النص المفهرس
صفحات 1181-1200
کتاب الزكاة ١٨٢ والذى عليه جمهور الفقهاء أنه يؤخذ مما يحملونه للتجارة قليلاً كان أو كثيرًا لأنهم انتفعوا بالتجارة فيؤخذ منه على قدره إذا انتفعوا بالتجارة فى غير أفقهم الذى يؤدون الجزية على المقام والتجارة فيه. فصل: وقوله: ((واكتب لهم بما تأخذ منهم كتابًا إلى مثله من الحول)) يقتضى ظاهره أن يكون براءة لهم مما أخذ منهم ومنعًا من أن يؤخذ منهم شىء إلى انقضاء الحول، والذى عليه مالك وأصحابه أنه يؤخذ منهم فى كل مرة يأتون تجارًا إلى غير أفقهم، وإن كان ذلك مائة مرة فى عام واحد، فلا تكن لهم برءات إلى الحول، وسيأتى بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. قَالَ مَالِك: الأمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُدَارُ مِنَ الْعُرُوضِ لِلنّحَارَاتِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَدَّقَ مَالَهُ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ عَرْضًا بَوَّا أَوْ رَقِيقًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، فَإِنّهُ لا يُؤَدِّى مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ زَكَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ صَدَّقَهُ، وَأَنْهُ إِنْ لَمْ يَعْ ذَلِكَ الْعَرْضَ سِنِينَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْعَرْضِ زَكَاةٌ، وَإِنْ طَالَ زَمَاتُهُ فَإِذَا بَاعَهُ فَلَيْسَ فِيهِ إِلاَ زَكَةٌ وَاحِدَةٌ. الشرح: وهذا كما قال أن الذى يدار من العروض للتجارات على وجه الادخار وانتظار الأسواق إذا اشتراه بعد أن زكى ماله، ثم باعه قبل أن يحول عليه الحول من يوم زكى المال، أنه لا زكاة عليه لعدم الحول، وإن بقى عنده أعوامًا، فإنه لا يؤدى من ذلك المال ز کاة حتی یبیع، فإن باع أدی زکاة واحدة. والإدارة فى كلامه على ضربين، أحدهما: أن يريد بالإدارة التقلب فى التجارة، وهو الذى أراده هاهنا، فهذا لا زكاة على رب المال فيه، وإن أقام أعوامًا حتى يبيع، فيزكى لعام واحد. والثانى البيع فى كل وقت من غير انتظار سوق كفعل أرباب الحوانيت المديرين، فهذا يزكى فى كل عام على شروط نذكرها إن شاء الله تعالى. وقال أبو حنيفة والشافعي: يقوم التاجر فى كل عام، ويزكى مديرًا كان أو غير مدير. وقال محمد بن الحسن عن أبى حنيفة: عليه إذا باع أن يزكى أثمانها لما تقدم من السنين، فإذا انقصت عما تجب فيه الزكاة، لم يكن عليه زكاة. 1 واستدل القاضی ابو محمد فی ذلك بأن هذا مال لا تجب فی عینه الزكاة، فلا يجب تقديمه فى كل عام كالعرض المقتنى. واستدل القاضى أبو إسحاق فى ذلك بأن أعيان ١٨٣ کتاب الزكاة . العروض لا صدقة فيها بقوله : ((ليس على المسلم فى عبده ولا فى فرسه صدقة))(*) فإذا اشترى العرض بذهب للتجارة فقد صرف ما تجب فى عينه الزكاة إلى ما لا تجب فى عينه، فما دام عرضًا فلا شىء فيه، فإن النية مفردة لا تؤثر ولو أثرت دون عمل لوجبت الزكاة على من كان عنده عرض للقنية، فنوى بذلك التجارة وقد أجمعنا على بطلان ذلك. قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِى الرَّجُلِ يَشْتَرِى بِالذّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ حِنْطَةٌ أَوْ تَمْرًا أَوْ غَيْرَهُمَا لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ يُمْسِكُهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ ثُمَّ يَبِعُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةَ حِينَ يَبِيعُهَا إِذَا بَلَغَ ثَمَنُهَا مَا تَحِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ الْحَصَادِ يَحْصُدُهُ الرَّحُلُ مِنْ أَرْضِهِ وَلا مِثْلَ الْجِدَادِ(١). الشرح: وهذا كما قال أنه إذا اشترى حنطة أو تمرا للتجارة ثم باعه بعد الحول، فإنه يزكى ثمنه زكاة الأثمان، ولا يزكيه زكاة الحبوب لأن الحبوب إنما تزكى زكاتها عند تنميتها على وجه الحرث، وهو الزراعة والتنمية بالتجارة إنما هى تنمية الذهب والفضة والمراعى فى ذلك جهة التنمية فإذا كانت من جهة الزراعة روعى نصاب الحب وكانت الزكاة فى عينه، وإذا كانت التنمية بالتجارة روعى نصاب الثمن، وكانت الزكاة فى قيمة الحب دون عينه، وأما الماشية، فإذا اشتراها للتجارة، فإن زكاة الماشية حق بها لأن تنميتها من جهة النسل والولادة بائنة فيها متمكن منها لا يمنع من ذلك التجارة فيها بخلاف الحب، فإنه لا يتأتى فيه تنمية الزراعة مع تنمية التجارة. فصل: وقوله: ((يشترى بالذهب أو الورق حنطة أو تمرًا أو غيرهما للتجارة)» ليس على معنى الشرط لأنه سواء اشترى الحنطة أو التمر بالذهب أو العروض، هذا حكمها فى وجوب الزكاة، وإنما يراعى فى بيعها أن ينض فى يديه ثمنها على الوجه الذى تجب فيه الزكاة وسنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. (*) أخرجه البخارى حديث رقم ١٣٧٠، ١٣٧١. مسلم حديث رقم ١٦٣١، ١٦٣٢، ١٦٣٣. الترمذى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٥٦٩، ٦٢٨. النسائى حديث رقم ٢٤٢٠، ٢٤٢١، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣. أبو داود حديث رقم ١٣٥٩، ١٣٦٠، ١٥٩٥. ابن ماجه حديث رقم ١٨٠٢، ١٨١٢. أحمد فى المسند حديث رقم ٦٩٩٤، ٧٠٩٠، ٧١٤٣، ٧٤٣٠، ٨٩١٣، ٨٩٤٦. الدارمى حديث رقم ١٥٧٦، ١٦٣٢. (١) الجد: قطع ثمر النخل، يحصل من ذهب أو فضة. ١٨٤ کتاب الزكاة قَالَ مَالِك: وَمَا كَانَ مِنْ مَالِ عِنْدَ رَحُلٍ يُدِيرُهُ لِلتِّجَارَةِ وَلا يَنِضُّ لِصَاحِبِهِ مِنْهُ شَىْءٌ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يَحْعَلُ لَهُ شَهْرًا مِنَ السََّةِ يُقَوِّمُ فِيهِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عَرْضٍ لِلْتِّحَارَةِ، وَيُحْصِى فِيهِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَيْنٍ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنّهُ يُزَكِیهِ. الشرح: وهذا كما قال أن من كان عنده مال للتجارة بديره، ولا يجتمع بيده منه عينًا ما له مقدار يقصد للتجارة، فإنه إنما يبيع فى غالب حاله باليسير من الثمن على قدر ما يطلب ثم يبتاع به توفية، ولا يتنظر سوق نفاق يبيع فيه ولا سوق كساد يشترى فيه، فهذا الذى يقع عليه اسم المدير، وحكمه فى الزكاة أن يجعل لنفسه شهرًا یکون حوله، فيقوم فيه ما بيده من السلع، فیز کی قيمتها. ووجه أنه لو لم يفعل ذلك لأدى إلى أحد أمرين، إما أن لا يزكى أصلاً، وقد بينا وجوب الزكاة عليه أو إلى أن نكلفه من ضبط الأحوال وحفظها ما لا سبيل له إليه، وقد قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] وإذا لم يجز إسقاط الزكاة، ولم تلزم هذه المشقة، فلابد مما ذكرناه من التقويم عند الحول ومضى مدة يتمكن فيها من التنمية. مسألة: وهذا الشهر الذى جعله حوله، هو رأس الحول من يوم كان زكى المال قبل أن يديره أو من يوم أفاده، وإن كان حول ذلك كله واحدًا، فإن اختلفت أحواله، فعلى حسبها اختلاف أصحابنا فى ضم أحوال الفائدة بعضها إلى بعض، وهذا معنى قوله: ((يجعل له شهرًا من السنة يقوم فيه)) لأن ذلك مصروف إلى اختياره. فصل: قوله: ((يقوم ما كان عنده من عروض التجارة، ويحصى ما كان عنده من نقد أو عين)» دليل على أنه إنما قصد بكلامه من حال حوله وعنده عين وعرض، ولعله أن یکون بيعه فی أکثر عامه بالعين، فأما إن كان يبيع فى عامه كله بالعرض، فقد قال ابن حبيب: هو مدير، رواه مطرف وابن الماجشون عن مالك: يقوم ويزكى لما ينض له من العين قليلاً أو كثيرًا. وقال ابن القاسم وابن نافع وأشهب: ليس بمدير، وإنما المدير من یبیع بالعین. وجه قول مالك أن الإدارة إنما هى لاختلاف الأحوال والتباسها لتداخلها، وهذا المعنى موجود فيمن يبيع بالعرض. ووجه قول ابن القاسم وأشهب أن هذا لم يبع بعين ١٨٥ كتاب الزكاة . فى أمد حوله، فلم تجب عليه زكاة حتى يبيع به كالمدخر ولا فرق بين المدخر والمدير إلا أن المدير يبيع بالعين وغيره والمدخر يبقى ماله عرضًا المدة الطويلة، فإذا باع فإنما عليه زكاة واحدة، وهذه صفة من لا يبيع إلا بالعرض. مسألة: فإن كان للرجل مال يديره ومال يدخره، فإن كانا متساويين زكى كل مال على حكمه، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر، فحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أن الحکم للأکثر والأقل تبع له. وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه إن أدار أكثر ماله زكى جميعه على الإدارة، وإن أدار أقله زكى كل مال على حكمه. وجه قول ابن الماجشون أن الأصول مبنية على أن الأقل تبع للأكثر، وإذا اجتمع مالان فى الزكاة كان أقلهما تبعًا للأكثر. أصل ذلك إذا كان المدار أكثر. ووجه قول ابن القاسم ان ز کاة العین یغلب فيها حکم الحول، ألا ترى أنه لو نض له درهم واحد من جملة مال كثير لغلب حكم الحول ووجبت الزكاة. مسألة: فإن أدار تجارته بعض الحول ثم بدا له أن لا يدير، فقد قال ابن القاسم: إذا ادار أحد عشر شهرًا ثم بدا له أن لا یدیر فلا تقوم عرضه، ولا یز کیه حتى يبيعه، ولا یز کی دینه حتی یقبضه. ووجه ذلك أن الأصل فى عروض التجارة أن لا تزكى حتى يقبض ثمنها، وإنما ثبت التقويم فى أموال التجارة للضرورة، ويرجع الفرع إلى الأصل بمجرد النية كالقنية فيما يرد إليها من التجارة بمجرد النية. مسألة: وإذا بار عرض المدير أعوامًا، فقال مالك: يقوم عرضه البائر ودينه المحتبس، رواه ابن المواز عن ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: لا يقوم شىء من ذلك، ويبطل حکم الإدارة، وتابعه علیه سحنون. وجه قول مالك أن هذا مال قد ثبت له حكم الإدارة بالنية والعمل، فلا يخرج عنها إلا بالنية والعمل وليس بوار العرض من نية الادخار ولا من عمله لأنه كل يوم يعرضه للبیع ولا ينتظر به سوق نفاق. ووجه قول ابن الماجشون أن العروض ليست من جنس ما تجب فيه الزكاة، وإنما تجب الزكاة فى قيمته مع تعبيره بالتجارة، فإذا بقى ولم ينتقل بالتجارة رجع إلى حكم الادخار الذى هو أصله. ١٨٦ کتاب الزكاة فرع: فإذا قلنا بقول عبدالملك وسحنون، فحكم المدة التى تبور فيها حتى يسقط فيه حكم الإدارة لم يجد فى ذلك ابن الماجشون حدًا. وقال سحنون: إن بار عامين بطل فيه حکم الإدارة. ورواه ابن مزین عن ابن نافع. ووجه ذلك أن العام الواحد مدة للتنمية والتحريك، فإذا اتصل بذلك عام آخر ثبت بواره وحكم ببطلان حكم التجارة فيه. مسألة: إذا ثبت أن المدير يقوم عرضه وحال عليه الحول وليس عنده عين، فهل تقوم أم لا؟ قال مالك: تقوم، رواه عنه مطرف وابن الماجشون. وقال ابن القاسم: حتى ينض له شىء من العين. قال ابن حبيب: انفرد بذلك ابن القاسم. وجه قول مالك أن التنمية تحصل له بالتجارة بالعرض، فكانت عليه الزكاة كما لو باع بالعين. ووجه قول ابن القاسم أن العروض لا تزكى وإنما تزكى العين، فلابد أن ینض له شىء ليكون له أصلا فى الزكاة، فتكون قيمة عروضه تبعًا لذلك الدرهم. فرع: فإذا قلنا بقول ابن القاسم، فحكم مقدار ما ينض له حتى يقوم. قال ابن القاسم: يقوم، وإن لم ينض له إلا درهم واحد، ولا أعرف من أصحابنا من يقول أنه مدير، ويراعى أنه ينض له غير ذلك، وإنما تختلف أقوالهم لأن منهم من يقول ليس بمدير لأنه قد خرج ببيعه العرض عن حكم الإدارة، وهو رأى أشهب وابن نافع فبذلك يقع الخلاف. فرع: قال ابن القاسم: ومتى ما نض له هذا الدرهم فى وسط الحول أو فى آخره، فإنه يقوم. وقال القاضى أبو محمد: إنما يراعى حصول العين فى آخر الحول وهو الأولى لأن مراعاة أحوال الزكاة تكون عند الحول، ولا اعتبار بما قبل ذلك. مسألة: فإن نض من العين أقل مما تجب فيه الزكاة أو لم ينض له عين أصلاً على قول من يرى عليه الزكاة، فروى ابن نافع عن مالك أنه مخير بين أن يبيع عرضًا، ویؤدی ثمنه فی ز کاته، وبین أن يخرج عرضًا بقيمته من أى أصناف عروضه شاء، فيدفعه إلى أهل الزكاة. وحكى القاضى أبو محمد عن مالك: ليس له أن يخرج إلا العين، وبه قال سحنون. وجہ روایة ابن نافع ان الز کاة تحب علیه بالنصاب، فإذا کان عنده عین ادی منها، ١٨٧ کتاب الزكاة . وإن لم يكن عنده عين لم يكن عليه بيع العرض؛ لأنه لا يخلو أن يستأجر عليه من يبيعه، فتكون الأجرة زيادة على زكاته، أو يتولى بيعه، فيلزمه زيادة عمل، وهو مخالف لزكاة العين، وربما لم يجد من يشترى منه ذلك العرض بقيمته، فيلزمه الزيادة من ماله أو يخرج أقل من النصاب، فكان له أن يخرج العرض لأنه من جنس ما وجبت فيه الزكاة. ووجه رواية القاضى أبى محمد أن النصاب إنما يعتبر بالدنانير والدراهم، فإذا لم يكن ضرر فى الإخراج منها وجب الإخراج منها كسائر أموال الزكاة. مسألة: والمدير يقوم عرضه قيمة عدل ما تساوى حين تقويمه لا ينظر إلى شرائه، وإنما ينظر إلى قيمته على البيع المعروف دون بيع الضرورة لأن ذلك هو الذى يملكه فى ذلك الوقت والمراعى فى الأموال والنصب حين الزكاة دون ما قبل ذلك وما بعده. مسألة: وهل يزكى ديونه، الديون على ضربين، منها ما لم يكن أصله التجارة كالعروض وغيره، فهذا الاختلاف فى أنه لا يزكى. ومنها ما أصله التجارة، فهذا قال مالك وجمهور أصحابه: يزكيه المدين إذا كان يرتجيه، وما لا يرتجيه فلا يزكيه، عينا كان أو عرضًا. وقال المغيرة: لا يزكى المدين دينه حتى يقبضه. وجه قول مالك أن المدين لما كان يزكى عرضه بالقيمة، فكذلك دينه، ويجرى ذلك أن الدين مال على صفة لا يقطع الحول، فجاز أن يزكيه المدين كالعروض. ووجه قول المغيرة أن الدين فى ضمان غيره، فلم يلزمه أن يزكيه كالقرض. فرع: فإذا قلنا إن المدين يزكى دينه، فإن الدين معجل ومؤجل، فإما فإنه يحسبه بعدده إن كان عينًا لأن له قبضه، وإن تأخر عنه أيامًا، فتأخر العروض، رواه ابن المواز عن ابن القاسم. وإن كان عرضًا، فإنه يقومه؛ لأنه لا زكاة فى عينه. وأما المؤجل فقال عبدالملك: یقومه. وروى أبو زيد عن ابن القاسم: لا يز کیه حتى يحل. وجه قول عبدالملك أنه مال لو احتاج إلى أداء ديونه منه لاستطاع على ذلك ببيعه، فوجب أن يزكيه إذا كان من أموال التجارة كالمال. ووجه رواية ابن القاسم أنه ممنوع منه، فلم تجب عليه زكاته كالمال المغصوب. مسألة: ولا يزكى المدين كتابة مكاتبه، قاله ابن القاسم، لأنها فائدة لم يكن أصلها التجارة، فلابد من استئناف حول بها بعد قبضها كالميراث. کتاب الزكاة ١٨٨ وقَالَ مَالِك: وَمَنْ تَحَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ لَمْ يَتْحُرْ سَوَاءٌ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلا صَدَقَةٌ وَاحِدَّةٌ فِى كُلِّ عَامٍ، تَخَرُوا فِيهِ أَوْ لَمْ يَتْحُرُوا. الشرح: وهذا كما قال أن الزكاة واجبة فى أموال التنمية، ومنها العين سواء صرفها أهلها بتنميه أو لم يصرفوا لأن التنمية ممكنة فيها، وإن تجروا بها ونموها مرارًا، فإن الزكاة لا تجب عليهم إلا مرة واحدة فى الحول لأن هذه المدة قد قدرها الشرع لتكامل النماء، وربما أمكن تنميتها فى بعض العام، وربما تعذر فى بعضه، فقدر الشرع هذه المدة لتكامل النماء، وذلك عدل بين من تجر فى ماله مرارًا، ومن لم يتجر به أصلاً كزكاة الماشية إنما هى مرة فى الحول، وإن كان من الماشية ما ينمو مرتين بالولادة، ومنها ما لا يجب جملة، فالزكاة مبنية على مثل هذا من التعديل فى الأموال، والله أعلم. * ما جاء فى الكنز ٦٦٣ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْكَثْرِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ الْمَالُ الّذِى لا تُؤَدَّى مِنْهُ الرَّكَاةُ. الشرح: قوله فى الكنز: ((هو المال الذى لا تؤدى منه الزكاة)) يريد أن هذا اسم مختص فى الشرع بهذا النوع من المال؛ لأن أصل الكنز فى اللغة هو الجمع وكل مال جمع، فهو كنز (١)، لكن الشرع قرر هذا الاسم عنده على جمع المال على وجه منع الحق منه، قال الله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٣٤] فتوعدهم تعالى على منع الحق من المال، ولا يجوز أن يتوعدهم على جمع مال قد أديت حقوقه وزكاته لأنه لا خلاف بين المسلمين فى جواز ذلك، فثبت أن المراد به الجمع مع منع الزكاة. ٦٦٣ - أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣١٦. وابن ماجه فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٧٧٧. الشافعى فى الأم ٣/٢. البيهقى فى الكبرى ٨٣/٤. ومعرفة السنن والآثار ٧٨٤٠/٦. قال السيوطى: أخرجه ابن مردويه من طريق سويد بن عبد العزيز عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا. انظر: تنوير الحوالك ١٩٥. (١) الكنز: المال المدفون، وقد كنزه يكنزه، والذهب والفضة، وما يحرز به المال، وركز الرمح فى الأرض وكل شىء غمزته فى وعاء أو أرض، فقد كنزته. ١٨٩ كتاب الزكاة وقد روى عن عبدالله بن عمر أن أعرابيًا سأله، فقال: أخبرنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٣٤] قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت الزكاة جعلها الله طهرة للأموال. وقال زيد بن وهب: مررت على أبى ذر بالربذة، قلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنا بالشام فقرأت: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٣٤] قال معاوية: ما هذه فينا، ما هذه إلا فى أهل الكتاب، قال: قلت: إنها لفينا وفيهم. وروى عن على ((أربعة فما دونها نفقة، فإن زادت فهى كنز أديت زكاته أو لم تؤد)) فعلى هذين القولين منع ادخار كثير المال. وقال ابن عباس: هى خاصة فيمن لم تؤد ز کاته من المسلمین وعامة فی أهل الكتاب، من أدی ز کاته، ومن لم يؤدها. وقال عمر بن عبدالعزيز: أراها منسوخة بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقةٍ تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] والكنز فى كلام العرب كل شىء جمعت بعضه إلى بعض. ٦٦٤ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لَّمْ يُؤَدِّ زَكَانَهُ مُئِلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُحَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِبَتَانٍ(١) يَطْلُبُهُ حَتَّى يُمْكِنَّهُ يَقُولُ: أَنَا كَتْرُكَ. الشرح: قوله: ((من كان عنده مال لم يؤد زكاته)) يريد أنه منع ذلك فيمثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع، الشجاع الحية، والأقرع ضرب منها، يقال إنه أقبحها منظرًا. ٦٦٤ - أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣١٥. والنسائى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٢٤٠٣، ٢٤٣٤. وابن ماجه فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٧٧٦. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٢٤٧، ٧٤٢٩، ٧٨٣٧، ٨٥٧٧، ٩٩٥١، ١٠٤٣٥. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٥/٥: هذا الحديث موقوف فى الموطأ غير مرفوع. وقد أسنده عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار أيضًا عن أبيه، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، عن النبى #4 بالإسناد الأول، ورواه عبدالعزيز بن الماجشون، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبى ﴿، وهو - عندى - خطأ منه فى الإسناد، والله أعلم. (١) الشجاع: الثعبان الكبير، زبيبتان: والزبيتان: نقطتان سوداوان فوق عينيه أو نابان فى فمه. کتاب الزكاة ١٩٠ . وقوله «زبیبتان» الزبيبتان زبدان فی شدقی المتكلم من شدة کلامه، وأکثر ما یعترى ذلك المتكلم عند الضجر، فيحتمل أن يوصف الشجاع بذلك لتغيظه على المفرط فى الزكاة وكثرة قوله: أنا كنزك، أنا كنزك. فصل: وقوله: ((يطلبه)) یرید انه يتبعه ((حتى يمكنه)) یرید حتى يتمكن من أذیته، ويقول له: أنا كنزك، على وجه التوبيخ له والتقريع وإظهار سوء العاقبة فيما كان يعمل منه من منع الزكاة، وهذا يقتضى أن الكنز هو ما منع منه الحق. * * صدقة الماشية ٦٦٥ - يَحْتِى عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَرَأَ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ(١) فِى الصَّلَقَةِ قَالَ: فَوَجَدْتُ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الصَّلَقَّةِ فِى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَدُونَهَا الْغَمُ فِى كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، وَفِيَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ ابْنَهُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَهُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُون(٢)، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى سِتَّيْنَ حِقَةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، وَفِيمًا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ جَلَعَةً(٣)، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى تِسْعِينَ ابْنَا لَبُونٍ، وَفِيمًا فَوْقَ ذَلِك إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقْتَانِ طَرُوقَا(٤) الْفَحْلِ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الإِبِلِ، فَفِى كُلِّ ٦٦٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٥٧. الشافعى فى الأم ٥/٢. عبد الرزاق فى المصنف ٨/٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٨٧/٤. (١) قال السيوطى: أخرجه أبو داود والترمذى وحسنه من طريق سفيان بم حسنين عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر. قال كتب رسول الله ! كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فعمل به أبو بكر حتى قبض ثم عمل به عمر حتى قبض فكان فى حمس الإبل شاة فذكره. قال الترمذى: وقد روى يونس وغير واحد عن الزهرى عن سالم هذا الحديث ولم يرفعوه وإنما رفعه سفيان بن حسين. انظر: تنوير الحوالك ١٩٥. (٢) بنت مخاض: ما دخل فى السنة الثانية من الإبل. ابن لبون: ما دخل فى السنة الثالثة من الإبل. (٣) الحقة: أنثى الإبل التى دخلت فى السنة الرابعة. الجذعة: ما دخل فى السنة الخامسة من الإبل. (٤) الطروقة: الناقة فى سن يمكن أن يعلوها الجمل. ١٩١٠٠٠٠ کتاب الزكاة أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِى كُلِّ خَمْسِينَ حِقّةٌ وَفِى سَائِمَةٍ(٥) الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى مِاَتَيْنٍ شَاتَانِ، وَقِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى ثَلاثٍ مِقَةٍ ثَلاثُ شِيَاءٍ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِى كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ وَلا يُخْرَجُ فِى الصَّدَقَةِ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ(٦) إِلا مَا شَاءَ الْمُصَّدِّقُ وَلا يُحْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ(٧) فَإِنْهُمَا يَتْرَاجْعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَفِى الرِّقَةِ(٨) إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ رَّبُعُ الْعُشْرِ. الشرح: قوله: ((فى أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم)» يقتضى أن الغنم مأخوذة من الأربع وعشرين، وإن كانت الأربع الزائدة على العشرين وقصًا. وقد اختلف قول مالك فى ذلك، فمرة، قال: إن ما يؤخذ من الصدقة، فإنما هو على الجملة، ومرة قال: إنما هو على ما تلزم به تلك الصدقة، وما زاد على ذلك، فإنما هو وقص إلى أن يتغير السن لا يجب فى ذلك شىء، ولا يؤخذ عنه شىء، وهو الذى اختاره القاضى أبو الحسن. وقد اختلف فى ذلك قول أبى حنيفة والشافعى. وجه القول الأول حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم. وقوله: ((وفيما فوق ذلك إلی خمس وثلاثین بنت مخاض». ووجهه من جهة القياس أن هذا حق يتعلق بمقدار، فوجب أن يتعلق به وبالزيادة عليه إذا لم ينفرد بالوجوب كالقطع فى السرقة وأرش الموضحة. ووجه القول الثانى أن العشرين من الإبل نصاب، فوجب أن يتقدمه عفو كالخمس. فصل: وقوله: ((فى كل خمس شاة)) يقتضى أن فيها أربع شياه؛ لأن ذلك عدد ما فيها من الخمس ويقتضى أن الغنم هى الواجبة فيها، فإن أخرج عن خمس من الإبل واحدًا منها لم يجزه، وإنما يجزئه أن يخرج ما وجب عليه، وهى شاة، والشاة التى تؤخذ فى صدقة الإبل. (٥) السائمة: الدواب التى ترعى فى البرارى ولا تعلف. (٦) العوار: العيب كالشق والخرق. (٧) الخليط: الشريك الذى يخلط ماله مال شريكه. (٨) الرقة: الدراهم المضروبة المتخذة من الفضة. كتاب الزكاة ١٩٢ قال مالك: تؤخذ من غالب غنم ذلك البلد، فإن كان الغالب على غنمهم الضأن أخذ منها، وإن كان الغالب على غنمهم المعز أخذ منها، لا ينظر إلى ما فى ملكه. وروى ابن نافع عن مالك: من أدی من ضأن أو ما عز أجزا عنه، ولا يكلف أن يأتى بما ليس عنده. وهذا يقتضى أنه إن كان فى ملكه المعزى، وغالب غنم ذلك البلد الضأن أنه يؤخذ منه ما يعطى من المعزى. وقال ابن حبيب: إن كان من أهل الضأن فمنها وإن كان من أهل المعز فمنها، وإن كان من أهل الصنفين خير الساعى. فصل: وقوله: ((وفيما فوق ذلك إلى خمس وثلاثين بنت مخاض)) يقتضى أن فى خمس وعشرين بنت مخاض، وفى كل عدد بعدها إلى خمس وثلاثين، ولا خلاف فى ذلك إلا ما روى عن على بن أبى طالب أنه قال: فى خمس وعشرين من الإبل خمس شياه، وفى ست وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور حديث ((أن أبا بكر كتب له لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التى فرض رسول الله ﴿﴿ على المسلمين والتى أمر الله تعالى رسوله (8)، وفيه فى أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم فى كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاص. انتھی. فصل: وقوله: «فما فوق ذلك إلى خمس وثلاثین بنت مخاض فإن لم توجد فابن لبون)) ذكر يقتضى أنه إذا لم يكن عنده ابنة مخاض، وكان عنده ابن لبون ذكر أجزاً عنه لأنه عدل لها لأنه أعلى منها بالسن وأدنى منها بالذكورة لأن الأنوثة فى الأنعام فضيلة من أجل الدور والنسل. مسألة: ولا يجوز إخراج ابن لبون مع وجود ابنة مخاض، وهذا مذهب مالك. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك، وبناه على مذهبه فى إخراج القيم فى الزكاة، هذا الذى ذكره شيوخنا. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى وجهًا آخر، وهو أن يكون على وجه البلد لأن كل ما يجمع بعضه إلى بعض فى الزكاة للجنس فإن إخراج بعضه عن بعض على وجه البدل لا على وجه القيمة كالورق والذهب. وفى المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك: التيس من ذوات العوار، وهو أدون من الفحل، وإن رأى المصدق أخذه، وأخذ ذوات العوار لأنه خير له فعل. قال أشهب: ١٩٣ کتاب الزكاة . وربما كانت ذوات العوار أو العيب الكبير أثمن وأسمن، فلا ينبغى للساعى أن يردها إن أعطيها، فعلى التأويل الأول يكون معنى قوله، فى إخراج ابن لبون مع وجود ابنة مخاض، من باب إخراج القيم فى الزكاة، فلا يجوز لصاحب الماشية إخراجه، ولا للساعى أخذه على المشهور من مذهب مالك وعلى التأويل الثانى يكون من باب إخراج البدل، فلا يجوز ذلك لصاحب الماشية بمعنى أن لا يجزى عنه إلا إن يشاء الساعى أن يأخذه. فرع: ومن أخرج ابنة مخاض مكان بنت لبون، وزاد ثمنًا أو أخرج بنت لبون مكان بنت مخاض، وأخذ ثمنًا، فقد قال ابن القاسم فى الموازية: لا خير فيه. قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: وهو عندی يحتمل التأويلين، فإن فعل ذلك، فقد قال ابن القاسم وأشهب وسحنون: یجزیه. وقال أصبغ: إن أعطى بنت ليون، فليس عليه إلا رد ما أخذ من الثمن، وإن أعطى بنت مخاض مع الثمن، فعليه البدل، ولا يجزئه. فقول ابن القاسم وأشهب يحتمل الوجهين المتقدمين. وقول أصبغ ظاهره المنع من إخراج القيم فى الزكاة، ويجوز البدل، فإذا رد ما أخذ من الثمن كان قد أعطى أفضل من السن الواجبة عليه، وذلك جائز. ولو أعطى بنت مخاض مكان بنت لبون كان من باب إخراج القيمة فى الزكاة لأنه أعطى ثمنًا فى بنت لبون ولا يمكنه إصلاح ذلك باسترجاع ما أعطى من الثمن؛ لأنه يعود إلى أن أعطى فى الزكاة دون الثمن الذى يلزمه، وذلك لا يجزئه وقد جوز مالك الضأن عن الماعز، ومنع إخراج الماعز عن الضأن. قال أشهب: إلا أن يبلغ بفراهيته مثل ما لزمه فى الضأن، يريد فى القيمة، ويحتمل قول مالك موافقته، ويحتمل مخالفته، ویجیزه أشهب فى بعض الجنس، وإن منعه فى بعض السن، ومنعه مالك فى الوجهين، ويجيزه فى العين الواحدة والجنس الواحد فى نقص الصفات كذوات العوار، والله أعلم وأحكم. فصل: وقوله: ((فابن ليون ذكر)) وإن كان الابن لا يكون إلا ذكرًا، فإنه يحتمل أن يريد به البيان لأن من الحيوان ما يطلق على الذكر والأنثى منه لفظ ابن کابن عشرین، وابن آوى، وابن فترة، فبين بقوله: ((ذكر)) لئلا يلحقه السامع بما ذكرناه، ويحتمل أن يريد به مجرد التأكيد لاختلاف اللفظ كقوله تعالى: ﴿وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧]. فصل: وقوله: ((وفيما فوق ذلك إلى خمس وأربعين بنت لبون) لفظة إلى للغاية، وهى ٠ كتاب الزكاة . ١٩٤ تقتضى أن ما قبل الغاية كله يشتمل عليه الحكم المقصود إلى بيانه، وما بعد الغاية غير داخل فى ذلك إلا بدليل، فعلى هذا الخمس والأربعون لا يعقل من نفس اللفظين، حكمها بحكم ما قبلها، ولكنها تلحق بذلك من وجوه، أحدها: أنه لما قال: وفيما فوق ذلك، وذلك راجع إلى خمس وثلاثين؛ لأنه هو المذكور أخيرًا، علم أن حكم الخمس والأربعين حكم ما دونها، فعلى هذا يكون الوقص واحدًا. والوجه الثانى أن هذه اللفظة اقتضت الوقص بين الخمس والثلاثين وبين الخمس ... ](٩) وقصًا ثانيًا بعده الإجماع، فيكون على هذا وقصين متصلين والأربعین [. كما بعد المائتى شاة إلى الثلاثمائة، فإنه وقص، ثم اتثل به وقص آخر إلى الأربعمائة شاة. والوجه الثالث أن حكم الأعداد فى الغايات مخالفة لغيرها من جهة العرف والعادة فى التخاطب، فلو قال رجل لغلامه: أبحت لك من هذه الدراهم ما بين الواحد إلى العشرة، لفهم منه إباحته العشرة فما دونها. ولو قال له: أبحت لك من هذه الدار إلى هذه الأخرى تجلس فيه لفهم منه جلوسه ما بين الدارين، ولم يفهم منه الجلوس فى واحدة منهما. مسألة: ابنة المخاض التى لها سنة، ودخلت فى الثانية، وإنما سميت بابنة مخاض؛ لأن أمها حامل قد مخض بطنها، يعنى تحرك، وأول ما تلده الناقة، هو حوار، فإذا كمل السنة وفصل عن أمه، فهو فصيل، وهو ابن مخاض، فإذا أكمل السنتين، ودخل فى الثالثة، فهو ابن لبون، والأنثی بنت لبون؛ لأن أمه قد ولدت، وهی ترضع غيره. فصل: وقوله: ((وفيما فوق ذلك إلى ستين حقة طروقة الفحل)) الحقة هى التى تستحق أن تركب، ويحمل عليها. ((وطروقة الفحل)) يريد أن الفحل يضربها، وهى تلقح، وهذه التى قد أكملت الثلاث سنين ودخلت فى الرابعة، ولا يلقح الذكر حتى يكون ثنيًا، وهو الذى يدخل فى السنة السادسة. فصل: وقوله: ((وفيما فوق ذلك إلى خمس وسبعين جذعة)) الجذعة هى التى أكملت أربع سنين ودخلت فى الخامسة، وهى أعلى سن يجب فى الزكاة. فصل: وقوله: ((وفيما فوقه ذلك إلى تسعين ابنتا ليون، وفيما فوق ذلك إلى عشرين ومائة حقتان)) لاختلافهما بعد الخمس وعشرين إلى المائة وعشرين، والعمل فيه على نص الحديث، لا نعلم فيه خلافًا بين أحد من المسلمين. (٩) ما بين المعقوفتين بياض فى الأصل. ١٩٥ کتاب الزكاة فصل: وقوله: ((وفيما زاد على ذلك من الإبل ففى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة)) يقتضى أن ما زاد على المائة وعشرين، فإن زكاته بالإبل، وأن فى كل أربعين ابنة لبون، وفى كل خمسين حقة، وهذا راجع إلى الجملة. وعلى هذا بنى أمر فروض الزكاة أنه إذا بلغت إلى فرض بطل ما قبله من الحكم ورجع الحكم إليه، فلا مدخل للغنم ولا غيرها فى الخمسة والعشرين فى زكاة الإبل، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، رجعت فريضة الغنم، فيكون فى مائة وخمس وعشرين حقتان وشاة، وفى مائة وثلاثين حقتان وشاتان، وفى مائة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه، وهكذا فى كل خمس شاة إلى خمس وأربعين ومائة، ففيها حقتان وبنت مخاض، وفى خمس ومائة ثلاث حقق، وفى مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، وعلى هذا الترتيب. والدليل على صحة ما نقوله حديث عمر، وهو حجة فى الزكاة يجب الرجوع إليه؛ لأنه بعث به فى الآفاق، وأخذ الناس به حتى عمهم علمه، ولم يعلم لهم مخالف فى ذلك الوقت، وفيه: ((فما زاد على ذلك ففى كل أربعين بنت لبون، وفى كل لخمسين حقة وفى مائة وثلاثين، خمسون واحدة، وأربعون مضاعفة، فيجب فيها حقة وابتتا لبون». فإن قالوا: إن قوله: ((فى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة)) يرجع إلى الزيادة على العشرين والمائة. فالجواب أن هذا خطأ لأن مثل هذا قيل فيما بعد الخمس وثلاثين، ولم يقل أحد أن هذا إنما يجب بعد الخمس والثلاثين، مع ما وجب فيما قبلها، وعلى أنهم قد ناقضوا فى هذا فجعلوا فى مائة وخمسين ثلاث حقاق، وإنما كان يجب أن يجعلوا فى مائة وستين بنت لبون وحقتين، وفى مائة وتسعين ثلاث حقاق. فإن قيل المراد به الزيادة دون المزيد عليه؛ لأنه قد بين حكم المزيد عليه منفردًا، فإن قال بعد ذلك: فما زاد، ففى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة، فإن ذلك يكون حكم المزيد، وهذا صحيح على ما ذهبنا إليه لأنه إذا زاد على مائة وعشرين، سبعين حتى يكون مائة وسبعين، فإنه يحصل فى الزيادة خمسون فيها حقة، وأربعون فيها بنت لبون. ١٩٦ كتاب الزكاة والجواب أن هذا غير صحيح لأنه إذا قال: فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون، ولم يدل ما قبل ذلك من حكم المزيد عليه على أن هذا حكم الزيادة خاصة لم يدل فى مسألتنا على ما ذكرتموه. وجواب ثان، وهو أن هذا لا يصح على مذهبهم لأن الزيادة إنما هى ما بعد العشرين ومائة، فكان يجب أن يجعلوا فى مائة وستين حقتين وبنت لبون، وفى سبعين ومائة ثلاث حقاق. وهذا خلاف الإجماع، فلا يصح على أصلكم أن يكون فى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة، لا فى الزيادة منفردة، ولا فيها مع المزيد عليه. فإن قالوا: فإن قوله: ((فإذا زادت على مائة وعشرين شرط)). وقوله: ((ففى كل خمسين حقة، وفى كل أربعين بنت لبون))، جواب له، وهذا يقتضى اختصاصه به دون ما لیس یجواب له، وهو المزيد عليه. والجواب أنه إنما يكون ذلك إذا كان الجواب خاصًا، وأما إذا كان الجواب عامًا، ويصح حمله على عمومه لاستناد الشرط إلى ما قبله، فإنه يحمل على ذلك، ألا ترى أنه إذا قال: فإذا بلغت ستًا وثلاثين، ففيها بنت لبون، ولم يحمل هذا الجواب على اختصاصه بالشرط لما ذکرناه. ودليلنا من جهة القياس أن بنت مخاض سن لا يعود بعد الانتقال عنه فرضًا بنفسه قبل المائة، فوجب أن لا يعود بعد المائة فرضًا بنفسه كسن الجذعة. مسألة: إذا ثبت أن الغنم لا تعود فى صدقة الإبل بعد العشرين ومائة، فاختلف أصحابنا فى تأويل قوله: ((فما زاد على ذلك من الإبل، ففى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة))، على ثلاثة أقوال، فروى ابن القاسم عن مالك أن الفرض يتغير إلى تخيير الساعى بين حقتين وثلاث بنات لبون. وروى أنه قال: لا ينتقل الفرض إلا بزيادة عشرين من الإبل، وبه قال أشهب. وروى عنه أن الفرض ينتقل إلى ثلاث بنات لبون من غير تخيير، وهو اختيار ابن القاسم. وجه القول الأول أن الفرض لا ينتقل إلا إلى التخيير؛ لأنه قال: فما زاد، ففى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة، فعلق تخيير الأسنان بالعشرات، فوجب أن يقتصر على ذلك، وجعل ما بعد العشرين مخالفًا لما قبلها، فلم يبق إلا أن تكون المخالفة بالتخيير، ولا يجوز أن يكون ما بعدها موافقًا لما قبلها؛ لأن ذلك يقتضى اجتماع وقصين لا يتخللهما فرض، وهذا خلاف الأصول. ............ ١٩٧ کتاب الزكاة ووجه القول الثانى أن الفرض لا ينتقل إلا بالعشر لأنه قال: فما زاد على ذلك من الإبل، ففى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة، فعلق انتقال الفرض على العشرات، فيجب أن تكون الزيادة منها، وهذا كما قال ﴿﴿ فى زكاة الغنم: ((فما زادت واحدة على المائتين، ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فما زاد على ذلك، ففى كل مائة شاة)) فعلق انتقال الفرض بالمائة، فكانت الزيادة منها، واجتمع بذلك وقصان لم يتخللهما فرض، وتحرر من هذا قياس، فنقول: إن هذه ماشية تزكى بالغنم، فوجب أن یکون فيها وقصان متصلان کالغنم. ووجه القول الثالث أن الانتقال یقع إلی ثلاث بنات لبون. قوله: ((فما زاد على ذلك من الإبل، ففى كل أربعين بنت لبون)) فعلق الانتقال إلى هذا الحكم عند الزيادة من الإبل، والواحدة زيادة، فيجب الانتقال بها، ويؤخذ فى هذه الإبل ثلاث بنات لبون، فيجب أن ينتقل إليها. فصل: وقوله: ((فى سائمة الغنم إذا بلغت إلى عشرين ومائة شاة)) السائمة هى الراعية، ويحتمل أن يكون إنما قصد إلى ذكر السائمة لأنها هى عامة الغنم، ولا تكاد أن تكون فيها غير سائمة، ولذلك ذكر السائمة فى الغنم، ولم يذكرها فى الإبل والبقر، ويحتمل أن يذكر ذلك ﴿ فى كتابه لينص على السائمة، ويكلف المجتهد فى إلحاق المعلوفة بها، فيحصل له أجر المجتهدين. وقال فيها: إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة، وفيها شاة، فنصاب الغنم أربعون، ووقصها إلى تمام المائة وعشرين. فصل: وقوله: ((وفيما فوق ذلك إلى ثلاثة ثلاث شياه)) يريد أن فى مائتى شاة شاتين، وكذلك فإذا زادت واحدة تغير الفرض، وهو قوله: ((وفيما فوق ذلك إلى ثلاثمائة ثلاث شاه» یرید أن فى مائتى شاة وشاة ثلاث شياه وكذلك فى الثلاثمائة، ثم قال رضى الله عنه: فما زاد على ذلك ففى كل مائة شاة، يريد والله أعلم، أن فى المائتى شاة و شاة، ثلاث شیاه، و كذلك فى ثلاثمائة وتسع وتسعین حتى تكون أربعمائة شاة، فيكون فيها أربع شياه؛ لأنه حكم انتقال الفرض على المبين، فوجب أن یکون الاعتبار بذلك. فصل: وقوله: ((ولا يخرج فى الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار)) التيس هو الذكر من المعز، وهو الذى لم يبلغ حد الفحولة، فلا منفعة فيه لضراب ولا لدر ولا نسل، وإنما يؤخذ فى الزكاة ما فيه منفعة للنسل والهرمة التى قد أضر بها الكبر، کتاب الزكاة .. ١٩٨ وبلغت فيه حدًا لا تكون فيه ذات در ولا نسل، وذات العوار هى ذات العيب. قال ابن حبيب: العوار بالفتح، العيب، وهو الذى فى الحديث لا يؤخذ فى الصدقة، وأما برفع العين، فمن العور، فما كان منها مريضًا أو جربًا أو أعور، فليس على المصدق أخذه إلا أن يرى أن ذلك غبطة لأهل الزكاة، وأنها مع عيبها أغبط أو أفضل مما يجزى عنه من الصحيح، فإن له أخذها ويجزئ عن ربها ذلك، وليس بمعنى القيمة لأنها من جنس ما وجب عليه. مسألة: وإن كانت الغنم كلها تيوسًا أو هرمة ذات عوار، فإن على رب الغنم أن يأتيه بما يجزئ، ولم يلزم المصدق أن يأخذ منها إلا أن يرى ذلك. وقال أبو حنيفة والشافعى: یأخذ منها. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ودليلنا من جهة القياس أن هذا حيوان يخرج على وجه القربة، فكان من شرطه السلامة كالضحايا، وهذا القياس إنما يتجه على قول القاضى أبى الحسن أن ذا العيب لا يجزئ، وإن كانت قيمتها أكثر من قيمة السالمة. ومذهب مالك أنها تجزئ إذا كانت أفضل للمساكين من السليمة. فصل: وقوله: ((ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين، فإنهما يترادان بينهما بالسوية)) فإن تفسيره يأتى بعد هذا. وقوله: ((وفى الرقة إذا بلغت خمس أواق ربع العشر)) قال بعض أصحابنا: الرقة اسم الورق، حكى القاضى أبو محمد، أن من أصحابنا من قال: هو اسم الورق والذهب، والأول أظهر، وعلى الوجهين، فإن فى المالين ربع العشر، ولا فرق بينهما فى ذلك. * * * ما جاء فى صدقة البقر ٦٦٦ - مَالِك، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسِ الْمَكِّىِّ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِىِّ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ ٦٦٦ - أخرجه الترمذى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٥٦٦. والنسائى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٢٤٠٥، ٢٤٠٦، ٢٤٠٧، ٢٤٠٨. وأبو داود فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٤٥ = ١٩٩ کتاب الزكاة. حَبّلِ الأنْصَارِئَّ أَخَذَ مِنْ ثَلاثِينَ بَقَرَةٌ تَبِيعًا(١) وَمِنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً(٧) وَأَتِىَ بِمَا دُونٌ ذَلِكَ فَأَبِى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللّهِ ﴿ فِيهِ شَيْئًا حَتّى أَلْقَاهُ فَأَسْأَلَهُ، فَتُوُفّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ مُعَاذُ بْنُ حَبْلٍ. الشرح: قوله: ((أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا))، التبيع هو العجل الذى فطم عن أمه، فهو تبيع ويقوى على ذلك، وإنما يكون هذا إذا دخل فى السنة الثانية. قال القاضى أبو محمد: وقال ابن حبيب: التبيع هو الجذع من البقر، وهو الذى أوفى سنتين، ودخل فى الثالثة. مسألة: وهذا الكلام على سنة، فأما صفة فى نفسه، فالمشهور من الذهب أنه ذكر، ولا يلزم صاحب الماشية أن يخرجه إلا أن يشاء ذلك. وقال ابن حبيب: يجوز أن يؤخذ ذكر أو أنثى. فصل: وقوله: ((ومن أربعين بقرة مسنة)) حكى القاضى أبو محمد أنها التى دخلت فى السنة الثالثة وقال ابن حبيب. وابن المواز: هى التى أتت عليها ثلاث سنين، ودخلت فى الرابعة. قال: ولا يؤخذ إلا أنثى، وسواء كانت بقره، ذكورًا أو إناثًا كلها. وقال بعض أصحاب الشافعى: إذا كانت البقر كلها ذكورًا، أخذ منها مسن ذكر. والدليل على ما نقوله، قوله فى حديث معاذ: ((ومن كل أربعين مسنة ولم يعرف»(). =وابن ماجه فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٧٩٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢١٠٠٣، ٢١١١٢،٢١٠١١. والدارمى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٥٦٩، ١٥٧٠. وعبدالرزاق بنحوه ٢٢/٤ برقم ٦٨٤١ عن معاذ. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٠/٥: هذا الحديث ظاهره الوقوف على معاذ بن جبل من قوله؛ إلا أن فى قوله: إنه لم يسمع من النبى ﴿® فيما دون الثلاثين والأربعين من البقر شيئًا دليلاً واضحًا على أنه قد سمع منه ﴿ فى الثلاثين والأربعين ما عمل به فى ذلك مع أنه لا يكون مثله رأيًا، وإنما هو توقيف ممن أمر بأخذ الزكاة من المؤمنين يطهرهم ويزكيهم بها ﴿، ولا خلاف بين العلماء أن السنة فى زكاة البقر عن النبى ﴿﴿ وأصحابه ما قال معاذ بن جبل. (١) التبيع: ولد البقرة الذى دخل فى السنة الثانية. (٢) المسنة: ما دخل فى السنة الثالثة من البقر. (*) أخرجه الترمذى حديث رقم ٦٢٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٤٥٠، ٢٤٥٢. أبو داود حديث رقم ١٥٧٦. أحمد فى المسند حديث رقم ٢١٥٠٨. الدارمى حديث رقم ١٦٢٣. ابن ماجه حديث رقم ١٨٠٣. کتاب الزكاة ٢٠٠ .. ومن جهة القياس أنه نصاب وجبت فيه مسنة، فوجب أن تكون أنثى كما لو كانت بقره، إناثًا. وقال أبو حنيفة: إن كانت بقره إناثًا، جاز فيها مسن ذكر. والدليل على ذلك الحديث المتقدم. ومن جهة المعنى أن هذا فرض ورد الشرع فيه بالأنثى على الإطلاق، فلم يجز فيها الذکر کبنات لبون فی الإبل. فصل: وقوله: ((وأتى بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئا)) انقيادًا من معاذ رضى الله عنه وطاعة للنبى 8﴾ ووقوفًا عند حده، وبين ذلك بقوله: ((لم أسمع من رسول الله ﴿﴿ فيها شيئًا حتى ألقاه)) يقتضى أنه لم يسمع من النبى ﴿﴾ فى ذلك أمرًا ولا شيئًا، ولا يثبت من أمره أن الثلاثين نصاب فى البقر، فأراد أن يؤخر حتى يسمع منه ذلك، ويجوز أن يتبين له حكم فى هذا مع الاجتهاد، ويحتمل أن يكون أخر الاجتهاد لما كان يرجوه من التمكن من النص بعد وقت، فلما توفى النبى 18 ثبت النصاب فى البقر، إما لخبر مروى من غير طريق معاذ أجمعت الأمة عليه، وإما باجتهاد منها لما عدمت النص، فثبت النصاب بذلك الاجتهاد ووقع الإجتهاد عليه. قَالَ مَالِكٍ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيمَنْ لَهُ غَنَمّ عَلَى رَاعِيَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ أَوْ عَلَى رِعَاءٍ مُفْتَرِقِينَ فِى بُلْدَانِ شَتْى أَنَّ ذَلِكَ يُحْمَعُ كُلُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَيُؤَدِّى مِنْهُ صَدَقَّتَهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الذّهَبُ أَوِ الْوَرِقُ مُتَفَرِّقَةٌ فِى أَيْدِى نَاسٍ شَتَّى إِنَّهُ يَنْبُغِى لَهُ أَنْ يَحْمَعَهَا فَيْرِجَ مِنْهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِى ذَلِكَ مِنْ زَكَاتِهَا. الشرح: وهذا كما قال أن من كانت له غنم مفترقة فى بلدان شتى، فإن جميعها عليه ويحتسب بها حملة فى زكاة غنمه؛ لأن المراعى فى ذلك ملكه، وهذا مثل الرجل يكون له الذهب فى أيدى ناس شتى، فإن ذلك يجمع فى الزكاة، ويؤدى عنه الزكاة كما يؤدى فيما اجتمع بيده من الذهب والفضة، ولا يراعى افتراقه فى أيدى ناس، وإنما يراعى اجتماعه فى ملكه، وجريات الحول فى جميعه، وقد تقدم الكلام فى هذا، وبالله التوفيق. قَالَ مَالِك فِى الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الضَّأْنُ وَالْمَعْرُ: أَنْهَا تُجْمَعُ عَلَيْهِ فِى الصَّدَقَّةِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، صُلِّقَتْ. وَقَالَ: إِنَّمَا هِىَ غَنَمٌ كُلُّهَا، وَفِى كِتَابٍ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ وَفِى سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ. ٢٠١٠٠٠ کتاب الزكاة . الشرح: وهذا كما قال أن الضأن والمعز يجمع فى الزكاة، فإذا بلغ الصنفان نصاب الغنم زكاها، واستدل فى ذلك بما فى كتاب عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو قوله: ((وفى سائمة الغنم الزكاة إذا بلغت أربعين))، وهذا يقتضى أنه متى اجتمع فى ملك الرجل أربعون من الغنم، بعضها ماعز وبعضها ضأن، أنه تجب عليه الزكاة لأن اسم الغنم يقع على الصنفين جميعًا. ومن جهة المعنى أن الزكاة موضوعة على أن يجمع فيها من الأجناس ما تقارب فى المنفعة، والجنس كالحنطة والشعير والعلس والزبيب والسمسم والعراب من الإبل والبخت، والمنفعة فى الضأن والماعز واحدة، فلذلك جمعا فى الزكاة. قَالَ مَالِك: فَإِنْ كَانَتِ الضَّأْدُ هِىَ أَكْثَرَ مِنَ الْمَعْزِ، وَلَمْ يَحِبْ عَلَى رَّبِّهَا إِلا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، أَخَذَ الْمُصَدِّقُ تِلْكَ الشَّةَ الَّتِى وَحَبَتْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنَ الضَّأَنِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَعْزُ أَكْثَرَ مِنَ الضَّأْنِ أُخِذَ مِنْهَا، فَإِنِ اسْتَوَى الضَّأْنُ وَالْمَعْرُ أَخَذَ مِنْ أَنْتِهِمَا شَاءَ. الشرح: وهذا كما قال أن من وجبت عليه شاة، فإن المصدق يأخذها من أكثر جنس غنمه؛ لأن القليل منها تبع للکثیر، ولأنه إذا لم یمکن قسمتها، ولم یکن له بد من الأخذ من أحد الصنفين كان أخذه من الصنف الأكثر أولى، فإن استوى الصنفان كان المصدق بالخيار أن يأخذ من أى الصنفين شاء، وهكذا سنة الزكاة أنه متى استوى السنان فى الوجوب والوجود خير المصدق كالخمس بنات لبون والأربع حقاق فى مائتين من الإبل. مسألة: فإن وجبت شاتان أو أكثر من ذلك نظرت، فإن تساوت الضأن والماعز أخذ من كل جنس شاة، وإن كانت إحداهما أكثر وجبت شاة واحدة فى التى هى أكثر ثم نظرت إلى ما بقى بعد النصاب التى أخذت منه الشاة، فإن كان أکثر من الجنس الثانى، وكان الجنس الثانى مقصرًا عن النصاب مثل أن يكون له مائة وعشرون ضائنة وثلاثون معزى، فهذا لا خلاف فى المذهب أن الشاتين تؤخذ من الضأن، فإن كان الجنس الثانى نصابًا، و کان أکثر من الجنس الأول بعد النصاب مثل أن یکون له سبعون ضائنة وسبعون معزى، فلا خلاف فى المذهب أنه يؤخذ شاة من الضأن وشاة من المعز، فإن كان الجنس الثانى أكثر مما بقى من الجنس الأول، ومع ذلك هو مقصر عن النصاب مثل أن يكون له أربعون من الجواميس وعشرون من البقر، فعليه تبيع من الجواميس