النص المفهرس

صفحات 881-900

كتاب الصلاة
٤١٠.
الله تعالى: ﴿روتل القرآن ترتيلا﴾ [المزمل: ٤]، وكانت قراءة النبى ﴿3﴾ موصوفة بذلك.
قالت عائشة: وكان يقرأ بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول منها، وهو المروى عن
أكثر الصحابة.
وسئل مالك عن الهز فى القرآن، فقال: من الناس من إذا هز كان أخف علیه، وإذ
رتل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهز، والناس فى ذلك على ما يخف عليهم وذلك
واسع.
وقال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ومعنى ذلك عندى أنه يستحب لكل
إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه، فربما تكلف ما يخالف طبعه ويشق عليه
ويقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، وليس هذا مما يخالف ما قدمناه من تفضيل
الترتيل لمن تساوى فى حاله الأمران، والله أعلم وأحكم.
*
ما جاء فى القرآن
٤٦٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ
الْقَارِّ أَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ بْنِ
حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرٍ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَقْرَأَنِيهَا،
فَكِدْتُ أَنْ أَعْحَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ خَتَى انْصَرَفَ ثُمَّ لَيْئُهُ بِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللّهِ
وَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيِهَا،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: (أَرْسِلْهُ ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ الْفِرَاءَةَ الْتِى سَمِعْتُهُ يَقْرَأْ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿١: هَكَذَا أَنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُهَا فَقَالَ: هَكَذَا أَنْزِلَتْ،
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أَنْزِلَ عَلَى سَبْعَةٍ أَخْرُفٍ فَاقْرَعُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ).
الشرح: قوله: (سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها)،
دليل على تشددهم فى أمر القرآن، واهتبالهم بحفظ حروفه ولغاته، وضبطهم لقراءته
٤٦٩ - أخرجه البخارى فى الخصومات حديث رقم ٢٤١٩. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها
حديث رقم ٨١٨. والترمذى فى القراءات حديث رقم ٢٨٦٧. والنسائى فى الصغرى فى
الافتتاح حديث رقم ٩٣٦، ٩٣٧، ٩٣٨. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٤٧٥. وأحمد
فی المسند حدیث رقم ١٥٩، ٢٧٩، ٢٩٨.

............ ٤١١
كتاب الصلاة ..
المنسوبة حتى بلغ ذلك لهم أن کان عمر بن الخطاب یعجل هشام بن حکیم فی صلاته،
ثم أمهله لحرمة الصلاة ثم لببه بردائه، وذهب به إلى النبى 9﴾ لما أعظم مخالفة قراءته
للقراءة التى كان يقرؤها، وإنما أمر النبى ﴿ عمر بإرساله قبل أن يقرأ لتسكن نفسه،
ويثبت جأشه ويتمكن من إيراد القراءة التى قرأها لئلا يدركه من الانزعاج ما يمنعه من
ذلك.
فصل: وقوله :﴿ لقراءة هشام: ((هكذا أنزلت)) تصويب لقراءته ثم أمر عمر بالقراءة
لئلا يكون الغلط والخطأ والتغيير من جهته، فلما أصاب عمر القراءة قال : ((هكذا
أنزلت)) فصوب أيضًا قراءته، وأخبر أنها قراءة منزلة ثم أعلمهما أن القرآن أنزل على
سبعة أحرف تيسيرًا على الأمة فى تلاوته، يريد والله أعلم سبع قراءات وسبعة أوجه،
لأن الوجه الطريقة التى يكون الكلام عليها، وتسمى فى اللغة حرفًا، ولذلك يقولون:
فلان يقرأ بحرف أبى عمرو، ويقرأ بحرف نافع، يريدون بذلك قراءته وطريقته.
ويدل على ذلك أن عمر إنما أنكر على هشام قراءة قرأ هو بخلافها، فجوزهما النبى
، قال: ((إن القرآن أنزل على سبعة أحرف)) فلو لم يكن الحرف القراءة لما كان ما
قاله جوابًا لهم.
مسألة: فإن قيل: هل تقولون إن جميع هذه السبعة الأحرف ثابتة فى المصحف؟ فإن
القراءة بجميعها جائزة، قيل لهم كذلك نقول. والدليل على صحة ذلك قوله عز وجل:
﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] ولا يصح انفصال الذكر المنزل من
قراءته، فیمکن حفظه دونها.
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن ظاهر قول النبى 18 يدل على أن القرآن أنزل
على سبعة أحرف تيسيرًا على من أراد قراءته ليقرأ كل رجل منهم بما تيسر عليه، وبما
هو أخف على طبعة وأقرب إلى لغته لما يلحق من المشقة بذلك المألوف من العادة فى
النطق، ونحن اليوم مع عجمة ألسنتنا وبعدنا عن فصاحة العرب أحوج إلى [ ...... ](١).
٤٧٠ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «إِنَّمَا
(١) ما بين المعقوفتين بياض فى الأصل.
٤٧٠ - أخرجه البخارى فى فضائل القرآن حديث رقم ٥٠٣١. ومسلم فى صلاة المسافرين
وقصرها حديث رقم ٧٨٩. والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح حديث رقم ٩٤٢. وابن ماجه
فى الأدب حديث رقم ٣٧٨٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٦٥١، ٤٧٤٥، ٤٨٣٠،
٥٢٩٣، ٠٥٨٨٧

كتاب الصلاة
٤١٢
مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلٍ صَاحِبِ الإِلِ الْمُعَقَِّةِ(١) إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ
أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ)).
٤٧١ - وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ
النّبِّ :﴿ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْىُ؟ فَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ ﴿ه: (أَحْيَانًا يَأْتِى فِى مِثْلِّ صَلْصَلَةِ الْحَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَىَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّى وَقَدْ
وَعَّيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثْلُ لِىَ الْمَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِى فَأَعِى مَا يَقُولُ)). قَالَتْ
عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَنْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِى الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ حَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ
عَرَقًا.
٤٧٢ - وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: أَنْزِلَتْ
﴿عَبَسَ وَوَّلَّى﴾ فِى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴾ فَحَعَلَ يَقُولُ:
يَا مُحَمَّدُ اسْتَدْنِى، وَعِنْدَ النّبِىِّ ﴿ رَجُلٌّ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ النّبِىُّ ﴾
يُعْرِضُ عَنْهُ، وَيُقْبِلُ عَلَى الآخَرِ، وَيَقُولُ: ((يَا أَبَا فُلانِ هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا)).
فَيَقُولُ: لا وَالدِّمَاءِ مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا، فَأْزِلَّتْ ﴿عَبَسَ وَتَوَّلَّى أَن جَاءَهُ
الأغمَى﴾.
٤٧٣ - وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنٍ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ
كَانَ يَسِيرُ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَّيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ
شَىْءٍ فَلَمْ يُحِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَّهُ فَلَّمْ يُحِنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُحِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلِّنْكَ أُمُّكَ
(١) المعلقة: المربوطة المشدودة بالحبال.
٤٧١ - أخرجه البخارى فى بدء الوحى حديث رقم ٢. ومسلم فى الفضائل حديث رقم ٢٣٣٣.
والترمذى فى المناقب حديث رقم ٣٥٦٧. والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح حديث رقم
٩٣٣، ٩٣٤. وأحمد فى المسند حديث رقم حديث رقم ٢٤٧٢٤، ٢٤٧٧٥.
٤٧٢ - أخرجه الترمذی فی تفسير القرآن حدیث رقم ٣٢٥٤.
٤٧٣ - أخرجه البخارى فى الشهادات حديث رقم ٢٦٧٨. والمغازى حديث رقم ٤١٧٧.
والترمذى فى حديث رقم ٤١٧٧. والترمذى فى حديث رقم ٣١٨٥، ٣٢٦٢. وأحمد فى
المسند حدیث رقم ٢٠٩.

......... ٤١٣
كتاب الصلاة
عُمَرُ، نَزَرْتَ(١) رَسُولَ اللّهِ ﴿ه ثَلاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لا يُجِبِّكَ، قَالَ عُمَرُ:
فَحَرَّكْتُ بَعِيرِى حَتَّى إِذَا كُنْتُ أَمَامَ النّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِىَّ قُرْآنٌ، فَمَا
نَشِْتُ(٢) أَنْ سَمِعْتُ صَارِحًا يَصْرُخُ بِى، قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ أَنَزَّلَ
فِىَّ قُرْآنٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَقَدْ أَنْزِلَتْ عَلَىَّ هَذِهِ
الَّةَ سُورَّةٌ لَهِىَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَّ ﴿إِنَّا فَتَّخْنَا لَكَ فَتْحًا
مُبِينًا﴾.
٤٧٤ - وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِك، عَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
الْحَارِثِ الَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: (يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ
مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، يَقْرَعُونَ الْقُرْآنَ، وَلا يُحَاوِزُ حَنَاحِرَهُمْ،
يَعْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَِّيَّةِ، تَنْظُرُ فِى النَّصْلِ (١) فَلا تَرَى شَيْئًا، وَتَنْظُرُ
فِى الْقِدْحِ(٢) فَلا تَرَى شَيْئًا، وَتَنْظُرُ فِى الرِّيشِ فَلا تَرَى شَيْئًا، وَتَتَمَارَى فِى
الْمُوقِ(٣).
٤٧٥ - وَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَكَثَ عَلَى سُورَةِ
الْبَقَرَةِ ثَمَانِىَ سِنِينَ يَتَعَلِّمُهَا.
(١) نزرت: ألححت وبالغت فى السؤال.
(٢) نشبت: لبثت.
٤٧٤ - أخرجه البخارى فى فضائل القرآن حديث رقم ٥٠٥٨. ومسلم فى الزكاة حديث رقم
١٠٦٥. والنسائى فى الصغرى فى الزكاة حديث رقم ٢٥٧٦. وتحريم الدم حديث رقم
٤٠٩٩. وأبو داود فى السنة حديث رقم ٤٧٦٤. وابن ماجه فى المقدمة حديث رقم ١٦٩.
وأحمد فى المسند حديث رقم ١٠٦٢٥، ١١٠٩٦، ١١١٨٥، ١١٢٥٤، ٠١١٢٩٦
(١) الفصل: رأس السهم المدبب.
(٢) القدح: خشب السهم.
(٣) الفوق: موضع وتر من السهم.
٤٧٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٥٣.

٤١٤
كتاب الصلاة
..... ](٤) لأنه لا غناء فيهم، وإنما يستدعى العدد الكثير، وسؤالهم فى
الشرح: [ ...
القتلى أيهم أكثر أخذًا للقرآن، فإذا أشير إلى أحدهم قدمه فى اللحد تفضيلا له وتحذيره
من نسيانه بقوله : ((استدركوا القرآن فلهو أشد تفصيًا من قلوب الرجال من النعم
من عقلها)) فكيف يظن بالصحابة الفضلاء وبعبدالله بن عمر مع اقتفائه لآثار النبى
الزهد فى تعلم مثل هذا، والتشاغل عنه بشىء من الأشياء إن هذا لمن أقبح وجوه
التأويل، وأبعدها عن الصواب، فلو لم يكن لما ورد من ذلك وجه يعرف لوجب رده إذا
الخبر المتواتر بالقرآن وغيره يوجب رد ما ظنه، فكيف ومعنى ذلك ظاهر واضح، فأما ما
* غير أربعة، فإن المراد لم يستوعب تلقى
روی أنه لم يجمع القرآن على عهد النبی
جميعه عن النبى ﴿﴿ غير أربعة.
وأما سائر الصحابة فكان النبى ﴿18 يلقن الرجل السورة والسورتين، ويلقنها هو
أصحابه، فمنهم تلقن منه نصف القرآن، ومنهم من تلقن منه ثلثه وأكثر من ذلك أو
أقل، وتلقن سائره عن الصحابة، ولذلك روى عنه ابن مسعود أنه فخر على نظرائه بأنه
أخذ من فى النبى ◌َّ سبعين سورة القرآن، ولا خلاف أنه جمع القرآن على عهد النبى
ـ﴾، وكذلك فعل زيد بن ثابت كان يأخذ الآية من القرآن عن رجلين ممن تلقنها عن
النبى . وإن آلافًا ممن يقرؤها ويحفظها وتلقنها عن الصحابة إلا أنه كان لتلقنها عن
النبى لل قرية ودرجة.
وأما عبدالله بن عمر فقد ذكرنا أن المراد بذلك الفقه فى أحكامها وغير ذلك من
علومها، فقد روى عن الصحابة كراهية التسرع فى حفظ القرآن دون التفقه فيه، فروى
عن مالك فى العتبية: كتب إلى عمر بن الخطاب رجال من العراق يخبرونه أن رجالاً قد
جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب عمر أن أفرض لهم فى الديوان. قال: فكثر من يطلب
القرآن، فكتب إليه من قابل أنه جمع القرآن سبعمائة رجل، فقال عمر: إنى لأخشى أن
يسرعوا إلى القرآن قبل أن يتفقهوا فى الدين، فكتب أن لا يعطيهم شيئا.
سئل مالك عن صبى ابن سبع سنين جمع القرآن، فقال: ما أرى هذا ينبغى، وهو
معنى ما عاب به عبدالله بن مسعود الزمن الآخر أن قراءه كثير وفقهاءه قليل، وقد مدح
زمنه أن فقهاءه كثير وقراءه قليل. وقد بينت معناه هناك، وبالله التوفيق.
قال مالك فى العتبية فى قول عمر: وإنما ذلك مخافة أن يتأوله على غير تأويله، مع أنه
(٤) ما بين المعقوفتين بياض فى الأصل.

.......... ٤١٥
كتاب الصلاة
لا يمتنع أن يكون عبدالله بن عمر خلط مع ذلك من يعلم غيرها من أبواب العلم
ودرسه، وسائر القرآن وأعمال البر من الجهاد وغيره الكثير، ولكنه كان بين أول ابتدائه
بها وأخر إتمامه لها هذه المدة، ولعله حفظ تلاوتها وأكثر أحكامها فى أيسر مدة ثم
تعذر عليه حكم من أحكامها، وأشكل عليه شىء مما فيها، فلم يجد منه مراده ولم يفتح
عليه فهمه إلا بعد تمام هذه المدة، والله أعلم وأحكم.
*
ما جاء فى سجود القرآن
٤٧٦ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةً
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأْ لَهُمْ ﴿إِذَا السَّمَاءُ الْشَقَّتْ﴾ فَحَدَ فِيهَجَا فَلَمَّا
انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ سَحَدَ فِيهَا.
الشرح: قوله: ((قرأ لهم: ﴿إذا السماء الشقت﴾)) [الإنشقاق: ١]، يحتمل أن يكون
فى صلاة، وهو الأظهر لقوله، فلما انصرف أخبرهم على أنه قد روى ذلك مفسرًا.
وقوله: ((فسجد فيها))، كان أبو هريرة يرى السجود فى ﴿إذا السماء انشقت﴾
وروی ذلك عن النبى ۴﴾.
وقد اختلف فى ذلك أهل العلم، فالذى ذهب إليه مالك أنها ليست من عزائم
السجود. وقال ابن وهب وابن حبيب من أصحابنا: هى من عزائم السجود، وبه قال
أبو حنيفة والشافعي. والذى تعلق به مالك فى ذلك ما روى عن ابن عباس أن رسول
الله ﴿﴿ لم يسجد فى شىء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.
ووجه قول ابن وهب ما روى عن أبى رافع قال: صليت خلف أبى هريرة صلاة
العشاء، يعنى العتمة، فقرأ ﴿إذا السماء الشقت﴾ فسجد فيها، فلما فرغ، قلت: يا أبا
هريرة، ما كنا نسجدها. قال سجدها أبو القاسم ﴾، وأنا خلفه، فلا أزال أسجدها
٤٧٦ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٦٦. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث
رقم ٥٧٨. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٥٢٣. والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح
حديث رقم ٩٦٨. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٤٠٨. وابن ماجه فى إقامة الصلاة
والسنة فيها حديث رقم ١٠٥٨، ١٠٥٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١٠٠. والدارمى
فى الصلاة حديث رقم ١٤٦٨، ١٤٦٩، ١٤٧٠، ١٤٧١.

كتاب الصلاة
٤١٦
حتى ألقى أبا القاسم ﴿﴿ .. وهذا الخبر يدل على أن النبى ﴿49 سجد بها فى المدينة، فإن
أبا هريرة إنما أسلم وهو بالمدينة.
٤٧٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَخُلا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَخْبُرَهُ أَنَّ عُمَرَ
ابْنَ الْخَطَّابِ قَرَأْ سُورَةَ الْحَجِّ فَسَحَدَ فِيهَا سَحْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ السُّورَةً
فَضِّلَتْ بِسَحْدَيْنِ.
٤٧٨ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَسْجُدُ
فِى سُورَةِ الْحَجِّ سَحْدَيْنِ.
الشرح: السجدتان فى سورة الحج، أولاهما قوله تعالى: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾
[الحج: ١٨]، وهى متفق عليها، والثانية قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)
[الحج: ٧٧]، هى التى اختلف العلماء فيها، فمنع مالك أن تكون من عزائم السجود.
وقال ابن حبيب: هى من عزائم السجود. رواه ابن عبد الحكم عن ابن وهب، وبه قال
الشافعى.
وجه ما قاله مالك أن إثبات السجود طريقه الشرع. والأصل براءة الذمة ولم يثبت
من طريق صحيح، فمن ادعى ذلك فعليه بيانه. ومن جهة المعنى أن لفظ السجود إذا
اقترن بالركوع لم يكن من عزائم السجود كقوله تعالى: ﴿يا مريم اقسى لربك
واسجدی واركعى مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣].
ووجه رواية ابن حبيب ما روى عن عقبة بن عامر أنه قال: «قلت لرسول الله :
أو فى سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما))(١) والتعلق
بمثله ليس بالقوى لضعف إسناده(٢). وأظهر ما فى الأمر سجود الصحابة فيه.
٤٧٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٥٦. البيهقى فى السنن الكبرى ٣١٧/٢. الشافعى
فى الأم ١٣٧/١.
٤٧٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٥٧. البيهقى فى السنن الكبرى ٣١٧/٢.
(١) أخرجه الترمذى حديث رقم ٥٧٨. أبو داود حديث رقم ١٤٠٢. الحاكم فى المستدرك
٢٢١/١. الدارقطنى ٤٠٨/١. البيهقى فى السنن الكبرى ٣١٧/٢.
(٢) قال أبو عيسى الترمذى تعليقًا على الحديث: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوى،
واختلف أهل العلم فى هذا، فروى عن عمر بن الخطاب وابن عمر أنهما قالا: فضلت سورة
الحج بأن فيها سجدتين، وبه يقول ابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق، ورأى بعضهم فيها
سجدة وهو قول سفيان الثورى ومالك وأهل الكوفة.

......... ٤١٧
كتاب الصلاة
٤٧٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَّأَ
بِ﴿الْنّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فَسَحَدَ فِيهَا، ثُمَّ قَامَ فَقَرَاً بِسُورَةٍ أُخْرَى.
الشرح: وهذه السجدة أيضًا مما اختلف أهل العلم فيها، فذهب مالك إلى أنها ليست
من عزائم السجود. وذهب ابن وهب وابن حبيب إلى أنها من عزائم السجود، وبه قال
أبو حنيفة والشافعى. وجه ما تعلق به مالك ما روى عن زيد بن ثابت: قرأت على النبى
٤ ((النجم)) فلم يسجد فيها.
ووجه ما قاله ابن وهب ما روى عن عبدالله بن مسعود ((أن النبى 98 قرأ سورة
النجم فسجد فيها، فمابقى أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفا من
حصى وتراب فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفنی هذا). قال عبدالله: لقد رأيته بعد، قتل
کافرًا.
وما تعلق به ابن وهب أجرى على أصولها لأن من قول مالك، رحمه الله، أن
سجود التلاوة ليس بواجب، ولا تمنع أن يمسك النبى ﴿ عن السجود حين رآه زيد بن
ثابت ترك السجود، ليرى جواز ترك السجود، ويعلم أنه ليس بواجب، وقد فعل ذلك
عمر بن الخطاب، ويحتمل أن يترك ذلك لأنه لم يكن على طهارة.
فصل: وقوله: ((ثم قام، فقرأ بسورة أخرى))، يريد أنه لما سجد فى آخر السورة، قام
فاستأنف قراءة يتصل بها الركوع والسجود الذى بالصلاة. وقد روى ابن حبيب، فيمن
قرأ فى الصلاة سجدة سجد لها ثم قام، فإنه مخیر بین أن یر کع أو يقرأ من سورة أخرى
شيئًا ثم يركع، والسورة التى قرأها عمر بن الخطاب هى ﴿إذا زلزلت﴾ [الزلزلة: ١]،
رواه إبراهيم النخعى عن أبيه، أنه صلى مع عمر بن الخطاب صلاة الفجر، فقرأ فى
الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ فى الثانية بالنجم، ثم سجد، ثم قام فقرأ ﴿إذا
زلزلت الأرض زلزالها﴾.
مسألة: وكره مالك للإمام أن يقرأ بالسجدة فى فريضة، رواه عنه ابن القاسم. قال
عنه أشهب: إلا أن يكون من وراءه عدد قليل لا يخاف أن يخلط عليهم. روى عنه ابن
وهب: لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة فى فريضة. وقد قال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام
بالسجدة، فیما یسر فیه.
٤٧٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٥٥. الشافعى فى الأم ١٣٧/١.

٤١٨
كتاب الصلاة
وجه رواية ابن القاسم وأشهب ما احتجا به من أنه يخلط على من خلفه لأنه أمر غير
معتاد فى الصلاة. وجه رواية ابن وهب فعل عمر بن الخطاب لذلك بحضرة الصحابة،
فلم ینکر علیه منکر.
ووجه قول ابن حبيب أن التخليط إنما يحصل عند الإسرار بالقراءة. وأما مع الجهر
فأكثر من وراءه يعلم بموضع السجدة، فيتأهب لها ولا ينكر السجود فيها، فإن قرأ
بالسجدة فى فريضة، فليسجد لها لأن ذلك حكم من قرأها، فإن قرأها فى الركعة
الأولى، فلم يسجد لها، فقد قال ابن حبيب: يقرؤها فى الركعة الثانية ويسجد لها.
وقال: وقد اختلف فيه قول ابن القاسم.
وجه قولنا بإعادتها أنه لما قرأ بها قد لزمه حكمها، فإذا ترك السجود لها استحب أن
يعيد قراءتها، فيستدرك ما فاته من السجود لها. وأما وجه القول الثانى، فإن المنع من
إعادتها مبنى على المنع من تعمد قراءتها، فلما ترك حين قراءتها، وكانت قراءتها الأولى
ممنوعة منعت إعادتها.
٤٨٠ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْجَطَّابِ قَرَأَ سَجْدَةً،
وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَّعَهُ، ثُمَّ قَرَّأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ
الأَخْرَى، فَتَهِيََّ النّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلا أَنْ
نَشَاءَ، فَلَمْ يَسْجُدْ، وَمَنْعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا.
قَالَ مَالِك: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الإِمَامُ إِذَا قَرَّأَ السَّحْدَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَسْجُدَ.
الشرح: قوله: ((قرأ بسجدة، وهو على المنبر يوم الجمعة))، يحتمل أن يكون عمر أراد
أن يعلم الناس ما عنده من أمر السجود، وأن فعله وتركه جائز، وإن لم يعلم هل منهم
أحد يخالفه فى رأية أم لا، ولم يجد مجلسًا أجمل من اجتماع الناس عند خطبة يوم
الجمعة، فقرأها على المنبر فسجد، قال: وسجدنا معه، ويحتمل أن يريد جماعة المسلمين،
وأضاف الخطاب إليه لما كان من جملتهم، وإلا فهو غلط لأن عروة لم يدرك عمر بن
الخطاب، وإنما ولد فى خلافة عثمان وأكثر ما یذکر حصار عثمان، وقد كره مالك من
رواية على عنه أن ينزل الإمام عن المنبر ليسجد سجدة قرأها. روى ابن المواز عن
أشهب: لا يقرأ بها، فإن فعل، فلینزل فلیسحدها، ویسجد الناس معه.
٤٨٠ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١٠٧٧.

............ ٤١٩
كتاب الصلاة .
وجه قول مالك أن ذلك مما يتبع عليه عمر ولا عمل أحد بعده، ولعل عمر إنما فعل
ذلك تعليمًا للناس، وخاف أن يكون فى ذلك خلاف، فيبادر إلى حسمه. وكان ذلك
الوقت لم يعم كثير من الأحكام الناس، وقد تقررت الآن الأحكام، وانعقد الإجماع
على كثير منها، وعرف الخلاف السائغ فى سواها. فلا وجه لذلك مع ما فيه من
التخليط على الناس بالفراغ من الخطبة والقيام إلى الصلاة.
وقد روى عن النبى 49 أنه لما وضع المنبر، صلى عليه بالناس، فكان يقوم على المنبر،
فإذا أراد السجود نزل، ثم إذا قام رقى المنبر، فقام عليه فلما انصرف، قال: ((إنى فعلت
ذلك لتعلموا صلاتى)) ولا يفعل ذلك اليوم لأن الناس قد عمهم علم ذلك. ووجه قول
أشهب، وهو الأظهر، فعل عمر بن الخطاب ولم ينكر عليه أحد من الحاضرين مع كثرة
عددهم.
فصل: وقوله: ((فسجد وسجدنا معه))، إنما سجدوا معه لأنهم استمعوا قراءته، وهذا
حكم من جلس إلى القائم يسمع قراءته أن يسجد بسجوده لما روى عن ابن عمر، كان
النبى ﴿﴿ يقرأ علينا السورة فيسجد، ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته. ومن
جهة المعنى أنهم لما جلسوا إليه لهذا المعنى لزمهم أن ينصتوا لقراءته، ومن لزمه الإنصات
لقراءة القارئ لزمه أن يسجد لسجود تلاوته کالمصلى.
فصل: وقوله: ((على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا، إلا أن نشاء))، بيان أن سجود
التلاوة غير واجب، وقد وافقه على ذلك الصحابة حين تركوا الإنكار عليه وإجماعهم
معه على ذلك، دليل على ما ذكرناه، وبه قال مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة:
سجود التلاوة واجب.
والدليل على ما ذهب إليه مالك، إجماع الصحابة فى خبر عمر المتقدم. ومن جهة
القياس أن هذا سجود يفعل فى السفر على الراحلة، فلم يكن واجبًا كسجود النوافل.
مسألة: إذا ثبت أنه غير واجب، فإنه مؤكد. وكره مالك لأحد أن يقرأ السجدة، ولا
يسجد دون مانع لما قدمناه، وكره أن يخطر فى موضع السجدة، وهو على طهارة وفى
وقت سجود كما كره أن يقرأها ولا يسجد لها، لأن ذلك فى الوجهتين ترك
لسجودیھا.
مسألة: وكره أن يقرأ موضع السجدة خاصة ليسجد، ولا يقرأ ما قبلها ولا ما
بعدها. ووجه ذلك أنه لسجود تلاوة وإنما شرع للتالى، فلا يجوز أن يخرج عن موضعه.

كتاب الصلاة
٤٢٠
قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَحْدَةً لَيْسَ فِى
الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَىْءٌ.
الشرح: وهذا کما قال، رحمه الله، وعليه جمهور أصحابه، وبه قال ابن عباس وابن
عمر. وقال ابن وهب: عزائم سجود القرآن أربع عشرة سجدة، فأثبت مع ما قاله ابن
نافع، ثلاث سجدات فى المفصل، وبه أبو جنيفة. وقال ابن حبيب: عزائم السجود
خمس عشرة، فزاد إليها الآخرة من الحج، وقد رواه ابن عبدالحكم عن ابن وهب. وقال
الشافعى: عزائم سجود القرآن أربع عشرة سجدة أثبت ما تقدم من السجود، وأسقط
سجدة، وقال: سجدة شکر.
وفائدة ذلك أن من قرأ بها فى الصلاة لم يسجد، فإن سجد، فهل تبطل صلاته أو
لا؟ لأصحابه فى ذلك وجهان، وقد أجاب القاضي أبو محمد عما روى من الأحاديث
ـ﴾ فى المفصل، أن مالكًا لا يمنع السجود فى المفصل، وإنما
الصحاح فى سجود النبى $
يمنع أن يكون من عزائم السجود، إنما وصفت بذلك للعزم على الناس فى السجود
فيها، وبين أنها ليست من عزائم السجود خبر ابن عباس وزيد بن ثابت ترك النبى
السجود فيها بالمدينة، فعلى هذا يكون القرآن على ثلاثة أضرب، منه ما لابد من
السجود فيه، وهى عزائم سجود القرآن، ومنه ما لا يجوز السجود فيه جملة على معنى
سجود التلاوة، ومنه ما خير فيه وهى المواضع المتكلم فيها.
قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: وقول ابن وهب أظهر عندى.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن مواضع سجود القرآن فى آخر الأعراف، قوله تعالى:
﴿وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وفى الرعد قوله تعالى: ﴿بالغدوّ والآصال﴾
[الأعراف: ٢٠٥]، وفى النحل قوله تعالى: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ١٦]، فية
سبحان قوله تعالى: ﴿ويزيدهم خشوعا﴾ [الأسراء: ١٠٩]، وفى مريم قوله تعالى:
﴿سجدًا وبكيًا﴾ [مريم: ٥٨]، وفى الحج الأولى قوله تعالى: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾
[الحج: ١٨]، والثانية وهى مختلف فيها قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)
[الحج: ٧٧]، وفى الفرقان قوله تعالى: ﴿وزادهم نفورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وفى النمل
قوله تعالى: ﴿رب العرش العظيم﴾ [النمل: ٢٦].
وقال الشافعى فى قوله تعالى: ﴿وما يعلنون﴾ [النمل: ٧٤]، وما قاله مالك أولى
لأتمام الكلام وفى: ﴿آلم تنزيل﴾ [السجدة: ٢]، قوله تعالى: ﴿وهم لا يستكبرون﴾

.......... ٤٢١
كتاب الصلاة
[السجدة: ١٥]، وفى ص قوله تعالى: ﴿وخر راكعًا وأناب﴾ [ص: ٢٤]، وفى مختصر
الوقار ﴿وحسن مآب﴾ [ص: ٢٥، ٤٠]، وفى ((حم فصلت)) قوله تعالى: ﴿إن كنتم
إياه تعبدون﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقال ابن وهب: يسأمون.
وقال ابن وهب: واسع وفى ((النجم)) خاتمتها. قال ابن حبيب: وكذلك فى
(انشقت)). وقال القاضى أبو محمد: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾
[الأنشقاق: ٢١]، وهو أظهر لأن ما بعده لا تعلق له بذكر السجود، وفى سورة العلق
آخرها.
قَالَ مَالِك: لا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ يَقْرَأُ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ شَيْئًا بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ وَلا بَعْدَ
صَلاةِ الْعَصْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿لَّه نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتّى تَطْلُعَ
الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَالسَّحْدَةُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا
يَنْبَغِى لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَحْدَةً فِى ◌َيْنِكَ السَّاعَتَيْنِ.
الشرح: وهذا كما قال لأن سجود التلاوة لما كانت صلاة، وجب أن يكون لها
وقت كسائر الصلوات، واختلف قول مالك فى وقتها، فقال فى الموطأ: لا يقرأ بها
بعد الصبح إلى طلوع الشمس ولا بعد العصر إلى غروب الشمس. وهذا يقتضى المنع
من السجود فى ذلك الوقت، والمنع من قراءتها مع ترك السجود لأنه لا خلاف فى
جواز قراءة القرآن ذلك الوقت.
روى عنه ابن القاسم فى المدونة: يسجد لها بعد الصبح ما لم يسفر؟، وبعد العصر
ما لم تصفر الشمس. وقال ابن حبيب: يسجد لها بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يرخص
فى السجود لها بعد العصر، وإن لم تتغير الشمس.
وجه الرواية الأولى أن هذه صلاة نافلة، فمنعت بعد الصبح والعصر كسائر النوافل.
ووجه الرواية الثانية أنها صلاة اختلف فى وجوبها، فجاز فعلها بعد الصبح ما لم
يسفر، وبعد العصر ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس كصلاة الجنازة.
ووجه قول ابن حبيب ما احتج به من قياس هذا على الطائف، يجوز له أن يركع
للطواف بعد الصبح ما لم يسفر، على قول من يرى وقت الإسفار للصبح، وقت
ضرورة لا وقت اختيار كاصفرار الشمس للعصر.

كتاب الصلاة
٤٢٢
مسألة: إذا ثبت ذلك، فمن قرأها فى وقت يمنع من سجود أو قرأها على غير طهارة
قال مالك: يخطر فيها ولا يقرؤها.
ووجه ذلك أنه ممنوع من السجود، وممنوع من قراءتها وترك السجود، فلزمه أن
يتعدى موضع السجود فلا يقرؤها. وقال بعض شيوخنا المتأخرين: يتعدى موضع
السجود خاصة، ولا يتعدى الآية كلها.
سُئِلَ مَالِك عَمَّنْ قَرَأْ سَحْدَةً وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ تَسْمَعُ هَلْ لَهَا أَنْ تَسْجُدَ.
قَالَ مَالِك: لا يَسْجُدُ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلا وَهُمَا طَاهِرَانِ.
الشرح: وهذا كما قال، رحمه الله، لأن سجود التلاوة صلاة، فكان من شرطها
الطهارة كسائر الصلوات، ولما كانت الحائض غير طاهرة لم يكن من حكمها السجود
إذا تعین ذلك علی من کان طاهرًا.
مسألة: واختلف قول مالك فى التكبير لسجود التلاوة، فقال مرة: يكبر، وقال مرة:
لا یکبر. وخیر ابن القاسم فى ذلك.
وجه القول الأول انه سجود تلاوة، فشرع التکبیر فی الخفض والرفع له کما لو کان
فى نفس الصلاة. ووجه القول الثانى أن هذه عبادة لم يشرع لها تحليل، فلم يشرع لها
إحرام كالصوم.
وسُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ قَرَّأَتْ سَحْدَةً، وَرَجُلٌ مَعَهَا يَسْمَعُ، أَعَلَيْهِ أَنْ يَسْحُدَ مَعْهَا؟.
قَالَ مَالِك: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهَا إِنْمَا تَحِبُ السَّحْدَةُ عَلَى الْقَوْمِ يَكُونُونَ مَعَ
الرَّجُلِ فَيَأْتَمُّونَ بِهِ فَيَقْرَأُ السَّحْدَةَ، فَيَسْجُدُونَ مَعَهُ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَمِعَ سَحْدَةً مِنْ
إِنْسَانٍ يَقْرَؤُهَا لَيْسَ لَهُ بِإِمَامٍ أَنْ يَسْحُدَ تِلْكَ السَّحْدَةَ.
الشرح: وهذا كما قال أن من سمع قارئًا يقرأ السجدة، ولم يأتم به والائتمام به أن
يجلس للاستماع منه، فإنه ليس عليه أن يسجد معه، سواء كان مارًا أو جالسًا، وإذا
كانت المرأة ممن لا يجوز الائتمام بها، فلا يصح السجود معها، فيما يكون لها سواء
كان مارًا أو جالسًا، وإذا كانت المرأة ممن لا يجوز الائتمام بها، فلا يصح السجود
معها، فيما يكون لها فيه حكم الإمامة.
مسألة: ومن جلس للاستماع من القارئ، فقد انتم به ولزمه حكمه، فإن كان ممن

٤٢٣
كتاب الصلاة
يصلح للإمامة، فسجد، كان على من جلس إليه السجود معه. والأصل فى ذلك ما
روى عن ابن عمر قال: «كان النبى ﴾ يقرأ السجدة، ونحن عنده فیسجد، ونسجد
معه، فتزدحم حتى ما يجد أحدنا جبهته موضعًا يسجد عليه.
مسألة: فإن لم يسجد القارئ، فهل يسجد المستمع؟ روى ابن القاسم عن مالك:
يسجد المستمع. وقال مطرف وابن الماجشون: لا يسجد المستمع.
وجه القول الأول أن سجود التلاوة يلزما القارئ والمستمع، فإذا ترك القارئ ما
ندب إليه، فعلى المستمع أن يأتى به.
ووجه القول الثانى أن القارئ إمام فلا تصح مخالفته.
*
*
*
ما جاء فى قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿تبارك الذى بيده الملك﴾
٤٨١ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنْهُ سَمِعَ رَجُلا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ
غَّدَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ ﴿ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَانَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ
(وَالْذِى نَفْسِى بِّدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرَآنِ).
الشرح: قوله: ((فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﴿)، يحتمل أن يكون الغادى هو
الرجل، فذكر له أنه تهجد بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، فأخبره ! أنها
تعدل ثلث القرآن، وكان الرجل يتقالها، يعنى يراها قليلاً من القرآن، ويتأسف إذ لا
هو أبو سعيد
يحسن غيرها ليتهجد به، ويحتمل أن يكون الغادى على رسول الله
الخدری.
فصل: وقوله : ((والذى نفسى بيده) قسم على معنى التأكيد مع أنه مصدق
بالخبر.
وقوله ﴿: ((إنها تعدل ثلث القرآن)) يحتمل أن يريد أن للقارئ بها من الأجر ما
٤٨١ - أخرجه البخارى فى فضائل القرآن حديث رقم ٥١٠٤. والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح
حديث رقم ٩٩٥. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٤٦١. وأحمد فى المسند حديث رقم
١٠٧٣١، ١٠٩١٣، ٠١٠٩٩٩

كتاب الصلاة
٤٢٤
للقارئ بثلث القرآن، ويحتمل أن يريد بذلك لمن لا يحسن غيرها، ومنعه من تعلمها
عذر، ويحتمل أن يريد أن أجرها مع التضعيف يعدل أجر ثلث القرآن من غير تضعيف،
ويحتمل أن الأجر عليها لذلك القارئ أو القارئ على صفة ما من الخشوع والتفكر
والتدبر وإحضار الفهم وتحديد الإيمان، مثل أجر من قرأ ثلث القرآن، على غير هذه
الصفة، والله يضاعف لمن يشاء، والله أعلم بذلك.
٤٨٢ - مَالِكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى آلِ زَيْدٍ
بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَسَمِعَ
رَجُلا يَقْرَّأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَ﴾: ((وَحَبَتْ، فَسَأَلْتُهُ مَاذَا يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((الْجَنَّةُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ ثُمَّ
فَرِقْتُ(١) أَنْ يَفُوَتَنِى الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَآثَرْتُ الْغَدَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَا ثُمَّ
ذَهَبْتُ إِلَى الرَّحُلِ فَوَحَدْتُهُ قَدْ ذَهَبَ.
الشرح: قوله: ((فسمع رجلاً يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾)) يحتمل أن يكون فى غير
صلاة.
وقوله : ((وجبت)) يحتمل أن يريد بذلك تنبيه أبى هريرة ومن كان معه على
فضلها وكثرة الثواب لقارئها.
وقوله: ((ثم فرقت أن يفوتنى الغداء مع رسول الله ﴿!)). قال: بن وضاح: الغداء
هاهنا صلاة الغداة، ولا يعرف ذلك فى كلام العرب، وإنما الغداء ما يؤكل بالغداء.
وكان أبو هريرة يلزم رسول الله ﴿﴿ لشبع بطنه، فكان يتغذى معه ويتعشى، فخاف
إن مر إلى الرجل يبشره أن يغيب عن الغداء معه فيفوته.
٤٨٣ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنّهُ أَخْبَرَهُ
أَنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ(١)، وَأَنَّ﴿ِ تَبَارَكَ الْدِى
٤٨٢ - أخرجه الترمذى فى فضائل القرآن حديث رقم ٢٨٢٢. وأحمد فى المسند حديث رقم
٧٩٥١، ٠١٠٥٣٦
(١) فرقت: رخفت.
٤٨٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٦١.
(١) أخرج شطره عن النبى 8 من طرق أخرجها البخارى ٣٢٥/٦ كتاب فضائل القرآن=

٤٢٥
كتاب الصلاة
بَيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تُحَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا.
الشرح: قوله: ((إن ﴿تبارك الذى بيده الملك﴾ [الملك: ١]، تجادل عن صاحبها))،
قيل معناه تجادل عنه فى القبر. روى زاذان بن مسعود، قال: هى المانعة، تمنع من عذاب
القبر، إذا توفى الرجل يؤتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه: إنه لا سبيل لكم على ما
قبلى، إنه قد وعى بى سورة الملك، ويؤتى من قبل رأسه، فيقول: والله لا سبيل لكم
على ما قبلى، إنه كان يقرأ فى سورة الملك.
قال: وهى فى التوراة مكتوبة: سورة الملك من قرأها فى ليلة فقد أكثر وأطنب.
وقوله: فيقول بطنه: وعى فى سورة الملك، يحتمل أن يريد به باطن ظهره، فيدخل فيه
الصدر وغيره لأن الصدر هو الذى حوى السورة، وهو نحو قول الرأس أنه قرأ فى
السورة الملك، وإنما قرأها بالفم لكنه من جملة الرأس.
*
*
*
ما جاء فى ذكر الله تبارك وتعالى
٤٨٤ - مَالِكِ، عَنْ سُمَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ
الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ
عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَهُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَهُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ
الشَّيْطَانِ يَوْمَّهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِىَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلا أَحَدٌ عَمِلَ
أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)).
الشرح: قوله: ((كانت له عدل عشر رقاب))، معناه أن ثوابها يعدل ثواب عتق
رقاب.
فضل ﴿قل هو الله أحد﴾، عن أبى سعيد الخدرى. وأحمد ٨/٣، عن أبى سعيد الخدرى.
والدارمى ٤٦١/٢، عن أبى أيوب الأنصارى. والطبرانى فى الكبير ٢٥٥/١٧، عن أبى
مسعود والأنصارى. وأبو نعيم فى تاريخ أصفهان ١١/٢، عن أبى مسعود الأنصارى.
وغيرهم.
٤٨٤ - أخرجه البخارى فى بدء الخلق حديث رقم ٣٢٩٣. ومسلم فى الذكر والدعاء والتوبة
والاستغفار حديث رقم ٢٦٩١. والترمذى فى الدعوات حديث رقم ٣٣٩٠. وابن ماجه فى
الأدب حديث رقم ٣٧٩٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٩٤٨، ٨٥٠٢، ٨٦٥٦.

٤٢٦
كتاب الصلاة
وقوله: ((ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك))، تنبيه على أن
هذا غاية فى ذكر الله تعالى، وأنه قل ما يزيد عليه، ولذلك قال: ولم يأت أحد بأفضل
مما جاء، ولو لم يفد ذلك لبطلت فائدة الكلام؛ لأن كل ما أتى إنسان ببعضه، فإن
أحدًا لا یأتی بأفضل مما جاء بأكثر من ذلك، لكنه أفاد بذلك أن هذا غاية فى بابه، ثم
قال: إلا رجل عمل أكثر من ذلك، لئلا يظن السامع أن الزيادة على ذلك ممنوعة
کتكرار العمل فى الوضوء.
ووجه ثان، وهو يحتمل أن يريد أنه لا يأتى أحد من سائر أبواب البر بأفضل مما جاء
به إلا رجل عمل من هذا الباب أکثر من عمله.
٤٨٥ - مَالِكِ، عَنْ سُمَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ
حُطْتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
٤٨٦ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ
الِّىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنْهُ قَالَ: مَنْ سَبَّحَ دُبْرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاَثًا وَثَلاثِينَ، وَكَبَّرَ ثَلَاثًا
وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ ثَلاَثًا وَثَلاثِينَ، وَخَتَمَ الْمِائَةَ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ
الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدٍ
الْبَحْرِ.
الشرح: قوله {18: ((حطت عنه خطاياه))، يريد أنه يكون فى ذلك كفارة، كقوله
تعالى: ﴿إِن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤].
وقوله: ((من قال: سبحان الله))، التسبيح، وهو التنزيه لله تعالى عما يقوله
الظالمون.
وقوله: ((ثم ختم المائة بلا إله إلا الله))، يريد أن التسبيح والتكبير والتحميد تسعة
٤٨٥ - أخرجه البخارى فى الدعوات حديث رقم ٦٤٠٥. ومسلم فى الذكر والدعاء والتوبة
والاستغفار حديث رقم ٢٦٩١. والترمذى فى الدعوات حديث رقم ٣٣٨٨. وابن ماجه فى
الأدب حديث رقم ٣٨١٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٩٤٨، ٨٦٥٦، ١٠٣٠٥.
٤٨٦ - أخرجه مسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٥٩٧. وأحمد فى المسند حديث رقم
٧٢٠٢، ٨٦١٦، ٠٩٨٩٧

.............
كتاب الصلاة
وتسعون اسما، فإذا هلل أكمل المائة، وذلك مما يغفر ذنوبه، والغفران معناه فى كلام
العرب الستر.
وقوله: ((وإن كانت مثل زبد البحر))، يريد فى كثرتها، فإن ما قاله يعدل
ذلك.
٤٨٧ - مَالِكِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ صِيَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ فِى
الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ: إِنَّهَا قَوْلُ الْعَبْدِ: اللَّهُ أَكْبُ، وَسُبْحَانَ اللّهِ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ، وَلا إِلَّهَ
إِلا اللَّهُ، وَلا حَوْلَ وَلاَ قُرَّةَ إِلا بِاللّهِ.
الشرح: قوله: ((الباقيات الصالحات))(١)، يحتمل أن يريد قوله تعالى: ﴿والباقيات
الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملا﴾ [الكهف: ٤٦]، ويحتمل أن يصفها بذلك
لأنها باقيات لصالحبها وصالحات لجزيل ثوابها فى المعاد وحين الحاجة لأن كل ما
يتجمل به المشركون من المال والبنين زينة الحياة الدنيا، ليس يبقى لهم ولا يعود
بمصلحة عليهم، فأخبر سعيد بن المسيب أن الباقيات الصالحات هى هذه الكلمات
الخمس.
٤٨٨ - مَالِكِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِىِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَلا أُخْبِرُكُمْ
بِخَيْرٍ أَعْمَالِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِى دَرَ جَاتِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيْرٍ لَّكُمْ مِنْ إِعْطَاءٍ
٤٨٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٦٥. الدرر المنثور ٣٩٨/٥.
(١) قال فى الاستذكار ١٢٨/٨: على مثل قول سعيد بن المسيب فى ﴿الباقيات الصالحات﴾
أكثر أهل العلم قالوا ذلك فى تأويل قول الله تعالى: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك
ثوابا وخير أملا﴾. وروى ابن جريج عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن نافع بن سرجس
مولى ابن عباس أنه سأل عبد الله بن عمر عن ﴿الباقيات الصالحات﴾ فقال: لا إله إلا الله،
والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال ابن جريج، وقال
عطاء بن أبر رباح مثل ذلك. وقال عطاء الخراسانى عن ابن عباس قال: هى الأعمال الصالحة
وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر. وكان مسروق يقول: ﴿الباقيات
الصالحات﴾: هن الصلوات وهن الحسنات يذهبن السيئات. وروى معمر عن قتادة عن سعيد
ابن المسيب، قال: لأن أذكر الله من بكرةٍ إلى الليل أحب إلىّ أن أحمل على الجهاد فى سبيل
الله من بكرةٍ إلى الليل.
٤٨٨ - أخرجه الترمذى فى الدعوات حديث رقم ٣٢٩٩. وابن ماجه فى الأدب حديث رقم
٣٧٩٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢١١٩٥، ٢٦٩٧٧.

كتاب الصلاة
٤٢٨
الذّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَغْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا
أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى.
الشرح: قوله: ((ذكر الله تعالى)) يحتمل معانى؛ لأن ذكر الله على ضربين، أحدهما:
ذكر باللسان، والثانى: ذكر عند الأوامر بامتثالها، وعند المعاصی باجتنابها، وهو ذکر،
والذكر باللسان على ضربين: واجب ومندوب إليه، فالواجب قراءة القرآن فى الصلاة
والتكبير والتسليم فيها، وما جرى مجرى ذلك، والمندوب إليه سائر الأذكار من قراءة
القرآن والتسبيح والتهليل وغير ذلك، فأما الواجب من الذكر، فيحتمل أن يفضل على
سائر أعمال البر من الجهاد والزكاة وغيرها، فيقال إن ثواب المصلى أكثر من ثواب
غيره، إما على الإطلاق، وإما فى وقت من الأوقات أو على حال من الأحوال، وأما
المندوب إليه، فيحتمل أن يفضل على سائر البر المندوب إليها لمعنيين، أحدهما: أن الثواب
عليه أعظم، وهذا طريقه الخير، والثانى كثرة تكرره، وهذا يعرف بالمشاهدة والنظر.
قَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِىِ زِيَادٍ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذُ بْنُ حَبَلٍ: مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ
عَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَّابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ.
الشرح: يحتمل أن يريد هاهنا بذكر الله الذكرين جميعًا بالقلب عند الأوامر والنواهى
والذكر باللسان من التسبيح والتهليل وتلاوة القرآن، فإذا قلت إنه الذكر باللسان، فإنه
يحتمل أن يريد الذكر فى الصلاة لما تقدم من فضلها على غيره، ويحتمل أن يريد سائر
الأذكار لتكررها، وخفتها على اللسان.
٤٨٩ - مَالِك عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الْمُحْمِرِ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَحْتَى الزُّرَقِىِّ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ أَنْهُ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلَّى وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَلَمَّا رَفَعَ
رَسُولُ اللّهِ ﴿ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ: وَرَاءَهُ رَبَّنَا
وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيًّا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَالَ: مَنِ
الْمُتَكَلِمُ آنِفًا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿﴾: ((لَقَدْ رَأَيْتُ
بِضْعَةٌ وَثَلاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهُنَّ أَوَّلُ)).
٤٨٩ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٩٩. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٦٩.
والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح حديث رقم ٩٣١. والتطبيق حديث رقم ١٠٦٢. وأبو
داود فى الصلاة حديث رقم ٧٧٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٨٥١٧.

٤٢٩
كتاب الصلاة
الشرح: وقوله : ((من المتكلم آنفا)) قبل هذا، ولا يستعمل إلا فيما يقرب.
وقول المتكلم: ((أنا))، وإن كان غيره لم يخل من الكلام فى ذلك الوقت لما علم أنه
المراد لأنه اختص بكلام غير معهود.
وقوله : ((لقد رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا)) البضع ما بين الثلاث إلى التسع.
وقوله: ((يبتدرونها أيهم يكتبها)» أول دليل على عظم ثوابها ورفعة درجة صاحبها
وأن لكاتبها أولا مزية، وإن كان جميعهم يكتبها، وقد روى عن مالك أنه لم ير عمل
على هذا وكره أن يقولها المصلى. ووجه ذلك لمن يتخذها من الأقوال المشروعة
کالتکبیر وسمع الله لمن يحمده.
ما جاء فى الدعاء
٤٩٠ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الرِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾
قَالَ: ((لِكُلِّ نَبِىِّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِى شَفَاعَةٌ لِأُمَّتِى فِى الْآخِرَةِ».
الشرح: قوله: ((لكل نبى دعوة يدعو بها) يريد بذلك مجابة، قد وعد الإجابة فيها،
وأن النبى ﴿﴾ خبأ ذلك لأمته إلى الآخرة ليشفع بها فيهم، وهذا يدل على ثبوت
الشفاعة له فى الآخرة.
٤٩١ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يَدْعُو
فَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ فَالِقَ الإِصْبَاحِ، وَجَاعِلَ اللّيْلِ سَكْنًا، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حُسْبَانًا، اقْضٍ
عَنِّى الدَّيْنَ، وَأَغْنِى مِنَ الْفَقْرِ، وَأَمْتِعْنِى بِسَمْعِى وَبَصَرِى رَقُوَّتِى فِى سَبِلِكَ)).
الشرح: قوله ﴿ !: «اللهم فالق الإصباح» دعا الله تعالى ما وصف به نفسه فى قوله
عز وجل: ﴿فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]، ومعنى فالق الإصباح
الذى خلقه وابتدأه وأظهره، والفلق البحر.
٤٩٠ - أخرجه البخارى فى الدعوات حديث رقم ٦٣٠٤. ومسلم فى الإيمان حديث رقم ١٩٨.
والترمذى فى الدعوات حديث رقم ٣٥٢٦. وابن ماجه فى الزاهد حديث رقم ٤٣٠٧،
وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٦٥٧، ٢٧٣٤٨، ٨٧٣٦، ٨٨٩٨، ٩٠٤٨، ٩٢٢٠،
٩٢٦٨، ٩٩٣٨. والدارمى فى الرقائق حديث رقم ٢٨٠٥.
٤٩١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٦٩.