ زكاة أخرى منها؛ لأنها قد قصرت بذلك عن النصاب، فلا تجب عليه فيها الزكاة لعدم شرط وجوب الزكاة، وهو النصاب. قال: فإن وجد عنده إحدى وأربعين شاة، زكاها لحولين شاتين، وسقط عنه سائر الأعوام، فإن وجد عنده خمسين شاة زكاها لعشرة أعوام، فإن وجدها ألفًا زكاها عشرة لعام وتسعة أعوام تسعة، وهذا حكمها إذا كانت الزكاة المأخوذة من جنس المزكى، وكان المال مما لا يزكى إلا بجنسه، سواء أخذها منها أو أتاه بها من غيرها،. وذلك بأن تكون غنمه كلها مما لا تجوز فى الزكاة فأتاه شاة من غيرها، فإن ذلك ٢٢٧ کتاب الزكاة . يسقط عنه حكم الزكاة فى عينها، وكل بمنزلة أن يعطيها منها إذا قصرت بذلك عن النصاب، قاله أشهب وابن نافع فى المجموعة، ورواه ابن سحنون عن مالك. مسألة: فإن غاب الساعى عن إبل، فلا يخلو أن تزكى بجنسها أو بغير جنسها، فإن كانت تركی بجنسها مثل أن تكون خمسة وعشرين بعيرًا، فتجب فيها بنت مخاض، فإنه يزكيها لأول عام بنت مخاض، فإن كانت فيها وأخذها منها زكاها لسائر الأعوام بالغنم، وإن لم يأخذ منها زكاها لسائر الأعوام بنات مخاض. والفرق بينها وبين الغنم أن الغنم لا تزكى إلا بجنسها، والإبل تارة تزكى بجنسها وتارة بغير جنسها، فإذا أخذ من أعيانها نقص بذلك النصاب، وإذا أخذ من غيرها لم ينقص بذلك النصاب، وكان بمنزلة أن يزكى بالغنم، فإنه يؤخذ منها الغنم لجميع الأعوام ولا ينقص فى ذلك النصاب، ولو بيع فيها الكثير من الإبل، وما ينقص من الفرض. فصل: وقوله: ((فإن لم يأخذ منها شيئًا حتى هلكت الماشية كلها أو صارت إلى ما لا تجب فيه الصدقة)) يريد لنقصانها عن النصاب، فإنه لا صدقة عليه فى شىء من ذلك، ويبطل ما قبل ذلك من الزكوات التى كانت تجب فيها لو جاءه المصدق، ولا ضمان عليه، فيما هلك من ماله لما قدمناه من أنه ليس بضامن؛ لأن الزكاة فى الماشية لا تجب إلا لمجیء الساعی، وقد تقدم القول فيه، وهذا إذا لم یکن فارًا بماشيته. مسألة: فإن فرَّ بماشيته، فوجده الساعى بعد أعوام، فإنه يأخذ منه الزكاة لجميع الأعوام على ما كانت عليه فى كل عام، هذا قول جمهور أصحابنا إلا أشهب، فإنه قال: إذا زادت الغنم على ما كانت عليه زكاها لكل عام على ما وجدها عليه، وإن نقصت الغنم عما كانت عليه زكاها لكل عام على ما كانت عليه. وجه القول الأول أنه ضامن للزكاة لتعديه بالفرار، فإنه يضمن من الزكاة فى كل عام حسب ما وجبت عليه، فكما يلزمه ضمانها إن نقصت كذلك لا يلزمه إخراج الزكاة للزيادة إذا زادت. ووجه قول أشهب أنه لا يكون أحسن حالا من الذى تغيب عنه الساعى من غير فراره، فإنه إذا زادت عنده الماشية زكيت لسائر الأعوام على ما هى عليه من الزيادة، وهو غير متعد، فكان أخذها من الفار المتعدى أولى. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى منه على وجه الاستحسان، والقياس ما تقدم. ٢٢٨ ٠. .......... کتاب الزكاة فرع: إذا ثبت ذلك، فإنه يبدأ بالأخذ من غنم الهارب عن آخر الأعوام، هذا الذى رواه ابن حبيب عن مالك وقاله أصبغ. وقال عيسى عن ابن القاسم: يبدأ بالأخذ من أول عام، ومثال ذلك أن يغيب ثلاثة أعوام بثلاثمائة شاة ثم يجده الساعى فى العام الرابع بيده شاة، فعلى ما رواه ابن حبيب: يؤخذ منه عن هذا العام عشر شياه ثم يؤخذ منه عن الثلاثة الأعوام المتقدمة تسع شياه، ثم يؤخذ منه للعام الرابع تسع شياه؛ لأن نصاب الألف قد نقص بأخذ زكاة الأعوام المتقدمة. وجه قول مالك ما احتج به أصيغ من أنه ضامن بتعديه بالفرار بزكاة كل عام ضمانًا يوجب تعلقها بذمته يدل على ذلك أنها لو تلفت لوجب عليه ضمانها، فإذا ثبت تعلقها بذمته لم ينقص نصاب الألف، وكان عليه أن يزكى لآخر عام ألف شاة. ووجه قول ابن القاسم أن هذه زكاة تتعلق بالعين، وإنما يضمنها بالتعدى بمعنى أنها إن تلفت كان عليه بدلها، فأما مع وجودها، فحكم الزكاة متعلق بها، وليس عليه غيرها كالغاصب إذا غصب عينًا من غتم أو غيرها، ثم وجدها صاحبها كان حقه متعلقًا بها دون ذمة الغاصب. فرع: فإن غاب بأربعين، فوجدت بيده ألفًا بعد أعوام، فقال: إنها لم تزل أربعين إلى هذا العام، فهل يصدق أم لا؟ روى ابن حبيب عن ابن الماجشون وغيره من أصحابنا أنه لا يصدق فى ذلك، ويؤخذ منه صدقة سائر الأعوام على ما هى عليه الآن. وروی این سحنون عن أبيه أنه یصدق فی ذلك. وجه القول الأول أن هذا قد ظهر كذبه وتبين فراره من الزكاة، فلم يعتبر بقوله. ووجه قول سحنون أن الزكاة لا تجب عليه إلا بإقراره أو بينة ثبتت عليه، وليس فسقه بالذی بمضى عليه الدعاوى دون بينة كالذى عرف بححد أموال الناس. النهى عن التضييق على الناس فى الصدقة ٦٦٨ - مَالِك، عَنْ يَخْبِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النِّّ ﴿ أَنْهَا قَالَتْ: مُرَّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ٦٦٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٦٢. الشافعى فى الأم ٥٦/٢. البيهقى فى السنن الكبرى ١٥٨/٤. معرفة السنن والآثار ٨٤١٣/٦. ٢٢٩٠ .... کتاب الزكاة بِغَنَمٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَرَأَى فِيهَا شَاءً حَافِلا(١) ذَاتَ ضَرْعٍ عَظِيمٍ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذِهِ الشَّاةُ؟ فَقَالُوا: شَاةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْطَى هَذِهِ أَهْلُهَا، وَهُمْ طَائِعُونَ، لا تَفْتِنُوا النَّاسَ، لا تَأْخُذُوا حَزَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ(٢) نَكِّبُوا عَنِ الطّعَامِ. الشرح: وقولها: ((مر على عمر بن الخطاب رضى الله عنه بغنم من الصدقة)) يدل على أنه قد ينقل بعض ماشية الصدقة عن موضعها إذا استغنى أهلها إلى موضوع آخر من الحاضرة وغيرها حيث تكون الحاجة، وذلك أن أحق المواضع بالزكاة موضع تؤخذ فيه. وفى زكاة الماشية ثلاث أبواب، أحدها: فى إبان أخذها منها. والثانى: فى موضع تؤخذ فيه الصدقة. والثالث: فى موضع تفرق فيه. الباب الأول فى إبان أخذ الصدقة من الماشية فأما إبان الخروج لأخذ الصدقة، فهو وقت طلوع الثريا مع طلوع الفجر، وهو إبان تجتمع فيه الماشية على المياه فى الجبال والقفار من بقايا الأمطار؛ لأن ذلك أهون على المصدقين، وأمكن لاجتماع الناس دون مضرة ولا مشقة تلحقهم فى تركهم للكلا والرعى والسرح للاجتماع للصدقة؛ ولأن الماشية حينئذ لا مضرة للانتقال بها لقوة نسلها. وقال الشافعى: إن وقت خروج الساعى وجميع الناس هو فى شهر المحرم متى كان من كل سنة. والدليل عليه ما قدمناه. فرع: إذا ثبت ذلك، فإحكم البلاد على ضربين، ضرب: لم تجر العادة لخروج السعاة إليه لبعده عليهم، ففى كتاب ابن سحنون: أن حول هذه الماشية من يوم أفادها بميراث أو غيره يخرج زكاتها كزكاة العين. وقال فى الأسير يكتسب الماشية بأرض الحرب: أن حكمه حكم من تخلف عنه الساعى، فإذا خلص بها زكاها لماضى السنين. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والقیاس عندى أن يكون حكمه حكم من لم تجر العادة بخروج السعاة إليه يخرج زكاة ماشيته كما يخرج زكاة العين، وإنما فرق بينهما من تقدم ذكره لأن الأسير معتقد للخروج إلى موضع الساعى متى أمكنه بخلاف (١) شاة حافل: مجتمع لبنها. (٢) حزرات المسلمين: خيار أموالهم. کتاب الزكاة ٢٣٠ من لا يأتيه الساعى لبعد مكانه، فإنه لا يعتقد الخروج إليهم، والله أعلم وأحكم. فرع: وأما الضرب الثانى، فمن جرت العادة بخروج السعاة إليه، فإنهم يخرجون فى سنة الخصب. وأما سنة الجدب، ففى المجموعة عن أشهب، قال مالك: لا يبعثون فى سنة الجدب. وروى عنه لا يؤخر السعاة فى سنة الجدب، وإن عجفت الغنم. وجه القول الأول ما احتج به مالك أنه إن خرج الساعى فى عام جدب، فإنما يأخذ ما لا يجب، فإن بيع، فلا ثمن له، وذلك يجحف بأرباب الأموال، ولا ينفع المساكين. ووجه القول الثانى أن هذا معنى لسبب عجف الماشية، فلا يمنع أخذ الصدقة كمرض الماشية. فرع: فإذا قلنا يخرج السعاة فى الجدب، فقد تقدم من قول مالك ما يقتضى أنه يأخذ من العجاف عجافًا. قال محمد: يشترى له ما يعطيه. وجه القول الأول أن صفة الغنم فى العجف لا تنقل الزكاة إلى غير عينها كما لو کانت سمانًا. ووجه قول محمد ان العجف عیب کما لو فیھا کانت ذات عوار. * الباب الثانى فى الموضع الذى تؤخذ فيه الصدقة أما موضع أخذ صدقة الماشية، ففى موضع الماشية، وليس على أرباب الماشية نقلها وحملها إلى المصدق. والدليل على ذلك المشهور من فعل النبى ﴿﴿ أنه كان يبعث أصحابه مصدقين إلى الجهات، ولا يأمر الناس بجلب مواشيهم إلى المدينة، فيتولى هو تصديقها بنفسه، ومن هذا المعنى أن الضرورة على أرباب الماشية فى جلبها وجمعها للصدقة أشد من الضرورة على المصدقين فى طوافهم على المواشى. مسألة: وكذلك زكاة الحب يخرج إليه فى مواضعه، ويأخذ من الناس حيث حصدوه لما ذ کرناه. ولما روى عن النبى ! أنه قال: ((وأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) فإذا كانت تدفع إلى فقراء الجهة التى أخذت بها، فلا معنى لنقلها ثم ترد إلى موضعها. ... ٢٣١ كتاب الزكاة ودليلنا من جهة المعنى أن فى تكليفهم حمله زيادة عليهم فى الزكاة، وربما لم تكن له دابة ولا مال غير ما أصابه من الطعام، فيؤدى ذلك إلى أن يؤخذ منه نصف ما حصدوه أو أكثر. الباب الثالث فى الموضع الذى تفرق فيه الزكاة أما موضع تفريق الزكاة، فإنه حيث تؤخذ من أربابها إلا أن يكون بموضع لا فقراء فيه، فإن كان بالموضع فقراء، فلا يخلو أن يكون أهل ذلك الموضع أشد حاجة من غيرهم، أو حاجتهم كحاجة غيرهم، أو تكون حاجة غيرهم أشد، فإن كانت حاجتهم أشد أو مساوية لحاجة غيرهم، فأهل موضع الصدقة أولى بصدقتهم حتى يغنوا أو لا ينقل منها إلا ما فضل عنهم، وإن كانت حاجة غيرهم أشد، فرق من الصدقة بموضعها بمقدار ما يرى الإمام، وينقل سائرها إلى موضع الحاجة، هذا المشهور من مذهب مالك. وفى المجموعة: روى ابن وهب وغيره عن مالك: لا بأس أن يبعث الرجل يبعض زكاته إلى العراق ثم إن هلكت فى الطريق لم يضمن، فإذا كانت الحاجة كثيرة بموضعه أحببت أن لا تبعث، وهذا إباحة لإخراج الزكاة عن موضعها، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: لا يجوز نقل الصدقات عن مواضعها. والدليل على ما نقوله قوله : ((فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراءهم)) فإن قيل بأن هذا يقتضى نقلها من عدن إلى اليمن؛ لأنه خاطب بذلك أهل الیمن وعدن من اليمن. فالجواب أن المراد بذلك أن تؤخذ من أغنياء من يعلمه بذلك فترد على فقرائهم، ومعلوم أن معاذًا كان يخاطب بذلك أهل كل بلد، فيقتضى ذلك رد زكاة أغنيائه على فقرائه. ودليلنا من جهة القياس أن هذا نقل صدقته إلى غير بلدها، فلم يجز له تفرقتها مع وجود الحاجة ببلد الصدقة. أصله إذا تولى قسم ذلك بنفسه من غير إذن الإمام. وجه رواية ابن وهب قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] الآية ولم يخص بلدًا دون غيره. ومن جهة القياس أن هذا مال لزم إخراجه على وجه القربة، فلم يختص به فقراء بلد دون بلد آخر ككفارة الأيمان. ٢٣٢ کتاب الزكاة فرع: فإذا قلنا باختصاص إخراجها بموضع المال، ففى كتاب ابن سحنون: من كانت له أربعون شاة بأربعة أقاليم عشرة بالأندلس، وعشرة بأفريقية، وعشرة بمصر، وعشرة بالعراق، وكان الولاة عدولاً، فإنه يلزمه أن يخبرهم بذلك ويدفع إلى كل أمير ربع شاة فی شاه یشار که فيها، وإن دفع إليه ربع قيمة شاة أجزأه، وإن کان الولاة غیر عدول، فليخرج هو ما يلزمه على ما أعلمتك، وإن له خمسة أواق فى بلاد متفرقة، فيعط كل أمير زكاة ماله يبلده، فإن لم يكونوا عدولاً أخرج هو ما يلزمه عن جميع ذلك، يريد فى کل بلد ز كاة ماله فيه، وبالله التوفيق. فرع: فإن قلنا إنه لا يجوز نقلها من بلد إلى بلد إلا لعذر، فإنه لا بأس أن ينقل زكاته إلى ما يقرب، ويكون فى حكم موضع وجوبها لأن ذلك موضع وجوبها لأنه لا يلزمه أن يخص بذلك أهل محلته ولا جيرانه، بل يجوز له أن يؤثر أهل الحاجة من أهل بلده فكذلك ما قرب منها. وروى ابن نافع عن مالك أن ذلك إن يكن على أميال، فلا بأس، أن يحمل من زكاته إلى ضعفاء عنده بالحاضرة. وقال سحنون: إن كان ذلك فى مقدار لا تقصر فيه الصلاة، وأما ما تقصر فى مثله الصلاة، فلا تنقل إليه الزكاة. فرع: فإن نقله، وقلنا برواية المنع، فقد قال سحنون: لا تجزئه. وقال أبو بكر بن اللباد: إنما ذلك على الاستحسان ويجزئه ذلك، فإن تلف فى الطريق، فإنه يضمنها على هذه الرواية، وأما على رواية ابن وهب، فلا ضمان عليه، وبه قال ابن المواز. مسألة: فإذا قلنا إن ذلك يجوز ابتداء أو للحاجة، فمتى يجوز ذلك، قال ابن المواز: إنما يرسل بها قبل محلها بمقدار ما يمكن حولها عند وصولها. . ووجه ذلك أنه إن أرسلها بعد حولها، فقد أمسكها وأخرها بعد الحول مع التمكن من ذلك، وهو من التعدى الذى يلزمه الضمان. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: إنه يجوز له إرسالها بعد الحول، ووجوب الزكاة فى المال. ووجه ذلك أنه لم يجب عليه الزكاة بعد، وقد تنقص عن النصاب بفعله أو بغير فعله. ووجه آخر أنه لا يجب على الإنسان أن يدفع زكاة ماله لأول من يلقاه بعد كمال الحول، ولا عند طلوع الفجر من يوم يكمل الحول وجوبًا يكون بتأخيره عن ذلك ساعة واحدة متعديًا، وإنما يكون متعديًا بتأخيره مدة يظهر بها حكم التعدى والإغفال. ٠٠٠٠ ٢٣٣ كتاب الزكاة . مسألة: فإذا احتاج الإمام إلى نقله من بلد إلى بلد، فمن أين تكون مؤنة ما ينقل منها؟ روى ابن القاسم عن مالك: يتكارى عليها من الفىء. وقال ابن القاسم: لا يتكارى عليها من الفىء، ولكن يبيعها فى هذا البلد، ويبتاع عوضها فى بلد تفريقها. وجه قول مالك أن الفىء لنوائب المسلمين، فيجب أن تحمل به هذه الزكاة ولا تباع فى موضع الغنى عنها؛ لأن بيعها فى موضع الغنى عنها وابتياعها فى موضع نفاقها يذهب بأكثرها. ووجه قول ابن القاسم أن الزكاة حق للفقراء، ولمن سمى معهم خاصة، فلا يجب أن يتمم بالفىء الذى لا يختص بهم، وإنما ثبت لهم من الزكاة مقدار ما يخلص إليهم منها بعد البيع والابتياع، وهذا أحوط من التغرير بها فى الطريق. فصل: وقوله: ((فرأى فيها شاة حافلا)) الحافل التى اجتمع اللبن فى ضرعها، فعظم ضرعها لذلك، ولما كان عليه فى أصل الخلقة، فقال عمر، لما علم أنها من الصدقة: ((ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون)) يريد أن أهلها كرهوا إعطاءها لما رأى من كرمها وكثرة لبنها وأن نفس من كانت عنده غير طيبة بإعطائها فى الأغلب من أحوال الناس، ثم قال: لا تفتنوا الناس، الفتنة فى أصل اللغة الاختيار إلا أنها استعملت فيما يصرف الناس من الحق إلى الباطل. فصل: وقوله: ((لا تأخذوا حزرات المسلمين)) الحزرات، واحدتها حزرة. وقوله: ((نكبوا عن الطعام)) أى اعدلوا بأخذكم عما يكون منه الطعام لأرباب المواشى، فإن نفوسهم لا تطيب بها، فلا يجب ذلك عليهم، والأصل فى ذلك حديث معاذ بن جبل، وفيه قوله :48: ((وتوق كرائم أموال الناس، واتق دعوة المظلوم)) وليس فى حديث عمر رضى الله عنه أنه رد تلك الشاة الحافل، ويحتمل أن يكون قد أعلم أن صاحبها قد طابت بها نفسه، والله أعلم وأحكم. ٦٦٩ - مَالِك، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْتَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى رَجُلانِ مِنْ أَشْجَعَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصَارِىَّ كَانَ يَأْتِيهِمْ مُصَدِّقًا، فَقُولُ لِرَبِّ الْمَالِ: أَخْرِجْ إِلَىَّ صَدَقَةَ مَالِكَ، فَلا يَقُودُ إِلَيْهِ شَةً فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ إِلَا قَبِلَهَا. الشرح: قوله: ((إن محمد بن مسلمة الأنصارى كان يأتيهم مصدقًا)) المصدق الآخذ ٦٦٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٦٣. كتاب الزكاة ٢٣٤ للصدقة، العامل عليها، فيقول لرب المال: ((أخرج إلى صدقة مالك))، وهذا على سبيل التفويض إليه، وهو من السنة أن الاختيار إليه، وأنه من أخرج إليه شاة سليمة يجوز مثل سنها فى الزكاة أن يأخذها لأن التعيين لرب الماشية دون المصدق. قَالَ مَالِك: السُّنّةُ عِنْدَنَا وَالَّذِى أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنْهُ لا يُضَّقُ عَلَّى الْمُسْلِمِينَ فِى زَكَاتِهِمْ، وَأَنْ يُقْبُلَ مِنْهُمْ مَا دَفَعُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ(١). الشرح: وهذا كما قال تجب مسامحة أرباب الأموال فى الزكاة، وأخذ عفوهم؛ لأنه قد روى ذلك فى حديث عمر، رضى الله عنه، وحديث محمد بن مسلمة ((وممن خرج مصدقًا فى زمان رسول الله ﴿)، وقد سئل مالك: أيقسم المصدقّ الماشية، ويقول لصاحبها: آخذ من أيها شئت؟ فقال: لا، واحتج بحديث محمد بن مسلمة. ووجه ذلك أن التعيين لصاحب الماشية كسائر الزكاة. آخذ الصدقة ومن يجوز له أخذها ٦٧٠ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (لا تَحِلُّ الصََّّةُ لِغَنِى إِلا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِى سَبِيلِ اللّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمِ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌّ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِىِّ». (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٩٤/٩. ٦٧٠ - أخرجه أبو داود فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٩٣. وابن ماجه فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٨٣١. وأحمد ٥٦/٣ عن أبى سعيد الخدرى. والبيهقى فى الكبرى ١٣/٧ بنحوه مختصرًا عن عبدالله بن عمرو. وابن خزيمة برقم ٢٣٦٨، ٦٩/٤ عن أبى سعيد الخدرى. والحاكم فى المستدرك ٤٠٧/١ عن أبى سعيد الخدرى. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٣/٥: هكذا رواه مالك مرسلاً، وتابعه على إرساله ابن عيينة، وإسماعيل بن أمية. ورواه الثورى عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: حدثنى الليث، عن النبى ! فذكره. ورواه معمر عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى ٢٣٥٠ ........ كتاب الزكاة . الشرح: وقوله: ((لا تحل الصدقة))، يريد صدقة الأموال الواجبة فيها لا تحل لغنى، ولم يرد الصدقة المبتذلة من غير وجوب، فإن تلك بمنزلة الهدية، تحل للغنى والفقير. وقوله : ((إلا الخمسة))، ثم فسر فقال: ((لغاز فى سبيل الله))، وذكرهم فبين أن الصدقة تحل لهؤلاء الخمسة مع كونهم أغنياء، وإن كان وجه إباحة الصدقة لهم يختلف. فأما الغازى، فمباحة له على وجه المعونة له على عدوه، وربما كان غناؤه يبلغ به العدد، إلا أنه لا يبلغ منه ما یقوى به فى نهاية فراهة فرسه وجودة سلاحه وآلته، ولیس كل غنى يبلغ به المراد من ذلك، وقد يكون عنده من الغنى ما يبلغه النهاية من ذلك، إلا أنه يضر بحاله فى المستقبل، فيمتنع من ذلك إبقاء لماله، والمسلمون محاويج إلى غزوه ونصرته، وأبيح له أخذ الصدقة ليبلغ من غزوه ما لا يبلغه بماله. وأما العامل عليها، فإنه يأخذها على وجه العوض من عمله والصدقة عليه، وليست لمجرد الإجازة، ولذلك لا يجوز أن يستعمل عليها من لا يحل له أخذها من هاشمى أو ذمى، ويجوز أن يستأجر على حراستها وسوقها لما كانت تلك إجارة محضة. وأما الغارم، فإنما تدفع إليه معونة على غرامته، وهو على وجه الصدقة، وسيأتى وصف هؤلاء الثلاثة الأصناف وذكر أحكامهم بعد هذا إن شاء الله تعالى. فرع: إذا ثبت أنه لا تحل الصدقة لغنى إلا من ذكرنا، فمن أعطاها غنيًا عالمًا بغناه، فلا خلاف أنها لا تجزئه، ومن أعطاها جاهلاً بغناه، وهو يعتقد فيه الفقر، فهل تجزئه أم لا؟ قال ابن القاسم فى المدونة: يضمن إن دفعها لغتى أو نصرانى، وقال فى الأسدية: لا ضمان عليه. وجه إثبات الضمان انه اتلف مالاً لغیره، فکان علیه ضمانه، إذا لم يؤمر به کالماشى فى الطريق يطأ ثوب غيره فيخرقه. ووجه نفى الضمان أنه مأمور بدفعه، فإذا اجتهد فأخطأ فهو غير ضامن کالوكيل علی دفعه. مسألة: وأما من اشترى الصدقة بماله، فليس من باب دفع الصدقة إليه، وإنما الصدقة قد بلغت محلها بدفعها إلى الفقير ثم ابتاعها الغنى بماله، وكذلك من أهداها إليه الفقير، فإنها لم تصر إليه بوجه الصدقة، وإنما انتقلت إليه بعد أن بلغت محلها وكمل فيها أداء فرض الزكاة. كتاب الزكاة ٢٣٦ قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِى قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إِلا عَلَى وَحْهٍ الاجْتِهَادِ مِنَ الْوَالِى، فَأَىُّ الأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالْعَدَدُ أُوْثِرَ ذَلِكَ الصَّنْفُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْوَالِى، وَعَسَى أَنْ يَتَقِلَ ذَلِكَ إِلَى الصِّنْفِ الآخَرِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَعْوَامٍ فَيُؤْتَرُ أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْعَدَدِ حَيْثُمَا كَانَ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. الشرح: وهذا كما قال أن قسم الصدقات إنما يكون على وجه الاجتهاد من الوالى، وذلك أن الصدقات يستحقها المسلمون فى كتاب الله تعالى، وذلك قوله عز وجل: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل﴾ [التوبة: ٦٠]، فهذه ثمانية أصناف يجوز وضع الصدقات فيها، ولا يجوز وضعها فى غيرهم لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات﴾ [التوبة: ٦٠]، فأتى بلفظ الحصر، وهذا يقتضى نفى إعطاء الصدقات لغيرهم. فأما الفقراء والمساكين، فاختلف الناس فيهما، فقال مالك: إن الفقير الذى له البلغة من العيش لا تقوم به، والمسكين الذى لا شىء له، فالمسكين أسوأ حالاً من الفقير، وبه قال أبو حنيفة. وفى العتبية من رواية عبدالملك بن الحسن، عن ابن وهب: الفقير المتعفف عن السؤال مع حاجته، والمسكين الذى يسأل على الأبواب والطرق وهو السائل، وهذا يقرب من قول مالك. وقال الشافعى: إن الفقير أسوأ حالاً من المسكين. وبقولنا قال جماعة من أهل اللغة، وأنشد فى ذلك ابن قتيبة: أما الفقير الذى كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد فجعل للفقير بلغة من العيش. ومن جهة المعنى أن المسكين مأخوذ من السكون، والفقير مأخوذ من كسر الفقار، والذى سكن فلا يتحرك أشد ضعفًا من المكسور الفقار؛ لأن ذلك متحرك. وقال أبو الحسن الأخفش: الفقير مشتق من قولهم: فقرت له فقرة من مال، أى أعطيته، فالفقير على هذا الذى له قطعة من مال. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن صفة الفقير الذى يأخذ الصدقة، حكى ابن المواز عن ٢٣٧ كتاب الزكاة . مالك أنه قال: يعطاها من له أربعون دينارًا ورأس ورأسان إذا كان كثير العيال، وهذا يقتضى أن المراعى فى ذلك قدر حاجته فى نفسه وعياله دون النصاب. وروى المغيرة عن مالك أنه قال: إذا كان يفضل له من ثمن داره عشرون دينارًا لم يعط من الزكاة. وهذا يدل على مراعاة النصاب، وبه قال أبو حنيفة. وجه الرواية الأولى أن الغنى يختلف باختلاف من أضيف إليه، فمن الناس من يكون له المال، ولا يقدر على التصرف والسؤال، فلا يكفيه ما يكفى من يقدر على التصرف والابتذال، ومنهم من يكون له العيال الكثير والولد ممن لا يستطيع أن ينفرد بالاقتيات دونه، فلا يكفيه ما يكفى المفرد ذو العیال اليسير. فيجب أن يكون غنى المفرد المتمكن من التصرف غير غنى المعيل الذى كان لا يمكنه التصرف، وهذا كما يقول فى الاستطاعة المعتبرة فى الحج. ووجه الرواية الثانية ما روى عنه ﴿3﴾ أنه قال: ((وأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، فأخبر أن الذى يؤخذ منهم غير الذى يدفع إليهم. وقد أجمعنا على أن من كان له عشرون دينارًا، وله عيال تؤخذ منه الزكاة، فيجب أن لا تدفع إليه. ومن جهة المعنى أن هذا غنى يؤثر فى وجوب الزكاة، فوجب أن يؤثر فى المنع من أخذها كالنصاب. مسألة: وليس من صفاته الضعف عن التكسب والعمل، رواه المغيرة عن مالك. وقال الشافعی: لا یعطی القوی علی الکسب، وإن لم یکن له مال. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، وهذا عام فنحمله على عمومه إلا ما خصه الدليل. ودليلنا من جهة السنة ما روى عنه ﴾ أنه قال: ((وأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)). مسألة: ومن صفات الفقير المستحق للزكاة أن لا يكون من آل محمد ®، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وذكر القاضى أبو الحسن أن من أصحابنا من قال: تحل لهم الصدقات الواجبة، ولا يحل لهم التطوع؛ لأن المنة قد تقع فيها، ومنهم من قال: يحل لهم التطوع دون الفرض. وكان شيخنا، رحمه الله، يريد أبا بكر الأبهرى، يقول: قد حلت لهم الصدقات كلها، فرضها ونفلها. .. ٢٣٨ كتاب الزكاة ووجه القول الأول قوله ﴿ للحسن وقد جعل تمرة من الصدقة فى فيه: ((أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة))(). فرع: فإذا قلنا برواية المنع، فقد روى ابن حبيب فى شرح الموطأ عن مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ أن جميع الزكوات الواجبة كلها وصدقة التطوع محرمة عليهم، وقد تقدم ذكر القاضى أبى الحسن للخلاف فى ذلك، وما ذكره من أن صدقة التطوع تجوز لهم دون الفرض، هو رواية أصبغ عن ابن القاسم فى العتبية. فرع: ومن ذوو القربى الذين لا تحل لهم الصدقة؟ قال ابن القاسم: هم بنو هاشم خاصة، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه يستثنى بنى أبى لهب. وقال أصبغ: هم عشيرته الأقربون، ناداهم حين أنزل الله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وهم آل عبد المطلب وآل هاشم وآل عبد مناف وآل قصى وبنو غالب. وقال الشافعى: هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقول ابن القاسم: أظهر؛ لأن الآل إذا وقع على الأقارب، فإنما يتناول الأدنين. وروى عيسى عن ابن القاسم من أعطاها بنى هاشم لم تجزه. فرع: وهل يدخل فيه الموالى، قال ابن القاسم فى العتبية: لا يدخلون فيهم. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ: مواليهم مثلهم، حرمت عليهم صدقة الفرض والتطوع. قال أصبغ: احتججت على ابن القاسم بالحديث: ((موالى القوم منهم))(*)، فقال: قد جاء حديث آخر: ابن أخت القوم منهم، فكذلك حديث الموالى، وإنما تفسير موالى القوم منهم فى الحرمة والبر منهم بهم كما فى تفسير الحديث ((أنت ومالك لأبيك))(٦)، يريد فى البر والطواعية لا فى القضاء واللزوم. مسألة: وأما العاملون عليها، فهم الذين يخرجون لأخذ الصدقة، فروى أشهب عن مالك: يعطون بقدر المسعى فى قربه وبعده وبقدر غنائه؛ لأنه إنما، يأخذ على وجه العوض عن عمله، إلا أن حقه متعلق بما عمل فيه إن كان مؤمنا وإن كان كافرًا أساء (*) أخرجه البخارى حديث رقم ١٤٨٥. مسلم حديث رقم ١٠٦٩. أحمد فى المسند حديث رقم ٩٠١٤. (*) أخرجه النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٦١٢. (*) أخرجه ابن ماجه حديث رقم ٢٢٩١، ٢٢٩٢. أحمد فى المسند حديث رقم ٦٨٦٣. ٢٣٩ كتاب الزكاة من استعمله فى الصدقة واسترجع ما أخذ منها وأعطى أجرته من غيرها، حكى ذلك محمد عن ابن القاسم. ووجه ذلك أن الصدقة لا يجوز صرفها إلى غير المسلمين. مسألة: وأما المؤلفة قلوبهم، فهم قوم ذوو عد وسعة وقدرة على الأداء أجابوا إلى الإسلام، ولم يتمكن من نفوسهم، هذا الذى قاله شيوخنا، ويحتمل عندى أن يكون الإيمان تمكن من نفوسهم، غير أن الطاعة لأحكامه لا تتمكن من نفوسهم، فكان النبى ﴿لَّ يستألفهم بالعطاء ويحبب إليهم الإيمان، ويكف به أذيتهم، وقد انقطع هذا الصنف لما فشا الإسلام وكثر. مسألة: وأما الرقاب، فهى أن يشترى من زكاة الأموال رقاب، روى ابن المواز عن ابن القاسم: لا يجزئ العتق من الزكاة، إلا من يجزئ فى الرقاب الواجبة، يريد من الإسلام والسلامة، قال عنه ابن حبيب: فإن فعل أعاد. قال ابن حبيب: لا بأس أن يعتق عن زكاته أعمى أو أعرج أو مقعدًا، وإنما المعنى فى قوله تعالى: ﴿وفى الرقاب﴾ [التوبة: ٦٠] فكاكها. وفى العتبية عن ابن وهب: ﴿وفى الرقاب﴾ قال: المكاتبين. وقد قال مطرف عن مالك: لا بأس أن يعطى من زكاته المكاتب ما يتم به عتقه أو فى قطاعة مدبر ما يعتق به، وهما لا يعتقان فى الرقاب الواجبة. وجه قول ابن القاسم أنه عتق ينفذ على وجه إذا وجب، فاعتبرت فيه السلامة كالعتق فى الكفارة. ووجه آخر أن ما اعتبر فى الكفارة اعتبر فى عتق الزكاة كالإسلام. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن من أعتق من الزكاة يعتقون عن جميع الإسلام، ويكون الولاء لهم، فإن اشترى أحد من زكاة ماله رقابًا وأعتقها ليكون الولاء له لم يجزه عن زكاته فى رواية ابن القاسم. وقال أشهب: یجزئه وولاؤه للمسلمين. وجه قول ابن القاسم أنه قد استمسك به حين أبقى الولاء له، وإنما يجزئ من ذلك أن يكون الولاء للمسلمين. وجه قول أشهب أنه بمنزلة من أمر عبده أن يعتق رقبته أو يذبح أضحيته، فأنفذ ذلك عن نفسه، فإن ذلك يجزئ الآمر. مسألة: وأما الغارمون، فذكر القاضى أبو محمد أن مذهب مالك أن من أدان فى غير سفه ولا فساد ويكون معهم أموال هى بإزاء ديونهم، فيعطون ما يقضون به کتاب الزكاة ٢٤٠ ٠٠ ديونهم، وإن لم يكن لهم وفاء، فهم فقراء غارمون، فأعطوا بالوصفين جميعًا. وقال أبو جعفر الداودى: اختلف قول مالك فى الغارم، فمرة قال: يعطى إذا كان محتاجًا، ومرة يشير إلى أن للغارم أن لا يأخذ ما أعطى، وإن كان بيده کفاف دينه، وأکثر منه، ولا يفصح. وجه ما حكاه القاضى أبو محمد قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين﴾ [التوبة: ٦٠]، فذكر الغارمين مع الفقراء وعطفهم عليهم، وهذا يقتضى أنهم غيرهم. فرع: ويجب أن يكون هذا الغارم على هذا الوجه ممن تنجز حاله بأخذ الزكاة، ويتغير بتركها وذلك بأن يكون ممن له أصول يستغلها ويعتمد عليها، فيركبه دين يلجئه إلى بيعها، ويعلم أنه إذا باعها خرج عن حاله، فهذا يؤدى دينه من الزكاة. وأما من كان على حالة من الابتذال والسعى، فأراد أن يشترى أموال الناس ليكون منها دين فى ذمته، فيكون غارمًا ما يؤدى عنه من الزكاة، فلا يجوز ذلك؛ لأن لغرم عن هذا لا يغير حاله ولا يضطره منعه من الابتذال إلى الخروج عن عادته وللخروج عن العادة تأثير فى إسقاط العبادات كالاستطاعة فى الحج. مسألة: وأما قوله تعالى: ﴿فى سبيل الله﴾، فهو الغزو والجهاد، قاله مالك وجمهور الفقهاء. وقال ابن حنبل: هو الحج. والدليل على ما نقوله أن هذا اللفظ إذا أطلق، فإن ظاهره الغزو، ولذلك قال تعالى: ﴿وقتلوا فى سبيل الله﴾، [آل عمران: ١٦٩، محمد: ٤]، ولا خلاف أن المراد به الغزو والجهاد. فرع: إذا ثبت ذلك، فإنه لا بأس أن يعطى من الزكاة للغازى، وإن كان معه ما يغنيه وهو غنى يده، وإن لم يأخذ ذلك فهو أفضل له، هذا قول مالك، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا يعطى للغازى الغنى شىء من الصدقة، ولا يحل له أخذها. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها﴾، إلى قوله عز وجل: ﴿وفى سبيل الله وابن السبيل﴾ [التوبة: ٦٠]، وهو عام فی کل من کان فی سبیل الله. ودليلنا من جهة السنة ما روى عنه ﴾ أنه قال: ((لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة))(*)، فبدأ بالغازى. (*) أخرجه أبو داود حديث رقم ١٦٣٥. ابن ماجه حديث رقم ١٨٤١. أحمد فى المسند حديث رقم ١١١٤٤. ............ ٢٤١ كتاب الزكاة . ودليلنا من جهة القياس أن هذا يأخذ الصدقة لحاجتنا إليه، فجاز له أخذها مع الغنى کالعامل. مسألة: وأما ابن السبيل، فهو المسافر، قال ابن وهب فى العتبية: هو الذى لا يجد دابة ولا ما يكريها به. وقال شيوخنا العراقيون: ابن السبيل يكون مبتدئًا لسفره، وقد یکون مستديمًا له، فأما المبتدئ لسفره، فهو الغريب یکون بالبلد له فیه مدة، ثم يريد الرجوع إلى وطنه، فهذا مبتدئ لسفره. وأما المستديم له، فهو الذى يكون فى أثناء سفره، فلا خلاف نعلمه فى أنه يجوز دفع الزكاة إلى مستديم السفر، وأما مبتدئه، فقال مالك والشافعى: يجوز دفع الزكاة إليه، ومنع ذلك أبو حنيفة. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن هذا مريد للسفر، فجاز له أخذ الزكاة كالمستديم، وتبيين ذلك أن المستديم للسفر إنما يأخذه للمستقبل، وأما الماضى، فلا اعتبار به. فرع: إذا ثبت ذلك، فإنه يجوز له أخذ الزكاة، وإن كان معه ما يغنيه، وكان غنيًا ببلده، روی هذا عن مالك. وروی عنه ابن نافع أنه يجوز له ذلك إذا لم يكن له ما یغنیه، و کان غنيًا يبلده، وبه قال أصبغ. وجه القول الأول قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾، [التوبة: ٦٠] وهذا عام. ودليلنا من جهة القياس أن هذا صنف يجوز صرف الزكاة إليه لمعنى سفره، فجاز صرفها إليه، وإن کان معه ما یکفیه کالغازی. ووجه الرواية الثانية ما روى عنه ﴿) أنه قال: ((لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة))، ولم ينكر المسافر. وأما إذا لم يكن معه ما يغنيه، فإنه يأخذ، وإن كان غنيًا ببلده؛ لأنه لا يلزم ابن السبيل أن يتسلف إذا كان غنيًا ببلده؛ ولأنه لا يلزمه أن يشغل ذمته؛ ولأنه لا يقدر على إبرائها. فصل: وقوله: ((أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالى))، لم يشترط أن يكون الاجتهاد للخليفة، بل جعل فيه حظًا لمن يليه، وهذا لأن والى كل بلد أعلم بوجوه مصالحه الخاصة، فلذلك كان الاجتهاد فیه إلیه. فصل: وقوله: ((فأى الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد أوثر ذلك الصنف بقدر ما