النص المفهرس

صفحات 1101-1120

كتاب الصيام
١٠٢
هذه عبادة من شرطها الصوم، وقد أجمعنا على أن الصوم لا يتبعض ولا يكون أقل من
يوم كامل فوجب أن يكون أقل مدتها ما يصح فيه الصوم، وذلك يوم.
قَالَ مَالِكٍ: وَالاعْتِكَافُ وَالْجِوَارُ سَوَاءٌ، وَالاعْتِكَافُ لِلْقَرَوِىِّ وَالْبَدَوِىِّ سَوَاءٌ.
الشرح: قوله: ((الاعتكاف والجوار سواء))، يريد الجوار الذى بمعنى الاعتكاف فى
التتابع يلزم فيه الاعتكاف، وأما الجوار الذى يفعله أهل مكة، فإنما هو لزوم المسجد
بالنهار والانقلاب بالليل، فإن ذلك لا يمنع شيئًا، وله أن يخرج فى حوائجه ولعيادة
مريض وشهود جنازة ويطأ أهله وجاريته متى شاء، فهذا الجوار غير الجوار الذى عند
مالك.
فصل: وقوله: ((واعتكاف القروى والبدوى سواء))، يريد أن حكمهما فيما يحرم
عليهما ويباح لهما سواء، وقد يفترقان فى أمر الجمعة، فإن كان البدوى بموضع فيه
جمعة، جاز له أن يعتكف فى مسجد لا يجمع فيه، ولا يجوز ذلك للقروى لأن الجمعة
تلزمه دون البدوی.
ما لا يجوز الاعتكاف إلا به
٦٣٢ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَنَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالا:
لا اعْتِكَافَ إِلا بِصِيَامٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَلَى فِى كِتَابِهِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَيِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧] فَإِنَّمَا ذَكَرَ اللّهُ
الاعْتِكَافَ مَعَ الصِّيَامِ.
قَالَ مَالِك: وَعَلَى ذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لا اعْتِكَافَ إِلا بِصِيَامٍ.
الشرح: قولهما ((إنه لا اعتكاف إلا بصيام))، نفى لوجود اعتكاف شرعی دون
صيام، وهذا مذهب فقهاء المدينة وأهل الكوفة وأبى حنيفة والثورى وغيرهما، وقال
الأوزاعى: وقاله من الصحابة، ابن عباس وابن عمر وغيرهما. وقال الشافعى: ليس من
شرطه الصيام، وحكى ذلك عن ابن مسعود والحسن البصرى.
٦٣٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٥٨.

٠٠ ١٠٣
كتاب الصيام ..
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور ما استدل به القاسم ونافع من قوله تعالى:
﴿ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون فى المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] وهذا خطاب للصائمين
لقوله فى أول الآية ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧].
ودليلنا من جهة القياس أن هذا لبث فى مكان مخصوص، فوجب أن لا يكون قربة
بمجرده دون أن ينضم إليه معنى آخر وهو قربة فى نفسه دليله الوقوف بعرفة.
فرع: إذا ثبت ذلك، فإنه ليس من شرطه أن يكون الصوم للاعتكاف، بل يصح أن
يكون الصوم لرمضان ولنذر ولغيره، فإن نذر اعتكافًا فهل يجوز لك أداؤه فى رمضان
أو فى صيام عليه أجاز ذلك مالك، ومنع منه ابن الماجشون.
وجه قول مالك أن الاعتكاف مقتضاه جواز فعله مع صيام لغيره، فإذا نذره الناذر،
فإنما ينصرف نذره إلى مقتضاه فى أصل الشرع إلا أن ينوى غير ذلك، فيكون كمن
نذر اعتكافًا وصومًا وهذا كما نقوله أن من نذر صلاة لزمته، ولم يكن عليه أن يتطهر
لها خاصة بل يجوز له أن يؤدّيها بطهارة لغيرها.
ووجه قول عبدالملك أن الناذر للاعتكاف لزمه على جميع شروطه التى لا يصح إلا
بها، ولما كان الاعتكاف لا يصح إلا مع الصوم تناول صومه النذر معه، والله أعلم.
*
*
*
خروج المعتكف للعبد
٦٣٣ - عَنْ زِيَادِ بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِك، عَنْ سُمَى مَوْلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اعْتَكَفَ، فَكَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقِيفَةٍ
فِى حُجْرَةٍ مُغْلَقَةٍ فِى دَارِ خَالِدٍ بْنِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ لا يَرْجِعُ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ مَعَ
الْمُسْلِمِينَ.
الشرح: قوله: ((كان يذهب لحاجته تحت سقيفة فى حجرة مغلقة فى دار خالد بن
الوليد))، يريد أنها كانت غير منزله، ويستحب للمعتكف أن يكون موضع حاجته فى
غير داره لأن فى رجوعه إلى داره، ودخوله إليه ذريعة إلى الاشتغال ببعض ما يظهر
إليه فيه ويراه منه. قال ابن كنانة فى المدنية: لا يدخل بيته ولا يرجع إليه لشىء ولا
٦٣٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٥٩.

کتاب الصيام
١٠٤ ..
يتوضأ إلا فى غيره، وليس النبى 48 كغيره، ويستحب أن يكون ذلك فى أقرب
المواضع يمكنه إلى موضع معتكفه. قال عيسى عن ابن القاسم: إنما يقصد إلى أقرب
المواضع إلیه، وإن کان منزله لم يتعده إلى غيره مما هو أبعد منه.
وقوله: ((ثم لا يرجع حتى يشهد العيد مع المسلمين»، يريد أنه كان يقيم فى معتكفه
ليلة الفطر حتى يغدو من معتكفه إلى صلاة العيد، ثم لا يرجع إلى داره بعد أن يشهد
العيد. وقد روى ابن القاسم: يخرج من معتكفه ليلة الفطر، ورواه عنه سحنون.
فرع: فإذا قلنا بالقول الأول، ففعل ذلك على الوجوب أو على الاستحباب؟ قال
القاضى أبو محمد: على الاستحباب. وقال سحنون: هو على الوجوب، وإن خرج ليلة
الفطر بطل اعتكافه، وقاله ابن الماجشون.
وجه القول الأول أن كل واحدة من العبادتین یصح إفرادهما، فلم تكن إحداهما
من شرط صحة الأخرى كالصوم والصلاة، ولذلك جاز الاعتكاف فى زمن لا يتصل
بليلة الفطر، ولو كان المقام ليلة الفطر بالمعتكف ليس شرطًا فى صحة الاعتكاف.
ووجه قول سحنون ما احتج به ابن الماجشون من أن كل عبادتين جرى عرف
الشرع باتصالهما، فإن اتصالهما على الوجوب كالطواف وركعتيه.
يَحْبَى، عَنْ زِيَادٍ، عَنْ مَالِك أَنَّهُ رَأَى بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا اعْتَكَفُوا الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ
مِنْ رَمَضَانَ لا يَرْجِعُونَ إِلَى أَهَالِيهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا الْفِطْرَ مَعَ النّاسِ(١).
قَالَ زِيَاد: قَالَ مَالِك: وَبَلَغَنِى ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الَّذِينَ مَضَوْا، وَهَذَا أَحَبُّ مَا
سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ.
الشرح: وهذا على نحو ما مضى، وأن ذلك قول أهل العلم والفضل، وفعلهم أن لا
· يرجعوا من معتكفهم إلى أهليهم حتى يشهدوا صلاة عيد الفطر مع الناس، فيصلون بين
العبادتين وهذا لمن شهد صلاة العيد مع الناس، فأما من لم يشهدها من مريض يقدر
على الاعتكاف، ولا يقدر على المشى إلى موضع صلاة العيد، فلم أر فيه نصًا
لأصحابنا، والله أعلم وأحكم.
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٦٠.

............ ١٠٥
...
كتاب الصيام
قضاء الإعتكاف
٦٣٤ - زِيَاد عن مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَرَادَ أَنْ يَعْتَّكِفَ، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الْذِى أَرَادَ أَنْ
يَعْتَكِفَ فِيهِ وَحَدَ أَخْيَةً، خِبَاءَ عَائِشَةً وَخِيَاءَ حَفْصَةَ وَخِيَاءَ زَيْنَبَ، فَلَّمَّا رَآهَا سَأَلَ
عَنْهَا، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا خِيَاءُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((الْبِرَّ
تَقُولُونَ بِهِنَّ)(١) ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالِ.
الشرح: قوله: ((ثم انصرف إلى المكان الذى أراد أن يعتكف فيه))، يريد أنه انصرف
إليه من موضع إقامته، وذلك يقتضى أن للمعتكف موضعًا يلزمه فى مدة اعتكافه من
مسجده، وليس لزومه شرطًا فى صحة اعتكافه؛ لأن ذلك يمنعه من الإمامة لأن النبى
﴿. كان يؤم قومه فى مدة اعتكافه، فمشيه إلى موضع إمامته مشى لأداء فريضته فى
مسجده، فلم يدخل نقصًا فى اعتكافه.
وقد اختلف قول مالك فى الأذان، فكرهه مرة، ولم ير به بأسًا ثانية، فإذا كان
مطلقًا عنده، فلا فرق بينه وبين الصلاة، وإذا كان مكروهًا، فالفرق بينهما أن الإمامة
ليست بشىء أكثر من الصلاة، وهو ما اعتكف عليه، والتزم الإتيان به مع وجوبها
عليه، وأما الأذان، فليس بواجب عليه مع أنها عبادة غير العبادة التى التزمها المعتكف،
فكره له ذلك كما كره له سائر العبادات التى ليست من جنس ما التزمه من حضور
الجنائز والصلاة عليها، والله أعلم.
٦٣٤ - أخرجه البخارى فى كتاب الاعتكاف حديث رقم ١٨٩٣. ومسلم فى كتاب الاعتكاف
حديث رقم ٢٠٠٧. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٧٢١. والنسائى فى كتاب
المساجد حديث رقم ٧٠٢. وأبو داود حديث رقم ٢١٠٨. وابن ماجه حديث رقم ١٧٦١.
وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٤٠٤، ٢٤٧١٠. وعبدالرزاق فى المصنف برقم ٨٠٣١،
٣٥٢/٤ عن عائشة.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٢٩/٥: هكذا هذا الحديث ليحيى فى الموطأ، عن مالك عن ابن
شهاب، هو غلط وخطأ مفرط لم يتابعه أحد من رواة الموطأ فيه وعن ابن شهاب»، وإنما هو فى
الموطأ لمالك عن يحيى بن سعيد. إلا أن رواة الموطأ اختلفوا فى قطعه وإسناده، فمنهم من يرويه
عن مالك، عن يحيى ابن سعيد، ((أن رسول الله ﴿$)، لا يذكر عمرة، ومنهم من يرويه عن
مالك، عن يحيى ابن سعيد، عن عمرة لا يذكر عائشة، ومنهم من يرويه عن مالك، عن يحيى بن
سعيد، عن عمرة، عن عائشة، ومنهم يصله بسنده.
(١) تقولون بهن: أى تظنون وإطلاق القول على الظن معروف فى العربية.

١٠٦
كتاب الصيام
فصل: وقوله: ((وجد أخبية، خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب)) يريد أن كل
واحدة من نسائه المذكورات ضربت لنفسها خباء تعتكف فيه، فقال رسول الله ﴾.
((آلبر تقولون بهن)) يحتمل أن يكون ﴿لَ﴾ قذرهنّ، وخاف عليهنّ أن يكون منهنّ من
حملها على ذلك الحرص على القرب منه والغيرة على سائر أزواجه أن يفعلن مثل فعله،
فلا تسلم نيتها للاعتكاف، فكره اعتكافها على هذا الوجه، منع جميعنّ لأنه لم يتعين له
منهنّ من قصد هذا القصد.
وقوله: ((ثم انصرف)) يريد أن انصرافه كان قبل التزامه الاعتكاف والدخول فيه،
ويحتمل أن يكون انصرف لمانع عزلهن أو لقربة أخرى رآها أولى من الاعتكاف،
ويحتمل أن يكون انصرف عن ذلك لما أراد من صرف جميعهن، فرأى انصرافه أقرب
لاستصلاحهن تطييب أنفسهن، وكان بالمؤمنين رحيمًا.
فصل: وقوله: ((فلم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال)) يقتضى أن الاعتكاف
فى غير رمضان مطلق إذا كان فى زمن يصح صومه.
زِيَاد، عَنْ مَالِك: عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِعُكُوفٍ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ
رَمَضَانَ، فَأَقَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَّيْنٍ ثُمَّ مَرِضَ، فَخَّرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ
يَغْتَكِفَ مَا بَقِىَ مِنَ الْعَشْرِ إِذَا صَحَّ أَمْ لا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؟ وَفِى أَىِّ شَهْرٍ يَعْتَكِفُ إِنْ
وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؟.
فَقّالَ مَالِك: يَقْضِى مَا وَحَبَ عَلَيْهِ مِنْ عُكُوفٍ إِذَا صَحَّ فِى رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ مَالِك: وَقَدْ بَلَغَنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَرَادَ الْعُكُوفَ فِى رَمَضَانَ ثُمَّ رَجَعَ،
فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ رَمَضَانُ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ.
وهذا كما قال أن من لزمه اعتكاف فى رمضان وطراً عليه مانع من الصيام، فإن
عليه قضاءه، وذلك أن الاعتكاف يلزم بوجهين، بالدخول فيه، فلا يخلو أن يكون فى
رمضان أو غيره، فإن كان فى رمضان، فیأتی وجه لفطر لزمه قضاؤه، وذلك أنه لما
دخل فى الاعتكاف فيه ينوى مدة منه لزمته تلك المدة، وصارت مع صوم رمضان
بمنزلة العبادة الواحدة، فإذا لزمه قضاء صوم رمضان لزمه قضاء ذلك الاعتكاف، ويلزم
علی هذا إن کان صوم الاعتكاف واجبًا فى غير رمضان، ففسد صومه لمعنى يوجب
قضاءه أن يلزمه قضاء الاعتكاف.

١٠٧٠
كتاب الصيام ..
مسألة: وإن كان فى غير رمضان وفى صوم غير واجب، فقد قال ابن الماجشون:
إن أفطر ناسيًا، فلا قضاء عليه؛ لأنه أفطر ناسيًا فى صوم تطوع، وإذا لم يلزمه قضاء
الصوم لم يلزمه قضاء الاعتكاف، ويلزم على هذا أن يكون كل مانع من قضاء الصوم
کالمرض ونحوه يمنع من قضاء الاعتكاف أيضًا.
فصل: فإن لزمه بالنذر، فلا يخلو أن يتعلق بزمن معين أو غير معين، فإن تعلق بزمان
غير معين، فلا خلاف فى وجوب قضائه، وإن تعلق بزمن معين، فحكم رمضان فيه
على ما تقدم، وإن كان غير رمضان فلا يخلو أن يستغرقه المانع أو لا يستغرقه، فإن
استغرقه، فالظاهر من المذهب أنه لا قضاء عليه، وإن لم يستغرقه، وكان المانع فى آخر
زمن الاعتكاف بعد التلبس به، فإن الظاهر من المدونة أن عليه القضاء، وبه قال ابن
عبدوس. وقال سحنون: لا قضاء عليه.
وجه القول الأول أن من تلبس بالاعتكاف قد لزمه بعضه، فوجب عليه إتمامه.
ووجه قول سحنون أن هذا مانع غالب مانع من صوم لم يتقدم وجوبه لغير الاعتكاف،
فلم يجب قضاء ما منع منه كما لو منع من جميعه.
مسألة: والمعانى المانعة من الاعتكاف هى المرض والحيض والإغماء والجنون. وفى
الجملة كل أمر غالب لا يصح معه فعله، ولا ينسب إلى المكلف فيه التفريط، ويلزم
الحائض الخروج من المسجد والرجوع إلى بيتها، والمريض الرجوع إلى بيته إن كان
ذلك أرفق به، وأمكن لعلاجه، فإن يكن ذلك أرفق به، فهل له الرجوع إلى بيته إلى أن
يمكنه الصوم، فالذى قال أبو إسحاق القرطبى: يقيم فى المسجد لأن عليه أن يأتى من
العبادة بما يمكنه، وهو ملازمة المسجد والامتناع مما ينافى الاعتكاف.
وقال ابن نافع فى المجموعة عن مالك: أنه يخرج ولا يقيم فى المسجد حتى يفيق.
وهذا يتخرج على قول ابن القاسم فى المعتكف يوم العيد: لا يقيم فى المسجد، فأما
على قول ابن نافع يلزم المسجد، فعليه هاهنا مثله.
وقد اختلف فيمن تلبس فى الثغور بالاعتكاف حال الأمان، ثم طرأ الخوف، فلزمه
الخروج وترك الاعتكاف، فقال مالك: إذا أمن ابتدأ اعتكافه ثم رجع، فقال: يبنى على
ما تقدم من اعتكافه.
وجه القول الأول أنه خرج من اعتكافه وتشاغل عنه بعبادة وقطع مسافة كما لو
خرج لحج أو جنازة. ووجه القول الثانى أنه خرج لطاعة لا يستبد منها ولا يتم

كتاب الصيام
١٠٨
اعتكافه إلا بها، فكان له أن يبنى كما لو خرج لشراء قوته وطهوره وغير ذلك مما لابد
له منه، والله أعلم.
فصل: وقول مالك يقتضى ما وجب عليه من عكوف إذ صح فى رمضان أو غيره،
يريد أن القضاء يبطل أول وقت الإمكان، وأنه لا يجوز له تأخير ذلك عن وقت
الإمكان فإن أخره عن ذلك وجب عليه استئناف الاعتكاف لأنه قد لزمه على حكمه،
وهو الاتصال، فإذا تركه مع الإمكان، فقد أخل بشرط من شروط الصحة، فكان عليه
الاستئناف.
زياد، قَالَ مَالِك: وَالْمُتَطَوِّعُ فِى الاعْتِكَافِ فِى رَمَضَانَ، وَالَّذِى عَلَيْهِ الاعْتِكَافُ
أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ فِيمَا يَحِلُّ لَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يَبْلُغْنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ
اعْتِكَافُهُ إِلا تَطَوُّعًا.
الشرح: وهذا كما قال أن الذى تطوع بالاعتكاف، فلزمه بالدخول فيه، والذى
نذره فلزمه قبل الدخول فيه، حكمهما واحد، فيما يحل لهما ويحرم عليهما لأن ما
ينافى العبادة الواجبة ينافيها إذا تطوع بها كالصوم والحج والصلاة ولا يلزم على ذلك
التنفل فى السفر على الراحلة لأن ذلك لا ينافى فى الصلاة بل هو هيئة من هيئاتها
تسقط لعذر، والذى ينافى الصلاة، الكلام والحدث وتطوع الصلاة وفرضها يتساويان
فى ذلك.
مسألة: والذى يحرم فى الاعتكاف ويفسد لمنافاته هو الاستمتاع بالنساء بقبلة أو
مباشرة أو جسة أو جماع أو غير ذلك لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى
المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧].
فرع: فإن فعل شيئًا من ذلك عمدًا أو سهوًا بطل اعتكافه. وقال الشافعى: لا يبطل
شىء من ذلك الاعتكاف إلا بالإيلاج.
والدليل على ذلك أن كل مباشرة لو قارنها الإنزال أفسدت الاعتكاف، فإنها
تفسده وإن عريت عن الإنزال كالإيلاج.
فرع: ويفسد الاعتكاف الأكل عامدًا لما قلنا أن من شرطه الصوم والتتابع، ويفسده
ارتكاب كبيرة من الكبائر كالزنا واللواط وشرب الخمر والالتذاذ من لا يحل الالتذاذ
به، قاله القاضی أبو محمد.

........... ١٠٩
كتاب الصيام
وقال القاضى أبو الحسن: إن السرقة والقتل ونحوهما مما يجرى مجرى الكبائر يبطل
الاعتكاف.
ووجه ذلك أن الاعتكاف نهاية الطاعة والمبالغة حتى أنه يكره فيه التشاغل عنه
بتدريسه العلم والمشى إلى الجنائز وركوب الكبائر ينافى هذا وما ضاد العبادة أفسدها.
قَالَ مَالِكَ فِى الْمَرَّةِ: إِنَّهَا إِذَا اغْتَكَفَتْ ثُمَّ حَاضَتْ فِى اعْتِكَافِهَا، إِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى
بَيْتِهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ آيَةَ سَاعَةٍ طَهُرَتْ، ثُمَّتَبْنِى عَلَى مَا مَضَى
مِنَ اعْتِكَافِهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَرَّةُ يَحِبُ عَلَيْهَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَتَحِيضُ ثُمَّ
تَطْهُرُ، فَتَبْنِى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَّامِهَا وَلا تُؤَخِّرُ ذَلِكَ.
الشرح: وهذا كما قال أن الحائض المعتكفة إذا حاضت خرجت من معتكفها لأن
الاعتكاف لا يكون إلا فى المسجد، والحائض لا تدخل المسجد، فإذا طهرت رجعت
إلى معتكفها أية ساعة طهرت لا تؤخر رجوعها عن وقت طهرها، أى وقت كان من
ليل أو نهار، ولأن من شرط الاعتكاف التتابع، فإذا أخرت ذلك بطل التتابع، وبطل
بعدمه الاعتكاف، رواه ابن وهب عن مالك فى المجموعة.
فرع: فإن رجعت نهارًا، فإنها لا تمسك عن الأكل بقية نهارها، ولا يحتسب لها به
فى أيام اعتكافها، فإن رجعت ليلاً قبل طلوع الفجر ونوت الصوم، ففى المجموعة من
رواية ابن وهب عن مالك: يجزئها، وقال سحنون: لا تحتسب بذلك حتى يكون
دخولها فى أول الليل کابتداء الاعتكاف.
فصل: وقوله: ((مثل ذلك المرأة يجب عليها صيام شهرين متتابعين فتحيض فتبنى
على ما مضى من صيامها ولا تؤخر ذلك)) يريد أن الموانع الغالبة كالحيض والمرض، لا
يقطع التتابع، وإنما يقطعه الفصل بين العبادة على وجه الاختيار، والتأخير له بعد الموانع
الغالبة عن وقت الإمكان، وكذلك تتابع الصيام، والله أعلم.
٦٣٥ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَةٍ
٦٣٥ - أخرجه البخارى فى كتاب الاعتكاف حديث رقم ١٨٨٩. ومسلم فى كتاب الحيض
حديث رقم ٤٤٧. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٧٣٣. وأبو داود فى كتاب الصوم
حديث رقم ٢١١١. وابن ماجه حديث رقم ١٧٦٦. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٣٨٠،
٢٣٥٧٧، ٢٤٣٠٩، ٢٣٩٠٧، ٢٥٠٤٧. والبيهقى فى الكبرى ٣١٥/٤ عن عائشة.

كتاب الصيام
.
١١٠
الإِنْسَانِ فِى الْبُيُوتِ، وَهَو مُعْتَكِف.
الشرح: قوله: ((كان يذهب لحاجة الإنسان فى البيوت)) دليل على جواز دخول
البيوت لما لا يجوز فعله فى المسجد من التغوط والطهارة والغسل من الجنابة وكذلك
الخروج لشراء الطعام، وغير ذلك مما تدعو الحاجة إليه يؤتى له الأسواق ومواضع بيعه
ویکون ذلك فى أقرب ما یمکن منه.
قَالَ مَالِك: لا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مَعَ جَنَازَةِ أَبَوَيْهِ وَلا مَعَ غَيْرِهِمَا.
الشرح: وهذا كما قال أن المعتكف لا يخرج إلا لما تدعو الضرورة إليه مما لا يصح
فعله فى المسجد أو لفرض متعين عليه، ويبطل ذلك اعتكافه، وأما خروجه لجنازة
أبويه، فليس ذلك بفرض، ولا فى التخلف عنه معصية، فلا يجوز ترك الاعتكاف له.
وقال ابن القاسم فى العتبية: يخرج المعتكف لعيادة أبويه إذا مرضا، ويبتدئ اعتكافه.
ووجه ذلك أنهما إذا كانا حيين لزمه طلب مرضاتهما، واجتناب ما يسخطهما،
فجمع بين الأمرين من بر أبويه بالخروج إليهما والإتيان باعتكافه بأن يبتدئه، ولا يلزم
على ذلك ترك حضور جنازتهما لأنهما لا يعرفان بحضوره، فيرضيهما ذلك، ولا
يعلمان بتخلفه فيسخطهما، والله أعلم وأحكم.
النكاح فى الاعتكاف
زِيَادِ، قَالَ مَالِك: لا بَأْسَ بِنِكَاحِ الْمُعْتَكِفِ نِكَاحَ الْمِلْكِ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ،
وَالْمَرْأَةُ الْمُعْتَكِفَةُ أَيْضًا تُنْكَحُ نِكَاحَ الْخِطْبَةِ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ. قَالَ: وَيَحْرُمُ عَلّى
الْمُعْتَكِفِ مِنْ أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ بِالْنّهَارِ.
قَالَ مَالِك: وَلا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ وَلا يَتَلَذّذُ مِنْهَا بِقُبْلَةٍ
وَلَا غَيْرِهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِِ وَلا لِلْمُعْتَكِفَةِ أَنْ يَنْكِحَا فِىِ اعْتِكَافِهِمَا
مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ، فَيُكْرَهُ، وَلا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَنْكِحَ فِى صِيَامِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ
نِكَاحِ الْمُعْتَكِفِ وَيِكَاحِ الْمُحْرِمِ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ،
وَيَشْهَدُ الْحَنَائِرَ، وَلَا يَتَطَّبُ، وَالْمُعْتَكِفُ وَالْمُعْتَكِفَةُ يَدَّمِنَانِ وَيَنْطَانِ وَيَأْخَّذُ كُلُّ

.. ١١١٠
كتاب الصيام .
وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ شَعَرِهِ، وَلا يَشْهَدَانِ الْجَنَّائِرَ، وَلا يُصِلِيَانِ عَلَيْهَا، وَلا يَعُودَانِ
الْمَرِيضَ، فَأَمْرُهُمَا فِى النَّكَاحِ مُخْتَلِفٌ، وَذَلِكَ الْمَاضِى مِنَ السَّةِ فِى فِكَاحِ الْمُحْرِمِ
وَالْمُفْتَكِفِ وَالصَّائِمِ.
الشرح: وهذا كما قال أن المعتکف یجوز أن يعقد نكاحه ونكاح غيره بما خف من
الكلام؛ لأن عقد النكاح لا ينافى الاعتكاف كما لا ينافيه دواعى النكاح من التطيب
والتزين، وإنما ينافيه نفس المباشرة والجماع، والفرق بينه وبين الحج والعمرة أنه لا
خلاف أن الحج يمنع دواعى النكاح من التطيب، فمنع من مقدماته، والاعتكاف لا يمنع
دواعى النكاح من التطيب، فلم يمنع مقدماته من العقد كالصوم.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن كثير العمل ممنوع فى الاعتكاف، ويسيره على ضربين،
أحدهما: أن يكون له موضع مخصوص. والثانى: أن لا يكون له موضع مخصوص، فأما
ما له موضع مخصوص كصلاة الجنازة، فإنه لا يجوز للمعتكف أن يتشاغل بها، وإن
کانت فی موضع اعتكافه وانتھی إلیه الزحام، رواه ابن نافع عن مالك.
مسألة: وأما ما ليس له موضع مخصوص كسؤال المريض عن حاله وتعزية الرجل فى
بيته وسلامه على من لقيته، وحديثه مع من رآه وكتابة يسير العلم والأخذ فى يسيره
ويسير الحكم للحاكم، فإن يسير ذلك جائز فى موضع اعتكافه، والمسير إليه، وإن
كان فى المسجد ممنوع منه؛ لأن فى ذلك خروجًا عن موضع معتكفه، لما ليس من
جنس عبادة المعتكف، ولا يتعلق بها ولا يلزم على هذا المشى إلى المحراب للإمامة لأن
ذلك من عبادته.
قال الشيخ أبو القاسم: ولا بأس أن يكتب فى المسجد ويقرأ عليه غيره القرآن إذا
كان فى موضعه. وفى المدونة: كره مالك أن يكتب المعتكف العلم فى المسجد، قال
عنه ابن وهب: إلا أن يكون الشىء اليسير، والترك أحب إلىّ.
فصل: وقوله: ((يحرم على المعتكف من أهله بالليل ما يحرم عليه منهن بالنهار)) يريد
أن حال الليل والنهار مما يمنع منه الاعتكاف سواء، وإنما ذلك لأن ذلك من حكمه
التتابع کشهری صيام التظاهر.
فصل: وقوله: ((والمعتكف والمعتكفة يدهنان ويتطيبان)) يريد أن الاعتكاف لا يمنع
الطيب والتجمل بالحلى وغيره، وإن كان من دواعى النكاح؛ لأنه يمضى فى فساده

كتاب الصيام
....
١١٢
كالصوم، وإنما يمنع دواعى النكاح ما يمنع الطيب ويمضى فى فساده كالحج والعمرة.
ما جاء فى ليلة القدر
٦٣٦ - مَالِك، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
الْحَارِثِ الّيْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا
كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِىَ اللَّْلَةُ الَّتِى يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صُبْحِتِهَا(٢) مِنْ اعْتِكَافِهِ،
قَالَ: (مَنِ اعْتَكَفَ مَعِىَّ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أَنْسِيْتُهَا،
وَقَدْ رَأَيْتُنِى أَسْجُدُ مِنْ صُبْحِهَا فِى مَاءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ،
وَالْتَمِسُوهَا فِى كُلِّ وِتْرٍ). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأُمْطِرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَكَانَ
الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَّفَ(١) الْمَسْجِدُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَبْصَرَتْ عَيْنَاىَ رَسُولَ اللَّهِ
ا انْصَرَفَ وَعَلَّى حُبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحٍ لَيْلَةٍ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.
الشرح: قوله: ((كان رسول الله ﴿لا يعتكف العشر الوُسُط)) هكذا وقع فى كتابى
مقيدًا بضم الواو والسين.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى أن يكون جمع واسط، قال
صاحب العين: واسط الرجل ما بين قادمته وآخرته. وقال أبو عبيد: وسط البيوت
٦٣٦ - أخرجه البخارى فى كتاب الأذان حديث رقم ٦٢٩. ومسلم فى كتاب الصيام حديث
رقم ١٩٩٤. والنسائى حديث رقم ١٠٨٣. وكتاب السهو حديث رقم ١٣٣٨. وأبو داود فى
كتاب الصلاة حديث رقم ١١٧٤. وابن ماجه فى كتاب الصيام حديث رقم ١٧٥٦. وأحمد فى
المسند حديث رقم ١٠٦١٠، ١٠٧٥٧، ١١١٥١، ١١٢٧٩، ٠١١٤٦٠ والبيهقى فى الكبرى
٢٨٥/٢ عن أبى سعيد الخدرى.
(*) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٣٩/٥: وأما قوله: ((حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهى
الليلة يخرج فيها من صبحتها من اعتكافه»، فهكذا رواية يحيى: ((من صبحتها))، وتابعه على ذلك
جماعة، منهم: ابن بكير، والشافعى، وأما القعنبى، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة أيضا؛
فقالوا فى هذا الحديث عن مالك: ((وهى الليلة التى يخرج فيها من اعتكافه». لم يقولوا: ((من
صبحتها»، وقال یحیی بن یحیی، وابن بکیر، والشافعی: ((من صبحتها)).
(١) وكّف: سال من سقفه المطر.

٠٠٠ ١١٣
كتاب الصيام .
بسطها، إذا نزل وسطها، واسم الفاعل من ذلك واسط، ويقال فى جمعه: وسط،
کنازل ونزل وباذل وبذل.
وأما الوسط بفتح الواو والسين(٢)، فيحتمل أن يكون جمع أوسط، وهو جمع وسيط
ككبير وأكبر أو كبر، ويحتمل أن يكون اسمًا لجميع الوقت على التوحيد كما يقال
وسط الدار ووسط الوقت والشهر، فإن كان قرئ بفتح الواو والسين، فهذا عندى معناه
والله أعلم.
فصل: وقوله 18: ((من اعتكف معى فليعتكف العشر الوسط وقد رأيت هذه الليلة
ثم أنسيتها)) ظاهره يقتضى أنه إنما كان يعتكف العشر الأوسط لما كان عنده أن الأظهر
أنها فى العشر الأوسط، ويحتمل أنه بعد ذلك أعلم أنها فى العشر الأواخر، وعينت له
ليلتها ثم أنسى التعيين، وبقى ذاكرا أنها فى العشر الأواخر، فاعلم من عرف أنه كان
قصد الفضل بالاعتكاف معه أن يعتكف فى العشر الأواخر تحریًا لها.
وقوله: ((وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها)) يحتمل أن الرؤية هاهنا بمعنى العلم،
فيكون معناه أعلم بها، بها، ويحتمل أن يكون بمعنى رؤية البصر، ويكون معنى ذلك أن
العلامة التى أعلمت لك بها.
فصل: وقوله: ((وقد رأيتنى أسجد من صبحها فى ماء وطين)) يحتمل أن يكون ذلك
رؤيا رآها حين أعلم بالليلة أو رأها، فبقى ذلك فى ذكره، ويحتمل أن يكون هذه رؤيا
بعد النسيان، واستدل بها عليها.
فصل: وقوله: ((فالتمسوها فى العشر الأواخر والتمسوها فی کل وتر)) تحديد لها بما
يمكنه أن يحدها بها فحض على قيام العشر الأواخر تحريًا لها ثم بين أنها إنما تكون فى
الوتر منه، وبين ذلك ليتحراها فى الوتر من عجز عن قيام جميع العشر كما بينها فى
العشر الأواخر لمن عجز عن قيام رمضان وحض على قيام جميع رمضان لمن عجز عن
قیام جميع العام.
وقد روى بيان ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله
يقول: ((التمسوها فى العشر الأواخر، يعنى ليلة القدر، فإن ضعف أحدكم وعجز فلا
يغلبن على السبع البواقى)»().
(٢) قال الفيروزآبادي: الوَسّطُ، محركةً، من كلّ شىءٍ: أَعْدَلُهُ. ﴿وكذلك جَعَلْناكم أمةً
وسَطاً﴾، أى: عَدْلاً خِياراً.
(*) أخرجه بلفظه: مسلم حديث رقم ١١٦٥. أحمد فى المسند حديث رقم ٥٤٦١

١١٤
كتاب الصيام
.
فصل: وقوله: ((وكان المسجد على عريش)) العريش ما يستظل به، يريد أنه لم يكن
سقيفة إلا ما يستظل به، ولا يكن من المطر، وقال أبو عبيد: سميت بيوت مكة عروشًا
لأنها عيدان تنصب للتظلل، ويقال عرش فمن قال: عرش، فواحدها عريش، مثل سبيل
وسبل، ومن قال: عروش، فواحدها عرش مثل فلس وفلوس، وقال صاحب العين:
العريش شبه الهودج.
5 الصرف وعلى جبينه وأنفه أثر الماء
فصل: وقوله: ((فأبصرت عيناى رسول اللـه 15
والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين)) الجبين ما بين الصدغين والسجود يكون
بوسطه. وقال ابن قتيبة: الجبهة وسط الجارحة، والجبينان يكتفانها من كل جانب
جبين. وقول أبى سعيد هاهنا يخالف قوله: إن ليلة اثنين وعشرين هى التاسعة، وإنما
أخبر بذلك أبو سعيد ليعين ليلة القدر فى ليلة إحدى وعشرين لما خبر به النبى ! أنه
رأى أنه يسجد فى صبحها فى ماء وطين، فرأى هو فى صبيحة تلك الليلة أثر الماء
والطین علی جبينه من سجوده فیه.
وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنها ليلة سبع وعشرين. وروى عن عبدالله بن
عباس مثل ذلك، واستدل عليه بأن سورة القدر ثلاثون كلمة وأن ((هى)) منها هى
الكلمة السابعة والعشرون.
وروى عن أبى بن كعب أنها ليلة سبع وعشرين، واستدل على ذلك بعلامة أنبأه
رسول الله ﴿﴿ بها أن الشمس تطلع فى صبحها بيضاء لا شعاع لها.
وروى عن عبدالله بن مسعود أنها تكون فى جميع شهر رمضان. وروى عنه أنها
تكون فى جميع العام، ولعله حمل حض النبى ﴿ فى التماسها فى العشر الأواخر وفى
كل وتر منه على ذلك العام خاصة، والله أعلم.
٦٣٧ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ:
٦٣٧ - أخرجه البخارى فى كتاب الصلاة حديث رقم ١٨٧٨. ومسلم فى كتاب الصيام حديث
رقم ١٩٩٨. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٧٢٢. وأحمد فى المسند حديث رقم
٢٣١٥٧،٢٣١٠٠، ٢٤٥٠٩.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٤٧/٥: لم يختلف عن مالك - فيما علمت - فى إرسال هذا
الحديث، وقد رواه أنس بن عياض أبو ضمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهذا
المعنی یتصل أيضًا من حديث نافع، وعبدالله بن دينار، عن ابن عمر.

............ ١١٥
كتاب الصيام .
(تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)).
الشرح: قوله: ((ليلة القدر)) يحتمل أن تسمى بذلك لعظم قدرها، أى ذات القدر
العظيم، ويحتمل أن يسمى بذلك لأن البارى تعالى ينفذ فيها ما قدر من قوله تعالى:
﴿فيها يفرق كل أمر حكيم أمرًا من عندنا إنا كنا مرسلين﴾ [الدخان: ٤] ويحتمل غير
ذلك.
٦٣٨ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾
قَالَ: ((تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى السَّبْعِ الأَوَاخِرِ».
الشرح: قوله : ((تحروا ليلة القدر فى السبع الأواخر)) مع قوله 18: تحروها
فى العشر الأواخر أن يكون أولا علم أنها فى العشر الأواخر، فأخبر به ثم أعلم أنها
فى السبع الأواخر، فأخبر به بعد ذلك، ويحتمل ما قدمنا أولا أنه حض على العشر
الأواخر من له بعض القوة، وحض على السبع الأواخر من لم يقدر على قيام جميع
العشر، والله أعلم.
مسألة: والسبع الأواخر، روى عن ابن عباس أنها ليلة أربع وعشرين على التمام،
ويحتمل أنها ليلة ثلاث وعشرين على النقصان، ويدل على صحة هذا التأويل قول النبى
: ((التمسوها فى كل وتر)) والله أعلم.
٦٣٩ - مَالِك، عَنْ أَبِى النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَنْسٍ
٦٣٨ - أخرجه مسلم فى كتاب الصيام حديث رقم ١٩٨٩. وأبو داود فى كتاب الصلاة حديث
رقم ١١٧٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٧٠١، ٥٠٣١: ٥١٧٣، ٥٦٦٢. والبيهقى فى
الكبرى ٣١١/٤ عن ابن عمر، وذكره فى الكنز برقم ٢٤٠٤٣ وعزاه السيوطى لمالك ومسلم
وأبی داود، عن ابن عمر.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٤٩/٥: هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك: لم يختلفوا فيه. ورواه
شعبة، عن عبدالله بن دينار، عن عبدالله بن عمر، أن النبى 18 قال: «تحروها ليلة سبع
وعشروین».
٦٣٩ - أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة حديث رقم ١١٧٢. والبيهقى فى الكبرى ٣١٠/٤ عن
عبد الله بن أنيس الجهنى. والطبرانى فى الكبير ٣٢٤/٢ عن عبد الله بن جحش، عن أبيه
الجهنى. وعبد الرزاق فى المصنف برقم ٧٦٩١، ٢٥٠/٤ عن عبد الله بن أنيس الجهنى. والبغوى
بشرح السنة ٣٨٥/٦ عن عبد الله بن أنيس. وذكره فى الكنز برقم ٢٤٠٨٣ وعزاه السيوطى
إلی الطبرانی عن عبد الله بن أنيس.
=

كتاب الصيام
٠١١٦
الْجُهَنِىَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى رَجُلٌ شَاسِعُ الدَّارِ(١)، فَمُرْنِى لَيْلَةٌ
أَنْزِلُ لَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ ﴿: ((انْزِلْ لَيْلَةً ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ).
الشرح: قوله: ((إن عبدالله بن أنيس الجهنى)) قال الكلبى: هو ابن أنيس بن حرام،
وكان مهاجرًا أنصاريًا عقبيًا. قال غيره: يكنى بأبى يحيى، فسأل النبى ) عن ليلة
القدر ينزل بها إلى المدينة للصلاة فى مسجدها خلف النبى ﴿3﴾، يريد ليلة لها فضيلة
ترجی بركتها وإقرار النبى ﴿﴿ له على ذلك يدل على جواز قصد مثل هذا.
فصل: وقوله 18: ((انزل ليلة ثلاث وعشرين)) يحتمل أن يكون نص عليها على
معنى التحرى لها، وأنها عنده أقرب إلى أن تكون فيها ليلة القدر من سائر ليالى الوتر،
ويحتمل أن ينص عليها لفضيلة ثبتت لها عنده، ويقال إن هذه الليلة تسمى عند أهل
المدينة ليلة الجهنى لما كان سبًا لتعيينها، والله أعلم.
٦٤٠ - مَالِك، عَنْ حُمَيْدٍ الطّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِى رَمَضَانَ فَقَالَ: (إِنِّى أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِى رَمَضَانَ حَتَّى تَلاحَى(١)
-قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٥٠/٥: هذا حديث منقطع، ولم يلق أبو النضر عبدالله بن
أنيس، ولا رآه، ولكنه يتصل من وجوه شتى صحاح ثابتة. ورواه الضحاك بن عثمان، عن أبى
النضر، عن بسر بن سعيد، عن عبدالله بن أنيس، ولكن جاء بلفظ حديث أبى سعيد الخدرى،
وذلك عندی - منکر فی هذا الإسناد.
(١) ((شاسع الدار)) قال السيوطى: فى رواية أبى داود أنه كان بالبادية. تنوير الحوالك ٢٣٥.
٦٤٠ - أخرجه البخارى فى كتاب الإيمان حديث رقم ٤٧. وأحمد فى المسند حديث رقم
١٢٩٦٩. والدارمی فی کتاب الصوم حديث رقم ١٧١٥.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٥٣/٥ - ٢٥٤: هكذا روى مالك هذا الحديث لا خلاف عنه
فى إسناده ومتنه وفيه عن أنس ((خرج علينا رسول الله». وإنما الحديث لأنس عن عبادة بن
الصامت حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم ابن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا
أبو بكر بن أبى شيبة، قال: حدثنا عبدالوهاب، عن أنس، عن عبادة قال: ((خرج علينا رسول الله
وهو يريد أن يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان، فقال: إنى خرجت أن أخبركم بليلة القدر
فتلاحى فلان وفلان ولعل ذلك أن يكون خيرا فالتمسوها فى التاسعة والسابعة والخامسة)».
(١) تلاحى: بالمهملة أى وقعت بينهما ملاحاة وهى المخاصمة والمنازعة والمشائمة والاسم اللحاء
بالکسر والمد.

١١٧
...
کتاب الصيام
رَجُلانِ(٢) فَرُفِعَتْ(٢) فَالْتَمِسُوهَا فِى التّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ».
٦٤١ - مَالِك، أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رِجَالا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أُرُوا(١) لَيْلَةَ
الْقَدْرِ فِى الْمَنَامِ فِى السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ه: «إِنِى أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ
تَوَاطَأَتْ فِى السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّمَا فِى السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)).
(٢) قال الحافظ ابن حجر: قيل هما عبد الله بن أبى حدرد وكعب بن مالك ذكره ابن دية ولم
یذ کر له مستندًا. انظر: فتح البارى كتاب فضل ليلة القدر، ٢٦٨.
(٣) قال ابن عبد البر: فى حديث مالك ((فرفعت))، وليس فى هذا (فرفعت)). وهى لفظة محفوظة
عند الحفاظ فى حديث حميد هذا، والله أعلم، بمعنى ما أراد رسول الله 49 بقوله ذلك. والأظهر
من معانيه أنه رفع علم تلك الليلة عنه فأنسيها بعد أن كان علمها ولم ترفع رفعًا لا تعود بعده،
لأن فى حديث أبى ذر أنها فى كل رمضان، وأنها إلى يوم القيامة.
٦٤١ - أخرجه البخارى فى كتاب صلاة التراويح حديث رقم ١٨٧٦. ومسلم فى كتاب الصيام
حديث رقم ١٩٨٥، ١٩٨٦، ١٩٨٧، ١٩٨٩، ١٩٩١. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٢٧٠،
٤٣١٩، ٤٥٧٧، ٤٦٨٩، ٤٧٠١، ٤٧٨٩، ٥٠٣١، ٥١٧٣، ٥١٨٦، ٥٢٢٨، ٥٢٧٥،
٥٣٩٣، ٥٦٦٢، ٦١٨٥. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٨٣.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٦٥/٥: هكذا روى يحيى عن مالك هذا الحديث وتابعه قوم؛
ورواه القعنبى، والشافعى، وابن وهب، وابن القاسم، وابن بكير، وأكثر الرواة، عن مالك، عن
نافع، عن ابن عمر.
(١) قال الحافظ ابن حجر: أروا بضم أوله على البناء للمجهول أى قيل لهم فى المنام إنها فى
السبع الأواخر، والظاهر أن المراد به أواخر الشهر، وقيل المراد به السبع التى أولها ليلة الثانى
والعشرين وآخرها ليلة الثامن والعشرين، فعلى الأول لا تدخل ليلة إحدى وعشرين ولا ثلاث
وعشرين، وعلى الثانى تدخل الثانية فقط ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين، وقد رواه المصنف فى
التعبير من طريق الزهرى عن سالم عن أبيه أن ناسا أروا ليلة القدر فى السبع الأواخر، وأن ناسا
أروا ناسا أروا فى العشر الأواخر، فقال النبى : التمسوها فى السبع الأواخر، وكأنه ﴿ نظر
إلى المتفق عليه من الروايتين فأمر به، وقد رواه أحمد عن ابن عيينة عن الزهرى بلفظ: ((رأى رجل
أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال النبى 98: التمسوها فى العشر البواقى فى
الوتر منها)، ورواه أحمد من حديث على مرفوعًا ((إن غلبتم فلا تغلبوا فى السبع البواقى، ولمسلم
عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر بلفظ: ((من كان يلتمسها فليتمسها فى العشر الأواخر)، ولمسلم
من طريق عقبة بن حريث عن ابن عمر «التمسوها فى العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو
عجز فلا يغلبن على السبع البواقى»، وهذا السياق يرجح الاحتمال الأول من تفسير السبع،
انتهى. انظر: فتح البارى كتاب فضل ليلة القدر ٢٥٧.

١١٨
كتاب الصيام
٠٠
الشرح: قوله ﴿﴿: ((إنى أريت هذه الليلة فى رمضان)) أخبر بذلك عن اختصاصها
فى رمضان، أنه الذى رآها، وعينت له حتى تلاحی رجلان، يعنى تسابا، فرفعت،
يعنى رفع علم تعيينها فأمر بتحريها والتماسها فى التاسعة وغيرها.
وقد يذنب القوم الذنب، فتتعدى فى الدنيا عقوبته إلى غيرهم، فيجزى به من لا
سبب له فى ذلك الذنب. وأما الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى.
وقد روى أن نسيانها كان لغير ذلك، روى أبو هريرة أن رسول الله ## قال:
((أريت ليلة القدر ثم أيقظنى بعض أهلى فنسيتها، فالتمسوها فى التاسعة والسابعة
والخامسة))(٢) ويحتمل أن يكون سبب نسيانها تلاحى الرجلين، وإن كان قد أوقظ فقد
يذكر الرؤيا من يوقظ من نومه.
فصل: وقوله: ﴿: ((فالتمسوها فى التاسعة والسابعة والخامسة)) روى فى المدنية
ابن نافع وداود بن سعيد عن مالك أنه قال: التاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة
ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين، وأن ذلك على نقصان الشهر.
وروى عيسى عن ابن القاسم أنه قال: رجع مالك، وقال: مشرقى لا أعلمه.
وقد روى عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: إذا مضت واحدة وعشرون، فالتى تليها
اثنتان وعشرون، فهى التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون، فالتى تليها السابعة، فإذا
مضت خمس وعشرون، فالتى تليها الخامسة، وهذا على كمال العدد.
وقوله ﴿1: ((إلى أرى رؤياكم قد تواطأت فى السبع الأواخر)) ظاهره أن قول النبى
ـ﴾ إنما كان على غلبة الظن لرؤيا أصحابه، ولعله أن يكون هو ** قد رأى أيضًا ما
قوى ذلك أو بلغه اليقين، فأمره بتحريها فى السبع الأواخر.
مسألة: وقد اختلف الناس فى هذه الليلة، فذهب قوم إلى أنها تنقل فى الوتر فى
العشر الأواخر، فتكون فى عام فى ليلة إحدى وعشرين، وفى عام آخر فى ليلة ثلاث :
أو خمس أو سبع أو تسع، فعلى هذا الاختلاف بين الأحاديث. وذهب قوم وهم الأكثر
إلى أنها مختصة بليلة لا تنتقل عنها، والمعلوم من ذلك أنها فى السبع الأواخر، والقولان
المتقدمان إنما هما من جهة التأويل للأحاديث.
(*) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم ١١٦٦. أحمد فى المسند حديث رقم ٧٨٤٥.
الدارمى حديث رقم ١٧٨٢.

١١٩٠
....
كتاب الصيام .
٦٤٢ - مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ
أُرِىّ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لا
يَلَّغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِىِ بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِى طُولِ الْعُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ
مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
الشرح: قوله: ((أرى أعمار الناس قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته))، يحتمل أن يريد
أنه رأى أعمار سائر الأمم أطول، فخاف أن لا تبلغ أمته من العمل فى قصر أعمارها ما
بلغه غيرها من الأمم فى طول أعمارها، فتفضل الله تبارك وتعالى على هذه الأمة بليلة
القدر، وهى تقتضى اختصاص هذه الأمة بهذه الليلة.
وقوله: ((خير من ألف شهر)) يريد أن ثواب العمل فيها أكثر من ثواب العمل فى
ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، والله أعلم.
٦٤٣ - مَالِكِ أَنُّ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ
لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا.
الشرح: قوله: ((من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها)) يريد والله
أعلم، معنى الحديث المتقدم فى الصلاة أن من شهد العشاء فى جماعة فكأنما قام نصف
ليلة، فمن شهد العشاء فى ليلة القدر عدل له ذلك قيام نصفها، وهذا بفضل الله تعالى
حظ وافر منها، وخص بذلك صلاة العشاء دون صلاة الفجر على ما جاء فيها لأن
صلاة العشاء من الليلة وليست صلاة الصبح من الليلة على ما قدمنا، والله أعلم.
٦٤٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٦٨. وذكره القرطبى فى تفسيره ((الجامع لأحكام
القرآن) ٠١٣٣/٢٠
٦٤٣ - ذكره ابن عبد البر فی التمهيد ٢٦٢/٥.

.3
كتاب الزكاة
ما تجب فيه الزكاة
لفظ الترجمة يحتمل معنيين، أحدهما أن يبين مقدار ما تجب فيه الزكاة، والثانى أن
يبين جنس ما تجب فيه الزكاة وقد قصد به مالك، رحمه الله الأمرين جميعًا، فأدخل
حديث أبى سعيد الخدرى، فبين فيه نصاب الزكاة. ودخل قول عمر بن عبدالعزيز،
وفیہ جنس ما تجب فيه الزكاة.
والزكاة فى كلام العرب هى النماء فقول القائل: أخرج زكاة مالك، ذكر شيوخنا
فى ذلك وجها، وهو أن ما يخرج على هذا الوجه يطهر الله به الأموال وينميها، ويقال
ز کا مال فلان إذا کبر، وزکا الزرع إذا حسن و کبر ريعه، وفلان زکی إذا کان کثیر
الخير، فسميت بركته المال بمعنى أن إخراجه يؤول إلى نماء كما قال الله تعالى: ﴿إنى
أرانى أعصر خمرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وإنما كان يعصر عنّيًا إلا أنه سماه خمرًا بالمآل،
وعلى هذا سمى فعل الخير فلاحا، وسمى فاعله مفلحًا، وإن كان الفلاح إنما هو البقاء
بمعنى أن ذلك يؤدى إلى البقاء.
ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن إخراج هذا الحق إنما يجب فى الأموال المعرضة للنماء،
ولذلك لا يجب فى المقتنى لما لم يكن معرضًا للتنمية، ولذلك سقطت الزكاة فى العين
إذا منع صاحبه من تنميته بالغصب، فلما كان مختصًا بالأموال التى تنمى قيل له: واس
من نمائه، وأخرج زكاة مالك، بمعنى أنه يخرج من نمائه.
مسألة: ولما يخرج من المال على هذا الوجه أسماء منها الزكاة، ومنها الصدقة،
ومنها الحق، والنفقة والعفو، فالزكاة من قوله تعالى ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾
[البقرة: ٤٣] والصدقة من قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم
بها﴾ [التوبة: ١٠٣] والحق من قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:
١٤١] وفى كتاب ابن سحنون عن ابن نافع عن مالك أن الزكاة والنفقة من قوله

٠٠٠ ١٢١
....
كتاب الزكاة
تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب
أليم﴾ [التوبة: ٣٤] والعفو من قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ [الأعراف:
١٩٩] فهذه الألفاظ كلها واقعة على الزكاة من جهة اللغة على الحقيقة، وعلى غيرها
مما يشاركها فى الحقوق والإنفاق والبدل إلا أن عرف الاستعمال فى الشرع جرى
فيها بلفظ الصدقة، والزكاة، وإن كانت الصدقة تعم النافلة والفريضة، والزكاة تخص
فى عرف الاستعمال بالفرض خاصة.
مسألة: والزكاة لفظة عامة وقد ذكر بعض أصحابنا أنها الجملة، وقد تقدم الكلام
فيها فى باب الصلاة، وهى واجبة. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة
وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] وهذا أمر، والأمر يقتضى الوجوب.
ومن جهة السنة ما روى عنه ﴿! أنه قال: ((من كان له مال لم يؤد زكاته مثل له
يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتیه، يعنى بشدقیه،
ثم يقول له أنا كنزك، ثم تلا: ﴿ولا تحسبن الذين يبخلون﴾﴾(١). [آل عمران: ١٨٠]
ولا خلاف فی وجوبھا.
٦٤٤ - مَالِك، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْتَى الْمَازِنِىِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا
سَعِيدٍ الْخُدْرِئَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَلّ:(وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَّةٌ،
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ١٤٠٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٤٤٨.
٦٤٤ - أخرجه البخارى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٣١٧. ومسلم حديث رقم ١٦٢٨.
والترمذى فى كتاب الزكاة ٥٦٨. والنسائى فى كتاب الزكاة حديث رقم ٢٤٠٠، ٢٤٠١،
٢٤٢٦، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٥، ٢٤٣٦، ٢٤٣٧، ٢٤٣٨، ٢٤٣٩. وأبو داود فى
كتاب الزكاة حديث رقم ١٣٣٢، ١٣٣٣. وابن ماجه فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٧٨٣.
وأحمد فى المسند حديث رقم ١٠٨٢٣، ١١١٣٨، ١١٢٧٢، ١١٣٢٣، ١١٣٨٦، ٠١١٤٩٤
والدارمى فى كتاب الزكاة حديث رقم ١٥٧٧، ١٥٧٨. والبيهقى فى الكبرى ٥/٧ كتاب
الصدقات عن أبى سعيد الخدرى. وابن أبى شيبة ١٢٤/٣ عن أبى سعيد الخدرى كتاب الزكاة.
وابن خزيمة برقم ٢٢٦٣، ١٧/٤ كتاب الزكاة، باب الدليل على أن الصدقة لا تجب فيما دون
همس، عن أبى سعيد الخدرى.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣/٥: هذا حديث صحيح الإسناد عند جميع أهل الحديث. وأما
حديث مالك، عن محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبى صعصعة، عن أبيه، عن أبى سعيد
الخدرى، عن النبى ﴿ فى مثل هذا المتن فخطأً فى الإسناد، وإنما هذا الحديث محفوظ ليحيى بن
عمارة عن أبى سعيد الخدرى.