النص المفهرس

صفحات 961-980

٤٩٠
كتاب الجنائز
٥٣٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لا يُصَلِّى الرَّجُلُ عَلَى
الْحَنَازَةِ إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ.
الشرح: منعه من الصلاة على الجنازة على غير طهارة، عليه جماعة الفقهاء إلا
الشعبى، فإنه روى عنه أنه يصح من غير طهارة.
والدليل على ما مذهب إليه الجمهور أن هذه صلاة، فكان من شرطها الطهارة
کسائر الصلوات(١).
مَالِك يَقُولُ: لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلّى عَلَى وَلَدِ الرِّنَا وَأُمِّهِ(١).
الشرح: وهذا كما قال أن ولد الزنى من جملة المسلمين، والموالاة لا تنقطع بيتنا
وبين أهل الكبائر، وكيف ولا ذنب لولد الزنا فى أمره، وهذا قول جمهور الفقهاء إلا
قتادة، فقال: لا يصلى عليه.
والدليل على ما نقوله أن هذا مسلم مات فى غير المعترك، فوجبت الصلاة عليه
كولد الرشدة.
مسألة: وأما أمه، فإنه يصلى عليها أيضًا غير أنه يستحب أن يجتنب الصلاة عليها
أهل الفضل والعلم. وقد ذكرنا أن النقائص المانعة من الصلاة على الميت عامة وخاصة،
وقد مر الكلام فى العامة، والكلام هاهنا فى الخاصة، وهو كل نقص لا يخرج عن
الإيمان كأهل الكبائر وأهل البدع المستمسكين بالإيمان، فإنه يكره للإمام وأهل الفضل
الصلاة عليهم ليكون ذلك ردعًا وزجرًا لغيرهم عن مثل حالهم.
٥٣٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٠٥.
(١) قال فى الاستذكار ٢٨٣/٨: وهو إجماع العلماء والسلف والخلف إلا الشعبى فإنه أجاز
الصلاة عليها على غير وضوء فشد عن الجميع ولم يقل يقول أحد من أئمة الفتوى بالأمصار
ولا من حملة الآثار. وقد قال ابن علية، وهو ممن يرغبُ عن كثير من قوله: الصلاة على الميت
استغفار له والاستغفار يجوز بغير وضوء. وهذا نحو قول الشافعى إلا أنه قال: السنة فى الصلاة
على المولى أن يتطهر لها ومن خشى فوتها تيمم لها، وهو القياس. قال أبو عمر: قول الشعبى
هذا لم يلتفت أحد إليه ولا عرج عليه، وقد أجمعوا أنه لا يصلى عليها إلا إلى القبلة، ولو
كانت دعاء كما ذعم الشعبى لجازت إلى غير القبلة ولما أجمعوا على التكبير فيها، واستقبال
القبلة بها علم أنها صلاة ولا صلاة إلا بوضوء.
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٨٤/٨.

...... ٤٩١
كتاب الجنائز
والأصل فى ذلك ما روى جابر بن سمرة عن النبى لا أنه أتى برجل قتل نفسه
بمشاقص، فلم يصل عليه ..
مسألة: وهذا ما لم يؤد ذلك إلى إبطال الصلاة عليه، فإن خيف ذلك صلوا عليه؛
لأن فرض الصلاة لازم بسببهم، ولا يسقطه كبائرهم وبدعهم، منا تمسكوا بالإسلام،
وكذلك المقتول فى الفئة الباغية يغسل ويصلى عليه، خلافًا لأبى حنيفة لأنه مسلم فلم
تمنعه معصيته من وجوب الصلاة عليه كالزانى المحصن.
والأصل فى ذلك ما روى أن النبى ® كان إذا أتى بميت عليه دين لم يترك وفاء
له، لم يصل عليه، وقال: ((صلوا على صاحبكم))(*).
مسألة: وأما من قتله الإمام فى قصاص أو غيره، فإن الإمام لا يصلى عليه، ويصلى
عليه غيره. والأصل فى ذلك ما روى أن رجلا من أسلم اعترف بالزنا والإحصان،
فأمر به النبى ﴿﴿ فرجم حتى مات، فقال له النبى ﴿﴿ خيرًا ولم يصل عليه.
٥٤٠ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿يا تُوُفِّىَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَدُفِنَ يَوْمَ الثَّلاثَاءِ،
وَصَلَّى النّاسُ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ، فَقَالَ نَاسٌ: يُدْفَنُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَقَّالَ
آخَرُونَ: يُدْفَنُ بِالْبَقِيعِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ يَقُولُ:
مَا دُفِنَ نِى قَطُّ إِلَا فِى مَكَانِهِ الَّذِى تُوُفّىَ فِيهِ، فَحُفِرَ لَهُ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ غُسْلِهِ
أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ فَسَمِعُوا صَوْتًا يَقُولُ: لا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ، فَلَمْ يُنْزَعِ الْقَمِيصُ،
وَغُسِّلَ وَهُوَ عَلَيْهِ ﴿﴾(﴾﴾.
الشرح: قوله: ((توفى يوم الاثنين)، ودفن يوم الثلاثاء، دليل على التأخير إلى الغد
من يوم الوفاة(١).
(*) أخرجه البخارى حديث رقم ٢٢٩١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ١٩٦١. أحمد فى
المسند حديث رقم ١٦٠٧٥، ١٦٠٩٢.
٥٤٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٠٦.
(*) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٠٩/٤: هذا الحديث لا أعلمه يروى على هذا النسق بوجه
من الوجوه، غير بلاغ مالك هذا، ولكنه صحيح من وجوه مختلفة، وأجادیث شتی جمعها
مالك، والله أعلم.
(١) قال السيوطى فى تنوير الحوالك ١٧٨: روى ابن سعد فى الطبقات عن ابن شهاب أن
رسول الله 58 توفى يوم الاثنين حين زغت الشمس. وروى من طريق الزهرى عن عروة عن=

٤٩٢
کتاب الجنائز
وقوله: ((صلى عليه الناس أفذاذًا لا يؤمهم أحد))، قد اختلف فى الصلاة عليه،
فقال بعض الناس: لم يصل عليه، وإنما كان يأتى الرجل والرجال فيدعون ويترحمون،
ولهذا وجه لأنه أفضل من كل شهيد، وقد تقدم من قولنا: إن الشهيد يغنيه فضله عن
الصلاة، فلأن یغنی النبى ﴿آ! فضله عن ذلك أولى.
وإنما فارق الشهيد فى الغسل لأن على الشهيد من الدم، ما هو طيب فى الآخرة
وعنوان لشهادته، وليس على النبى ، ما يكره إزالته عنه، فافترقا لذلك فى الغسل،
والله أعلم، وقيل: إن الناس صلوا عليه أفذاذًا لا يؤمهم أحد، ولهذا أيضًا وجه، وذلك
لئلا تفوت الصلاة علیه أحدًا من أصحابه.
ويحتمل أن يكون ذلك لئلا يفوز بالإمامة والخلافة من صلى عليه من غير اتفاق من
المسلمین، ولم یکن تقرر بعد أن الخلافة لا تکون فی غیر قریش، ولذلك ادعاها
الأنصار، وقالوا: منا أمير ومنكم أمير، ثم ثبتت النصوص عن النبى 48 بالمنع من ذلك،
ووقع الاتفاق عليه، والله أعلم وأحكم.
فصل: وقوله: ((فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع))، ولم
يذكر عن أحد منهم نص فى موضع دفنه إخبارًا منهم عن رأيهم فى ذلك ومبلغ
اجتهادهم، حتى ذكر لهم أبو بكر ما ذكره النبى ﴿٤﴾ فى ذلك، فرجعوا إليه وأخذوا
به، وهذا حكم الاجتهاد إذا ظهر على النص وجب الرجوع إليه إلا أن يكون الاجتهاد
موافقًا للنص.
فصل: وقوله: ((ما دفن نبى قط إلا فى مكانه الذى توفى فيه))، إخبار عن حال
الأنبياء قبله، وفيه تنبيه علی حکمه هو ۴۴، و کذلك احتج به أبو بكر وأخذ به سائر
الصحابة، فحفروا له فيه، یرید موضع وفاته ودفن فيه.
وصفه الدفن أن ينزل فى قبره مستقبل القبلة لأنها الجهة التى كان يعظمها المسلم
فى حياته، ويجعل على شقه الأيمن لأن النبى 18 كان يحب التيامن فى شأنه كله.
فصل: وقوله: ((فلما كان عند غسله أرادوا نزع قميصه)، دليل على أن هذه
-عائشة، قالت: توفى رسول الله ﴿﴿ يوم الاثنين، لاثنتى عشرة مضت من ربيع الأول. وروى
من حديث على بن أبى طالب، قال: اشتكى رسول اللله 4 يوم الأربعاء لليلة بقيت من
صفر، وتوفى يوم الاثنين لاثنتى عشرة مضت من ربيع الأول، ودفن يوم الثلاثاء. انتهى
باختصار.

٤٩٣٠
کتاب الجنائز
كانت سنة الغسل عندهم؛ لأن النبى ! أقام بين أظهرهم عشرة أعوام، ولابد
لاتصال الموت عندهم فى الرجال والنساء من أن يعرفوا حكم الغسل، ومحال أن يجهل
جميعهم حكم الغسل حين أرادوا استعمال المحظور منه فى النبى 68، ومحال أن يكون
نزع القميص وإبقاؤه عندهم سواء، ولو كان ذلك لذهب إليه بعضهم كما ذهبوه فى
اللحد له، ولو كان أمرًا لم يتقرر بينهم حكمه لاختلفوا فيه كاختلافهم فى موضع
دفنه، فثبت أن نزع القميص هو سنة الغسل؛ ولذلك أرادوا أن يستعملوه فى النبى (45
حين سمعوا صوتًا يقول: لا تنزعوا القميص، وهذا من معجزات النبى 18 الظاهرة
بسببه بعد موته تکرمة له وتفضیلاً من الله تعالی علیه وعلی أمته فیه؛ ولیکون ذلك
الأمر أمر الله تعالى، فإنه (18 معصوم فى حياته وبعد موته، ممنوع كل شيطان مارد،
ولذلك امتثلت الصحابة ما سمعت من الصوت، فلم ينزع القميص، وغسل فى قميصه
٥٤١ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلانِ
أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالآخَرُ لا يَلْحَدُ، فَقَالُوا: أَيُهُمَا جَاءَ أَوَّلُ، عَمِلَ عَمَّلَّهُ، فَجَاءَ الَّذِىّ
يَلْحَدُ فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ(﴾(١).
الشرح: قوله: ((كان بالمدينة رجلان، أحدهما: يلحد، والآخر لا يلحد))، يقتضى
أن الأمرين جائزان، ولو كان أحدهما محظورًا لما استدام عمله، ومثل هذا لا يخفى عن
التى * من عمله لأنه من الأمور الظاهرة لاسيما والذى كان لا يلحد من أفضل
الصحابة وأكثرهم اختصاصًا بالنبى 18، وهو أبو عبيدة بن الجراح، والذى كان يلحد
هو أبو طلحة زيد بن سهل الأنصارى.
٥٤١- أخرجه ابن ماجه كتاب الجنائز برقم ١٥٥٧ باب ما جاء فى الشق، ٤٩٦/١ عن أنس بن
مالك. البيهقى فى الدلائل عن ابن عباس ٢٥٢/٧.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣١٤/٤: لم يختلف عن مالك فى إرسال هذا الحديث، وقد رواه
حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
(١) وصله ابن سعد من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة، وأخرج عن أبى
طلحة، قال: اختلفوا فى الشق واللحد للنبى 4 فقال: المهاجرون شقوا كما يحفر أهل مكة،
وقالت: الأنصار الحدود كما نحفر بأرضنا، فلما اختلفوا فى ذلك، قالو: اللهم خر لنبيك ابعثوا
إلى أبى عبيدة وإلى أبى طلحة فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله فجاء أبو طلحة فقال: والله
إنى لأرجو أن یکون الله قد خار لنبيه أنه کان یری اللحد فیعجبه.

٤٩٤
كتاب الجنائز
وقد روى عن مالك أنه قال: اللحد والشق كل واسع، واللحد أحب إلىّ. ووجه
ذلك التبرك بما فعل للنبى 18، واللحد هو ما كان الشق فى جانب القبر، والضريح ما
کان فی وسطه.
مسألة: قال ابن حبيب: ويستحب أن لا يغمق القبر جدًا، ولكن قدر عظم الذراع،
ولعله أراد الشق الذى هو نفس اللحد، وأما نفس القبر، فإنه يكون مثل ذلك وأكثر
منه، ويستحب أن يجعل على القبر اللبن. قال ابن حبيب: و كذلك فعل بالنبى
قال ابن القاسم: ويكره الدفن فى التبوت إلا أن لا يوجد الطوب. قال أشهب: لا
بأس باللوح والآجر والقصب واللبن، وإنما كره من ذلك ما كان وجه السرف.
وجه ما قاله ابن القاسم أن الدفن فى الأرض، ويجب أن تكون هى التى تلى الإنسان
وتكون باقية على حكم الأصل لم يتغير إلى أن يصير أجزاء أو غير ذلك.
مسألة: ومن السنة تسنيم القبر ولا يرفع، قاله ابن حبيب. وقد روى عن سفيان
التمار أنه رأى قبر النبى 4 مسنما فأما بنيانه ورفعه على وجه المباهاة فممنوع. روى
ابن القاسم عن مالك فى العتبية، إنما يكره أن يرصص على القبر بالحجارة والطين أو
الطوب.
قال ابن حبيب: وروى جابر أن النبى 18 نهى أن ترفع القبور أو يبنى عليها وأمر
بهدمها وتسويتها بالأرض، وفعله عمر بن الخطاب، قال: وينبغى أن تسوى تسوية
تسنیم.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ومعنى ذلك عندى، والله أعلم، أن يسوى
نفس القبر بالأرض ويرفع رفع تسنيم دون أن يرفع أصله. قال ابن حبيب: ولا بأس
بالمشى على القبر إذا عفا، وأما وهو مسنم والطريق دونه، فلا أحب ذلك لأن هذا
یکسر تسنیمه وییحه طريقًا.
ووجه ذلك أن السنام يحفظه على أهله يعرفونه به ويمنع من ابتذاله بالمشى عليه
وتعفية أثره، فأما البنيان المتخذ على وجه المباهاة فممنوع.
مسألة: وأما تقصيصها، ويقال تجصيصها وهو تبييضها بالجير أو التراب الأبيض، فقد
قال ابن حبيب: نهى عن ذلك، والنقش على القبر، كره ابن القاسم أن يجعل على القبر
بلاطة، ويكتب فيها ولم ير بالعمود والخشبة والحجر يعرف بها القبر من غير أن يكتب
فيها بأسًا.

............. ٤٩٥
کتاب الجنائز
ووجه ذلك منع ما قدمناه من المباهاة وإباحة ما عرا منها، وأما الفسطاط يضرب
على القبر، فقد قال ابن حبيب: ضربه على قبر المرأة أفضل من ضربه على قبر الرجل لما
يستر منها عند إقبارها، وقد ضربه عمر على قبر زينب بنت جحش. وكره ضربه على
قبر الرجل ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدرى وابن المسيب، وضربته عائشة على
قبر أخيها عبدالرحمن، وضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس. قال ابن حبيب:
وأراه واسعًا اليوم واليومين والثلاثة، ويبات فيه إن خيف من نبش أو غيره، وإنما كرهه
من كرهه لمن ضربه على وجه السمعة والمباهاة.
٥٤٢ - مَالِكِ أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النّبِىِّ :﴿ كَانَتْ تَقُولُ: مَا صَدَّقْتُ
بِمَوْتِ النّبِىِّ ﴿ حَتَّى سَمِعْتُ وَقْعَ الْكَرَازِينِ (١).
الشرح: قولها: «ما صدقت بموت رسول الله (4)، تريد أنها كانت تكذب ذلك
و كذلك فعل أكثر الصحابة، و کان أشد الناس فيه عمر، حتى جاء أبو بكر فحقق موته.
وقولها: ((حتى سمعت وقع الكرازين)، تريد وقع المساحى بحثى التراب عليه (﴾
وشرف وكرم.
٥٤٣ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ قَالَتْ: رَأَيْتُ
ثَلاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطْنَ فِى حُجْرَتِى، فَقَصَصْتُ رُؤْيَاىَ عَلَى أَبى بَكْرِ الصِّدِّيقِ، قَالَتْ:
فَلَمَّا تُوُفّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَدُفِنَ فِى بَيْتِهَا، قَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: هَذَا أَحَدُ أَقْمَارِكٍ، وَهُوَ
خَيْرُهَا.
٥٤٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٥٠٨.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣١٣/٤: لا أحفظه عن أم سلمة متصلا، والمعروف حديث
عائشة: (ما علمنا بدفن رسول الله ﴿)). وإن صح حديث أم سلمة، فلعله أن يكون أدركها
من الجزع عليه، ما أدرك عمر رضى الله عنه، فظنت أنه غشى عليه وأسرى به إلى ربه، على
نحو ما ظن عمر حين خطبهم، فقال: إن محمدا لم يمت، وإنه ذهب به إلى ربه، وسيرجع فيقطع
أيدى رجال، فبلغ ذلك أبا بكر، فأتاهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد من كان يعبد
محمد، فإن محمد قد مات، ومن كان يعبدالله، فإن الله حى لا يموت، ثم تلا: ﴿وما محمد إلا
رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على
عقبيه فلن يضر الله شيئا﴾. الآية، قال عمر: فكأنى لم أسمع هذه الآية إلا يومئذ.
٥٤٣- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٠٨. وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد ٨٠/٧،
وذكره فى ٣٨/٩ وعزاه الهيثمى إلى الطبرانى فى الكبير والأوسط عن عائشة.

٤٩٦
...
کتاب الجنائز
الشرح: قولها: ((رأيت ثلاثة أقمار سقطن فى حجرتى، فقصصت رؤیای)(١)،
تريد أنها رأت فى المنام ثلاثة أقمار سقطت فى حجرتها، وأنها قصت رؤياها تلك
على أبى بكر رضى الله عنه لاعتقادها فيها أنها جزء من النبوة، وأن الرؤيا أمر صحيح
وبشرى للمؤمنين، فأمسك أبو بكر عن تعبيرها إذ تبين له منها موت النبى ـ
الاجتماع دلالة الرؤيا فيه لأن القمر قد يدل على السلطان والرئيس، ويدل على العالم
الذى يهتدى به، ويدل على الزوج والولد، وسقوطها فى حجرتها دليل على دفنهم فى
حجرتها.
وسنة العبارة، إذا رأى المعبر فيها ما يكره أن لا يعبرها له، فصدقت رؤيا عائشة
بدفن رسول الله ﴿ فى بيتها، فتأول لها أبو بكر حينئذ الرؤيا إذا رآها قد خرجت،
وقال لها: ((هذا أحد أقمارك، وهو خيرها))، فدفن فى بيتها رسول الله 48 وأبو بكر
وعمر رضى الله عنهما.
٥٤٤ - مَالِكِ، عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ
زَيْدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ تُغَيْلٍ تُوُقًّا بِالْعَقِيقِ، وَحُمِلا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَدُفِنَا بِهَا.
الشرح: قوله: ((توفيا بالعقيق))، موضع بقرب المدينة وحملا إلى المدينة ودفنا بها،
يحتمل أن يكون فعل ذلك لكثرة من كان فيها من أصحاب النبى 18 ليتولوا الصلاة
عليهما، ويحتمل أن يكون ذلك لفضل اعتقدوه فى الدفن بالبقيع، ويحتمل أن يكون
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣١٦/٤ - ٣١٧: فى هذا الحديث دليل على اشتغال أنفس
السلف بالرؤيا وتأويلها والأقمار، والله أعلم: النبى / وأبو بكر وعمر دفنوا فى بيتها وذلك
تأويل سقوط الأقمار فى حجرها، وفيه دليل على أن القمر قد يكون فى التأويل: الملك
الأعظم، كالشمس سواء. والله أعلم. وفيه رد لقول من قال: إن القمر ملك أعجمى،
والشمس عربى فى التأويل. وأما رواية من روى: سقطن فى حجرى، ففيها أن التأويل قد
يخرج على اشتقاق اللفظ، وقرب المعنى؛ لأن قولها: سقطن فى حجرى، تأوله أبو بكر رضى
الله عنه على الدفن فى حجرتها وبيتها، فكأن الحجرة أخذها من الحجر، والبيت والحجرة
سواء؛ لأن أصل الكلمة الضم، فكأنه عدها على اللفظ. والله أعلم. والسقوط هاهنا الدفن،
وعلم التأويل الرؤيا من علوم الأنبياء وأهل الإيمان، وحسبك ما أخبر الله من ذلك يوسف
عليه السلام، وما جاء فى الآثار الصحاح فيها عن النبى / وأجمع أئمة الهدى من الصحابة
على الإيمان بها، وعلى أنها حكمة بالغة، ونعمة يمن الله بها على من يشاء، وهى المبشرات
الباقية بعد النبى ﴾.
٥٤٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٩٣/٨.

٤٩٧
کتاب الجنائز
ذلك ليقرب على من لهم من الأصل زيارة قبورهم والدعاء لهم(١).
٥٤٥ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُدْفَنَ بِالْبَقِيعِ
لأَنْ أُدْفَنَ بِغَيْرِهِ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَذْفَنَ بِهِ، إِنْمَا هُوَ أَحَدٌ رَحُلَيْنِ إِمَّا ظَالِمٌ فَلا أَجِبُّ
أَنْ أُدْفَنَ مَعَهُ، وَإِمَّ صَالِحٌ فَلا أُحِبُّ أَنْ تُنْبَشَ لِى عِظَامُهُ.
الشرح: كره عروة الدفن بالبقيع لا لكراهية البقعة، وإنما ذلك لأنه لم يكن بقى فيه
موضع إلا قد دفن فيه، فكره الدفن به لهذا المعنى؛ لأنه لابد أن تنبش له عظام من دفن
فى ذلك الموضع قبله، فإن كان ظالما كره محاورته، وإن كان صالحًا كره أن ينبش له
لأنه يعظم نبش عظام الصالح من أجله لحرمته وصلاحه، وأن يكون للظالم حرمة أيضًا
إلا أن كراهيته لمجاورته أعظم، فلذلك علق الكراهية لمجاورته، ولا تكره مجاورة الرجل
الصالح، فلذلك لم يكره إلا نبش عظامه له.
(١) قال فى الاستذكار ٢٩٣/٨ - ٢٩٤: الخبر بذلك عن سعد وسعيد كما حكاه مالك
صحيح، ولكنها مسألة اختلف السلف ومن بعدهم فيه باختلاف الآثار فى ذلك. فمن كره
ذلك احتج بحديث جابر بن عبد الله أن النبى 8 8 أمر بالقتلى أن يردوا إلى مضاجعهم.
وبحديث جابر أيضًا عن النبى ﴿ أنه قال: ((تدفن الأجساد حيث تقبض الأرواح)). وبالحديث
عن عائشة أنها قالت فى أخيها عبد الرحمن: قد شهدته ما دفن إلا حیث مات. و کان دفن
بالحیش مكان بينه وبين مكة اثنا عشر ميلاً أو نحوها.
قال أبو عمر: قد أجمع المسلمون كافةً بعد كافةٍ على جواز نقل موتاهم من دورهم إلى
قبورهم. فمن ذلك البقيع مقبر بالمدينة، ولكل مدينة جبانة يتدافن فيها أهلها. فدل ما ذكرناه
من الإجماع على فساد نقل من نقل: ((تدفن الأجساد حيث تقبض الأرواح إلا أن يكون أراد
البلد والحضرة وما لا يكون سفرًا، والله أعلم. وليس فى أمر رسول الله ﴿ برد القتلى يوم
أحد إلى مضاجعهم ما يرد ما وصفنا. والحديث مأثور: (ما دفن نبى إلا حيث قبض» دليل
ووجه على تخصيص الأنبياء بذلك، والله أعلم. وأما حديث عائشة فى أخيها بذلك، والله
أعلم؛ لأنها أرادت دفنه بمكة لزيارة الناس القبور بالسلام عليهم والدعاء لهم. وقد نقل سعد
ابن أبى وقاص، وسعيد بن زيد من العقيق ونحوه إلى المدينة، وذلك بمحضر جماعة من الصحابة
وكبار التابعين من غير نكير، ولعلهما قد أوصيا بذلك وما أظن إلا وقد رويت ذلك، والله
أعلم وليس فى هذا الباب، أعنى نقل الموثى، بدعة ولا سنة، فليفعل المؤمن ذلك ما شاء،
وبالله التوفيق.
٥٤٥- ذکره ابن عبد البر فی الاستذکار ٢٩٥/٨.

٤٩٨
كتاب الجنائز
الوقوف للجنائز والجلوس على المقابر
٥٤٦ - مَالِك، عَنْ يَحْثَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ وَاقِدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ
نَافِعِ بْنِ حُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ مَسْعُودٍ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ
اللّهِ ﴿ كَانَ يَقُومُ فِى الْحَنَائِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ.
الشرح: قوله: ((إن رسول الله 18 كان يقوم فى الجنائز ثم جلس بعد القيام،
والجلوس فى موضعين، أحدهما: لمن مرت به، والثانى: لمن يتبعها، فهل يقوم لها حتى
توضع؟ فقد روى عن النبى 48 القيام لها فى موضعین، روى أبو سعيد الخدرى أن
رسول الله ﴿﴿ قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع)(). ثم
روى عنه بعد ذلك حديث على المذكور فيه «أنه جلس بعد أن كان يقوم».
اختلف أصحابنا فى ذلك، فقال مالك وغيره من أصحابنا: إن جلوسه ناسخ لقيامه،
واختاروا أن لا يقوم. وقال ابن الماجشون وابن حبيب: إن ذلك على وجه التوسعة،
وإن القيام فيه أجر وحكمه باق، وما ذهب إليه مالك أولى لحديث على الذى فيه ثم
جلس بعد.
٥٤٦- أخرجه مسلم فى الجنائز حديث رقم ٩٦٢. والترمذى فى الجنائز حديث رقم ٩٦٥.
والنسائى فى الصغرى فى الجنائز حديث رقم ١٩٢٢، ١٩٩٩، ٢٠٠٠. وأبو داود فى الجنائز
حديث رقم ٣١٧٥. وابن ماجه فى الجنائز حديث رقم ١٥٤٤. وأحمد فى المسند حديث رقم
٦٢٤، ١٠٩٧، ٠١١٧١
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣١٧/٤: هكذا قال يحيى، عن مالك: واقد بن سعد بن معاذ،
وتابعه على ذلك أبو المصعب وغيره، وسائر الرواة عن مالك يقولون: عن واقد بن عمرو بن
سعد بن معاذ. وهو الصواب إن شاء الله، وكذلك قال ابن عيينة وزهير بن معاوية، وهو واقد
ابن عمرو بن سعد بن معاذ بن نعمان بن امرئ القيس الأشھلی الأنصارى، یکنی أبا عبدالله
مدنى ثقة، كناه خليفة بن خياط، وذكره الحسن بن عثمان فى بنى عبدالأشهل وقال: كانت
وفاته سنة عشرين ومائة، وكان محمد بن عمرو بن علقمة يقول فيه: واقد بن عمرو بن سعد
ابن معاذ یھم فیه.
(*) لأخرجه البخارى حديث رقم ١٣١٠. مسلم حديث رقم ٩٥٩. الترمذى حديث رقم
١٠٤٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ١٩١٤. أبو داود حديث رقم ٣١٧٣. أحمد فى
المسند حديث رقم ١٠٩٧٣.

.......... ٤٩٩
کتاب الجنائز
٥٤٧ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طالِبٍ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْقُبُورَ وَيَضْطَجِعُ
عَلَيْهَا.
قَالَ مَالِك: وَإِنَّمَا نُهِىَ عَنِ الْقُعُودِ عَلَى الْقُبُورِ فِيمَا نُرَى لِلْذَاهِبِ.
الشرح: معنى ذلك أن على بن أبى طالب كان يتوسد على القبور ويضطجع عليها
وهذا أكثر من الجلوس الذى تضمنه ظاهر الحديث، الذى تعلق به ابن مسعود وعطاء
فى منع الجلوس على القبور، وهو ما رواه أبو هريرة قال: رسول الله : لأن يجلس
أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر))
فتاول مالك، رحمه الله، هذا على أن النهى عن الجلوس على القبور إنما تناول الجلوس
عليها لقضاء الحاجة، وقد قال مثل قول مالك زيد بن ثابت، وهو الأظهر؛ لأن النبى
﴿﴿ قد زار القبور وأباح زيارتها، ولا خلاف بين المسلمين فى جواز الجلوس عليها عند
الدفن، فيحمل الحديث على ذلك، ويجمع بينه وبين ما روى من قول على رضى الله
عنه وفعله.
٥٤٨ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةً
ابْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ: كُنّا نَشْهَدُ الْجَنَائِرَ، فَمَا يَجْلِسُ آخِرُ النَّاسِ حَتّى يُؤْذَنُوا.
الشرح: قوله: ((فما يجلس آخر الناس حتى يؤذنوا)(١)، يدل على أن الإسراع
٥٤٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥١٢. وذكره فى كتاب الحاوى فى بيان آثار
الطحاوى (١٢٨/٣) حدثنا على بن عبد الرحمن قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنى بكر
ابن مضر، عن عمر بن الحارث، عن بكير، أن يحيى بن أبى محمد، حدثه أن مولی لآل على،
حدثه أن على بن أبى طالب كان يجلس على القبور، وقال المولى: كنت أبسط فى المقبرة
فیتوسد قبرًا ثم یضجع.
٥٤٨- أخرجه البيهقى فى السنن ٢٧/٤ عن على بن أبى طالب. والشافعى، كذا فى بدائع السنن
برقم ٥٨١، ٢١٨/١ عن على. والبغوى بشرح السنة ٣٣٠/٥ عن على. والبخارى بتاريخه
١٧٤/٨ عن على. وأبو داود برقم ٣١٧٥، ٢٠١/٣ كتاب الجنائز باب القيام للجنازة عن
على.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٢١/٤: وهذا عندى لم يدخل فى المنسوخ؛ لأن النسخ إنما
جاء فى القيام للجنازة عند رؤيتها شيعت حتى توضع، وقد كان من أهل العلم جماعة يذهبون
إلى نسخ القيام على القبر، وغيره فى الجنائز، وأظنهم ذهبوا إلى أن القيام كله فى الجنائز
منسوخ؛ لقول على: ((كان رسول الله (159 يقوم فى الجنائز، ثم قعد بعد)) ومن هنا - والله =

٥٠٠
كتاب الجنائز
بالجنازة مشروع، وقد تقدم قوله: حتى يؤذنوا، يريد يؤذنوا بالصلاة عليها.
وقال الداودى: معناه حتى يؤذن لهم بالانصراف بعد الصلاة، وإنما كان ذلك فى
صدر الإسلام لأنهم كانوا لا يبنون القبور، وإنما كان إدلاؤه ورد التراب، وهذا لا يلبث
الناس فيه وما ذكره ليس بصحيح لأنه قال: فلا يجلس آخر الناس حتى يؤذنوا، ولا يقال
آخر الناس فيمن صلى على الميت وانتظر أن يؤذن لأنهم كلهم سواء وإنما يقال ذلك
فيمن يأتى بين يدى الجنازة، فيصل أولهم قبل أن يصل آخرهم، فربما لم يجلس أولهم
حتى يدرك آخرهم، فتوضع الجنازة ويؤذنوا بالصلاة عليها، وأما بعد الصلاة عليها فلابد
من التربص حتى يدلى فى القبر، ويرد التراب عليه، وذلك لا يكون إلا فى مدة يجلس
فیھا أولهم وآخرهم، إن صح أن یوصفوا بأول وآخر، وإن لم يصح، فإنه يجلس فيها
جميع الناس إلا من يتناول دفنه، أو يتكلف القيام مدة طويلة إلى أن يتم أمره، وأما
الانقلاب عنها، فلا يحتاج إلى إذن عند زيد بن ثابت وعبدالله بن مسعود.
وقال ابن عمر والمسور بن مخرمة: لا ينصرف عنها إلا بإذن أهلها.
والدليل على ما نقوله أن أهل الجنازة لو شاءوا أن يمسكوا الناس لم يكن ذلك لهم،
فلم يعتبر بإذنهم فى انصراف الناس لأن كل من ليس له الإمساك، فإنه لا اعتبار بإذنه
کسائر الناس.
مسألة: ولا بأس بالانصراف عنها قبل أن يكمل دفنها إذا بقى معها من يلى ذلك
منها، قاله ابن القاسم، وينصرف لعلة ولغير علة. قال الشيخ أبو محمد: وذلك إذا قام بها
غيره.
ووجه ذلك أن الفرض إنما هو فى الصلاة، وأما البقاء حتى تدفن، فإنما هو فضيلة،
فمن أقام لها فحسن، وينصرف إن شاء بعد كمال الدفن دون إذن؛ لأنه ليس فى حكم
أحد، فيؤذن له.
وقد روى ابن شهاب عن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله : ((من
شهد الجنازة حتی یصلی فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان، قيل وما
[القيراطان](٥)؟ قال: مثل الجبلين العظيمين))(٢) فجعل لشاهد فرض الجنازة قيراطًا،
- أعلم قال أبو قلابة: قيام الرحل على القبر حتى يوضع الميت فى اللحد بدعة، وقد جاء عن
على وهو روى حديث النسخ ما يدل على أن القيام على التحد لم يدخل فى النسخ.
(*) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل القيراط، وما أوردناه من الصحيحين ومسند الإمام أحمد
وانظر تخريج الحديث أسفله.

.............. ٥٠١
كتاب الجنائز
ولمشاهدة فضل المواراة قيراطًا، ولعلهما إنما تساويا فى الاسم دون الجنس والقدر، والله
أعلم وأحكم.
*
النهى عن البكاء على الميت
٥٤٩ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ حَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ، عَنْ عَتِيكِ بْنِ
الْحَارِثِ، وَهُوَ حَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَابِرٍ أَبُو أُمِّهِ، أَنّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ حَابِرَ بْنَ
عَتِيكٍ أَخْبُرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ حَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ، فَوَحَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ،
فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُحِبْهُ فَاسْتَرْجَعَ(١) رَسُولُ اللّهِ ﴿ وَقَالَ: وَغُلْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ،
فَصَاحَ النّسْوَةُ، وَبَكَيْنَ فَحَعَلَ حَابِرٌ يُسَكُّهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ا: «دَعْهُنَّ فَإِذَا
وَجَبَ فَلا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوُجُوبُ؟ قَالَ: «إِذَا مَاتَ
فَقَالَتِ ابْتُهُ وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا، فَإِنَّكَ كُنْتَ قَدْ قَضَبْتَ
جِهَازَكَ). فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿:(إِنَّ اللّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَخْرَهُ عَلَى قَدْرِ نَّتِهِ وَمَا تَعُدُّونَ
الشَّهَادَةَ؟، قَالُوا: الْقَتْلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللّهِ ﴿﴾: «الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى
الْقَتْلِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْخَنْبِ شَهِيدٌ،
وَالْعَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ، وَالَّذِى يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرَّةُ تَمُوتُ
بِحُمْعٍ شَهِيدٌ).
(٢) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٣٢٥) من طريق عبدالله بن مسلمة، قال:
قرأت على ابن أبى ذئب، عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى، عن أبيه، أنه سأل أبا هريرة رضى
الله عنه فقال: سمعت النبی ◌ُ﴾ (ح) حدثنا أحمد بن شبيب بن سعید، قال: حدثنى أبى،
حدثنا يونس، قال ابن شهاب: وحدثنى عبدالرحمن الأعرج، أن أبا هريرة رضى الله عنه قال:
قال رسول الله : ((من شهد الجنازة حتى يصلى ... )) فذكره.
وأخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (٩٤٥). أحمد فى المسند حديث رقم (٨٩٥٥) من
حديث أبى هريرة.
٥٤٩- أخرجه النسائى فى الصغرى فى الجنائز حديث رقم ١٨٤٥، والجهاد حديث رقم ٣١٩٢،
٣١٩٣. وأبو داود فى الجنائز حديث رقم ٣١١١. وابن ماجه فى الجهاد حديث رقم
٢٨٠٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٢٣٩.
(١) استرجع: أى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

٥٠٢
كتاب الجنائز
الشرح: قوله: (أن رسول الله (9) جاء يعود عبدالله بن ثابت))، إخبار عن تفضيل
النبى ﴿، ومواصلته أصحابه، وعيادته مرضاهم، ويريد بقوله: ((قذ غلب)) أن الألم
والمرض الذى كان به، غلب عليه حتى منعه من مجاوبة النبى 48 جين صاح عليه،
فاسترجع رسول الله ﴿4 لما أصيب فيه.
وقد أثنى الله تعالى على من قال مثل هذا عند المصيبة، فقال: ﴿الذين إذا أصابتهم
مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك
هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٧،١٥٦]. وكان ﴿﴿ مشفقًا على أصحابه محبًا فيهم، فإذا
أصيب واحد منهم استرجع كما وصف الله تعالى، ومعنى ذلك تصبر لنفسه، وإشعار له
أن الكل لله، وأن الكل راجع إليه، ويجب أن يقتدى بذلك من فعله ﴿ عندما يصاب
الإنسان من أحواله وإخوانه وماله.
فصل: وقوله: ﴿)، ((غلبنا عليك يا أبا الربيع))، يحتمل أن يكون أراد التصريح بمعنى
استرجاعه وتأسفه، ((فصاح النسوة وبكين))، يحتمل أن يكون بكاؤهن لما رأين من حاله
وتيقن من موته، ولعله حركهن لذلك ما سمعن من استرجاع النبى ، وجعل جابر.
یسکتهن لما عرف من نھی النبی ۵﴾ عن رفع النساء أصواتهن بالبكاء ونیاحهن، ولم
يكن صياح النساء والله أعلم من ذلك، وإنما كان استرجاع وبكاء من غير كلام يقبح
ولا نياحة، فقال : ((دعهن) يريد 8 إطلاق البكاء والاسترجاع لهن، وبهذا استباح
الناس البكاء.
قال ابن حبيب: لا بأس بالبكاء قبل الموت، وبعده ما لم يرفع به الصوت، ويكون
معه کلام مكروه. وأما البكاء بعد الموت، فقد روى عن عبدالله بن عمر: اشتكى سعد
ابن عبادة، فأتاه النبى 98 يعوده مع عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وعبدالله
ابن مسعود، فلما دخل عليه، فوجده فى غاشية أهله، فقال: ((قد قضى، قالوا: لا يا
رسول الله، فبكى النبى 18، فلما رأى القوم بكاء النبى ﴿ بكوا، فقال: ألا تسمعون
أن الله لا يعذب بدمع العين، ولا يحزن القلب، ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو
رحم عام»(١).
فأما قوله: ((فإذا وجب، فلا تبكين باكية)) وفسر الوجوب ﴿ بالموت فيحتمل أن
يكون 5 منع من بكاء مخصوص عند الوجوب، وهو ما جرت العادة به من الصياح،
والمبالغة فى ذلك بالويل والثبور، فتوجه نهيه إلى ذلك البكاء.
(*) أخرجه البخارى حديث رقم ١٣٠٤. مسلم حديث رقم ٩٢٤.

٥٠٣
...
کتاب الجنائز
فصل: وليس فى الحديث أمر بتوجيهه إلى القبلة، وكذلك حديث وفاة النبى #
ليس فيه أنه وجه إلى القبلة، ولا أنه أمر بذلك. وقد روى ابن القاسم عن مالك فى
المجموعة: ما علمت التوجيه من الأمر القديم.
وقد روى ابن حبيب أن ابن المسيب أغمى عليه فى مرضه، فوجه، فأفاق فأنكر
فعلهم به، وقال: على الإسلام حييت، وعليه أموت، ليكن مضجعى ما كنت بين
أظهر كم. قال ابن حبيب: فأراه إنما كره عجلتهم بذلك قبل الحقيقة، وظاهر قول سعيد
ابن المسيب مخالف لهذا التأويل. وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك: ينبغى أن
يوجه إلى القبلة.
وجه القول الأول ما تقدم من الآثار الصحاح، ولم يذكر فى شىء منها التوجيه.
بل الظاهر منها عدم التوجيه. ووجه القول الثانى أن هذه الحال وجدت فيها أسباب
الوفاة، فشرع فيها التوجيه کالحمل والدفن.
فرع: فإذا قلنا بالتوجيه، فقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أنه ينبغى أن
يوجه إلى القبلة على شقه الأيمن، فإن لم يقدر، فعلى ظهره، ورجلاه إلى القبلة، ووجه
ذلك أن هذه صفات استقبال القبلة كاستقبالها فى الصلاة.
فرع: إذا ثبت ذلك، فإنما يكون التوجيه إذا غلب عليه عند المعاينة بإحداد نظره
وإشخاص بصره، ويلقن لا إله إلا الله، قاله ابن حبيب.
وقال مالك فى المختصر: لا بأس أن تغمضه الحائض والجنب.
وقال غيره: الإغماض سنة. وقال ابن حبيب: ويستحب أن يقال عنده: سلام على
المرسلين والحمد لله رب العالمين لمثل هذا فليعمل العاملون، وعد غير مكذوب. ويقال
عند إغماضه: اللهم يسر عليه أمره وسهل موته، وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه
خيرًا مما خرج عنه. قال: ويستحب أن لا يجلس عنده إلا أفضل أهله وأحسنهم هديًا
وقولاً، ولا يكون عنده ولا قربه ثوب غير طاهر، ولا يحضره كافر ولا حائض.
وهذه المعانى التى ذكرها ابن حبيب إنما أوردها على وجه الاستحباب، فإن فعلت
فحسن.
مسألة: وأما القراءة عنده، ففى العتبية من رواية أشهب عن مالك: ليس القراءة
عنده والإجمار من عمل الناس. وقال ابن حبيب: لا بأس أن يقرأ عنده (يس)) وإنما كره

كتاب الجنائز
٥٠٤
مالك ذلك لئلا يتخذ سنة، ولا بأس أن يقرب إليه الروائح الطيبة من بخور وغيره. وجه
قول مالك ما احتج به من عمل السلف واتصل على ترك ذلك، فالعمل به مخالف لما
اتفقوا عليه.
فصل: وقول ابنته: ((إن كنت لأرجو أن تكون شهيدًا، فإنك قد كنت قضيت
جهازك))، أخبرت عن قوة رجائها فى الشهادة له لما كانت ترى من حرصه على الجهاد
ومبادرته إليه، وقد كان قضى جهازه للغزو، فأشفقت مما فاته من ذلك، فقال : ((إن
الله قد أوقع أجره على قدر نيته)) وهذا اللفظ يحتمل معنيين، أحدهما: أن أجره قد
جرى له مقدار العمل الذى نواه على حسب ما كان يكون له من الأجر أن لو عمله،
فتكون النية بمعنى المنوى، والمعنى الثانى: أنه أوقع له من الأجر بقدر ما يجب لنيته، إلا
أن هذا الوجه أظهر من جهة اللفظ، والأول أظهر من جهة المعنى؛ لأن الظاهر أنه ﴾
قصد إلى تسليتها وإخبارها بأن ما نواه لم يفته، وأن أجره قد جرى له بحسب نيته، ولو
لم يكن له من الأجر إلا بقدر النية لما كان لها فى ذلك راحة، إلا أن تكون استفادت
معرفة ذلك من هذا الحديث، والله أعلم بما أراده من ذلك.
فصل: وقوله: #: ((وما تعدون الشهادة)، سؤال لهم عن معنى الشهادة ليختبر
بذلك علمهم، ويفيدهم من هذا الأمر ما لا علم لهم به، قالوا: ((القتل فى سبيل الله»،
وإنما سألهم عن جنس جميع الشهادة، فأخبروه عن بعضها، وهو جميع ما كان يسمى
عنده شهادة، فقالوا: القتل فى سبيل الله، فأخبرهم ﴿﴿ أن الشهادة سبعة سوى القتل
فى سبيل الله، تسلية للمؤمنين وإخبارًا لهم بتفضل الله تعالى عليهم.
فإن الشهادة قد تكون بغير القتل، وإن شهداء أمة محمد ( أكثر مما يعتقده
الحاضرون، ثم فسر ذلك، فقال: ((المطعون شهيد))، والمطعون هو المصاب بالطاعون،
وسيأتى ذكره بعد هذا فى الجامع إن شاء الله تعالى، ((والغرق شهيد)» وهو من مات
غرقًا فى الماء، ((وصاحب ذات الجنب)) داء معروف وكذلك (المبطون والحرق شهيد)»
وهو من يموت بالنار، ((والذى يموت تحت الهدم شهيد)) ((والمرأة تموت بجمع شهيد)).
قيل إن معنى ذلك تموت بالولادة، وقيل إن معنى ذلك أن تموت جمعا بكرًا غير ثيب لم
ينلها أحد.
وهذه ميتات فيها شدة الأمر فتفضل الله تعالى على أمة محمد # بأن جعلها
تمحيصًا لذنوبهم زيادة فى أجرهم حتى بلغهم بها مراتب الشهداء.

٥٠٥٠٠
کتاب الجنائز
٥٥٠ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةً بِنْتِ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ أَنْهَا أَخْبُرَتْهُ أَنْهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللّهِ
بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيْتَ لَيْعَذْبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأبِى عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَّمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِىَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنْمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﴿هَ بِهُودِيَّةٍ
بَيْكِ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَقَالَ: (إِنَّكُمْ لَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتْعَذِّبُ فِى قَبْرِهَا».
الشرح: قول عبدالله بن عمر: ((إن الميت ليعذب ببكاء الحى)) (١)، هذا المعنى قد
رواه عن النبى 18 عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة، وقد ذكر الناس فى ذلك وجوهًا،
أحدها: أنه يعذب بما يبكى عليه به، وذلك أن من شأن نساء الجاهلية أن يندبن الميت،
ويمدحنه لقتله الناس، وظلمه لهم، وتسلطه عليهم، وهذا مما يعذب به، فقال: (وإنه
لیعذب بیکاء الحی علیه، إذ كان من سببه النوح والبكاء، وإذا أمر به ولم ینه عنه.
وقد أنكرت روايته عائشة، وحملت القول على ظاهره، واحتجت فى رده بقوله
تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وإذا حمل على ما ذكرناه من
التأويل خرج عن معنى ما أنكرته لأنه حينئذ لا يعذب بنوحهم، وإنما يعاقب بفعله فى
حياته أو بأمره لهم بالنياحة.
٥٥٠- أخرجه البخارى فى كتاب المغازى حديث رقم ٣٦٨١. ومسلم فى كتاب الجنائز حديث
رقم ١٥٤٧، والترمذى فى كتاب الجنائز حديث رقم ٩٢٥، ٩٢٧. والنسائى فى كتاب
الجنائز حديث رقم ١٨٣١، ١٨٣٢، ٢٠٤٨. وابن ماجه فى كتاب الجنائز حديث رقم
١٥٨٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٧٤، ٤٦٣٣، ٢٢٨٦، ٢٣٦١٤، ٢٣٩٢٨،
٢٤٥٧٢، ٢٤٩٨٤، ٢٥٢٠٥.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٢٨/٤: هذا حديث فى الموطأ عند جماعة الرواة إلا القعنبى،
فإنه ليس عنده فى الموطأ، وهو عنده فى الزيادات خارج الموطأ، وهو حديث ثابت، وليس فى
الموطأ لهذا الحديث غير هذا الإسناد، وقد روى الوليد بن مسلم، عن مالك، عن نافع، عن
عبدالله بن عمر، أن رسول الله ﴿﴿، قال: (المیت یعذب بیکاء الحی علیه».
(١) قال النووى: تأوله الجمهور على من أوصی ان ییکی علیه ویناح بعد موته فنفذت وصيته،
وكان من عادة العرب الوصية بذلك، وقالت طائفة: معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق
لهم وإليه ذهب ابن جرير ورجحه القاضى عياض، وقالت عائشةة معناه أن الكافر يعذب فى
حال بكاء أهله عليه بذنبه لا بيكائه. قال: والصحيح قول الجمهور وأجمعوا على أن المراد
بالبكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين. انظر: شرح النووى كتاب الجنائز، باب الميت
یعذب بیکاء أهله علیه.

كتاب الجنائز
٥٠٦
فصل: وقول عائشة: (وإنما مر رسول الله لا بيهودية يبكى عليها أهلها، فقال:
إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب فى قبرها)، وعلى هذا لا يتعلق عذابها بالبكاء
عليها، وإنما فيه إخبار عن حالها حين البكاء عليها، والله أعلم.
الحسبة فى المصيبة
٥٥١ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (لا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلا
تَحِلَّةَ الْقَسَمِ)(١).
الشرح: قوله: ((لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد)) شرط الإسلام لأنه لا نجاة
للكافر من النار بموت أولاده ولا بغير ذلك، وإنما ينجى منها بالإيمان والسلامة من
المعاصى، أو المغفرة لها بأن يموت للمؤمن ثلاثة من الولد، ويحتمل بأن يكون ذلك لأن
أجره على مصابه بهم يكفر عنه ذنوبه، فلا تمسه النار التى يعاقب بها أهل الذنوب،
ففى هذا تسلية للمسلمين فى مصابهم بأولادهم، إذ فى ذلك ستر لهم من النار ونجاة
من العذاب.
وقوله: (إلا تحلة القسم)»، قال ابن حبيب عن مالك: تفسيره قول الله عز وجل:
﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا﴾ [مريم: ٧١]. قال أبو عبيد:
٥٥١- أخرجه البخارى فى كتاب العلم حديث رقم ٩٩. ومسلم فى كتاب البر والصلة والآداب
حديث رقم ٤٧٦٧، ٤٧٦٨. والترمذى فى كتاب الجنائز حديث رقم ٩٨٠. والنسائى فى
كتاب الجنائز حديث رقم ١٨٥١، ١٨٥٢. وابن ماجه فى كتاب الجنائز حديث رقم
١٥٩٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٦٩٦٧، ٧٣٩٦، ٩٧٣٧، ٩٨٢٠، ١٠٢١٣،
١٠٥٠٢.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٣٦/٤: هكذا روى هذا الحديث مالك وغيره عن ابن شهاب.
وفيه: أن المسلم تكفر خطاياه، وتغفر له ذنوبه بالصبر على مصيبته، ولذلك زحزح عن النار،
فلم تمسه؛ لأن من لم تغفر له ذنوبه، لم يزحزح عن النار - والله أعلم - أجارنا الله منها.
وإنما قلت ذلك بدليل قوله : ((لا يزال المؤمن يصاب فى ولده وحامته، حتى يلقى الله،
وليست عليه الخطيئة)، إنما قلت: إن ذلك بالصبر والاحتساب، والرضى، لقوله : ((من صبر
علی مصیبته؛ واحتسب، كان جزاؤه الجنة)).
(١) تحلة القسم هو قول الله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وهو المرور على الصراط.

٠ ٥٠٧
كتاب الجنائز
فإذا مر بها وجاوزها، فقد أبرّ الله تعالى قسمه. قال: وموضع القسم مردود إلى قوله:
﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾ [مريم: ٦٨] ﴿ثم لنحضرنهم حول جهنم جئيًا﴾
[مريم: ٦٨] والعرب تقسم وتضمن المقسم به.
ومثله قوله تعالى: ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾ [النساء: ٧٢] معناه وإن منكم والله
لمن ليبطئن، وكذلك قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] وقال غيره: لا
قسم فى قوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] فيكون له تحلة. ومعنى قوله:
(إلا تحلة القسم) إلا الشىء الذى لا يناله معه مكروه، وأصله من قول العرب ضربه
تحليلاً إذا لم يبالغ فى ضربه ومعناه على هذين التأويلين أن النار لا تمسه إلا قدر وروده
عليها ثم ينجو بعد ذلك لقوله تعالى: ﴿ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًّا﴾
[مريم: ٧٢].
٥٥٢ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى
النّضْرِ السَّلَمِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: (لا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَّ الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ
الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إِلا كَانُوا لَهُ جُنّةً مِنَ النّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ويًا
رَسُولَ اللَّهِ أَوِ اثْنَانِ قَالَ: أَوِ اثْنَانِ».
الشرح: الكلام فى هذا المتن كالكلام فى الذی قبله.
وقوله: ((فيحتسبهم»، بيان لصفة من يؤجر مصابه فى ولده، وهو أن يحتسبهم، وأما
من لم يحتسبهم، ولم يرض بأمر الله فيهم، فإنه غير داخل فى هذا الوجه (١).
فصل: وقول المرأة ((واثنان))، دليل على أن تعلق هذا الحكم على الثلاث على انتفائه
عمن كان أقل منه، ولو دل على ذلك لما سألته، ولكنها لما جوزت أن يكون حكم
الاثنين حكم الثلاثة فى ذلك، وجوزت أن يخالفه لأن أجر المصيبة بالثلاثة من أجر
المصيبة بالاثنين، سألته فأخبرها أن تفضل الله فى ذلك على من أصيب باثنين، يبلغ به
الستر من النار والنجاة من عذابها.
٥٥٢- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥١٦.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٤٣/٤: وبهذا الحديث يفسر الأول لأن فيه ذكر الحسبة!
قوله: فيحتسبهم، ولذلك جعله مالك بأثره مفسرًا له: والوجه - عندى - فى هذا الحديث وما
أشبهه من الآثار إنها لمن حافظ على أداء فرائضه، واجتنب الكبائر، والدليل على ذلك، أن
الخطاب فى ذلك العصر لم يتوجه إلا إلى قوم الأغلب من أعمالهم ما ذكرنا - وهم الصحابة
رضوان الله عليهم.

٥٠٨
کتاب الجنائز
٥٥٣ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ، عَنْ أَبِى الْحُبَابِ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: «مَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصَابُ فِى وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ،
وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ».
الشرح: قوله :48: «ما يزال المؤمن يصاب فى ولده وحامته حتى يلقى الله) الحامة
الخاصة، ومنه قيل حميم فلان، أى خاصته، يعنى أنه يفجع فيهم موت أو قتل حتى يلقى
الله، وليست له خطيئة، يحتمل أن يريد أنه يحط عنه لذلك خطاياه حتى لا يبقى له
خطيئة، ويحتمل أن يريد أن يحصل له على ذلك من الأجر ما يزن جميع ذنوبه، فيلقى
الله تعالى وليس له ذنب يزيد على حسناته، فهو بمنزلة من لا ذنب له، وإنما هذا لمن
صبر واحتسب، وأما من سخط ولم يرض بقدر الله تعالى، فإنه أقرب إلى أن يأثم
لتسخطه، فيكثر بذلك سائر آثامه، وهذا تفسير للحديثين المتقدمين.
جامع الحسبة فى المصيبة
٥٥٤ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ قَالَ: (وَلِيُعَزِّ الْمُسْلِمِينَ فِى مَصَائِهِمُ الْمُصِيّةُ بِى)).
الشرح: قوله : ((ليعز المسلمين فى مصائبهم المصيبة بى)) يحتمل أن يريد أن
مصابه أعظم من سائر مصائب الدنيا، فإنه لا مصيبة أعظم من المصيبة به، وذلك أن
كل مصاب به له منه عوض ولا عوض منه ، فإذا أصبنا بمصيبة فى غيره من قريب
أو حميم، فإنها دون المصاب، فيعزى فى ذلك بأنه قد أصيب بأعظم من ذلك، وهو
المصاب بالنبى ﴿﴿ فصبر، فبأن يصبر على ما هو أيسر منه وأخف أولى.
٥٥٣ - ذكره السيوطى فى الدر المنثور ١٥٨/١ وعزاه السيوطى إلى مالك فى الموطأ والبيهقى فى
الشعب عن أبى هريرة. الزبيدى فى الإتحاف ٥٢٦/٩ عن أبى هريرة. وذكره بالكنز برقم
٦٦٢٢ وعزاه السيوطى إلى الشيرازى فى الألقاب والبيهقى فى الشعب عن أبى هريرة.
٥٥٤- ذكره فى الكنز برقم ٤٢٦١١ وعزاه السيوطى لابن المبارك عن القاسم مرسلاً.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٤٦/٤: وهذا الحديث روته طائفة عن مالك، عن عبدالرحمن بن
القاسم، عن أبيه؛ وقد روى مسندًا من حديث سهل بن سعد الساعدى. رواه سعيد بن أبى
مريم، عن موسى ابن يعقوب الزمعى، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد، عن النبى 48 وروى
من حديث المسور بن مخرمة، وحديث عائشة مسندًا . .

٥٠٩
كتاب الجنائز
٥٥٥ - مَالِك، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿﴿ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِبَةٌ فَقَالَ: كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُون﴾ [البقرة: ١٥٦] اللَّهُمَّ أُجُرْنِى فِى مُصِيَتِى وَأَعْقِيْنِى خَيْرًا مِنْهَا إِلا فَعَلَ اللَّهُ
ذَلِكَ بِهِ». قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا تُوُفِّىَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: ذَلِكَ، ثُمَّقُلْتُ: وَمَنْ خَيْرٌ
مِنْ أَبِى سَلَمَةَ، فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ ﴿ فَتَزَوَّجَهَا.
الشرح: قوله: (من أصابته مصيبة، هذا اللفظ موضوع فى أصل كلام العرب لكل
من ناله شر أو خير، ولكنه مختص فى عرف الاستعمال بالرزايا والمكاره.
وقوله : ((فقال كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون)) لم يرد لفظ الأمر بهذا
القول؛ لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله والثناء عليه، قال الله تعالى: ﴿وبشر
الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم
صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٧،١٥٦].
ويحتمل أن يشير إلى غير القرآن، فيخبر # عن أمر البارى لنا بذلك، ولذلك وصله
بقوله: ((اللهم اوجرنى فى مصيبتي وأعقبنى خيرا منها، ثم قال : ((إلا فعل الله به
مثل ذلك)، يريد والله أعلم، أن الله يستجيب دعاءه، ويجمع له بين الأجر على مصيبته
ويعقبه منها، يريد والله أعلم، يعطيه بعقب ذلك خيرًا مما أصابه.
فصل: قالت أم سلمة: (فلما توفى أبو سلمة قلته، ثم قلت: ومن خير من أبى
سلمة))، وذلك لما كانت تعلم من فضل أبى سلمة ودينه وخيره، واستبعدت لذلك أن
تعوض خير منه، ولم تكن تظن أن رسول الله 48 يتزوجها، ولو ظنت ذلك لم تقله،
فأعقبها الله رسول الله ﴿# وهو خير من أبى سلمة.
٥٥٥- أخرجه مسلم فى كتاب الجنائز حديث رقم ١٥٢٥. والترمذى فى كتاب الجنائز حديث رقم
٨٩٩. والنسائی فی کتاب الجنائز حديث رقم ١٨٠١. وأبو داود فی کتاب الجنائز حدیث
رقم ٢٧١٢. وابن ماجه فى كتاب الجنائز حديث رقم ١٤٣٧. وأحمد فى المسند حديث رقم
٢٥٤٠٦، ٢٥٤٤٨، ٢٥٤٧٤.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٤٩/٤: هذا حديث يتصل من وجوه شتى، إلا إن بعضهم يجعله
لأم سلمة عن النبى ، وبعضهم يجعله لأم سلمة، عن أبى سلمة، عن النبى 8# وكذلك
اختلف فيه أيضًا عن مالك.