النص المفهرس
صفحات 801-820
كتاب الصلاة ٣٣٠ يتفرغ لها من جميع الأعمال، ووضع أمامة عند السجود وحملها عند القيام من العمل الذى يستباح مثله فى النوافل. وروى ابن نافع وأشهب عن مالك أنه سئل عن تأويل الحديث، فقال: ذلك عندى على حال الضرورة إنما كان الرجل لا يجد من يكفيه، ولم يفرق فى هذا الرواية بين الفرض والنفل. وهذا على ما قاله وجه صحيح لأن الضرورة تبيح للرجل الاشتغال فى فرضة بكثير مما ليس له فعله مع الكفاية، وربما كان الصبى يضيع إذا لم يكن له ممسكًا ومما يدل على أن ذلك كان للضرورة أن فيها من التغرير فى الصلاة بما لا يمكن الاحتراز منه من بول الصبى الذى لا يفهم الزجر. وقد روى هذا الحديث محمد بن عجلان وعثمان بن أبى سليمان فقالا فيه، عن عامر يؤم الناس، وهو حامل أمامة، الحديث بن عبدالله عن عمرو بن سليم: رأيت النبى ؟ أخرجه مسلم من حديثهما. قال القاضى أبو الوليد: وذلك عندى ينقسم على قسمين، فإن كان إنما يحمل الرجل الصبى على معنى الكفاية لأمه أو لاشتغالها بغير ذلك مما يهمها أو يحمله عن المرأة على وجه الرفق بها، فإن ذلك لا يجوز أن يكون إلا فى النافلة، والفرق بينها وبين الفريضة أن مدة الفريضة يسيرة يمكن أن يتفرغ لها ويسلم الصبى فى ذلك الوقت أبدًا إلى من يقوم به ويخف عليه إمساكه فى ذلك الوقت، ومدة النفل طويلة ولذلك أبيح فى الفريضة من الجلوس مع القدرة على القيام. مسألة: وأما إن كان لضرورة يخاف على الصبى هلاكًا أو أمرًا شديدًا ولا يجد من يقوم مقامه فيه، فإن إمساكه له جائز فى الفرض وغيره، وأصل ذلك أن العمل ممنوع فى الصلاة فى الجملة إلا أن تدعو ذلك ضرورة، فإنه على حسب ما تقرر فى الشرع، وقد استوعبنا ذلك فى الاستيفاء. مسألة: وقال ابن القاسم، فى حمل المرأة ولدها، تركع به وتسجد فى الفرض: لا ينبغى ذلك، فإن فعلت ولم يشغلها عن الصلاة لم تعد. قال القاضى أبو الوليد: ومعنى ذلك عندى أن يكون إمساكها حال القيام على وجه لا يشغلها ولا تتكلف إمساكه بيدها وإنما يكون على عاتقها أو فى ثوب معلق منها، وأما إن كانت تمسكه بيديها أو تحمله فى ذراعيها، فإنه عمل متصل كثير فى الصلاة، وذلك يمنع صحتها. ٣٣١ ... .... كتاب الصلاة . قال القاضى أبو الوليد: وهو عندى معنى قوله: ولم يشغلها، وأما فى حال الركوع والسجود، فإنه إن كان على عاتقها وضعته حتى تكمل ذلك، وتأخذه عند قيامها، فيكون من العمل المتفرق فى الصلاة وذلك من حيز القليل الذى لا يمنع صحة الصلاة، والله أعلم. ٤٠٨ - مَالِك، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾ قَالَ: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَخْتَمِعُونَ فِى صَلاةِ الْعَصْرِ وَصَلاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَأْتُوا فِيَكُمْ فَيَسْأَلَّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُّونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ)). الشرح: قوله : ((يتعاقبون فيكم)) معناه تأتى عقيب أخرى، وتعاقبهم، أى تأتى ملائكة بالليل وتعاقبهم ملائكة بالنهار، يريد، والله أعلم، يتداولون فيجتمعون فى صلاة الصبح فتعرج، ملائكة الليل وتبقى ملائكة النهار، ثم تنزل ملائكة الليل فيجتمعون فى صلاة العصر، ثم تعرج ملائكة النهار وتبقى ملائكة الليل، وهو من تفضل الله على عباده أن جعل اجتماعهم فى أوقات الصلوات فتكون الصلاة فى أول أعمال العباد وآخرها، ويحتمل أن يكون هذا التعاقب من الملائكة فى جملة الناس فتكون الصلاة التى يتعاقبون فيها وقت صلاة الناس ووقت إقامتها فى المساجد، ويحتمل أن تكون الملائكة هم الحفظة الكرام وأن يكون التعاقب فيما يخص كل إنسان مما فى وقت صلاته. فصل: وسؤاله لهم تعالى، وهو أعلم، يحتمل أن يكون تعبدا للملائكة كما أمرهم الله أن يكتبوا ويحصوا أعمال العباد، وهو عالم بسرهم وجهرهم. ٤٠٩ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ قَالَ: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ)). فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ يَا ٤٠٨ - أخرجه البخارى فى مواقيت الصلاة حديث رقم ٥٥٥. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٦٣٢. والنسائى فى الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٨٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٤٤٠، ٢٧٣٣٦، ٨٣٣٣، ٨٩٠٦، ٠٩٩٣٦ ٤٠٩ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦٦٤. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤١٨. والترمذى فى المناقب حديث رقم ٣٦٠٥. والنسائى فى الصغرى فى الإمامة حديث رقم ٨٣٣. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٣٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٤١٢٦، ٢٤٧٢٨، ٢٥١٣٥، ٢٥٣٨٦. ٣٣٢ كتاب الصلاة رَسُولَ اللَّهِ إِذَا قَامَ فِى مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلٌ لِلنَّاسِ، قَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلٌّ لِلنَّاسِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِى لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرِ إِذَا قَامَ فِى مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلٌّ لِلنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿أَ: ((إِنَّكُنْ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلٌ لِلّاسِ)). فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لأَصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. الشرح: أمر رسول الله ﴿ أبا بكر أن يصلى للناس لأنه أفضل الصحابة وأعلمهم، وقد اختلف الفقهاء فيمن هو أحق بالإمامة فذهب مالك والأوزاعى وأبو حنيفة والشافعى إلى أن أحقهم بالإمامة أفضلهم، وإن اختلفت عباراتهم، فقال مالك: يؤم القوم أفقههم إذا كانت له حال حسنة. قال ابن حبيب: ولا يكون عالماً حتى يكون قارئًا. وقال الثورى: يؤم القوم أقرؤهم. وقال أصحاب الظاهر: يؤم القوم أكبرهم، ومعنى الخلاف عندى أن يكون أحد الرجلين فقيهًا عالمًا ويقرأ من القرآن ما يقيم به صلاته ولا يقرؤه كله، ويكون الآخر قارئًا لجميع القرآن حسن التلاوة، ويعلم إقامة الصلاة على وجهها إلا أنه لا يفقه فى أحكامها ولا يعلم دقائق أحكام السهو فيها، فيكون أحقهما الفقيه إذا كانت له حال حسنة. والدليل على ذلك تقديم النبى 8 أبا يكر لما كان أعلم الصحابة وأفضلهم، وإن كان فيهم من هو أقرأ منه. وقد قال عمر: أبى أقرؤنا. ودليلنا من جهة المعنى أن المقدار الذى تفتقر إليه الصلاة من القراءة قد استويا فيه، والصلاة لا يؤمن أن يطرأ فيها على الإمام ما لا يعلم حكمه القرآء، فيفسدها لأن ذلك مما ينفرد به الفقيه. فصل: وقول عائشة: ((إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء)» دليل على أن من الصلوات ما حكمها الجهر، ودليل على أن البكاء من خشية الله لا يقطع الصلاة، وفيها دليل على جواز القول بالرأى، ولذلك أقرها على اعتراضها عليه بالرأى بعد نصه على الحكم. فصل: وقوله :﴿ جوابا لعائشة: ((مروا أبا بكر فليصل للناس)) دليل على ترك اعتبار شىء مما اعترضت به، ودليل على أن كله لا ينقص من الصلاة. وقول عائشة لحفصته: ((قولى له: إن أبا بكر إذا قام فى مقامك لم يسمع الناس من البكاء)) إلى آخر الفصل على سبيل التكرار والتأكيد مخافة أن يكون مرض النبى ٣٣٣ كتاب الصلاة وشدة وجعه قد منعه من استيفاء قولها فهابت عائشة أن تراجعه فى القول وأرادت أن ! من جماعة، فيكون أدعى إلى الإصغاء يخاطبه بذلك غيرها، ويتكرر على النبى ؟ إليه. فصل: وقوله: ﴿1: ((إنكن لأنتن صواحب يوسف)) يريد جنس النساء إنهن صواحب يوسف، فيحتمل أن يريد امرأة العزيز، وأتى بلفظ الجمع على معنى الجنس، كما تقال فلان يميل إلى النساء ولعله إنما مال إلى امرأة واحدة منهن، ويحتمل أن يريد اللاتى قطعن أيديهن، وقلن: ((ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم)) وإنما أراد بذلك إنكار مراجعتهن إياه فى تقديم أبى بكر بأمر قد تكرر سماعه ولم يره، فذكرهما بفساد رأى من تقدم من جنسهن، وأنهن قد دعون إلى غير صواب، وأن هذا الذى دعت إليه غير صواب أيضًا. ٤١٠ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنٍ عَدِىِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ حَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ إِذْ حَاءَهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ فَلَمْ يُدْرَ مَا سَارَّهُ بِهِ حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِتُّهُ فِى قَتْلٍ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ حِينَ جَهَرَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَّهَ إِلا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى وَلا شَهَادَةً لَهُ، فَقَالَ: (أَيْسَ يُصَلِّى)) قَالَ: بَلَى وَلا صَلاةَ لَهُ فَقَالَ ﴿: ((أُولَئِكَ الّذِينَ نَهَانِى اللَّهُ عَنْهُمْ)). الشرح: قوله: ((بينما رسول الله ( بين ظهرى الناس)، هكذا الرواية فيه، والمعروف من كلام العرب ظهرانى الناس. وقوله: ((إذا جاء رجل»، يقال إنه عتبان بن مالك، دليل على جواز مسارة الإمام الحاجة الناس إلى ذلك. وقد كان ذلك ممنوعا فى أول الإسلام إلا لمن قدم بين يديه صدقة، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢]، ثم نسخ ذلك بإباحته دون تقديم صدقة، قال الله تعالى: ﴿أأشفقتهم أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [المجادلة: ١٣]. ٤١٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٨٨. صحيح ابن حبان ٥٩٧١/١٣. مجمع الزوائد ٢٤/١. ٣٣٤ كتاب الصلاة »، دليل على جواز فصل: وقوله: ((فلم ندر ما ساره، حتى جهر رسول الله جهر من أسر إليه بالسر إذا أوجب ذلك الشرع. فصل: وقوله: ((فإذا هو يستأذن فى قتل رجل من المنافقين))، يقال إنه مالك بن الدخشم بن غنم شهد بدرًا ويختلف فى شهوده العقبة، كان يتهم بالنفاق، ولم يصح عنه، وقد ظهر من حسن إسلامه ما ينفى ذلك عنه، استأذنه هذا الرجل ولم يذكر لماذا شهد عليه بالنفاق ولا يحكم به على أحد ممن أظهر الشهادتين وأقام الصلوات، وقد روى أنهم استدلوا على نفاقه ميله إلى أهل الكفر ونصحه لهم فلم ير رسول الله ذلك یبیح دمه. فصل: وقوله :﴿159: ((أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)) قال السائل: ((بلى، ولا شهادة له)). وقال مثل فى الصلاة، فقصد النبى 13 بسؤاله المعانى المبيحة لدمه من ترك إظهار الشهادتين وتأبيه عن الصلاة، فلما قال: إنه يظهر الشهادتين ويقيم الصلاة، قال : ((أولئك الذين نهائى الله عنهم)) ولم ينظر إلى قوله: ((ولا شهادة له ولا صلاة له))، لأن القائل بذلك لا طريق له إلى معرفة فى قلبه ولا يعرف هل له شهادة أو صلاة وإنما ذلك على حسب ما اعتقد فيها لما رأى من ميله إلى أقاربه المنافقين والمشركين. فصل: وقوله :﴿®: ((أولئك الذين نهائى الله عنهم)) يعنى نهاه عن قتلهم لمعنى الآيات، وإن جاز أن يلزمهم القتل بعد بما يلزم سائر المسلمين من وجوب القصاص والحدود. ٤١١ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (للَّهُمَّ ا تَحْعَلْ قَبْرِى وَثَنّا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ الْخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجدَ». الشرح: دعاؤه ) أن لا يجعله قبره وثنًا يعبد تواضعًا والتزامًا للعبودية لله تعالى وإقرار بالعبادة وكراهية أن يشركه أحد فى عبادته، وقد روى أشهب عن مالك أنه لذلك كره أن يدفن فى المسجد، هذا وجه يحتمل أنه إذا دفن فى المسجد كان ذريعة إلى أن يتخذ مسجدًا فربما صار مما يعبد. ٤١١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٨٩٠. ٣٣٥٠٠ كتاب الصلاة فصل: وقوله 498: ((اشتد غضب الله)) يريد أنه أراد عذاب قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وإنما قال ﴿﴿ ذلك فى مرضة تحديزًا مما صنعه اليهود والنصارى من ذلك. مسألة: وأما الصلاة فى مقابر المسلمين فغير منهى عنها، قال مالك فى العتبية: لا بأس به فى المقابر التى درست وغيرت، قال: وإنما هى مثل غيرها من الأرضين، وهذا مينى على أن المؤمن لا ينجس بالموت، وقال القاضى أبو محمد: لا يصلى فى المقابر التى يكون فيها النبش، وهذا مبنى على أن الميت ينجس بالموت. مسألة: فأما الصلاة فى مقابر المشركين فقد نص الشيخ أبو محمد على المنع من ذلك، وقال بعض أصحابنا: معنى ذلك أنها بقعة خصت بأهل العذاب وسخط الله تعالى، فشرع اجتنابها كما شرع تحرى مواضع الصالحين، ولذلك كان يتحرى عبدالله، عمر والناس بعده موضع صلاة النبى ﴿3﴾ فيصلون فيه. ٤١٢ - مَالِكُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيِّ أَنَّ عِنْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿: إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالْمَطَرُ وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَصَلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِى بَيْنِى مَكَانًا أَنْجِذْهُ مُصَلَّى فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلَّىَ)) فَأَشَارَ لَهُ إِلَى مَكّانٍ مِنّ الْبَيْتِ فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾. الشرح: قوله: ((إن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى))، دليل على جواز إمامة الأعمى لأن مثل هذا لا يخفى على النبى ﴿3﴾ مع تكرره. فصل: وقوله: ((إنها تكون الظلمة والمطر والسيل، وأنا ضرير البصر))، يريد أن هذه موانع له عن المسجد الذى يؤم فيه وعن شهود صلاة الجماعة فيه، فسأل النبى B أن يصلى فى بيته مكانا يتخذه مصلى، يريد أن يصلى من بيته فى مكان يخصه بصلاته لبركة النبى ﴿﴾ فيه. فصل: وقوله: ((فجاءه رسول الله (198، فقال: أين تحب أن أصلى)) يسأله عن المكان الذى يجب أن يتخذه مصلى، إما لطهارته أو تمكنه من إفراده لذلك أو لغير ذلك من ٤١٢ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦٦٧. ومسلم فى الإيمان حديث رقم ٣٣. والنسائى فى الصغرى فى الإمامة حديث رقم ٧٨٨. وابن ماجه فى المساجد والجماعات حدیث رقم ٧٥٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٦٠٤٤، ٢٣٢٥٨. كتاب الصلاة ٣٣٦ المعانى، فأشار له عتبان إلى مكان من البيت، ويجوز مع الإشارة قوله: هذا المكان الذى أحبه، فنقل الراوى الإشارة دون القول، ويحتمل أن يكون عتبان اكتفى بالإشارة خاصة لأن فى ذلك تعييناً لموضع اختياره. ٤١٣ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّدِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﴿ مُسْتَلْفِيًّا فِى الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِخْلَيْهِ عَلَى الأخْرَى. ٤١٤ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسْيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَا يَفْعَلانِ ذَلِكَ. الشرح: قد روى الليث وحماد بن سلمة وابن جريج عن أبى الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله * أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره. وقد روى محمد بن مسلم الطائفى عن عمرو بن دينار عن جابر ولا طريق لنا إلى معرفة التاريخ فيهما، فيقتضى بأن أحدهما ناسخ للآخر. ويمكن الجمع بينهما على وجوه، أحدها أن يكون النبى ﴿ يختص بجواز ذلك فى المسجد ونهى عنه غيره لأن نهية لا يتناوله، وإنما يتوجه إلى غيره إلا أن فعل عمر وعثمان ذلك فى المسجد وتكرر ذلك منهما مع عدم الخلاف عليهما فيه دليل على جوازہ لغير النبی ووجه ثان مع الجمع بينهما، وهو أن المنع من ذلك متوجه إلى صفة، وهو أن يقيم إحدى رجليه ويضع عليها الأخرى لأنه لا يكاد يستبد مؤتزر بفعل ذلك إلا بعد التحذر وأن فعل من يفعل فعله إنما كان بأن يبسط إحدى رجليه يمدها ويضع عليها الأخرى. ووجه ثالث من الجمع بينهما، وهو أنه نهى عن ذلك من عليه ثوب واحد لأن ذلك يؤدى إلى كشف عورته، ولذلك لم يختص النهى عن ذلك بالمسجد، وإنما نهى عن ذلك فى الجملة، ولا خلاف فى جوازه لمن كان عليه مالا تبدو وعورته مع فعله، على أنه لو ٤١٣ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٧٥. ومسلم، فى اللباس والزينة حديث رقم ٢١٠٠. والترمذى فى الأدب حديث رقم ٢٦٨٩. والنسائى فى الصغرى فى المساحد حديث رقم ٧٢١. وأبو داود فى الأدب حديث رقم ٤٨٦٦. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٥٩٩٥، ٠١٦٠٠٩ والدارمى فى الاستئذان حديث رقم ٢٦٥٦. ٤١٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٩٢. ٠٠ ٣٣٧ كتاب الصلاة لم يصح الجمع بينهما لكان حديث الزهرى أولى لأن روايته أثبت، وأخذ الجماعة به واتصال العمل به دليل على صحته وبقاء حكمه. وإن كان أحدهما ناسخًا للآخر فخبر الإباحة هو الناسخ للإجماع بعد النبى 138 على جوازه. ٤١٥ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لإِنْسَانِ: إِنْكَ فِى زَمَانِ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ، وَتُضَّحُ حُرُوفَةٌ، قَلِلْ مَنْ يَسْأَلُ، كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِ، يُطِلُونَ فِيهِ الصَّلاةَ وَيَقْصُرُونَ الْخُطْبَةَ، يُيَدُّونَ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ، وَسَأْتِى عَلَى النّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ، يُخْفَظُ فِيهِ حُرُوفٌ الْقُرْآنِ وَتُضََّّعُ حُدُودُهُ، كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِى، يُطِلُونَ فِيهِ الْعُطْبَةَ وَيَقْصُرُونَ الصَّلاَةَ يُبَدُّونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ. الشرح: قوله: ((إنك فى زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه)»، لم يرد بذلك عبدالله بن مسعود أن من يقرأ القرآن كان قليلاً فى زمانه وإنما أراد أن من يقرأ القرآن فيكون حظه منه قراءته دون الفقه فيه قليل لأن عبدالله بن مسعود إنما قصد إلى مدح الزمان الذى كان فيه، وهو عصر الصحابة رضى الله عنهم، والثناء عليهم بكثرة الفقهاء والعلماء وجل فقه أهل ذلك العصر إنما كان من القرآن والاستنباط منه، ولم يكونوا أهل كتاب ولا دواوين ولا ضمنوا القراطيس العلم، وإنما كان علمهم فى صدورهم واستنباطهم من محفوظهم، ومحال أن يستنبط من القرآن من لا يحفظه وأصل الفقه ومعظمه كتاب الله تعالى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه وهو الذى قال فيه تعالى: ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شىء وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء﴾ [النحل: ٨٩]، فمحال أن يوصف بالفقه والعلم والتقدم فى الدين من لا يقرأ القرآن مع ما علم من حال الصحابة رضى الله عنهم فى اقتصارهم فى العلم على القرآن. ولا يجوز أن يقصد عبدالله بن مسعود مع فضله ومحله من تلاوة القرآن وكونه أحد الأئمة فيه إلى أن يمدح زمن الصحابة وصدر الأمة بقلة القرآن فيه لأن أهل ذلك العصر كانوا ألهج الناس بتلاوة القرآن وتلقيه من الركبان وتدارسه والعمل به وكان ذلك منهم لما رأوا من تفضيل النبى 19 من تعلم القرآن وعلمه وتقديمه فى اللحد من كان أكثر أخذًا للقرآن ودعائه أصحابه فى مواطن الشدائد، أين أصحاب البقرة بأفضل ما يدعون به حضًا لهم على الرجوع وتذكيرًا لهم بأن هذه الصفة من أفضل صفات المؤمنين التى ٤١٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٩٣. كتاب الصلاة ٣٣٨ يجل عن الفرار صاحبها، ولا يدعو بذلك واحدًا ولا اثنين لأنه لا ينتفع بهم وإنما يدعو مثل ذلك العدد الکثیر. ومعلوم فى العادة أنه لا يكاد أن يكون من أصحاب سورة البقرة إلا من قرأ القرآن كله وأكثره وإنما ثبت بما ذكرناه أن تلاوة القرآن وحفظه من أفضل المناقب وأرفع المراتب وأنه مما لا يجوز أن يعاب به أحد فيجب أن يحمل قوله على ما يليق به من العلم وحسن الظن فيجعل مدحه لزمان الصحابة بكثرة الفقهاء وقلة القراء على أنه أراد به أن من يقرأ القرآن فيه ولا يفقهه قليل، وأن الفقهاء فيه من قراء القرآن المتستبطين الأحكام منه كثير، وهذا هو المعلوم من حال الصحابة رضى الله عنهم وحشرنا معهم. فصل: وقول عبدالله: ((تحفظ فيه حدود القرآن وتصنيع حروفه))، من قبيل ما ذكرناه قبل هذا وأنه لا يجوز حمله على إطلاقه لما عرف من حال عبدالله بن مسعود القائل لذلك وحال الصحابة الموصوفين بذلك لأن ترك الحروف لا يخلو أن يريد بها حروف القرآن من ألف ولام وميم وغير ذلك من حروف التهجى أو يريد به لغاته، وفى تضييع أحد الأمرين على الإطلاق منع من تحفظه وإطراح تلاوته، وهذا ما لا يستجيزه مسلم أن يؤم به أحدًا من الصحابة الذين وصفهم الله بأنهم خير أمة أخرجت للناس. فإذا ثبت أن عبدالله بن مسعود لا يجوز أن يمدح الزمان بتضييع حروف القرآن فيه فلابد من حمله على وجه يليق بلفظه، فمعنى ذلك أنه قصد صفة الزمان بإظهار الحق وإقامة حدوده وإجراء الأحكام على ما يقتضيه القرآن وأن ذلك عام فى ذلك الزمان من بين راغب فيه ومحمود عليه ممن يخشى أن يكون من المنافقين والمسرفين على أنفسهم ممن لم يدرك النبى ®، وأن هذا الصنف لا يقرءون القرآن ويضيعون حروفه وتلاوته، وإن أظهروا التزام أحكامه وحدوده خوفا من الصحابة وفضلاء المسلمين، ولم يرد بذلك أن أبا بكر وعمر وفضلاء الصحابة يضيعون خروف القرآن لأن هؤلاء لو ضيعوا حروف القرآن لم يصل أحد إلى معرفة حدوده لأنه لا يعلم ما يتضمن من الأحكام والحدود إلا من قرأ الحروف وعرف معانيها. فصل: وقوله: ((قليل من يسأل كثير من يعطى)) يعنى أن المتصدقين كثير وأن المتعففين عن الصدقة من الفقراء كثير وإن السائلين منهم قليل، وهذا وصف لأغنياء ذلك الزمان بالصدقة والفضل والمواساة ووصف لفقرائهم بالصبر وغنى النفس والقناعة، وهذه صفة صدر الأمة رضى الله عنهم. ٠٠٠ ٣٣٩ كتاب الصلاة . فصل: وقوله: ((يطيلون فيه الصلاة ويقصرون فيها الخطبة))، يعنى ملازمتهم للسنة وأن أكثر من يفعل الخطبة والصلاة للناس أهل العلم لأن هذا هو المشروع فى الخطبة والصلاة. فصل: وقوله: ((يبدءون أعمالهم قبل أهوائهم))، الأعمال هاهنا وإن كان اللفظ واقعًا فى أصل كلام العرب على كل عمل من بر وفسق إلا أن المراد به هاهنا البر، وهذا يقتضى إطلاقه فى الشرع، ومعنى ذلك أنه إذا عرض لهم عمل بر وهوى بدأوا بعمل البر وقدموه علی ما یهووه. فصل: وقوله: ((وسيأتى على الناس زمان قليل فقهاؤه))، يعنى أن من يفقهه ممن يقرأ القرآن قليل وأن أكثر من فى ذلك الزمان يقرأ القرآن ولا يفقه فيه، وهذا إخبار منه بأن تلاوة القرآن لا تقل فى آخر الزمان لأن الله تعالى قد وعد بحفظه وإمن من نسيانه، فقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩]، ولم يرد أن كثرة القراء عيب فى ذلك الزمان، وإنما عابه بقلة الفقهاء فيه وأن قراءه لا يفقهون ولا يعلمون به وإنما غایتھم منه تحفظه، وهذا نقص وعيب فيهم. فصل: وقوله: ((تحفظ فيه الحروف القرآن وتضيع حدوده))، يعنى أن التالين لكتاب الله كثير لا يعلمون به ولا للناس إمام ولا رؤساء يحملونهم على العمل به، فتضيع لذلك حدوده وأحكامه وبهذا خالف الزمان الأول الممدوح، فإن أثمته كانوا يقضون بالقرآن ويحملون الناس عليه. فصل: وقوله: ((كثير من يسأل، قليل من يعطى))، يعنى أن الحرص والرغبة تلقى فى نفوس فقرائهم والشح والمنع فى نفوس أغنيائهم، فيكثر السائل ويقل المعطى. فصل: وقوله: ((يطيلون الخطبة ويقصرون الصلاة))، يعنى أنهم يخالفون السنة فى ذلك، وفيه معنى آخر لأن الخطبة معناها الوعظ والصلاة عمل من أعمال البر، فمعنى ذلك أن وعظهم يكثر وعملهم يقل. وقوله: ((يبدءون فيه أهواءهم قبل أعمالهم، يعنى أنهم إذا عرض لهم هوى وعمل بر، بدأوا بعمل الھوی. ٤١٦ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِى أَنَّ أَوَّلَ مّا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ ٤١٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٩٤. كتاب الصلاة ٣٤٠ عَمَلِ الْعَبْدِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ نُظِرَ فِيمَا بَقِىَ مِنْ عَمَلِهِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ لَمْ يُنْظَرْ فِى شَىْءٍ مِنْ عَمَلِهِ. الشرح: قوله: ((أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة))، يقتضى تأكيدها وشدة مراعاتها لأنه يبدأ بالنظر فيها، على غيرها من أعمال البر لمزيتها عليها، ومن هذا قول عمر الخطاب المتقدم: إن أهم أمركم عندى الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ففى هذا حض على الاهتمام بأمر الصلاة وتخصيصها بمزية من المراعاة لأنها إن قبلت منه نظر فى سائر أعماله ونفعه ما عمل من غير ذلك من أعمال البر، وإن لم تقبل لم ينفعه شىء من عمله، ولم ينظر له فيه. ٤١٧ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﴿ أَنْهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللّهِ ◌َّ الَّذِى يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. الشرح: المداومة على ضربين، أحدهما: بالنية، والثانى: بتكرر العمل، فأما بالنية فعلى ضربين، أحدهما: تكررها قبل وقت العمل، والثانى: تكررها مع العجز عن العمل والعزم على الإتيان به متى أمكن، وأما تكرار العمل فهو أن تكون له نافلة صوم أو صلاة أو صدقة فيداومها، فكانت هذه النافلة أحب الأعمال إليه، وإن قلت، ويراها أفضل من كثير النافلة التى لا يداوم عليها. ويحتمل أن يكون ذلك لمعنيين، أحدهما: أن يسير العمل الذى يدوم عليه صاحبه يكون منه فى جميع العمر أكثر من الكثير الذى يفعل مرة أو مرتين ثم يتركه ويترك العزم عليه والعزم على العمل الصالح يثاب عليه، والثانى: أن العمل الذى يداوم عليه هو المشروع، وأن ما توغل فيه بعنف ثم قطع، فإنه غير المشروع. ٤١٨ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ قَالَ: كَانَ ٤١٧ - أخرجه البخارى فى الرقاق حديث رقم ٦٤٦٢. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٦١٥. والإيمان وشرائعه حديث رقم ٥٠٣٣. وأحمد فى المسند حدیث رقم ٢٤١٠٧، ٢٤٦١٩، ٢٥١٤٣، ٢٥٨٤٢. ٤١٨ - الشطر الأخير من الحديث: أخرجه أحمد بلفظه ١٧٧/١ عن سعد بن أبى وقاص. الحاكم فى المستدرك ٢٠٠/١ عن سعد بن أبى وقاص. ابن أبى شيبة ٣٨٩/٢ عن جابر. السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٤/٣ عن جابر. وذكره فى الكنز برقم ١٩٠٢٦. وعزاه السيوطى إلى البیھمی فی الشعب عن أبى هريرة. ٣٤١ كتاب الصلاة رَجُلانِ أَخَوَانِ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ، فَذُكِرَتْ فَضِيلَةُ الأوَّلِ عِنْدَ رَسُولِ الَّهِ ﴿ فَقَالَ: (أَمْ يَكُنِ الآخَرُ مُسْلِمًا)). قَالُوا: بَّى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَانَ لا بَأْسَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ه: ((وَمَا يُدْرِيكُمْ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاُهُ إِنَّمَا مَثَلُ الصَّلاةِ كَمَثَلِ نَهْرٍ غَمْرٍ عَذْبٍ بِّابٍ أَحَدِكُمْ يَقْتَحِمُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا تَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِى مِنْ دَرَبِهِ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلاَُهُ». الشرح: قوله: ((فذكرت فضيلة الأول عند رسول اللـه (48)) دليل على جواز الثناء على الميت بما فيه من الخير والإخبار عنه بالذكر لفضيلة بعد موته، وقد روى عن أنس (مُرَّ بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال النبى ﴿﴾: وجبت، ثم مروا بجنازة أخرى، فأثنوا عليها شرًا، فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب: وما وجبت يا رسول الله؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله فی أرضه)). وما يجوز الثناء عليه بفعله ولا يخبر عما يصير إليه لأنه أمر مغيب عنا، ولذلك «روى عن أم العلاء أنها قالت لعثمان بن مظعون: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى علیك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله ®#1: وما يدريك أن الله أكرمه)). وأما الحى فإن كان ممن يخاف عليه الفتنة بذكر ما فيه من المحاسن، فهو ممنوع. روى أن النبى ﴾ سمع رجلا يثنى على رجل ويطريه فى المدح فقال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل)) وإن لم يخف الفتنة عليه، فلا بأس به لما روى أن النبى ؟ قال لعمر: ((إيه يا ابن الخطاب، فو الذى نفسى بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجك)). فصل: وقوله : ((ألم يكن الآخر مسلمًا)) يحتمل أن يكون لم يعرف حاله فسألهم مستفهما عنه، ويحتمل أن يكون علم حاله، فأتى بلفظ الاستفهام ومعناه التقرير، فقالوا: ((بلى، يا رسول الله، وكان لا بأس به))، يعنون أنه كان مع إسلامه لا بأس به، وهذه اللفظه تستعمل فى التخاطب فيما يقرب معناه ولا يراعى المبالغة فى تفضيله. فصل: وقوله :﴿45: ((وما يدركم ما بلغت به صلاته) يعنى، والله أعلم، أن صلاة هذا الثانى بعد الأول من أعمال البر التى يرفع صاحبها وقد عمل منها بعد أخيه أربعين يومًا ما ترفع به الدرجات، فلا يدرون لعلها قد بلغته أرفع من درجة أخيه، ثم فسر كتاب الصلاة ٣٤٢ فقال: ((إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر)) خص العذب بالذكر لأنه أبلغ فى الإنقاء، والغمر الكثير. وقوله: ((بباب أحدكم)) يريد قرب موضعه، فإنه يتكلف فيه طول المسافة، ((فيقتحم فيه كل يوم خمس مرات)) يريد بذلك عدد الصلوات المفروضات، وهذا يدل على نفى وجوب غيرها. فصل: وقوله: ((فما ترون ذلك يبقى من درنه)) الدرن الوسخ على البدن، ومعنى ذلك التقرير، وأن لفظه لفظ الاستفهام، وإذا كان هذا حكم الصلوات فى أنها لا تبقى سيئة ولا ذنبًا إلا كفرته، فما علمكم أين بلغت بالثانى صلاته مدة حياته بعد أخيه. ٤١٩ - مَالِك أَنَّهُ بَغَهُ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ كَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَبِيعُ فِى الْمَسْجِدِ دَعَاهُ، فَسَأَلَهُ مَا مَعَكَ وَمَا تُرِيدُ فَإِنْ أُخْبُرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ، أَنْ يَبِيعَهُ قَالَ: عَلَيْكَ بِسُوقِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هَذَا سُوقُ الآخِرَةِ. الشرح: قول عطاء لمن مر فى المسجد: (ما معك))، لئلا يكون ما معه لم يقصد به البيع أو مما لا يجوز بيعه، فإذا أخبره أنه يريد بيعه، أنكر عليه بيعه فى المسجد، وقال: عليك بسوق الدنيا، وأعلمه أن المسجد إنما هو سوق الآخرة لم يتخذ إلا للصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى. وذلك أن العمل فى المسجد على ضربين: قربة وغير قربة، فأما القربة التى بنيت لها المساجد، فالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى، وأما ما ليس بقربة، فأفعال وأقوال، فأما الأفعال كالبيع والشراء والأكل وعمل الصنائع وما أشبه ذلك، فأما البيع فقد روى ابن القاسم عن مالك فى المجموعة: لا بأس أن يقضى الرجل الرجل فى المسجد دينًا، فأما ما كان بمعنى التجارة والصرف، فلا أحبه، فأرخص فى القضاء لخفته، وقلة ما يحظر منه، فأما المصارفة، فيحظر كل واحد منه بما يعاوض به وتكثر المراجعة وهذان المعنيان هما المؤثران فى المنع، ولعله يريد بذلك كثرة اللغط، ولم يحظر فيه يسير العمل، ولو كان قضاء لمال جسيم تتكلف المؤنة فى استجلابه ووزنه وانتقاده ويكثر العمل فيه لکثرته لکان مکروها. وفى المبسوط عن مالك: لا أحب لأحد أن يظهر سلعة فى المسجد، فأما أن يساوم ٤١٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٩٧. ٣٤٣٠٠ ...... كتاب الصلاة رجلاً بثوب عليه أو سلعة تقدمت رؤيته لها ومعرفته بها فيواجبه البيع فيها فلا باس به. وقال محمد بن مسلمة: لا ينبغى لأحد أن يبيع فى المسجد ولا يشترى شيئًا، حاضرًا ولا غائبًا، أما الحاضر فلأن المسجد ليس بموضع للسلع، ولو جاز ذلك صار المسجد سوقًا، وأما ما ليس بحاضر كالدور والأصول وبيع الصفة وشبهه، فلما فيه من اللغط واللغو، وقد كره مالك ما هو أخف من هذا فاعتبر مالك إحضار العين فى المسجد على غير الوجه المعتاد من الناس، ولم يذكر فى هذه الرواية كثرة المراجعة المبلغة إلى اللغط، واعتبر محمد بن مسلمة الأمرين جميعًا. قال القاضى أبو الوليد: وعندى أن قول مالك راجع إلى ذلك وإنما يجوز من كلا الوجهين اليسير إذا انفرد، ولعله إذا اجتمعا، فإنه يمنع اليسير منهما على ما ذكرناه فى مسألة الصرف. مسألة: وقال مالك فى السُّؤَّال الذين يسألون الناس فى المسجد ويقولون: قد وقفنا منذ یومین ویذکرون حاجتهم: اری أن ینهوا عن ذلك. مسألة: وإما الكتابة فى المسجد، ففى المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك فى ذكر الحق يكتب فى المسجد، قال: أما الشىء الخفيف فنعم، وأما شىء يطول فلا أحبه، ولم أر له شيئًا فى كتبة المصاحف فى المسجد، وقد كره سحنون تعليم الصبيان فى المسجد، ولعله كره ذلك لقله توقيهم فيه، وإما الرجل المتوقى الذى يصون المسجد ويكتب المصاحف، فظاهره الجواز، وإن كان منعه سحنون لأنه عمل ظاهر على صورة الصنائع، فیلزم على هذا منع كتابة المصحف فيه. مسألة: وأما الخياطة وغيرها من الأعمال الظاهرة التى لا تتعلق بالقرب، فقد قال سحنون: لا يجلس فيه للخياطة ويلزم أن تكون سائر الأعمال التى تشبه الخياطة على ذلك. مسألة: وأما الأكل فى المسجد، ففى المبسوط: كان مالك يكره أكل الأطعمة، اللحم ونحوه فى المسجد، زاد ابن القاسم فى العتبية: أو رحابه، وأما الصائم يأتيه من داره السويق وما أشبه ذلك، قال ابن القاسم: أما الطعام الخفيف، فلا بأس به. زاد ابن القاسم فى العتبية: ولو خرج إلى بابه فشربه. ووجه ذلك أن يسير العمل خفيف وكثيره مكروه، ويراعى مع ذلك عين الطعام فيكره إحضار الكثير منه فى المسجد، وخفف فى إحضار يسيره. ٣٤٤ كتاب الصلاة وروى ابن نافع عن مالك فى المجموعة فى القوم يفطرون فيها على كعك وتمر منزوع النوى ثم يخرجون فيتمضمضون: أرجو أن يكون خفيفًا. قال ابن القاسم فى العتبية: وأرخص لبعيد الدار أن يأتيه فيه طعامه. قال على بن زياد عن مالك: والمعتكف والمضطر والمجتاز. قال ابن القاسم: كذلك المساجد تتخذ فى القرى للأضياف، فيبيتون ويأكلون خفف فيها، فاتفقت أقوالهم على المنع على وجهين الإكثار وإحضار كثير الطعام، والغنى عن ذلك وتجويزه فى الشىء اليسير كشرب الماء والسويق لغير عذر وتجويزه فى المتوسط مع الحاجة إلى ذلك، وكرهه مع عدم الحاجة. مسألة: وأما المبيت فى المسجد، فجوزه مالك للغرباء دون الرجل الحاضر. قال ابن القاسم فى العتبية: لا بأس بذلك للحاضر الضيف دون من له منزل. روى ابن حبيب عن مالك وابن وهب: لا توقد نار فى المسجد. وجوز مالك التعزير فى المسجد الأسواط اليسيرة دون ما كثر من الضرب، وإقامة الحدود، والله أعلم. ٤٢٠ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَنَّى رَحْبَةُ فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوَّتَهُ فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ. الشرح: هذه البطيحاء بناء يرفع على الأرض أز يد من الذراع ويحدق حواليه بشىء من جدار قصير ويوسع كهيئة الرحبة ويبسط بالحصباء يجتمع فيها للجلوس، ولما رأى عمر الخطاب رضى الله عنه كثرة جلوس الناس فى المسجد وتحدثهم فيه، وربما أخرجهم ذلك إلى اللغط، وهو المختلط من القول وارتفاع الأصوات وربما جرى فى أثناء ذلك إنشاد شعر، بنى هذه البطيحاء إلى جانب المسجد وجعلها لذلك ليتخلص المسجد لذكر الله تعالى وما يحسن من القول وينزه من اللغط وإنشاد الشعر ورفع الصوت فيها ولم يرد أن ذلك محرم فيها، وإنما ذلك على معنى الكراهية وتنزيه المساجد لاسيما مسجد النبى ﴿﴿ فيجب له من التعظيم والتنزيه ما لا يجب لغيره. وقد روى السائب بن يزيد قال: كنت قائمًا فى المسجد فحصبنى رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فاتينى بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما فى مسجد ٤٢٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٩٨. البيهقى فى الكبرى ١٠٣/١٠. ٣٤٥ كتاب الصلاة رسول الله .. وزاد ابن مسلمة عن مالك: قال عمر بن الخطاب: إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت. وقال ابن القاسم فى المبسوط: قد رأيت مالكًا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم فى المسجد، وقد علل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين، إحداهما: أنه يجب أن ينزه المسجد من مثل هذا، ومعنى هذا أن المسجد مما أمرنا بتعظيمه وتوفيره. والثانية: لأنه مبنى للصلاة، وقد أمرنا أن نأتيها وعلينا السكينة والوقار فبأن نلتزم ذلك بموضعها المنخذ لها أولى. مسألة: قال مالك فى المبسوط فى الذى ينشد الضالة فى المسجد: لا يقوم رافعًا صوته، وأما أن يسأل عن ذلك جلساءه غير رافع لصوته، فلا بأس بذلك. ووجه ذلك أن رفع الصوت ممنوع فى المساجد لما ذكرناه، فأما سؤاله جليسه فمن جنس المحادثة، وذلك غير ممنوع ما لم يبلغ ذلك اللغط من الإكثار. وقال محمد بن مسلمة: رفع الأصوات ممنوع فى المساجد إلا ما لابد منه كالجهر بالقراءة فى الصلاة والخطبة والخصومة بين الجماعة عند السلطان فلا بأس به، واحتج لذلك بأن يجمع الناس ولا بد لهم من مثل هذا. قال القاضى أبو الوليد: عندى إنما يصح أن يحتج فيه بما جوزه مالك من جلوس الحكم فى المسجد للحكم بين الناس ولابد للمتخاصمين من رفع الأصوات فعلى هذا يباح فيه رفع الصوت بالقراءة فى الصلاة أو للضرورة من المراجعة اللازمة ولذلك شرع رفع الصوت بالخطب فى المساجد للأمر يأمر به الإمام أو الخبر يخبر به من أمور الدنيا والنظر للناس فيها. فرع: وهذا إنما يكون فى القراءة على وجه مخصوص كالإمام يجهر بالقراءة وحده، وأما رفع الناس أصواتهم بعضهم على بعض فى القراءة، فهو ممنوع، وقد تقدم ذكره. مسألة: وأما الجلوس فى المسجد لما لا لغو فيه من الحديث من غير رفع صوت فلا بأس به. قال مالك فى العتبية: وقد كان عمر بن الخطاب يجلس فى المسجد، ويجلس إليه رجال فيحدثهم عن الأجناد ويحدثونه بالإحاديث، ولا يقولون له: كيف تقول كما يفعل أهل هذا الزمان. جامع الترغيب فى الصلاة ٤٢١ - مَالِك، عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ٤٢١ - أخرجه البخارى فى الإيمان حديث رقم ٤٦. والصوم حديث رقم ١٨٩١. والشهادات= كتاب الصلاة ٣٤٦ اللَّهِ يَقُولُ: حَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ مِنْ أَهْلٍ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ وَلا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ٤: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) قَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: ((لا إِلا أَنْ تَطْوَّعَ) قَالَ رَسُولُ اللّهِ :﴿: ((وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ) قَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: ((لا إِلا أَنْ تَطْوَّعَ)) قَالَ: وَذَكَرَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ (الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لا إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ، قَالَ: فَأَدْبَرّ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللّهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ)). الشرح: ثائر الرأس، يعنى أنه قد قام شعر رأسه، ولم يرجل بمشط ولا دهن ولا غيره. وقوله: ((يسمع دوى صوته، ولا نفقه ما تقول)»، يريد أنهم يسمعون جهارة صوته، ولا یبین کلامه إبابة، يفهم به أو لبعد مکانه عمن يسمع دوی صوته حتى دنا وقرب، فإذا هو يسئل عن الإسلام، يدل على قرب طلحة من النبى ﴿﴾، ولذلك لما دنا الأعرابى منه وسأل النبى ﴿ عن الإسلام، عرف طلحة ما يقول، وأنه يسأل عن الإسلام، والإسلام هو الانقياد والتذلل لله بالطاعة من قولهم: أسلم فلان الأمر، فكان، أى انقاد له، فكان هذا الأعرابى يسال عما أوجب الله عليه من العبادات، فيكون بفعلها مسلمًا، فقال له رسول الله ﴿﴾ ((خمس صلوات فى اليوم والليلة)) فبدأ بالصلاة لأنها عمدة الدين، وأكد أفعاله، ولم يذكر الإيمان وإظهار الشهادتين، لأن السائل قد كان أقر بذلك كله، ويحتمل أن هذا السائل قد رأى الصلاة وعرف صفتها، ولم يعرف حكم الواجب منها ولا مقدارها، فأجابه النبى ﴿ عما سأل، ويحتمل أن يكون لم يعلم شيئًا من حالها فأخبره النبى ﴿﴿ بجملة الواجب ثم يفسر له بعد ذلك. فقال الأعرابى: ((هل على غيرهن؟))، يعنى من الصلوات؟ فقال: ((لا إلا إن تطوع)) = حديث رقم ٢٦٧٨. والحيل حديث رقم ٦٩٥٦. ومسلم فى الإيمان حديث رقم ١١. والنسائى فى الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٥٨، ٤٦٢. والجنائز حديث رقم ٢٠٨٩. والصيام حديث رقم ٢١١٩. والإيمان وشرائعه حديث رقم ٥٠٢٦. والزينة حديث رقم ٥١١٧. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٣٩١، ٤٦٢، ٨٤١. والأيمان والنذور حديث رقم ٣٢٥٢. والأطعمة حديث رقم ٣٧٤٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٣٩٣. والدارمى فى الزكاة حديث رقم ١٦٣٤. ٣٤٧٠ كتاب الصلاة وهذا نص فى أنه لا يجب من الصلوات غير الصلوات الخمس، لا وتر ولا غيره، ولو اقتصر على قوله الأول: خمس صلوات، مع سؤاله عن الإسلام، لكان ظاهره أنها جميع الواجب عليه، إلا أن السائل أراد رفع الإشكال والتجويز بسؤاله: هل علىَّ غيرها؟ فقال النبى ﴾((لا إلا أن تطوع)) يريد ﴿﴿ ليس عليه غيرها إلا أن يطوع الرجل، فيكون ذلك عليه بدخوله فيها. وقد اختلف العلماء فى الرجل يشرع فى النافلة، هل يلزمه إتمامها أم لا؟ فذهب مالك إلى أن من دخل فى نافلة، لم يكن له أن يقطعها عمدًا، وإن فعل ذلك كان عليه القضاء وإن غلبة على قطعها غالب لم يكن عليه القضاء. وقال أبو حنيفة: عليه القضاء فى العمد والعذر. وقال الشافعى: له أن يقطعها ولا قضاء عليه. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله : ((إلا أن تطوع)) لأن السائل سأل هل عليه غير ذلك، فقال ﴿4 ((لا إلا أن تطوع)) تقديره والله أعلم، إلا أن تطوع، فيكون ذلك عليك، ولا يصح ذلك إلا بأن يجب عليه التطوع بالدخول فيه. فصل: وقوله :﴿: ((وصيام شهر رمضان)) يعنى أن هذا من الصيام الذى سأل عنه، وقول الأعرابى: ((هل على غيره؟)). وقوله : ((لا إلا أن تطوع)) على نحو ما ذكرناه فى الصلاة لأنه لا صوم على المكلف غير صوم رمضان إلا أن يطوع، فيلزمه ذلك بالنذر أو بالدخول فيه. فصل: وقوله: ((وذكر رسول الله (48 الزكاة))، فقال: ((هل على غيرها؟)) قال: ((لا إلا أن تطوع)) يحتمل أن يكون النبى ﴿، فسر له الزكاة وأخبره بما يجب منها فى العين والحرث والماشية، فسأله هل تجب عليه زيادة على المقادير التى ذكر له منها، فقال: لا، ويحتمل أن يكون أخبره بأن عليه زكاة لها مقدار ينتهى إليه، وحق فى ماله، ولم يتبين له جنسها ولا قدرها، فقال: هل علىَّ زيادة على هذا الحق، فقال: ((لا إلا أن تطوع)) بالتزام ذلك بالقول وإخراجه عن يدك إلى يد المتصدق عليه. فصل: وقوله: ((فأدبر الرجل))، يعنى السائل، وهو يقول: ((والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه»، يحتمل أنه لا يزيد على هذا على وجه الوجوب، وإن زاد عليه تطوعًا ونفلاً، ويحتمل أن يريد، لا أزيد على اعتقاد وجوب غير هذا، ويحتمل أن يريد، لا أزيد فى البلاغ إلى قومى على هذا، ويحتمل أن يريد من جهة اللفظ لا أزيد فى الفعل على هذا، وإن كان قد ورد الشرع بالمنع من القسم على أن لا يتطوع بخير وعمل بر، قال ٣٤٨ كتاب الصلاة الله تعالى: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ [النور: ٢٢]. وقال ﴿﴿ للذى سأله غريمه أن يحطه فأقسم أن لا يفعل: ((تألى أن لا يفعل خيرًا))، على وجه الإنكار لفعله وقد روى هذا الحديث عن أبى إسماعيل بن جفعر، فقال: والذی أکرمك لا أُتطوع شیئا ولا أُنقص مما فرض الله علىَّ شيئاً، فقال رسول الله ((أفلح إن صدق)). وما تقدم من رواية مالك أصح لأن مالكًا أحفظ من مالك بن جعفر، وقد تابعه الرواة على قوله، وأرى إسماعيل بن جعفر نقله على المعنى بغيره، ولو صح لا حتمل أن يكون معناه لا أتطوع بشىء ألتزمه وأوجب غير ما أوجب الله علىَّ ويحتمل أن يكون سمع مثل هذا فى أول إسلامه، وقد قال مالك فى العجمى، يسلم ولا يفقه الإسلام، فیأکل فى رمضان: لا يضيق عليه فى ذلك. فصل: وقوله ﴿1: ((أفلح إن صدق)) الفلاح البقاء، والمراد به فى الشرع البقاء فى الجنة لأنها البقاء الدائم فى الخير الدائم، ويحتمل أن يريد بقوله: أفلح إن صدق، فاز إن صدق، فقد قال جماعة من أهل اللغة: الفلاح الفوز، وقالوا فى قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ [النور: ٥١]: إن معناه الفائزون. وأما الصدق، فاستعمله ﴿﴿ فى الخبر عن المستقبل، وقد قال ابن قتيبة: إن الكذب فى مخالفة الخبر عن الماضى والخلف ومخالفته فى المستقبل، ويجب على ذلك أن يكون الصدق فى الخبر عن الماضى والوفاء فى الخبر عن المستقبل، وهذا الحديث دليل على خلاف قوله. فصل: أدخل مالك، رحمه الله، هذا الحديث فى باب جامع الترغيب فى الصلاة، ويحتمل ذلك معنيين، أحدهما: أن يكون ذلك لمعنى قوله: ((إلا أن تطوع)) فيكون ترغيبه فى ذلك بقوله :﴿4 ((إلا أن تطوع)) فيكون الترغيب فى النافلة، ويحتمل أن يريد قوله : (أفلح إن صدق)) فيكون الترغيب فى الصلوات الخمس. ٤٢٢ - مَالِك، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ٤٢٢ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١٤٢. وبدء الخلق حديث رقم ٣٢٦٩. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٧٦. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل وتطوع= ٣٤٩٠ کتاب الصلاة قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْتُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلْتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلْتْ عُقَدُهُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النّفْسِ، وَإِلَا أَصْبَحَ حَبِيثَ النّفْسِ كَسْلانَ)). الشرح: وقوله 48: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم)) يحتمل أن يكون هذا العقد بمعنى السحر للإنسان والمنع له من القيام إلى الصلاة، قال الله تعالى: ﴿ومن شر النفاثات فى العقد﴾ [الفلق: ٤]، والقافية مؤخر الرأس. وقال صاحب العين: هو القفار، وقافية كل شىء آخره، ومنه سميت قافية البيت من الشعر لأنها آخره، ولما قال ﴿: ((إذا هو نام)) كان ظاهره أن عقده إنما يكون عند النوم، ومعنى قوله: ((يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل، فارقد)) إن ذلك مقصود ذلك العقد، ومراد الشيطان منه يعنى بقوله: ((عليك ليل طويل فارقد)) تسويفه بالقيام والإلباس عليه لأن فى بقية الليل من الطول ما له فيه فسحة. وقوله : ((فإن استيقظ فذكر الله، انحلت عقدة)) يريد أن بذكر الله تعالى وبالوضوء وبالصلاة تنحل عقد الشيطان كلها، وينجو المسلم من كيده، ومن شر عقده، فيصبح نشيطًا قد انحلت عنه عقد الشيطان التى تكسله، طيب النفس بما عمل فى ليله من عمل البر، ((وإلا أصبح خبثت النفس))، يريد متغيرًا، قد تمكن منه الشيطان، وثبت عليه عقده، وكسله عن النشاط فى أعمال البر. وقد روى عن النبى ولاأنه قال: ((لا يقولن أحدكم خبيث نفسى، ولكن ليقل لقست نفسی) ولیس بین الحدیثین اختلاف لأن النبى ﴿﴾ نھی المسلم أن يقول: خبثت نفسی، لما كان خبث النفس بمعنى فساد الدين، والنبى ﴿﴿ وصف بعض الأفعال بذلك تحذيرًا عنها. مسألة: وهذا يدل على أن نافلة الليل مشروعة مرغب فيها، وأن ذلك الوقت مقصود له، وقد تقدم تحديده، وكذلك صلاة الهاجرة لأنه وقت نوم وراحة وبعد عما تقدم من صلاة فريضة. =النهار حديث رقم ١٦٠٦. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٣٠٦. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٣٢٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٢٦٦، ٧٣٩٢، ٠١٠٠٧٥