النص المفهرس
صفحات 1061-1080
كتاب الصيام . ٦٢ أخر، ومقدار المرض الذى يبيح ذلك لا يستطاع أن يقدر لنفسه، ولذلك قال مالك، رحمه الله: والله أعلم بقدر ذلك من العبد، ومن ذلك ما لا يبلغ صفته. وقد قال أشهب فى المجموعة: إن المريض الذى لو تكلف الصيام والصلاة لأتى بهما مشقة وتعب فلیفطر، ولیصل جالسًا، ودین الله يسر. قال ابن القاسم: والذى يصيبه الضربان من الخوى فى رمضان أنه مرض من الأمراض، فإذا بلغ به ما يجهده، فليفطر فهذا تقدير منهما، وليس بالبين، ولكنه تقدير بما تيقن أن يؤول إليه، وذلك أن يخاف منه ويغلب على الظن أن يزيد فى مرضه أو يجدد له مرضًا غير مرضه، أو يديم زمن مرضه، فإن هذا المقدار يبيح له الفطر، ومثل هذا المقدار يبيح له الصلاة جالسًا لمن خاف من القيام شيئًا مما ذكرناه، وهذا الذى قاله البغدادیون من أصحابنا، وحكاه الشيخ أبو محمد عن بعض أصحابنا، ولم يذكر دوام زمن مرضه، وهذا الذى قاله البغداديون فيما خف من الأمراض وأما المرض الشديد، فلا يراعى فيه ذلك وإنما يراعى مشقة ما يتكلف من ذلك، ولعله الذى أراد أشهب فجمع بين القولين والله أعلم، واستدل مالك رحمه الله، على جواز فطره لمشقة الصيام عليه بقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: فأرخص الله للمسافر فى الفطر فى السفر، وهو أقوى على الصيام من المريض الذى يتعبه الصيام، فجعل جواز الفطر للمسافر بيسير المشقة، دليلاً على جواز الفطر للمريض الذى يلحقه من مشقة الصيام أكثر من ذلك، وهذا من باب الاستدلال بالأولى لأنه إذا كان أصل علة الفطر فى السفر المشقة، وكان مشقة المريض أشد، فبأن يباح لنا الفطر معها أولى وهذا احتجاج على من أنكر الفطر للمريض إلا الخوف الهلال دون ما ذكرنا، وما أعلم أحدا قال به، ولكنه لعله خاف اعتراض معترض، به فتبرع بالحجة عليه. النذر فى الصيام والصيام عن الميت ٦١١ - مَالِكِ أَنّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ، هَلْ لَهُ أَنْ يَتْطَوَّعَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: لِيْدَأُ بِالّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ. ٦١١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٣٤. ٦٣ کتاب الصيام قَالَ مَالِك: وَبَلَغَنِى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ. الشرح: النذر هو ما ينذره الإنسان ويلزمه نفسه بالقول قبل الدخول والتطوع هو ما لا يلتزمه بالقول، وإنما يدخل فيه اختيارًا، فيلزمه بالدخول فيه إتمامه(١). وقوله: ((ليبدأ بالنذر قبل أن يتطوع))، كلام صحيح حسن لأن النذر قد لزمه ووجب عليه والتطوع لم يلزمه بعد ما لم يدخل فيه، فمن النظر أن يبدأ بما قد لزمه وتبرأ ذمته منه ثم يتطوع إن شاء. مسألة: فإن قدم التطوع صح صومه فى التطوع، وبقى النذر فى ذمته، وقد أساء النظر لنفسه وإنما قلنا يصح تطوعه قبل إذا نذره لأن الزمن لا يختص بصوم النذر بل يصح فيه التطوع وغيره، وهذا إذا كان النذر غير معين، فإن تعلق بزمن معين لم يجز له أن يصوم فيه غيره، فإن فعل أثم لأنه لم يف بنذره، وكان عليه قضاء نذره لأنه قد ترك صومه مع القدرة عليه، فإذا مضى زمن النذر ولم يصمه فيه، لما ذكرناه، تعلق قضاء صومه بذمته، وكان حكمه حكم النذر الذى لم يتعين بزمن معين. قَالَ مَالِكٍ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقْبَةٍ يُعْتِقُهَا أَوْ صِيَّامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَدْنَةٍ، فَأَوْصَى بِأَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِى تُثِّهِ، وَهُوَ مَبْدَأْ عَلَى مَا سِوَهُ مِنَ الْوَصَايَا إِلا مَا كَانَ مِثْلُهُ، وَذَلِكَ أَنْهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنَ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا كَهَيْئَةٍ مَا يَنْطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنْمَا يُحْعَلُ ذَلِكَ فِى تْلِهِ خَاصَّةً دُونَ رَأْسٍ مَالِهِ لأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِى رَأْسٍ مَالِهِ لأَخْرَ الْمُتَوَفِى مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الأمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَصَارَ الْمَالُ لِوَرََّتِهِ سَمَّى مِثْلَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الِّى لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِرًا لَهُ، أَخْرَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ خَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا، وَعَسَى أَنْ يُحِيطَ بِحَمِيعِ مَالِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ. (١) قال فى الاستذكار: هذا عند أهل العلم على الاختيار، وعلى استحسان البدار إلى ما وجب عليه قبل التطوع. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾. وقال: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾ وقال: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾. فهذا الذى ينبغى من جهة الاختيار، فإن تطوع قبل نذره ثم أتى بنذره فى وقته إن كان مؤقتًا وأتى به قبل موته إن لم يكن مؤقتًا فقد أجزأه، ولا شىء عليه. كتاب الصيام ٦٤ الشرح: أدخل مالك، رحمه الله، هذه المسألة فيمن مات وعليه نذر صوم، ولم يجب عليه لأنه اقتصر فى ذلك على جواب عبدالله بن عمر: لا يصوم أحد عن أحد، ولا یصلی أحد عن أحد، وقال: إن من أوصى أن يوفی من ماله عنده ما نذره، فإنه ما كان من الأموال، فهى فى ثلثه مبدأة على الوصايا، يريد التطوع، واحتج عليه بما أثبته فى آخر المسألة، فلا حاجة لنا إلى إعادته، وسنذكر ذلك كله مستقصى فى الوصايا، إن شاء الله تعالى. ٦١٢ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّى أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَيَقُولُ: لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلا يُصَلِّى أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. الشرح: قوله: ((لا يصوم أحد عن أحد))، يريد لا يجزى أن ينوب أحد عن أحد، فمن لزمه من ذلك شىء ففعله، فقد أدى ما عليه وأبرأ ذمته، وإن لم يفعله، فلا ينوب عنه غيره فى صيامه ولا تبرأ ذمته بذلك، وذلك أن العبادات على ثلاثة أضرب، ضرب منها من عبادات المال لا تعلق له بالبدن كالزكاة، فهذا يصح فيه النيابة. والضرب الثانى له تعلق بالمال، وله تعلق بالبدن كالحج والغزو. وقد اختلف أهل العلم فى صحة النيابة فيه، وسيأتى ذكره فى كتاب الحج إن شاء الله تعالى. والضرب الثالث له اختصاص بالبدن، ولا تعلق له بالمال کالصوم والصلاة، وهذا لا يدخله النيابة بوجه، وبه قال جمهور الفقهاء، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي. وقال بعض أصحاب الشافعی: یصوم عنه ولیه، وبه قال أهل الظاهر . . والدليل على صحة ما نقوله قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥] فوجه الدليل من الآية أنه مأمور بالصيام، فإذا اتصل مرضه حتى مات، فلا حرج عليه فيصومه عنه وليه، وإن كان فرط فى صومه فهو آثم مخالف للأمة، عاص ولا يخرج عن العصيان بصوم وليه عنه. والدليل على ذلك من جهة السنة ما روى عنه 98) أنه قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، وعلم ينتفع به من بعده، وولد صالح يدعو ٦١٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٣٥. عبد الرزاق فى المصنف ١٢٦/٣. الجصاص فى أحكام القرآن ١١٣/٣. ٠٠ ٦٥ کتاب الصيام له»(*). ودليلنا من جهة القياس أن هذه عبادة مختصة بالبدن، فلم يدخلها النيابة کالصلاة. ما جاء فى قضاء رمضان والكفارات ٦١٣ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَخِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَفْطَرَ ذَاتَ يَوْمٍ فِى رَمَضَانَ فِى يَوْمٍ ذِى غَيْمٍ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتِ الشَّمْسُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ طَلْعَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ عُمَرُ: الْخَطْبُ يَسِيرٌ وَقَدٍ اجْتَهَدْنَا. قَالَ يَحْثَى: قال مَالِك: يُرِيدُ بِقُوْلِهِ: الْخَطْبُ يَسِيرٌ، الْقَضَاءَ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَخِفَةَ مَؤُونَتِهِ وَيَسَارَتِهِ، يَقُولُ: نَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ(١). الشرح: قوله: «أفطر ذات يوم فى رمضان فی یوم غیم ورأى أنه قد أمسی وغابت الشمس))، يريد أنه قد اجتهد فى الوقت اجتهادًا، غلب على ظنه مغيب الشمس، (٣) أخرجه مسلم حديث رقم ١٦٣١. الترمذى حديث رقم ١٣٧٦. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٣٦٥١. أبو داود حديث رقم ٢٨٨٠. ابن ماجه حديث رقم ٢٤١. أحمد فى المسند حديث رقم ٨٦٢٧. ٦١٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٣٦. عبد الرزاق فى المصنف ١٧٨/٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٢١٧/٤. المجموع ٣٤٨/٦ (١) قال فى الاستذكار ١٧٤/١٠: ما تأوله مالك، رحمه الله، عمل عمر، رضوان الله عليه، فقد روى عن عمر من أهل الحجاز، وأهل العراق أيضًا. ذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: حدثنى زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أفطر الناس فى شهر رمضان فى يوم مغيم، ثم نظر ناظر، فإذا الشمس، فقال عمر: الخطب يسير، وقد اجتهدنا، نقضى يومًا مكانه. قال ابن جريج: فهذا الحديث عن زيد بن أسلم، عن أبيه، ولم يقل: عن أخيه. وروى الثورى، عن جبلة بن سحيم، عن على بن حنظلة، عن أبيه: أنه شهد عمر .. ، فذكر هذه القصة. وقال: يا هؤلاء، من كان أفطر فإن قضاء يوم يسير، ومن لم يكن أفطر فليتم صومه. وروى معمر، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: أفطر الناس فى زمان عمر، فرأيت عساسا أخرجت من بيت حفصة فشربوا فى رمضان، ثم طلعت الشمس من سحاب، فكأن ذلك شق على الناس، وقالوا: أنقضى هذا اليوم فقال عمر: ولم تقضى؟ والله ما تجانفنا الإثم. قال أبو عمر: فهذا خلاف عن عمر فى هذه المسألة، والرواية الأولى أولى بالصائم إن شاء الله. .. كتاب الصيام ٦٦ ..... وهذا الذى يلزم الصائم فى يوم الغيم أن يجتهد فيه، فما لم يغلب على ظنه أن الشمس قد غابت لم يجز له الفطر، فإن أفطر مع الشك، فعليه القضاء والكفارة لأنه قد دخل فى الصوم ولزمه الإمساك وحرم عليه الأكل إلا بالاجتهاد وتيقن مغيب الشمس، فإذا غلب على ظنه أن الشمس قد غابت حل له الفطر وهذا حكم الصلاة وسائر العبادات إذا خفيت علامات أوقاتها، قام الاجتهاد فى ذلك مقام المعرفة بدخول الوقت فى جواز الفعل. فصل: وقوله: ((فجاءه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين أطلعت الشمس))، محتمل أن الرجل قصد إليه بذلك ليعلم من عنده ما يجب على من أفطر بعد الاجتهاد، ومحتمل أنه أخبره بذلك ليمسك عن الأكل فى بقية يومه لأن ذلك واجب على من أفطر، وهو لا يعلم أن الزمن زمن صوم، ثم علم بعد ذلك أنه زمن صوم بخلاف من أبيح له الفطر من علمه بأن الزمن زمن صوم، فإنه يجوز الأكل بقية يومه. فصل: وقول عمر: ((الخطب يسير وقد اجتهدنا))، يحتمل أن يريد بذلك ما قال مالك بأن الخطب القضاء يسير فى ذلك إذ قد سقط عنهم الإثم بالاجتهاد، وقد روى عن عمر أنه أمر بالقضاء. ٦١٤ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: يَصُومُ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُتَابِعًا مَنْ أَفْطَرَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فِى سَفَرٍ. الشرح: قوله: ((كان يقول يصوم قضاء رمضان متتابعًا))، يحتمل أن يريد الإخبار عن الوجوب، ويحتمل أن يريد به الإخبار عن الاستحباب، وعلى الاستحباب جمهور الفقهاء، فإن فرقه أجزأه، وبذلك قال مالك وأبو حنيفة والشافعى. والدليل على صحة ما ذهبوا إليه قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] ولم يخص متفرقة من متتابعة، وإذا أتى بها متفرقة، فقد صام عدة أيام أخر، فوجب أن تجزئه. ٦١٥ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَّ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ اخْتَلَفَا فِى ٦١٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٣٧. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٦٠/٤. المجموع ٤٥٤/٦. المغنى ١٥١/٣. ٦١٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٣٨. ٦٧٠٠ ........... كتاب الصيام قَضَاء رَمَضَانَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يُفَرِّقُ بَيْنَهُ، وَقَالَ الآخَرُ: لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ، لا أَدْرِى أَّهُمَا قَالَ: يُفَرِّقُ بَيْنَهُ. الشرح: قوله: ((لا أدرى أيهما، قال: يفرق بينه ولا أيهما، قال: لا يفرق بينه))(١) على سبيل البيان والتأكيد لأنه إذا قال أنه لا يدرى أيهما قال يفرق بينه، فقد علم أنه لا يدرى أيهما قال القول الآخر، ويحتمل أن يكون من قال لا يفرق، قاله على سبيل الاستحباب ولم يرد به أنه لا يجزئ إلا متتابعًا. ٦١٦ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: مَنِ اسْتَقَاءَ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَىْءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ(١). الشرح: قوله: ((من استقاء)»، يريد من استدعى ذلك، وغلب نفسه عليه، فهو الذى (١) قال فى الاستذكار: لا أدرى عمن أخذ ابن شهاب ذلك. وقد صح عندنا عن ابن عباس وأبى هريرة: أنهما أجازا أن يفرق قضاء رمضان. ذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وأبى هريرة، قالا فى قضاء رمضان: فرقه إن شئت، حسبك إذا أحصيته. قال: وأخبرنا معمر، عن الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، قال: صم كيف شئت، قال الله، عز وجل: ﴿فعدة من أيام أخر﴾. قال: وأخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن هشام بن يحيى، عن أبى هريرة، قال: صم كيف شئت وأحص العدة. قال: وأخبرنا الثورى، عن رجل من قريش، عن أمه أنها سألت أبا هريرة عن قضاء رمضان؟ فقال: لا بأس أن تفرقيه إنما هی عدة من أيام أخر. وأما ابن عمر فلا أعلم عنه خلافًا أنه قال: صمه متتابعًا كما أفطرته. ذكره معمر، وابن حریج، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر. وعن الثورى، عن أبى إسحاق، عن الحارث، عن على، قال: صمه متتابعًا. وهو قول الحس، والشعبى. وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة، قال: نزلت: ﴿من أيام أخر﴾ [متتابعات]، ثم سقطت متتابعات. قال أبو عمر: قولها: سقطت، يحتمل نسخت ورفعت. وهو دليل على سقوط التتابع، وليس بشىء بين الدفتين ((متتابعات))؛ فصح سقوطها ورفعها. وعلى هذا جمهور العلماء، وهو قول طاوس، ومجاهد، وعطاء، وعبيد بن عمير، وجماعة. وبه قال الأوزاعى، والثورى، وأبو حنيفة، والشافعى، وأبو ثور، وأحمد وإسحاق، وكلهم مع ذلك يستحبونها متتابعات. ٦١٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٤٠. البيهقى فى السنن الكبرى ٢١٩/٤. (١) قال فى الاستذكار: قد روى هذا المعنى عن النبى ﴿ مسندًا من حديث أبى هريرة. رواه عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن يزيد، عن أبى هريرة، عن النبى ﴿ قال: ((من ذرعه القىء وهو صائم فليس عليه القضاء، ومن استقاء فعليه القضاء)). كتاب الصيام ٦٨ ..... يلزمه القضاء، هذا قول مالك. واختلف أصحابه فى وجوب ذلك، فقال أبو بكر الأبهرى: هو على الاستحباب. وقال أبو يعقوب الرازى: هو على الوجوب، وبه قال الشافعى وأبو حنيفة. والدليل على وجوب ذلك أن المتعمد للقىء والمستعمل له والمكره لنفسه عليه، لا يسلم فى الغالب من رجوع شىء إلى حلقه مما قد صار فيه، فيقع به فطره، فلما كان ذلك الغالب من حاله حمل سائره على غالبه كالنوم فى الحدث. فرع: فإذا قلنا بوجوب القضاء عليه، فهل تلزمه الكفارة؟ قال الشيخ أبو بكر عن ابن الماجشون: من استقاء عامدًا عابثًا، فعليه الكفارة. وقال القاضى أبو محمد: من قال من أصحابنا: إن القضاء على الوجوب، فإنه تلزمه الكفارة. وقال أبو الفرج: لو سئل عنه مالك لأوجب عليه الكفارة. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: هذا الذى قاله القاضى أبو محمد فيه نظر، ويبطل عندى من وجهين، أحدهما: أننا إنما نوجب عليه القضاء لأننا لا نتيقن سلامة صومه، فلابد له من القضاء لتبرأ ذمته من الصوم الذى لزمها ونحن لا نتيقن فساد صومه، فنوجب عليه الكفارة والكفارة لم تثبت فى ذمته قبل ذلك بأمر واجب، فيكون عليه، ولا يجب إلا بأمر متيقن. والثانى: أن الكفارة إنما تجب إذا كان الفطر نفسه باختيار الصائم، فأما إذا فعل فعلاً يؤدى إلى وقوع الفطر منه بغير اختيار، فإنه لا تجب به الكفارة، ألا ترى أنه لو أمسك الماء فى فمه فغلبه، فدخل حلقه، لم تجب عليه الكفارة، ووجب عليه القضاء، وكذلك من قطر فى أذنه دهنًا أو كحلاً، فوصل إلى حلقه، فإنه يجب عليه القضاء ولا تجب عليه الكفارة، وفطر المستقى إنما يقع بالراجع وهو لم يتعمد ارتجاعه، وهو الظاهر عندى من قول مالك وأصحابه، والله أعلم. فصل: وقوله: ((ومن ذرعه القىء، فليس عليه القضاء))، معناه الذى يغلبه القىء، ولا يعلم أنه رجع شىء من فيه إلى حلقه والغالب من حاله هذا أنه لا يرجع إلى حلقه شىء لأن ذرع القىء وغلبته له يندفع ويخرج ويمنع الرجوع بخلاف المعالجة والإكراه للنفس على القىء لأن الإكراه إنما هو إكراه على إخراج ما ليس بخارج بل من شأنه الرجوع ولو تيقن الذى ذرعه القىء رجوع شىء إلى حلقه بعد أن صار فى فمه، وجب القضاء. قال ابن حبيب: وما رجع من القىء إلى الجوف من اللهوات أو الحلق قبل أن ............ ٦٩ كتاب الصيام يستيقن وصوله إلى الفم فلا قضاء عليه والقلس بسبيل القىء فيما وصفنا. وفى المدنية من رواية داود بن سعيد عن مالك: من قلس فوصل القلس إلى فيه، فرده، لا قضاء علیه فی صوم رمضان. قال ابن القاسم: رجع مالك وقال: إن خرج إلى موضع لو شاء طرحه ثم رده، فعليه القضاء. قال الشيخ أبو القاسم إن ازدرده بعد أن ظهر على لسانه، فعليه القضاء، وإن ازدرده قبل ذلك فلا شىء علیه. ٦١٧ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُسْأَلُ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ لا يُغَرَّقَ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَأَنْ يُوَاتّرَ. قَالَ يَحْتِى: وَسَمِعْت مالكًا يَقُولُ فِيمَنْ فَرَّقَ قَضَاءَ رَمَضَانَ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَّةٌ، وَذَلِكَ مُجْزِئٍّ عَنْهُ، وَأَحَبُّ ذَلِكَ إِلَىَّ أَنْ يُتَابِعَهُ. قوله: ((أحب إلى أن لا يفرق))، على حسب ما تقدم من استحباب ذلك لأن الاستحباب تعجيله، وإذا عجل أول يوم استحب له تعجيل الثانى، وذلك يقتضى التواتر إلا أن هذا تواتر ليس بمقصود فى نفسه. ووجه ثان أن العلماء قد اختلفوا فى وجوب التتابع، فالأفضل أن يؤتى بالعبادة على وجه متيقن على إجزائه، فعلى هذه الطريقة يكون التتابع مقصودًا. وَسَمَعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِى رَمَضَانَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًّا، أَوْ مَا كَانَ مِنْ صِيَامٍ وَاحِبٍ عَلَيْهِ، أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ يَوْمٍ مَكَانَهُ. الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن الفطر فى الصوم الواجب على ثلاثة أضرب أحدها: أن يقصد إلى انتهاك حرمة الصوم، وهو العمد، والثانى: أن يفطر بعذر مرض أو سفر أو غلط أو إكراه أو نسيان، والثالث: أن يقصد الفطر لغير عذر ولكنه بتأويل يظن به أن الفطر له سائغ، فأما إذا أفطر مكرهًا، فإن عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة. وهل عليه الكفارة؟ لا يخلو أن يفطر بأكل أو شرب أو جماع، فإن كان بأكل أو شرب، فلا كفارة عليه، ولا خلاف فى ذلك وإن كان بجماع أكره عليه، فالذى عليه جمهور الفقهاء أنه لا كفارة عليه. وقال ابن الماجشون: عليه الكفارة. ٦١٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٣٩. . ٧٠ كتاب الصيام والدليل على ما نقوله أن هذا معنى يقع به الفطر، فلا تجب به الكفارة مع الإكراه کالأ کل. مسألة: فأما إذا أفطر بنسيان، فإنه يفسد صومه ويكون عليه قضاؤه، وقال أبو حنيفة والشافعى: من أكل ناسيًا فى فرض أو غيره، فلا يفطر بذلك ولا قضاء عليه. والدليل على صحة ما نقوله أن ما يفسد الصوم بعدمه على وجه العمد، فإنه يفسد بعدمه على وجه النسيان كالنية، وهذا إذا كان بأكل، فإذا كان يجماع، فالذى عليه جمهور أصحابنا أنه لا كفارة عليه. وقال ابن الماجشون وابن نافع عن مالك: عليه الكفارة، والكلام فيه كالكلام فى الإكراه. مسألة: وأما إذا أفطر بتأويل، فإنه على ضربين، أحدهما: أن يكون تأول بمعنى موجود مثل أن يدخل معتكفًا قبل الفجر، فيظن أن من لم يدخل قبل غروب الشمس، فلا صوم له أو تطهير للصيام قبل طلوع الفجر، فيظن أنه لا يصح صومها حتى تطهر قبل غروب الشمس أو يخرج المقيم إلى مسافة قريبة، فيعتقد جواز الفطر، فهذا لا كفارة عليه لأنه لم يقصد هتك حرمة الصوم، ووقع التأويل منه بمعنى موجود، وإن تعلق التأويل بمعنى لم يوجد بعد، وإنما يتوقع وجوده مثل أن تقول المرأة: إنى أحيض اليوم، فتفطر قبل وجود الحيض أو يقول المحموم: اليوم يوم حمای، فيفطر قبل بدء النوبة، فهذا عليه الكفارة، سواء وجد الحيض بعد ذلك أم لم يوجد. ٦١٨ - مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسِ الْمَكِىِّ أَنَّهُ أَخْبُرَهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ فَسَأَلَهُ عَنْ صِيَامٍ أَيَّامِ الْكَفَّارَةِ أَمُتَتَابِعَاتٍ أَمْ يَقْطَعُهَا، قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ يَقْطَعُهَا إِنْ شَاءَ. قَالَ مُحَاهِدٌ: لا يَقْطَعُهَا، فَإِنَّهَا فِى ◌ِرَاءَةِ أَبِىِّ بْنِ كَعْبٍ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ مُتَابِعَاتٍ. قَالَ مَالِك: وَأَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ يَكُونَ مَا سَمَّى اللَّهُ فِى الْقُرْآنِ يُصَامُ مُتَتَابِعًا. الشرح: قوله: ((كنت مع مجاهد وهو يطوف بالبيت، فجاءه إنسان، فسأله))، يقتضى أن الكلام عندهم فى الطواف مباح، وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. وقوله: ((فسأله عن صيام أيام الكفارة))، يريد كفارة اليمين بالله، إن لم يقدر على عتق ولا كسوة ولا إطعام، فسأله الإنسان هل من شرطها المتابعة أم لا؟ فقال حميد: له ٦١٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٤١. ............. ٧١ كتاب الصيام . أن يفرقها؛ لما كان يعتقد فيها من جواز التفريق، فأنكره مجاهد عليه لما أدّاه اجتهاده إليه من أن المتابعة فيها واجبة، فلم يسعه السكوت إذ كان هو المسئول والمقلد، فلو سكت لظن السائل أن ذلك قوله فيأخذ به ويقلده فيه، وهو لا يراه والسائل لم ير تقليد حميد، إما لأنه لم يعرفه أو لأنه لم يكن عنده من أهل الاجتهاد، ثم احتج مجاهد على قوله بأن فى قراءة أبى: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وقد قال أبو هريرة وابن عباس: إن كل صوم مذكور فى القرآن، فالأفضل فيه أن يكون متتابعًا، إلا أنه ما لم يشترط فيه التتابع، فإنه يجزئ عندهما تفريقه، وبه قال مالك. وكذلك فى كفارة الأيمان والثلاثة الأيام فى الحج والسبعة بعد الرجوع، وإنما كان الأفضل فيه التتابع لأنه على صفة ما هو قضاء بعينه، ولأن الأفضل تقديم الصوم لتبرأ الذمة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فعدّة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] وهذا مطلق، وأما ما تعلق به مجاهد من قراءة أبى، فإنها عند قوم تجرى مجرى أخبار الآحاد. والذى ذهب إليه القاضى أبو بكر، وهو الصحيح أنه لا يصح التعلق إلا بما يثبت على وجه التواتر؛ لأنه إذا لم يكن متواترًا لم يكن قرآنًا، وإذا لم يصح كونه قرآنًا لم يصح التعلق به. وسُئِلَ مَالِك عَنِ الْمَرََّةِ تُصْبِحُ صَائِمَةً فِى رَمَضَانَ، فَتَدْفَعُ دَفْعَةً مِنْ دَمٍ عَبِطٍ(١) فِى غَيْرِ أَوَانِ حَيْضِهَا ثُمَّ تَنْتَظِرُ حَتَّى تُمْسِىّ أَنْ تَرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَلا تَرَى شَيْئًا ثُمَّ تُصْبِحُ يَوْمًا آخَرَ فَتَدْفَعُ دَفْعَةٌ أُخْرَى، وَهِىَ دُونَ الأولَى ثُمَّيَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهَا قَبْلَ حَيْضَتِهَا بِأَيَّامٍ فَسُئِلَ مَالِك كَيْفَ تَصْنَعُ فِى صِيَامِهَا وَصَلاتِهَا. قَالَ مَالِك: ذَلِكَ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ، فَإِذَا رَأَتْهُ فَلْنَفْطِرْ، وَلْتَقْضِ مَا أَفْطَرَتْ، فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا الدَّمُ فَلْتَغْتَسِلْ وَتَصُومُ. الشرح: وهذا كما قال أن المرأة إذا رأت الدم فى وقت يصح أن يكون حيضها، لأنه تخلل بينه وبين الحيض الذى كان قبله من زمن الطهر ما يكون طهرًا كاملاً فإنه يكون حيضًا، سواء كان فى وقت حيضتها المعتاد وفى غيره، فإذا رأته المرأة ولو دفعة فى اليوم أفطرت لما قدمناه فى كتاب الحيض من أن الدم إذا رؤى فى زمن الحيض، فهو حيض، كثيرًا كان أو قليلاً، وأن الحيض يمنع صحة الصوم. (١) عبيط: طرىّ خالص لا خلط فيه. كتاب الصيام ..... ٧٢ ٠٠ فصل: وقوله: ((وتقضى ما أفطرت))، يريد من الأيام بسبب الحيض؛ لأن الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة. وقوله: ((فإذا ذهب عنها الدم فلتغتسل وتصوم))، أما غسلها، فإن الحائض يلزمها الغسل عند انقطاع الدم لتطهر به من حدث حيضها، وإن رأت الطهر فى آخر يوم رأت الدم فى أوله. وأما صومها فيعود إلى ما كانت عليه من الصوم فى اليوم الثانى لأن اليوم الذى رأت الدم فى أوله لا يصح أن تصوم شيئًا منه، وإنما تصوم ما بعده، إن كانت طاهرًا. وسُئِلَ عَمَّنْ أَسْلَمَ فِى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ كُلِّهِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِى أَسْلَمَ فِيهِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى، وَإِنَّمَا يَسْتَأْيِفُ الصِّيَّامَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَأَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ يَقْضِىَ الْيَوْمَ الَّذِى أَسْلَمَ فِيهِ. الشرح: وهذا كما قال أن من أسلم فى رمضان، وقد مضى بعض الشهر أنه لا يلزمه قضاء الماضى منه خلافًا للحسن وعطاء، والأصل فى ذلك أن الأداء قد فات لمضى زمنه، والقضاء لا يجب إلا بأمر ثان، ولا فرق بين ما مضى من هذا الشهر وبين سائر الشهور المتقدمة من السنين الماضية فى أن وقت الأداء قد فات فيها، فإذا لم يجب قضاء ما مضى من الأعوام، فكذلك ما مضى من شهر هذا العام. فصل: وقوله: ((وإنما يستأنف الصيام، فيما يستقبل))، يريد من ذلك الشهر وغيره، لأنه مخاطب بالصوم على وجه الانحتام بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] وهذا قد شهد هذه الأيام من الشهر، وهو من المؤمنين، فوجب عليه أن يصومها كالذى يكون مقيمًا فى بعض الشهر ومسافرًا فى أوله، فإنه يلزمه صيام ما كان منه مقيمًا فيه. فصل: وقوله: ((وأحب إلىّ أن يقضى اليوم الذى أسلم فيه))، وذلك أنه لا يجب عليه صيامه، لأن وقت صيامه قد فات بفوات وقت الدخول فيه بعد إسلامه، وأما وجوبه قبل إسلامه، فقد اختلف فيه العلماء فمن قال بوجوبه عليه حال كفره، قال: إن الإسلام يسقطه عنه لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. مسألة: إذا ثبت ذلك؛ فإنه يستحب له قضاؤه لما أدرك بعض زمن صومه وهو بصفة ٧٣٠ ... كتاب الصيام . من يصح منه صومه وهو كونه مسلمًا، وهل يلزمه الإمساك فى ذلك اليوم من وقت إسلامه إلى آخره من قال من أصحابنا: إن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام، وهو مقتضى قول مالك وأكثر أصحابه، أوجب عليه الإمساك بقية يومه، ورواه فى المدنية ابن نافع عن مالك، وقاله الشيخ أبو القاسم، ومن قال من أصحابنا: ليسوا مخاطبين بشرائع الإسلام، قال: لا يلزمه الإمساك فى بقية يومه، وهو مقتضى قول أشهب وعبدالملك بن الماجشون، وقاله ابن القاسم، والله أعلم وأحكم. * * * قضاء التطوع ٦١٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْحَىِ النّبِىِّ ﴿ أَصْبَحْنًا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنٍ، فَأَهْدِىَّ لَهُمَا طَعَامٌ، فَأَقْطَرَتَا عَلَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَتْ حَفْصَةُ، وَبَدَرَثْنِى بِالْكَلامِ، وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنِّى أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، فَأُهْدِى إِلَيْنَا طَعَامٌ، فَأَقْطَرْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ). الشرح: قوله: ((أصحبتا صائمتين متطوعتين))، يحتمل أن يكون هذا فى يوم لم يكن ٦١٩ - أخرجه الترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٦٦٧. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢١٠١. وأحمد ٢٦٣/٦ عن عائشة. والبيهقى فى الكبرى ٢٨٠/٤ عن عائشة. وذكره الهيثمى فى المجمع ٢٠٢/٣ وعزاه للطبرانى فى الأوسط عن أبى هريرة. والبغوى بشرح السنة ٣٧٢/٦ عن عائشة. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٩٨/٥: هكذا هذا الحديث فى الموطأ عند جميع رواته، فيما علمت. وقد روى عن عبدالعزيز بن يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة مسندًا، ولا يصح ذلك عن مالك، والله أعلم. ووصله ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وقال: وقد روى عن مطرف، وروح بن عبادة - كذلك مسندا، عن عروة، عن عائشة. وكذلك رواه القدامى، ولا يصح عنه، عن مالك، إلا ما فى الموطأ. وهو حديث اختلف فيه على ابن شهاب: فرواه مالك كما ترى، ورواه جعفر بن برقان، وسفيان بن حصين، وصالح بن أبى الأخضر، وإسماعيل بن إبراهيم بن أبى حبيبة، وصالح بن كيسان، ويحيى بن سعيد، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة، قالت: ((كنت أنا وحفصة صائمتين)) - الحديث مثله سواء بمعناه - مسندا. انتھی باختصار. کتاب الصيام ... ٧٤ ... عندهما فيه رسول الله ﴿5، ويحتمل أن يكون ذلك بإذنه وذلك أن المرأة إذا علمت أن زوجها لا حاجة له بها فى الغالب نهارًا، جاز لها أن تصوم دون إذنه، فإن علمت أنه يحتاج إليها لم تصم إلا بإذنه، وكذلك السرية وأم الولد لأن الاستمتاع حق من حقوق الزوج والسيد، فليس لها المنع منه بالنوافل. فصل: ومما يعلم به أن لا حاجة لهما بذلك يكون، غائبًا أو مسنًا، لا ينبسط فهذا لا حق له فى الإذن، وكذلك خادم الخدمة، بخلاف السرية وأم الولد، فلا يحتاج إلى إذنه فى صومهما من جهة الاستمتاع بهما، إلا أن يضعف عن الخدمة بالصوم، فيكون كالعبد لا يأتى من الصوم ما يضعف به عن الخدمة إلا بإذن السيد لأن الخدمة أيضًا من حقوق السيد، فليس للعبد أن يبعد حقه منها، وهذا كله قول مالك. قال الشيخ أبو إسحاق: وقد اختلف فى صيام العبد بغير إذن سيده، وإن كان لا يضر به، فقيل: لا بأس به، وقيل: لا يجوز، وبهذا أقول. فرع: وهذا فى صوم التطوع، وفيما تدخله الزوجة على نفسها، فأما قضاء رمضان، فلا إذن لأحد فيه على زوجة ولا عبد، وإن أضعفه، قاله مالك فى المجموعة. وو جه ذلك انه صوم لزمه بالشرع کصوم شهر رمضان. فرع: ومن صام منهم بإذن أو بغير إذن لم يجز لهم الفطر حتى يتم صومه، لأنه صوم قد لزمه بالدخول فيه وهل للزوج أو للسيد جبرهن على الفطر مع الإذن، والمعرفة بالحاجة بعد التلبس بالصوم. فصل: وقوله: ((فأهدى لهما طعام فأفطرتا عليه))، يحتمل أن يكون للضرورة والحاجة إليه أو النسيان لصومهما، ويحتمل أن يكون لاعتقاد جواز ذلك ثم شکتا فیه. وقد اختلف الفقهاء فى جواز فطر التطوع لغير ضرورة، فقال مالك: لا يجوز ذلك، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعى: يفطر كما شاء. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] وهذا قد عقد الصوم، فوجب أن يفى به. والدليل على ذلك من جهة السنة قوله للأعرابى الذى سأله عما يجب عليه من الصوم فقال له: ((شهر رمضان، فقال: هل علىَّ غيره؟ قال: لأن أن تطوع(٥). وهذا يدل على أن عليه أن يطوع به. ودليلنا من جهة القياس أن هذا صوم، فلم يجز فيه الفطر لغير ضرورة بعد التلبس به كقضاء رمضان. (*) أخرجه البخارى حديث رقم ٤٦، ٢٦٧٨. مسلم حديث رقم ١١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٥٨. أبو داود حديث رقم ٣٩١. أحمد فى المسند حديث رقم ١٣٩٣. ........ ٧٥ كتاب الصيام . فصل: وقوله: ((فدخل عليهما رسول الله ﴿﴿)) يحتمل أن يكون دخوله عليهما بأن كان اليوم لغيرهما لأنهما كانتا فى بيت التى كان يومها، ويحتمل أن يكون ذلك بإذنها، ويحتمل بأن يكون اليوم لواحدة منهما فصامت بإذنه على ما قدمنا ذكره. فصل: وقول عائشة: ((فقالت حفصة، وبدرتنى بالكلام وكانت ابنة أبيها))، تريد أنها كانت جريئة على الكلام وجلدة فى سؤال النبى ﴿®، وفيها مبادرة إلى الكلام وإرادة أن تتولاه. وقول حفصة: ((إنى أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين))، إن كان بإذنه، فيحتمل أن يكون أذن لهما فى الصوم ولم يعلمهما، هو تطوع أو غيره، فأعلمته عند سؤالها، بأنه تطوع، لئلا يكون حكمه حكم غيره من الصيام، ويحتمل أن يكون علم بأن صومهما تطوع، فأرادتا إذكاره. وقولهما: ((فإنه أهدى لنا طعام، فأفطرنا عليه))، يحتمل أن يكون ﴿4 علم من ضرورتهما وحالهما ما أغناهما عن أن تخبراه أن فطرهما وقع لضرورة، وعلمتا علمه بذلك وتفهمه به، فلم تذكره فى سؤالها، وهذا أظهر لأن نسيانهما الصوم لا يعرفه النبى ﴿﴿، وكذلك اعتقادهما أن نفل الصوم لا يلزم إتمامه وأحكام النسيان والعمد يختلف فى الصوم وغيره، وفى هذا الصوم نفسه يختلف لأن النسيان لا يتصور فيه الكراهية والعمد مكروه أو محرم، وعائشة وحفصة من أفقه الصحابة، وممن لا يخفى عليهما الفرق بين العمد والنسيان، فالظاهر أنهما لم يتركا ذكر علة الفطر فى سؤالهما، إلا لأنه كان من الأمور التى لا تخفى على النبى ﴿ من حالهما، وهى الضرورة إلى الطعام. فإن قيل: لا يصح هذا على أصلكم لأنه قال فيه: ((اقضيا يومًا مكانه))، والمضطر إلى الفطر فى النفل، لا قضاء عليه عند كم. فالجواب أنه يحتمل أن يأمرهما بذلك على الاستحباب، ويحتمل أن يكون أمرهما على الوجوب، ولم يكن فطرهما لضرورة، وإنما كان للحاجة إلى الطعام مع اعتقادهما أن ذلك يبيح الفطر ويمنع القضاء، فلما أمرهما بالقضاء تضمن ذلك المنع من الفطر لمثل هذا العذر، والله أعلم وأحكم. فصل: وقولها: ((فقال رسول الله ﴿1: اقضيا مكانه يومًا آخر))، ظاهره الوجوب ويحتمل الندب بدليل، وقد اختلف الناس فى قضاء التطوع، فقال مالك، رحمه الله: من كتاب الصيام ٧٦ ٠ أفطر فى صوم نفل مختارًا، فعليه القضاء، وإن أفطر لضرورة، فلا قضاء عليه. وقال الشافعى: لا قضاء عليه فى الوجهين. وقال أبو حنيفة: القضاء عليه فى الوجهين إلا الناسى، فلا قضاء عليه، فدليلنا على وجوب القضاء فى العمر أن هذه عبادة مقصودة فى نفسها، فكان القضاء على من أفسد نفلها من غير ضرورة كالحج. سَمِعْت مالكًا يَقُولُ: مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًّا فِى صِيَامٍ تَطَوُّعٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَلْيُتِمَّ يَوْمَهُ الْذِى أَكَلَ فِيهِ أَوْ شَرِبَ، وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، وَلا يُفْطِرْهُ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ يَقْطَعُ صِيَامَهُ، وَهُوَ مُتَطَوِّعْ قَضَاءٌ إِذَا كَانَ إِنَّمَا أَفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِلْغِطْرِ، وَلا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءَ صَلاةِ نَافِلَةٍ إِذَا هُوَ قَطَعَهَا مِنْ حَدَثٍ لا يَسْتَطِيعُ حَبْسَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْوُضُوءِ. الشرح: وهذا كما قال أن من تلبس بصوم تطوع، فأفطر فيه بعذر من الأعذار من السهو والإكراه والمرض وغير ذلك، فإنه لا قضاء عليه. والدليل على ذلك أن هذا عذر يسقط الإثم فى فطره، فوجب أن يسقط عنه القضاء فى التطوع كالنسيان. مسألة: إذا ثبت ذلك، فالأعذار التى تسقط القضاء: النسيان والمرض والإكراه وشدة الجوع والعطش والحر الذى يخاف منه تجدد مرض أو زيادته أو طول مدته. فأما السفر، ففيه روايتان، إحداهما: أنه عذر يسقط القضاء، وهى رواية ابن حبيب والأخرى أنه ليس بعذر ومن أفطر فيه لزمه القضاء، وهى رواية ابن القاسم وابن عبدالحکم. وجه الرواية الأولى أن كل معنى يسقط الكفارة فى رمضان، فإنه يسقط القضاء فى التطوع كالمرض والنسيان. ووجه الرواية الثانية أنه أفطر مختارًا بعد التلبس بالصوم مع إمكان إتمامه، فوجب عليه القضاء كالمقيم فإذا ابتدأ صوم التطوع فى السفر، ثم أفطر لعذر السفر ففيهما أيضًا روايتان. وقال ابن حبيب: عليه القضاء، ويتوجه على ما ذكرناه، والله أعلم وأحكم. قَالَ مَالِك: وَلا يَنْبَغِى أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِى شَىْءٍ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الّتِى يَتْطَوَُّ بِهَا النّاسُ، فَيَقْطَعَهُ ٠٠ ٧٧ كتاب الصيام حَتّى يُتِمَّهُ عَلَى سُّنْتِهِ، إِذَا كَّرَ لَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا صَامَ لَمْ يُفْطِرْ حَتّى يُتِمَّ صَوْمَ يَوْمِهِ، وَإِذَا أَهَلَّ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُثِمَّ حَجَّهُ، وَإِذَا دَخَلَ فِى الطّوَافِ لَمْ يَقْطَعْهُ حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ، وَلا يَنْبَغِى أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ هَذَا إِذَا دَخَلَ فِيهِ خَتَّى يَقْضِيَهُ إِلا مِنْ أَمْرٍ يَعْرِضُ لَهُ مِمَّا يَعْرِضُ لِلنَّاسِ مِنَ الأَسْقَامِ الّتِى يُعْذَرُونَ بِهَا، وَالأَمُورِ الَّتِى يُعْذَرُونَ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّاللَّهَ تَّبَارَكَ وَتَعَلَى يَقُولُ فِىَ كِتَابِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَّبُوا حَتَّى يَّنَ لَكُمُّ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧] فَعَلَيْهِ إِنْمَامُ الصِّيَامِ كَمَا قَالَ اللَّهُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَيِّمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَلَوْ أَنَّ رَجُلا أَهَلَّ بِالْحَجِّ تَطَوُّعًا وَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ دََلَ فِيهِ وَيَرْجِعَ حَلالا مِنَ الطّرِيقِ وَكُلُّ أَحَدٍ دَخَلَ فِى نَافِلَةٍ فَعَلَيْهِ إِثْمَامُهَا إِذَا دَخَلَ فِيهَا كَمَا يُتِمُّ الْفَرِيضَةَ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. الشرح: وهذا كما قال أن أعمال الطاعات التى تقصد لنفسها ولا تتبعض كالصلاة والحج والصيام والطواف لا ينبغى لمن دخل فيها، وتلبس بعملها أن يقطعها حتى يتم منها أقل ما يكون من جنس تلك العبادة كاملة، وقد بينا وجوب ذلك فالتلبس بالحج هو الإهلال به والتلبس بالصوم هو الدخول فيه عند طلوع الفجر بنية مستصحبة قبله، إما ذكرًا وإما حكمًا والتلبس بالصلاة هو الإحرام بها، والتلبس بالطواف هو التكبير له عند الحجر الأسود، والشروع فى المشى فيه لمن لم يكبر، وأقل ما يكون من الصيام عبادة يوم واحد، وأقل ما يكون من الحج عبادة حجة كاملة، وكذلك العمرة، وأقل ما يكون من الطواف عبادة سبعة أشواط مع ما يتبعه، وهما الركعتان بعده، وأقل ما يكون من الصلاة عبادة ركعتان، فهذا المقدار الذى يلزم من هذه العبادات بالتلبس بها، ويلحق بذلك الاعتكاف، وأقل ما يلزم منه يوم وليلة، وسيأتى ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى، فمن تلبس بشىء من هذه العبادات لزمه أن يتم منها ما ذكرناه لأن الله تعالى قال فى الصوم: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وكذلك سائر العبادات التى ذكرنا إلا أن يعرض مانع يبيح الخروج من الصيام والصلاة والحج والعمرة من الأعذار المعروفة، فيسقط وجوب التمادى ويعين وجوب القضاء وقد بينا الأعذار التى تبيح ذلك فى الصوم، وسيأتى كتاب الصيام ٠٠ ٧٨ الأعذار التى تبيح ذلك فى الحج والعمرة عند ذكرهما إن شاء الله تعالى. فدية من أفطر فى رمضان من علة ٦٢٠ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَبِرَ حَتَّى كَانَ لا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ فَكَانَ يَفْتَدِى(١). الشرح: قوله: ((أن أنس بن مالك كبر حتى كان لا يقدر على الصيام، فكان يفتدى)»، يريد أنه بلغ من الضعف للكبر أن عجز عن الصيام، والعجز عن الصيام على ضربين، أحدهما: موجود سببه فى الجسد وهو المرض والعطش والحر والجوع، فهذه متى وجدت ومنعت تمام الصيام، سقطت الفدية لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] والأصل براءة الذمة مما عدا ذلك من الكفارة وغيرها لا يثبت إلا بدلیل. مسألة: ويبيح الفطر ما قدمنا ذكره من المشقة وخوف زيادة المرض أو تجدده أو طول مدته، ويبيحه مع ذلك الحاجة إلى التداوى إذا لم يكن إلا بالفطر، وخيف من تأخيره المرض أو تجدده أو طول أمره أو المشقة الشديدة، وقد أرخص مالك، رحمه الله، لصاحب الحفر الشديد أن يفطر ويتداوى. وجه ذلك أن التداوى هاهنا يقوم مقام الغذاء فى حفظ الصحة، فإذا خيف من تأخره شىء مما ذكرنا أبيح الفطر كالأكل. فصل: والضرب الثانى أن يكون الجسد سالمًا من سبب العجز، إلا أنه بحال من شرع فى الصوم طرأ عليه المانع من تمام الصوم، وقد عرف ذلك من حاله واعتماده وكان الغالب من أمره لا يشك فيه كالشيخ الكبير والحامل، فهؤلاء ليس بهم مانع ولا مرض ولا عطش ولا جوع ولا حر إلا أن ذلك يطرأ عليهم عند الصوم، فمن شرع فى الصوم، فغلبه عطش أو جوع أو ضعف عن الصوم، فأفطر فلا إطعام عليه عن ذلك ٦٢٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٤٣. (١) قال فى الاستذكار: الخبر بذلك عن أنس صحيح متصل رواه حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ومعمر بن راشد، عن ثابت البنانى، قال: كبر أنس بن مالك حتى كان لا يطيق الصوم قبل موته بعام أو عامين، فكان يفطر. ............. ٧٩ كتاب الصيام اليوم، ومن أفطر ابتداء لعلمه أن المشقة تلحقه إن شرع فى الصوم، فأما الشيخ الكبير فيستحب له الإطعام ولا يجب عليه ذلك، وبه قال سحنون. وقال أبو حنيفة والشافعى: يجب عليه الإطعام. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذا مفطر بعذر موجود به، فلم يلزمه إطعام كالمسافر والمريض. فصل: قوله فى أنس: ((إنه كان يفتدى)) يحتمل أنه كان يفعل ذلك على وجه الاستحباب. قَالَ مَالِك: وَلا أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا وَأَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَيْهِ، فَمَنْ فَدَى فَإِنَّمَا يُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُّدًّا بِمُدِّالّبِّ ◌ِ﴿َ(٢). الشرح: وهذا كما قال أن الإطعام ليس بواجب على من عجز عن الصيام لكبر وهرم، وإنما يستحب له ذلك لأنه لا عودة له إلى قضائه يخلاف المريض الذى يرجو القضاء. وقوله: ((فمن فدى فإنه يطعم مكان كل يوم مدّا يمد النبى ))، يريد أن من أراد أن يأتى بذلك من المستحب، فإن الفدية فى ذلك مد مد النبى ﴿ عن كل يوم أفطره، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: كفارة كل يوم صاع من تمر أو نصف صاع بر. والدليل على ما نقوله أن هذه كفارة، فلم تتقدر بصاع أو فلم يتقدر جميعها بنصف صاع. أصل ذلك كفارة الأيمان ولأن ما قلنا هو قول عبدالله بن عباس وعبدالله ابن عمر ولا مخالف لهما. ٦٢١ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الْمَرَأَةِ الْحَامِلِ إِذَا حَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا الصِّيَامُ، قَالَ: تُفْطِرُ وَتُطْعِمُ مَكَانَ كُلٌ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدَّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النّبِىّ (٢) قال فى الاستذكار ٢١٣/١٠: اختلف عن أنس فى صفة إطعامه: فروى عنه مد لكل مسکین، وروى عنه نصف صاع، وروى عنه أنه كان يجمعهم فيطعمهم فربما جمع ثلاثمائة مسكين فأطعمهم وجبة واحدة. وربما أطعم ثلاثين مسكينًا كل ليلة من رمضان يتطوع بذلك، وكان يصنع لهم الجفان من الخبز واللحم. ٦٢١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٤٤. عبد الرزاق فى المصنف ٢١٨/٤. المغنى ١٤٠/٣. الشافعى فى الأم ٢٥١/٧. المجموع ٢٩٥/٦. کتاب الصيام ٨٠ قَالَ مَالِك: وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا الْقَضَاءَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ كَانُ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤] وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَرْضًا مِنَ الأَمْرَاضِ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا. الشرح: قوله فى الحامل: ((إذا خافت على ولدها من شدة الصيام، تفطر وتطعم)) لا خلاف فى إباحة الفطر لها، ويحتمل أن يكون عبدالله أمر الحامل بالإطعام على سبيل الندب والاستحباب. وقد اختلف الناس فى ذلك، وعن مالك فيه روايتان إحداهما: لا إطعام عليها، وبه قال أبو حنيفة. والثانية: عليها الإطعام، ويخرج على هذه الرواية وجوب الإطعام على الشيخ الكبير. وقال ابن حبيب: إن أفطرت خوفًا على نفسها، فلا إطعام، وإن أفطرت خوفًا على حملها، فعليها الإطعام. وجه الرواية الأولى أنها مفطرة لعذر موجود بها، فلم يلزمها إطعام كالمريضة. ووجه الرواية الثانية قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: والحبلى داخلة تحت هذا العموم لأنها تطيق الصيام. ومن جهة المعنى أنها عبادة يجب بإفسادها القضاء والكفارة العظمى، فجاز أن يجب فيها القضاء والكفارة الصغرى کالحج. مسألة: وأما المرضع، فإن ضعفت عن الصوم مع إرضاع ولدها، فإنه يجب عليه أن يستأجر له من يرضعه إن أمكن ذلك وقبل غيرها، فإن لم يقبل غيرها ولم يمكن الاستئجار له أرضعت ابنها، وهل عليها إطعام أو لا؟ عن مالك فى ذلك روايتان، إحداهما نفى الإطعام، وبه قال أبو حنيفة. والثانية إيجابه. وجه الروايتين على ما تقدم. ٦٢٢ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقْضِهِ، وَهُوَ قَوِى عَلَى صِيَّامِهِ حَتّى جَاءَ رَمَضَانُ آخرُ، فَإِنّهُ يُطْعِمُ مَكّانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدَّا(١) مِنْ حِنْطَةٍ، وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْقَضَاءُ. ٦٢٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٤٥. (١) المد: مكيال يعادل ملء الكفين. ٨١ ......... كتاب الصيام ٦٢٣ - عَنْ مَالِك أَنْهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُبَيْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ. الشرح: هذا الفصل يقتضى أن قضاء رمضان مؤقت عند ابن القاسم، وأن وقته إلى دخول رمضان آخر متى أخره عن وقته لغير عذر فعليه كفارة مع القضاء، وبها قال مالك والشافعى، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه شىء، والكلام معه أولا فى توقيت القضاء وأنه لا يجوز له تأخيره عن وقته(٢). والدليل على ذلك حديث عائشة أنها ما كانت تستطيع قضاء رمضان حتى يأتى شعبان. ودليلنا من جهة القياس أن هذه عبادة وجبت على البدن تتكرر فى وجوبها من ٦٢٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٤٥. عبد الرزاق فى المصنف ٣٤/٣. وقال فى الاستذكار: ليس فى هذا الباب عند مالك شىء عن أحد من الصحابة، ولا أعلم فيه حديثا مسندا، وما ذكر فيه أنه بلغه عن سعيد بن جبير فهو محفوظ عن سعيد بن جبير. رواه ابن أُبی شیبة، عن غندر، عن شعبة، عن أبی بشر، عن سعيد بن جبير. (٢) قال فى الاستذكار ٢٢٤/١٠: أما أقاويل الفقها فى هذه المسألة: فقال مالك، والشورى، والليث بن سعد، والشافعى، والحسن ابن حى، والأوزاعى: إن فرط فى رمضان حتى دخل رمضان آخر صام الآخر، ثم قضى ما كان عليه من الأول وأطعم عن كل يوم مسكينا. وروى ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وأبى هريرة، وعطاء، والقاسم بن محمد، وابن شهاب الزهرى. وبه قال احمد بن حنبل، وإسحاق، والكوفيون: نصف صاع، والحجاز مد، كل على أصله. وذكر يحيى بن أكثم: أنه وجب فى هذه المسألة الإطعام عن ستة من الصحابة لم يعلم لهم منهم مخالفًا. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصوم رمضان الثانى، ثم يقضى الأول، ولا فدية عليه، سواء قوی علی الصیام أم لا. وهو قول الحسن، وإبراهیم النخعی. ربه قال داود: ليس على من أوجب الفدية فى هذه المسألة حجة من كتاب ولا سنة ولا إجماع. وقال أبو جعفر الطحاوى: قال الله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ فأوجب القضاء دون غيره فلا يجوز زيادة الطعام. إلا أن هذه الجماعة من الصحابة قد اتفقت على وجوب الإطعام بالتفريط إلى دخول رمضان آخر. قال أبو عمر: التفريط أن يكون صحيحا لا علة تمنعه من الصيام حتى يدخل رمضان آخر. واختلفوا فيما يجب عليه إن لم يصح من مرضه حتى دخل الرمضان المقبل. فروى عن ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وقتادة: يصوم الثانى إذا إدركه صحيحا، ويطعم عن الأول، ولا قضاء عليه. وقال الحسن البصرى، وإبراهيم النخعى، وطاوس، وحماد بن أبى سليمان، وأبو حنيفة، والثورى، ومالك والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق: يصوم الثانى ثم يقضى الأول ولا فدية عليه لأنه لم يفرط. وقال الأوزاعى: إذا فرط فى قضاء رمضان الأول، ومرض فى الآخر حتى انقضى، ثم مات، فإنه يطعم عن الأول مدين مدًا لتضييعه، ومدًا للصيام. ويطعم عن الآخر مدًا لکل یوم.