النص المفهرس
صفحات 761-780
٢٩٠ كتاب الصلاة مسألة: وليس فى القنوت دعاء موقت، وليدع فى القنوت بما شاء من حوائجه، رواه على عن مالك، ويختص عند مالك بصلاة الصبح. زاد على بن زياد عن مالك: وفى الوتر النصف الآخر من شهر رمضان. وروى عنه ابن نافع المنع منه فى رمضان. * * * النهى عن الصلاة والإنسان يريد حاجته ٣٧٦ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الأرْقَمِ كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ يَوْمًا، فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: ((إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ، فَلْدَأُ بِهِ قَبْلَ الصَّلاةِ». الشرح: قوله: ((فذهب لحاجته)) استعمال هذه اللفظة على هذه الصفة يراد بها ما يحتاج الإنسان إليه من الغائط والبول، وإن كان لفظ الحاجة واقعًا على كل ما يحتاج إليه، إلا أن عرف اللغة جرى باستعمالها على هذا الوجه، فيما ذكرنا، يقال ذهب فلان لحاجة الإنسان، أى أتى الغائط. فصل: وقوله 18: ((إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)) ليتفرغ لها ويخلو سره للإقبال عليها، فإن بدأ بالصلاة، فلا يخلو أن يكون يجد من الحاجة إلى إتيان الغائط الشىء الخفيف الذى لا يشغله عن الصلاة، ويعجله عنها، أو يعجله، ففى المجموعة من رواية ابن نافع عن مالك: يتصرف، إمامًا كان أو مأمومًا. ووجه ذلك أنه مأمور بتقديم الغائط قبل الصلاة لمعنى التفرغ لها، ولا يكون ذلك فى مسألتنا إلا بقطع ما شرع فيه منها. مسألة: فإن لم ينصرف وتمادى على صلاته وبه من الحقن ما يعجله ويشغله، فإن عليه الإعادة. قال مالك: وأحب إلى أن يعيد فى الوقت وبعده .. وقال أبو حنيفة والشافعى: إن فعل فبئس ما صنع، ولا إعادة عليه. والدليل على ما نقوله الحديث المذكور أنه أمر بتقديم قضاء الحاجة، وفيه نهى عن تقدیم الصلاة، والنھی یقتضی فساد المنھی عنه. ٣٧٦ - أخرجه الترمذى فى الطهارة حديث رقم ١٣٢. والصلاة حديث رقم ١٤٢. والنسائى فى الصغرى فى الإمامة حديث رقم ٨٥٢، ٨٦١. وأبو داود فى الطهارة حديث رقم ٨٨، ٩٦. وابن ماجه فى الطهارة وسننها حديث رقم ٦١٦، ٦٢٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٥٥٢٩، ٠١٥٩٦٥ والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤٦٣. ٢٩١ كتاب الصلاة ومن جهة المعنى أن استدامته لمدافعة الحدث عمل كثير فى الصلاة شاغل عنها يمنع استدامتها، فوجب أن يكون مفسدًا لها كسائر الأعمال، وذلك أنه لا يمكنه دفعه إلا باستدامة ضم شديد لوركيه، وتكلف إمساكه بمنزلة من يحمل فى الصلاة حملاً ثقيلاً لا يستطيعه إلا بتكلف، وعمل متتابع، فإنه يمنع صحة الصلاة: وقد روى موسى بن معاوية عن ابن القاسم فيمن صلى بكيس كبير تحت إبطه يخاف أن يضعه فى الأرض أن يختطف، فلا يقدر على وضع كفيه على ركبتيه، ولا فى الأرض: يجزئه ذلك، كقول مالك فى ممسك عنان فرسه. ومعنى ذلك أن ضرورة حفظ المال جوزت له كما أباحت للخائف على فرسه إمساكه، وإن منعه ذلك من إتمام فرضه بوضع يده على الأرض فى سجوده، ولو ترك وضع يده على الأرض فى سجوده من غير ضرورة لما أجزأه ذلك، ولأعاد إليه أبدًا، وكذلك يجب أن يكون الحامل لكيس تحت إبطه لغير ضرورة ولا مخافة، فكذلك الضام لور کیه لأجل الحقن، والله أعلم. وقد قال بعض أصحابنا: إن ما يجده الإنسان من ذلك على ثلاثة أضرب، أحدها: أن يكون خفيفًا، فهذا يصلى به ولا يقطع. والثانى أن يكون ضامًا وركيه، فهذا يقطع، فإن تمادى صحت صلاته، ويستحب له أن يعيد فى الوقت. والثالث: أن يشغله ويعجله عن استيفائها، فهذا يقطع، فإن تمادى أعاد أبدًا. مسألة: وقال ابن القاسم: القرقرة بمنزلة الحقن، وأما الغيثان، فلم يجب عنه. قال القاضى أبو الوليد: عندى لا تقطع له الصلاة، والفرق بينه وبين الحقن أن الحقن يقدر على إزالته، وأما الغثيان، فمرض من الأمراض لا يقدر على إزالته، فلا معنى لقطع الصلاة من أجله. ٣٧٧ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لا يُصَلِِّنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ. الشرح: قوله: ((لا يصلين أحدكم وهو ضام بين وركيه) نهى عن الصلاة فى حال الحقن الذى يبلغ بالمصلى أن يضم وركيه من شدة حقنه؛ لأن فى ذلك ما يشغله عن الصلاة، ولا يمكنه من استيفائها، وليبدأ أولا بقضاء حاجته، ثم يستقبل صلاته. وقد ٣٧٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٥٤. ٢٩٢ كتاب الصلاة روى ابن نافع عن مالك أنه من أصابه ذلك فى صلاته خرج واضعًا يده على أنفه كالراعف، ومعنى ذلك أنه قد يحمله خجله من الخروج على ذلك من التمادى على صلاته، فإذا خرج عن صفة الراعف سهل عليه ذلك، وبادر إلى الخروج. انتظار الصلاة والمشى إليها ٣٧٨ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ:((الْمَلائِكَةُ تُصَلِّى عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِى مُصَلَاهُ الَّذِى صَلَى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. قَالَ مَالِكَ: لا أُرَى قَوْلَهُ: مَا لَمْ يُحْدِثْ، إِلا الحَدَثَ الَّذِى يَنْقُضُ الْوُضُوءُ. الشرح: قوله : ((الملائكة تصلى على أحدكم)) يريد تدعو له، وقد تقدم قولنا إن الصلاة تكون بمعنى الدعاء. وقوله: ((ما دام فى مصلاه، الذى صلى فيه)) يعنى موضع صلاته، ويحتمل ذلك وجهين، أحدهما: أنها تدعو له ما دام فى مصلاه قبل أن يصلى فيه منتظرا للصلاة حتى يصلى فيه، إلا أن يحدث قبل صلاته، فيجب عليه القيام للوضوء، فلا يصلى عليه حينئذ جلوسه. والوجه الثانى: أن الملائكة تصلى عليه ما دام فى مكانه الذى صلى فيه جالسًا بعد صلاته فيه إلا أن جلوسه فيه يكون لأحد وجهين، إما للذكر بعد الصلاة، وإما ى نتظار صلاة أخرى، وهذا يعود إلى الوجه الأول. فصل: وقوله: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)) يبين معنى الصلاة التى أضافها إلى الملائكة. وقول مالك: ((إن معنى الحدث ما ينقض الوضوء)). وقد روى عن أبى هريرة مثل ذلك، وقال: احدث فساء أو ضراط. ٣٧٨ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٤٥. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٦٤٩. والنسائى فى الصغرى فى المساحد حديث رقم ٧٣٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٤٩٨، ٧٥٥٩، ٧٨٣٢، ٨٤١١، ٨٨٧٥، ٩١١٠، ٦٦ ٩١، ٩٩٣٤، ١٠١٢١، ١٠٤٥٢، ١٠٥٠٠، ٠١٠٥١٨ ٢٩٣ كتاب الصلاة ٣٧٩ - مَالِكِ، عَنْ أَبِىِ الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ه قَالَ: لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِى صَلاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَ الصَّلاةُ». الشرح: قوله : ((لا يزال أحدكم فى صلاة ما دامت الصلاة تحبسه)) يريد أن حکمه حکم من هو فى صلاة فی کثرة ثوابه إذا نوى بمقامه فى موضعه انتظار الصلاة، لا يكون لمقامه، وامتناعه من الانقلاب إلى أهله معنى غير انتظار الصلاة فى المسجد، وقد يكون انتظار الصلاة لمعنيين، أحدهما: أن ينتظر وقتها. والثانى: أن ينتظر إقامتها فى الجماعة. وفى المبسوط، سئل مالك عن رجل صلى فى غير جماعة، ثم قعد بموضعه ينتظر صلاة أخرى، أتراه فى صلاة بمنزلة من كان فى المسجد كمّا جاء فى الحديث، قال: نعم، إن شاء الله أرجو أن يكون ذلك. ٣٨٠ - مَالِك، عَنْ سُمَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ يَقُولُ: مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ لاَ يُرِيدُ غَّيْرَهُ لِيَتْعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعلِّمَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ كَانَ كَالْمُحَاهِدٍ فِی سَبِيلِ اللّهِ رَجَعَ غَانِعًا. الشرح: قول أبى بكر بن عبدالرحمن: ((من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره» يريد أن يكون قصد إلى المسجد خاصة لا يقصد غيره، فيمر بالمسجد. وقوله: ((ليتعلم خيرًا أو ليعلمه)) تبيين لمعنى قصده إلى المسجد، والخير يشتمل على جميع أنواع الصلاة وغيرها، وأدخل مالك هذا الحديث فى المشى إلى الصلاة، وليس فيه ذكر الصلاة إلا أن الصلاة من جملة الخير. فمن أتى المسجد ليتعلم أحكام الصلاة، فهو ممن مشى إلى الصلاة، ثم قال: (إذا رجع إلى بيته كان كالمجاهد فى سبيل الله رجع غانما)»، ولم يذكر هل تعلم خيرًا أو علمه، وإنما ذكر قصده إلى ذلك. ويحتمل أن يريد أنه بقصده قد حصل له الأجر، فصار إذا رجع بما تفضل الله به عليه من الأجر كالمجاهد فى سبيل الله الذى رجع بالغنيمة، ويحتمل أن يكون قد شبه ما ٣٧٩ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٤٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٧٤٦٦. ٣٨٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٥٨. ٢٩٤ كتاب الصلاة حصل له من الأجر بالغنيمة التى حصلت للمجاهد، ويحتمل أن يريد أن ما رجع به من الأجر كأجر المجاهد وغنيمته ما يعلمه، والله أعلم. ٣٨١ - مَالِك، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحْمِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَنَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ ثُمَّ جَلَسَ فِى مُصَلَاهُ لَمْ تَزَلِ الْمَلائِكَّةُ تُصَلّى عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، فَإِنْ قَامَ مِنْ مُصَلَاهُ، فَجَلَسَ فِى الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ لَمْ يَزَلْ فِى صَلاةٍ حَتَّى يُصَلََّ. فول أبى هريرة: ((إذا صلى أحدكم ثم جلس فى مصلاه)) يحتمل أن يكون جلوسه فى مصلاه للذكر، ويحتمل أن يكون لانتظار صلاة أخرى. وقوله: ((لم تزل الملائكة تصلى عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)) على نحو ما روى عنه أبو الزناد مسندًا. فصل: وقوله: ((فإن قام من مصلاه فجلس فى المسجد ينتظر الصلاة لم يزل فى صلاة حتى يصلى)) على نحو ما رواه أبو الزناد عنه مسندًا، أن من كانت الصلاة تحبسه، فهو فى صلاة غير أنه بين فى هذا الحديث أن انتظاره للصلاة، وإن كان فى غير مجلس صلاته الأولى بمنزلة الصلاة، وأن جلوسه فى مصلاه بعد صلاته مما يقتضى صلاته الملائكة عليه، ولعله إن جلس فى مصلاه ينتظر الصلاة يجتمع له الأمران. ٣٨٢ - مَالِك، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ الَّهِ ﴿ قَالَ: «أَلا أُخْبِرَكُمْ بِمَا يَمْحُوَ اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَحَاتٍ، إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ ٣٨١ - أخرجه البخارى فى الوضوء حديث رقم ١٧٦. والصلاة حديث رقم ٤٤٥، ٤٧٧. والنسائى فى الصغرى حديث رقم ٧٣٣. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٤٦٩، ٤٧٠، ٤٧١، ٥٥٩. وابن ماجه فى المساحد والجماعات حديث رقم ٧٧٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٣٨٢، ٧٤٩٨، ٧٥٥٩، ٧٨٣٢، ٨٨٧٥، ٤٩١١٠ ٩١٦٦، ١٠٤٥٢، ٠١٠٥١٨،١٠٥٠٠ ٣٨٢ - أخرجه مسلم فى الطهارة حديث رقم ٢٥١. والترمذى فى الطهارة حديث رقم ٤٧. والنسائى فى الصغرى حديث رقم ١٤٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١٦٨، ٧٦٧٢، ٧٩٣٥، ٧٩٦١، ٠٩٣٦١ ٢٩٥ كتاب الصلاة الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِّكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّيَاطُ)). قوله : ((ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا) كناية عن غفرانها والعفو عنها، وقد يكون محوها من كتاب الحفظة الكرام دليلاً على عفوه تعالى عمن كتبت عليه باكتسابه لها. وقوله: ((يرفع به الدرجات) يريد، والله أعلم، المنازل فى الجنة، ويحتمل أن يرفع درجته فى الدنيا بالذكر الجميل، وفى الآخرة بالثواب الجزيل، ثم بين # الأعمال التى يحصل بها للمكلف ما ذكر من الفضيلة، فقال: ((إسباغ الوضوء عند المكاره)) وإسباغ الوضوء استيعابه، والمكاره على أنواعهن من شدة برد وألم جسم وقلة ماء وحاجة إلى النوم وعجلة وتحفز إلى أمر مهم، وغير ذلك. فصل: وقوله: ((وكثرة الخطا إلى المساجد)) وهو يكون يبعد الدار عن المسجد ويكون بكثرة التكرار عليه. وأما انتظار الصلاة بعد الصلاة، فقد تقدم ذكره، وهو أن يصلى فى جماعة ثم يجلس فى مصلاه ينتظر الصلاة التى تليها، وهذا يكون فى صلاتين أن يصلى الظهر، فينتظر بعدها العصر أو يصلى المغرب، فينتظر بعدها العشاء. وأما انتظار الصبح بعد العشاء الآخرة، فلم يكن من عمل الناس؛ ولأنه وقت يتكرر فيه الحدث، وكذلك انتظار الظهر بعد الصبح، وأما انتظار المغرب بعد العصر، فلا أذكر الآن فیه نصًا، وحکمه عندی حكم انتظار الصبح بعد العشاء، وحكم انتظار الظهر بعد الصبح كالذى ينتظر صلاة ليس بينها، وبين التى صلى اشتراك فى وقت، والذى يتقرر فى نفسى أنى قد رأيت رواية فيه عن مالك من طريق ابن وهب، ولا أذكر موضعها الآن. فصل: وقوله :﴿٤﴾: ((فذلكم الرباط)) يعنى أنه من الرباط المرغب فيه؛ لأنه قد ربط نفسه على هذا العمل وحبس نفسه عليه، ويحتمل قوله ﴿19: ((فذلكم الرباط)) التفضيل لهذا الرباط على غيره من الرباط فى الثغور، ولذلك قال ﴿: ((فذلكم الرباط)) يريد أنه أفضل أنواعه. ولذلك يقول القائل: جهاد النفس هو الجهاد، يريد أنه أفضله، ويحتمل أن يريد أنه الرباط الممكن المتيسر. وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى: إن ذلك من ألفاظ كتاب الصلاة ٢٩٦ الحصر، وإنما تكرر قوله: ((فذلكم الرباط)) على معنى التعظيم لشأنه، ويحتمل أن يكون كرر ذلك على عادته ﴿3﴾ فى تكرار كلامه ثلاثًا، إلا أنه لا يخلو فى ذلك من فائدة التعظیم والإفهام أو غيرهما. ٣٨٣ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: يُقَالُ لا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النّدَاءِ إِلا أَحَدٌ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ إِلا مُنَافِقٌ. الشرح: قوله: ((لا يخرج أحد من المسجد)) بعد النداء إخبار عن تعلق منع الخروج من المسجد بالنداء لما روى، ولأن النداء دعاء إلى صلاة الجماعة، واستجلاب للمسلمين إليها فمن خرج فى ذلك الوقت من المسجد، فظاهره قصر خلافهم وتفريق جماعتهم، وهذا ممنوع بالإجماع. فصل: وقوله: ((إلا أحد يريد الرجوع إليه)) استثناء لمن تزلت به ضرورة من حدث أو غيره، فخرج ليزيل الضرورة، ويرجع فيدرك الصلاة مع الجماعة، فإن ذلك مباح، فإن كانت الضرورة ظاهرة كالراعف ونحوه ففى ذلك بيان لحاجته وإزالة اللبس فى أمره ومانع من سوء الظن به، وإن كانت ضرورة باطنة، فيظهر أمرًا يقوم به عذر من قبضه على أنفه كهيئة الراعف. فصل: وقوله: ((إلا منافق)) يريد أن ذلك من أفعال المنافقين. وقوله: ((لا يريد الرجوع إليه)) والإرادة من أفعال النفس، فلا يمكن النظر إليها. مسألة: وهذا فيمن لم يصل تلك الصلاة، فأما من صلاها فلا يخلو أن يكون صلاها فى جماعة فيخرج من المسجد عند النداء والإقامة. وأما إن كان صلاها فذًا، فقد قال ابن الماجشون: له أن يخرج من المسجد ما لم تقم عليه الصلاة، فإذا أقيمت عليه لزمه أن يعيدها فى الجماعة. ٣٨٤ - مَالِكِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِىِّ، ٣٨٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٦٠. ٣٨٤- أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٤٤. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧١٤. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢٩٠. والنسائى فى الصغرى فى المساجد حديث رقم ٧٣٠. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٤٦٧. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٠١٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٠١٧، ٢٢٠٧٢، ٢٢٠٨٨، ٢٢١٤٦. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٣٩٣. ٢٩٧ كتاب الصلاة عَنْ أَبِى قَتَادَةً الأنْصَارِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا دَخَلٌ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَّعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِسَ). الشرح: قوله : ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين) لفظه لفظ الأمر، وهذا محمول على الندب لدليل أنه لا يجب من الصلوات غير الخمس، ومعنى ذلك والله أعلم، أن هذه المساجد إنما بنيت للصلاة، وإنما تقصد للصلاة، فيستحب أن يكون أول ما يبدأ به فيها من الأعمال الصلاة ليأمن بذلك فوات ما قصد له بحدث أو غيره، وأيضًا فإن النبى ﴿﴿ قد أعلمنا أن المنتظر للصلاة فى صلاة، وأن القاعد فى المسجد بعد الصلاة تصلى عليه الملائكة، فيستحب أن يصلى ثم يجلس، فيحصل له أحد الأمرين، أو يكون منتظرًا للصلاة، فیحصلان له. مسألة: إذا ثبت ذلك، فالداخل للمسجد لا يخلو أن يكون يدخله للصلاة أو لغير صلاة، فإن دخله لصلاة، فإنه يستحب أن یر کع ر کعتين قبل أن يجلس، وقال: فيمن أتى للمصلى فى صلاة العيد يجلس ولا يركع، واختلف قوله فيمن أتى الجامع لصلاة العيد، فروى عنه ابن القاسم: یرکع قبل أن يجلس. وروى عنه أشهب وابن وهب: لا يركع، ويحتمل ذلك معنيين، أحدهما: أن يكون المنع من الصلاة قبل العيد لأجل المكان، ويحتمل أن يكون لأجل الصلاة، فإن قلنا إنه لأجل المكان، فإن الصلاة فى الجامع لمن أتى العيد غير ممنوعة. ووجه ذلك أنه مصلى متخذ لصلاة سن لها البروز، فلم يسن الركوع لمن دخله كمصلى الجنازة، وإن قلنا إن المنع لأجل الصلاة فإنها صلاة قد لحقها التغير وسن لها البروز، فلم يشرع لمن جاء الركوع قبلها كصلاة الجنازة، فعلى هذا التعليل لا يركع من أتى المسجد للعيد، ولا يمنع من أن يركع فى المصلى من خرج إلى الاستسقاء، وكذلك قال مالك: يركع فى المصلى من جاء قبل الإمام وبعده. مسألة: إذا ثبت ما ذكرناه، فهذا حكم من دخل المسجد للصلاة، فأراد أن يجلس قبل الصلاة، فأما من أراد أن يصلى فرضه، فإنه إن كان فى سعة من وقته، له أن يصلى فرضه، وله أن يركع قبله، وإن كان فى ضيق من وقت فرضه لزمه تقديمه، والله أعلم. فرع: وهذا إن كان فى وقت نافلة على الإطلاق، وإن كان فى وقت نافلة على الضرورة كما بين طلوع الفجر إلى صلاة الصبح، فقد اختلف قول مالك فيه، فمرة قال: له أن يركع، رواه عنه أشهب. وروى عنه ابن القاسم: لا يركع. ٢٩٨ كتاب الصلاة ووجه قولنا إنه يركع، أن هذا وقت يؤتى فيه بالنوافل على وجه ما، فاستحب أن يؤتى فيه من النوافل بما له سبب كسجود التلاوة. ووجه القول الثانى أن هذا وقت منع فيه من النوافل، فوجب أن يمنع فيه من ركعتى تحية المسجد كما بعد العصر. مسألة: فإن دخل المسجد بغير صلاة، فلا يخلو أن يريد الجلوس أو الجواز، فإن أراد الجلوس، فلا يجلس حتى يركع ركعتين على ما ورد فى حديث أبى قتادة من قوله عليه السلام: ((فليركع ركعتين قبل أن يجلس)) وإن أراد الجواز، فقد قال مالك: ليس عليه أن یرکی. وروی عن زيد بن ثابت أنه قال: يركع لدخوله المسجد. وجه ما قاله مالك أن الأمر إنما توجه لمن أراد الجلوس، ولذلك قال ﴿﴾: ((فليركع ركعتين قبل أن يجلس)) ولا يقال ذلك لمن لا يريد الجلوس. وأما المار، فلم يتوجه إليه الأمر، والأصل عدمه. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الداخل للمسجد يستحب أن يقرأ فى كل ركعة من ركعتى المسجد بأم القرآن، وسورة، فإذا قرأ بأم القرآن فقط، أجزأه. فرع: وهذا فى مساجد الآفاق، فأما المسجد الحرام، فقد قال مالك فى العتبية: يبدأ بالطواف قبل الركوع. ووجه ذلك أن الطواف صلاة، وهو مختص بهذا المسجد، فلذلك ابتدأ به قبل الصلاة التى لا تختص به بل يشاركه فيها سائر المساجد على أن الطواف لابد بعده من ركعتين، فيجتمع له الأمران. وأما مسجد النبى ﴾، فقد قال مالك فى العتبية: يبدأ بالصلاة قبل السلام على النبى ®: وكل ذلك واسع. قال ابن القاسم: يبدأ بالركوع أحب إلىّ. ٣٨٥ - مَالِك، عَنْ أَبِى النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى سَلَّمَةَ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْهُ قَالَ لَهُ: أَلَمْ أَرَ صَاحِبَكَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَجْلِسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ؟ قَالَ أَبُو النّضْرِ: يَعْنِى بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللّهِ، وَيَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ. قَالَ يَحْتَى: قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاحِبٍ. الشرح: أنكر أبو سلمة عن عمر بن عبيدالله تركه السنة مع كونه من أعلام الناس ٣٨٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٦٢. ٢٩٩ كتاب الصلاة وأشرافهم، فإما أن يكون علم بالسنة فى ذلك فتركها، فعاب ذلك عليه أو يكون لم يعلم بها، فعاب عليه جهله بمثل هذا مع شهرته، وتكرر العمل به، ولا يصح أن يعرف ذلك أبو سلمة إلا بتكرره من عمر بن عبيدالله مرارًا جمة ولا يجوز أن يكون له فى جميعها مانع من حدث أو قيامه إلى الصلاة بعد جلوسه دون تجديد طهارة. فصل: وقول مالك: ((وذلك حسن وليس بواجب)) يريد أن الركوع حين دخول المسجد ليس بواجب، وعلى ذلك فقهاء الأمصار، وذهب داود إلى وجوب ذلك. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور، قوله عليه السلام للذى سأله عما يجب عليه من الصلوات فقال: ((الصلوات الخمس، فقال: هل علىَّ غيرهن، فقال: لا، إلا أن تطوع». وضع اليدين على ما يوضع عليه الوجه فى السجود ٣٨٦ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سَحَدٌ وَضَعَ كَفَيْهِ عَلَى الَّذِى يَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ. قَالَ نَافِعٌ: وَلَقَدْ رَيْتُهُ فِى يَوْمٍ شَدِيدِ الْبَرْدِ، وَإِنّهُ لَيُخْرِجُ كَفِيْهِ مِنْ تَحْتِ بُرْنُسٍ لَهُ خَتَّى يَضَعَهُمَا عَلَى الْحَصْبَاءِ. الشرح: قوله: ((إذا سجد وضع كفيه على الذى يضع عليه وجهه)) هو السنة، والذى يجب أن يعمل به؛ لأن اليدين مما ترفع وتوضع فى السجود كالوجه، وبخلاف سائر الأعضاء فلزم أن يكون حكمهما حكم الوجه فيما يوضعان عليه، وإن كان عليه الأصابع يعنى غشاء متحذًا للأصابع من الجلد، فلا يصلى بها، رواه ابن القاسم عن مالك. ومعنى ذلك أن الأصابع من الید، فلزم أن ییاشر بها ما يسجد عليه. مسألة: فإن لم يباشر بيديه الأرض فى السجود وكانت الأصابع فى يديه أجزأته صلاته، وأما الجبهة والأنف فهما كالعضو الواحد والأنف عند ابن القاسم تبع للجبهة، فإن سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه، وإن سجد على الأنف دون الجهة لم يجزه. وقال ابن حبيب: هما سواء، ومن لم يسجد عليهما لم يجزه. ٣٨٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٦٣. البيهقى فى السنن الكبرى ١٠٧/٢. الأم للشافعی ٢٥١/٧. ٣٠٠ كتاب الصلاة ووجه رواية ابن القاسم أن الأنف ليس مع الجبهة عظمًا واحدًا، وإنما هو مضاف إلى الوجه، ولذلك لم تكن فيه موضحة، وإنما يدخل مع الوجه على معنى التبع. ووجه قول ابن حبيب ما روى عنه أنه قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف الشعر ولا الثياب، الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان)). مسألة: ويستحب أن يباشر بجبهته الأرض فى السجود لما ذكرناه، فإن سجد على العمامة أجزأه، فى رواية ابن القاسم عن مالك. وروى ابن حبيب عن مالك: إن كانت العمامة طاقًا أو طاقين أجزأه، وإن كانت كثيفة استحب له أن يعيد فى الوقت، واستحب للمومئ أن يحسر العمامة عن جبهته إذا أوماً للسجود ليكون على هيئة السجود. مسألة: وأما الركبتان والقدمان، فليس من سنتهما مباشرة الأرض بهما فى السجود لأنهما لا يرفعان ويوضعان فى السجود، ولأنهما مستورتان فى الغالب. وقد روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكف الشعر ولا الثياب)). فصل: وقوله: ((ولقد رأيته فى يوم شديد البرد وإنه ليخرج كفيه من تحت برنس له حتى يضعهما على الحصباء)) إخبار عن تشدده رضى الله عنه وأخذه بالأفضل على شدة البرد، ولو توقی البرد بفضل ثوبه لأجزاه. وقد روى عن أنس بن مالك قال: كنا نصلى مع النبى ﴿ فى شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه. ٣٨٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالأَرْضِ فَلْيَضَعْ كَفَيْهِ عَلَى الَّذِى يَضَعُ عَلَيْهِ حَبْهَتَهُ، ثُمَّ إِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا، فَإِن الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ. الشرح: قوله: ((إذا وضع جبهته بالأرض فليضع يديه، وإذا رفع فليرفعهما)) أن حكم اليدين فى السجود فى الوضع والرفع حكم الوجه، ولا يشاركهما فى الوضع والرفع سائر الأعضاء، فمن كانت جبهته أو يداه بالأرض لمعنى من المعانى لم يجزه سجود إلا بعد رفعها، ووضعها للسجود ثم لابد من رفعها عند كمال السجود بخلاف ٣٨٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٦٤. البيهقى فى السنن الكبرى ١١٣/٢. عبد الرزاق فى المصنف ١٧٢/٢. كتاب الصلاة ٠٠٠ ٣٠١ .... الركبتين والقدمين، فإنهما يجتزا فيهما بكونهما فى الأرض ولا يشترط وضعهما بالأرض للسجود، ولا رفعهما بعد السجود عن الأرض. الالتفات والتصفيق فى الصلاة عند الحاجة ٣٨٨ - مَالِك، عَنْ أَبِى حَازِمٍ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ذَهَبَ إِلَى بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، وَحَانَّتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّثُ إِلَى أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ: أَتُصَلِّى لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَالنّاسُ فِى الصَّلاةِ، فَتَخَلِّصَ حَتَّى وَقَفَ فِى الصَّفِّ، فَصَفْقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لا يَلْتَفِتُ فِى صَلَاِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النّاسُ مِنَ التّصْفِيقِ الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللّهِ ﴿ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ حَتَّى اسْتَوَى فِى الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: ((يَا أَبًا بَكْرِ مَا مَنْعَكَ أَنْ تَنْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لابْنِ أَبِى قُحَافَةَ أَنْ يُصِلَّىَ بَيْنَ يَدَى رَسُولِ اللّهِ ﴿ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ :﴿١: (مَا لِى رَأَيْكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التّصْفِيحِ مَنْ نَابَهُ شَىْءٌ فِى صَلاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبََّحَ الَّفِتَ إِلَيْهِ وَإِنْمَا التّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». الشرح: قوله: ((إن رسول الله ﴿ ذهب إلى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم)) دليل على جواز إصلاح الإمام، والحكم بين الناس، وفى ذلك أيضًا أن الإمام أو الحكم قد يذهب بنفسه فيما احتاج إلى مشاهدته من القضايا والأحكام. فصل: وقوله: ((وحانت الصلاة وجاء المؤذن)) يريد بلالاً، وذلك يدل على أن بحيئه إلى أبى بكر إذا كان فى سعة من وقتها، وفى هذا دليل على فضل الصلاة فى أول ٣٨٨ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦٨٤. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٢١. والنسائى فى الصغرى فى السهو حديث رقم ١١٨٣. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٩٤٠. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٠٣٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٢٩٥، ٢٢٣٠١، ٢٢٣٣٨، ٢٢٣٤١. كتاب الصلاة ... ٣٠٢ الوقت، ولذلك آثروا التعجيل بالصلاة خلف أبى بكر رضى الله عنه مع ظنهم أن النبى ﴿﴾ يصلى فى بنى عمرو بن عوف. فصل: وقوله: ((أتصلى بالناس فأقيم؟ قال: نعم)) بيان أن الإقامة متصلة بالصلاة، ولذلك استفهمه هل يصلى ليكون يقيم إن أجابه إلى الصلاة أو يترك الإقامة إن لم يجبه، ولم يحتج إلى ذلك فى الأذان؛ لأنه ليس بمتصل بالصلاة، ولذلك روى جابر بن سمرة ((كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، فلا يقيم حتى يخرج النبى ﴾، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه)). فصل: وقوله: ((فصلى أبو بكر)) يريد أنه شرع فى الصلاة ودخل فيها أثر الإقامة، ﴾ جاء فتخلص حتى وقف فى الصف دليل على أنه جاوز وما روى أن النبى ؟ الصفوف حتى وقف فى الصف الذى يلى الإمام، لأنه لو لم يشق من الصفوف ما قبله، لم يقل: فتخلص حتى وقف فى الصف؛ لأنه لم يمر إلا بما يوصف أنه تخلص منه، والألف واللام فى الصف للعهد، يريد الصف الأفضل، وهذا أصل فيمن دخل المسجد، فوجد الناس يصلون، فرأى فرجة فى الصف المقدم أنه يشق الصفوف إليها. روى ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يخرق صفًا إلى فرجة يراها بصف آخر. وقال ابن نافع فی المجموعة: إذا رأی فرجة بينه وبينها صفان، فإن کانت وجاهه، فلینهض إليها. قال ابن حبيب: وإن كانت عن يمينه أو يساره فليدعها. فصل: وقوله: ((فصفق الناس)) وجه ذلك أنهم لما كانوا ممنوعين من الكلام، ورأوا ما استعظموه وكبر فى أنفسهم من تقديم أبى بكر بحضرة النبى ﴿لَ﴾ فى الصلاة أرادوا إعلامه، فراموا ذلك بالتصفيق. فصل: وقوله: ((وكان أبو بكر لا يلتفت فى صلاته)) يريد أنه كان مقبلا عليها مشتغلا بها لا يلتفت عن يمينه، ولا عن شماله، وهذا يدل على أن من سنة الصلاة أن يكون بصره فى قبلته، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالاً؛ لأن أبا بكر فعل ذلك، وداوم عليه حتى وصف به وعرف من حاله. وقد روى عن عاشئة رضى الله عنها أنها قالت: سألت رسول الله ﴾ عن التفات الرجل فى الصلاة، فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم)). وإنما يلزم أن يكون بعده فى قبلته حيث وجهه. وقال ابن القاسم: بلغنى أنه يضع بصره أمام قبلته، وأنكر مالك أن ینکس رأسه، ولا یتکلف رفع رأسه ولا خفضه ولكن حالته التى يكون عليها إذا استرسل، وترك الاشتغال. ٣٠٣٠٠ كتاب الصلاة فصل: وقوله: ((فلما أكثر الناس من التصفيق)) يريد صفق منهم العدد الكثير، ولم يرد أنه أكثر كل واحد منهم التصفيق، فالتفت أبو بكر لينظر ما أوجب كثرة تصفيقهم، وهذا يدل على أن الالتفات فى الصلاة لا يبطلها، لأنه فعل ذلك بحضرة النبى )، فلم ينكره عليه، ولا خلاف فى ذلك. وفى المدونة: من التفت فى صلاته، لم يقطعها. قال ابن القاسم: وكذلك من التفت بجميع جسده. ومعنى ذلك أنه، وإن تعلق به حكم المنع والكراهية لمن فعل ذلك لغير سبب، فإنه لا يقطع الصلاة. وأما النظر يمينًا وشمالاً، فليس ذلك بممنوع، لما روى عن ابن عباس ((كان رسول الله ﴿٤﴾ يلحظ يمينا وشمالاً، ولا يلوى عنقه)). فصل: وقوله: ((فرأى رسول الله (4) فعلم أن التصفيق كان من أجله، ولعله أشار إلى أن يتأخر إلى الصف أو اخذ فى ذلك، فأشار إليه رسول الله ﴿3﴾ أن امكث مكانك. وفى ذلك دليل أن الإشارة فى الصلاة للعذر والحاجة إلى ذلك لا تبطلها ولا تنقصها، لأن النبى ◌ّ﴾ فعل ذلك، ومنه رد السلام بالإشارة باليد والرأس؛ لأنهما مما جرت العادة بالإشارة بهما. قال ابن الماجشون: ولا بأس بالمصافحة فى الصلاة والإشارة برد السلام فی المکتوبة وغيرها. وروى عبدالملك بن الحسن عن ابن وهب: ولا بأس أن يشير فى الصلاة بنعم أو لا. قال ابن الماجشون: وأما أن يشير إليه فى المشى ويعطيه إياه، فلا أحب ذلك؛ لأنه يخطئ موضعه، فترد عليه الإشارة حتى يفهم، وذلك شغل عن الصلاة. فصل: وأما إشارة رسول الله (198 إلى أبى بكر أن يمكث، فكأنه يحتمل معنیین، أحدهما أن يثب مكانه إمامًا، والثانى: أن يثبت مكانه مأمومًا بين يدى النبى والأول أظهر. وقد روى مفسرًا من حديث قتيبة: ((يا أبا بكر ما منعك أن تصلى بالناس حين أشرت إليك)) ورفع أبى بكر يديه فى الصلاة للدعاء، دليل على جواز ذلك فى الصلاة. وقد روى عن مالك جواز رفع اليدين فى موضع الدعاء. فصل: وقوله: ((فحمد الله أبو بكر على ما أمره به رسول الله (﴿15 من ذلك)) يحتمل أن يكون حمده على أن لم يكن أخطأ فى تقدمه بالناس فى موضع لا يأمن فيه ورود النبى ، ويحتمل أن يكون حمد الله تعالى على ما فضله به وأهله له النبى ﴿ من تقدمه بین یدیه وصلاته به. ٣٠٤ كتاب الصلاة وقد روى موسى بن معاوية عن ابن القاسم فيمن أخبر فى الصلاة بما يسره، فحمد الله تعالى أو بمصيبة، فاسترجع أو خبر بشىء، فقال: الحمد لله على كل حال أو الذى بنعمته تتم الصالحات، لا يعجبنى وصلاته مجزئة. قال أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة. فصل: وقوله: ((فاستأخر أبو بكر حتى استوى فى الصف)) دخولا فى جملة الصحابة المؤتمين وخروجًا للنبى ﴿ عن رتبة المأمور فأقره النبى ﴿﴾ على ذلك، وتقدم رسول الله يعنى إلى موضع الإمامة. وفى ذلك مسألتان، إحداهما: تأخر أبى بكر رضى الله عنه. والثانية: تقدم النبى فأما تأخر الإمام لغير عذر، فإنه غير جائز؛ لأنه قد لزمه إتمام صلاته، ولزم الناس الائتمام به، فلا يجوز له إبطال ما دخل فيه والتزمه، ولا إبطال صلاة من قد ائتم به. فرع: وهل يبطل ذلك صلاته، وصلاة من خلفه أم لا؟ قال ابن القاسم: فى إمام أحدث، فاستخلف ثم أتى، فأخر المستخلف، وأتم الصلاة: إن ذلك ماض، واستدل بفعل أبى بكر حين تأخر، وتقدم النبى ﴿13، وذلك يدل على أنه يرى أن هذا الفعل لا يختص بالنبى ﴿﴾. وقال يحيى بن عمر: ذلك مخصوص بالنبى ﴿لَ﴾، وذلك يفيد أن مثل هذا لا يصح من غيره. ﴾ حين سأله وقال القاضى أبو الوليد: وهو الأظهر عندى؛ لأن أبا بكر قال للنبى ﴿ـ عن المانع له من أن يثبت مكانه إذ أمره بذلك: ما كان لابن أبى قحافة أن يصلى بين یدی رسول الله ﴿﴾، فأظهر بذلك العلة التی لها تأخر، وهذا حكم يختص بالنبى ولو قال: ما كان لابن أبى قحافة أن یصلی بین یدی من هو أفضل منه، وأقره النبى لجاز اليوم أن يتأخر لإمام يرى أنه أفضل منه. مسألة: وأما تأخر الإمام لعذر، فلا خلاف فى جواز ذلك، والأعذار على وجوه، منها ما يوجب للإمام كونه مأمومًا، وذلك إذا عجز عن شىء من فروض الصلاة، فإنه يتأخر، ويقدم رجلا من القوم يتم بهم الصلاة ويأتم هو به. والثانى: أن يحدث به ما يمنع صحة الصلاة كالحدث، وما يمنع الصلاة، فإنه يقدم أحد المصلين يتم بهم الصلاة وينصرف هو لإزالة ما منعه إتمام الصلاة. وفى الاستخلاف أربعة أبواب، الأول: فى حكم الاستخلاف والمستخلف. والباب الثانى: فى عمل المستخلف فيما بقى عليه من صلاة الإمام. والباب الثالث: فى عمل من ٣٠٥٠ كتاب الصلاة . استخلف للصلاة بهم. والباب الرابع: فى عملهم بعد إتمام صلاة الإمام. * الباب الأول فى حكم الاستخلاف والمستخلف من حكم الإمام إذا طرأ عليه ما يمنعه التمادى فى الصلاة، أن يستخلف من يتم بالقوم الصلاة، فإن لم يستخلف تقدم أحدهم فصلى بهم بقية صلاة الإمام، قاله ابن القاسم فى المدونة. ووجه ذلك أنها صلاة جماعة تؤدى، فكان من حكمها أن تستوعب الإمامة جميعا، كما لو كان الإمام باقيًا على إمامته. مسألة: ولو قدم المحدث رجلاً، فلم یتقدم حتی تقدم غيره فصلى بهم، فقد روى ابن سحنون عن أبيه: تجزئهم صلاتهم. ووجه ذلك أن المستخلف لا يكون إمامًا إلا بعد أخذه فى الإمامة، وأخذ الناس فى الاقتداء به، ولما عدم ذلك فى المستخلف لم يكن إمامًا، ولما وجد ذلك فى الذى تقدم صح ائتمامهم به. وقد قال ابن القاسم فى المدونة: لم أسمع من مالك أن المستخلف يكون إمامًا قبل أن يبلغ موضع الإمام. مسألة: ولا يجوز أن يستخلف إلا من أحرم، ولو استخلف من لم يحرم، فأحرم بعد ما تقدم بطلت صلاة من ائتم به بمنزلة قوم أحرموا قبل إمامهم، قاله ابن القاسم. مسألة: وإذا أحدث بعد الركوع وقبل السجود، فلا يستخلف من لم يدرك معه الركعة. رواه عيسى عن ابن القاسم فى العتبية، قال: فإن استخلف، فليقدم هذا من أدر کها ويتأخر. ووجه ذلك أنه لا يعتد بذلك السجود، والإمام لا يأتى من الصلاة بما لا يعتد به، وإنما يفعل المأموم على وجه التبع للإمام، وهذا لما استخلف قد صار إمامًا، فلا يشتغل عن الصلاة بما لا يعتد به. مسألة: ولا يجوز أن يستخلف جنبًا ولا سكرانًا ولا مجنونًا، قاله ابن القاسم فى المدونة. ووجه ذلك أن المستخلف إمام، فيجب أن يكون بصفة من يصح إمامته. قال ابن كتاب الصلاة ٣٠٦ .. القاسم: فإن استخلف أحد ممن ذكرنا، فائتموا به بطلت صلاتهم، إذا كان الجنب ذاكرًا الجنابته، وحكمهم أن يقدموا غيره كما لو لم يستخلف الإمام أحدًا. مسألة: ولو لم يستخلف الإمام أحدًا، وقدمت طائفة رجلاً صلت یصلاته، وقدمت طائفة رجلاً، صلت بصلاته فى غير الجمعة أجزأتهم صلاتهم، قاله سحنون فى العتبية قال أشهب: وقد أساءت الطائفة الثانية بمنزلة جماعة وجدوا فى المسجد جماعة يصلون بإمام، فقدموا رجلاً منهم، وصلوا بصلاته، وهذا مبنى على أن المستخلف أو من تقدم إنما تلزم إمامته من شرع فى الائتمام به دون من لم يشرع فى ذلك، ولو قدموا رجلاً منهم إلا واحدا منهم صلى فذًا، فقد أساء وتجزئه صلاته بمنزلة رجل وجد جماعة تصلى پامام فصلی فذًا. مسألة: ولو لم يقدم الإِمام أحدًا، فصلوا أفذاذًا، فقد قال ابن القاسم فى المدونة: لا يعجبنى ذلك، فإن فعلوا أجزاتهم. وروى ابن المواز عن ابن عبدالحكم، من ابتدأ صلاة مع إمام، فأتمها وحده، فليعد. وجه قول ابن القاسم أن عنده صلاة تصح من الفذ، والإمام قد زال حكمه بما أحدث، فصح أن تتم هذه الصلاة على حكم الفذ كما لو سبقه الإمام بركعة، وكذلك لو لم يكن مع الإمام الذى أحدث غير مأموم واحد؛ لكان يقضى فذًا. ووجه قول ابن عبدالحكم أنه لما لزمه حكم الإمام بالدخول مع الإمام بطلت صلاته بالانفراد عن الإمام الذى لم يتم صلاته كما لو فارق الإمام مع بقائه على حكم الإمامة. فرع: فإذا قلنا بقول ابن القاسم، فقد قال: إن ذلك فى غير الجمعة، وأما الجمعة، فلا يصح ذلك فيها؛ لأنها لا تكون إلا بإمام يريد أن يؤم فى جميعها أداء. وأما القضاء، فإنه يصح من الفذ، فمن أدرك ركعة من صلاة الإمام، فإنه يقضى ما فاته بعد سلام الإمام. وقد اختلف أصحابنا فى الإمام تنفض عنه الجماعة فى صلاة الجمعة بعد ركعة، فقال أشهب: يصلى ركعة وتجزئه جمعته. قال ابن سحنون: وهو القياس. وقال سحنون: لا يجزئه ذلك، ولا تكون له جمعة؛ فإذا قلنا بقول سحنون، فهو موافق لما قدمناه من مسألتنا، وإذا قلنا بقول أشهب تصح جمعته، فالظاهر فى مسألتنا الجواز وألا نفرق بين انفراد الإمام والفذ فى الجمعة. ............ ٣.٧ كتاب الصلاة مسألة: ويستحب للإمام أن يستخلف من الصف الذى يليه، رواه على زياد عن مالك فى المجموعة. ووجه ذلك أنه أقرب إليه وأقل لعمل المستخلف فى التقدم إلى موضع الإمام، ولذلك شرع أن يلى الإمام أهل الفقه والعلم ليستخلف منهم إن احتاج. وقد روى عن النبى ﴿) أنه قال: ((ليلنى منكم ذوو الأحلام والنهى)). مسألة: والأفضل أن يستخلف بالإشارة، ويضع يده على أنفه فى خروجه يرى أن ما أصابه رعاف، فإن لم يفعل وتكلم لم يفسد عليهم شيئًا على ما تقدم، فإن أحدث راكعًا، فقد روى عيسى عن ابن القاسم فى العتبية: يرفع رأسه ويستخلف من يرفع بهم. وقال يحيى بن عمر: يرفع رأسه بغير تكبير، فيستخلف من يرفع بهم، وقيل یستخلف قبل أن يرفع رأسه لئلا یرفعوا برفعه. ووجه ذلك أنه لما أحدث، خرج عن الإمامة، فيستخلف من يرفع بهم؛ لأن الرفع بالركوع عمل من أعمال الصلاة المتعلقة بالإمام، وكان له أن يرفع رأسه قبل الاستخلاف؛ لأن ذلك أمكن له فى تناول الاستخلاف بالإشارة والنظر إلى من يستخلفه، ويترك التكبير؛ لأنه قد خرج عن الصلاة، ولئلا يتبع فى التكبير فيقتدى به، وهو عالم بحدثه، وذلك مبطل للصلاة. ووجه قول من قال: يستخلف على حالة الركوع، أن ذلك توقع من أن يقتدى به من وراء فى رفعه رأسه، فكان حكمه أن يستخلف على الحالة التى أحدث عليها. * الباب الثانى فى عمل المستخلف فيما بقى عليه من صلاة الإمام ما بقى من صلاة الإمام، فجملته أنه إن كان استخلفه بعد أن قرأ بعض القراءة، فقد روى أبو زيد عن ابن القاسم فى العتبية: يقرأ المقدم من حيث انتهى إليه الإمام. وقال على بن زياد عن مالك: إن استخلفه بعد تمام القراءة، فلا يعيدها ويركع. وقال عيسى. عن ابن القاسم فى العتبية: إن أحدث راكعًا، استخلف من يدب راكعًا، يريد إلى موضع الإمام ويرفع بهم. وروى موسى بن معاوية عن ابن القاسم المستخلف فى الجلوس يدب جالسًا، وفى القيام يتقدم قائمًا. ومعنى ذلك أن المستخلف من حكمه أن يعمل مثل عمل الإمام، ويتقدم إلى موضعه ليتم الاقتداء به على سنته، وبذلك يعلم تقدمه للإمامة، فربما قد اعتقد الاقتداء بغيره، كتاب الصلاة ٣٠٨ وذلك يمنع صحة الاقتداء به فيتقدم على الصفة التى استخلف عليها فيتقدم به فى إتمامها. مسألة: وعلى المستخلف أن يتم بهم صلاة الإمام، وإن كانت مخالفة لصلاته، فلو فاته من صلاة الإمام ركعة ثم ركع معه الثانية ثم أحدث، فاستخلفه قبل أن يتم سجوده، فإنه يتم بهم تلك الركعة، ويجلس لأنها ثانية الإمام، لأنه إنما يصليها كما كان يصليها مع الإمام، فإذا أكمل صلاة الإمام أشار إليهم أن اجلسوا، قاله ابن القاسم عن مالك فى المجموعة. ومعنى ذلك أن ينبههم على انتظاره لئلا يتبعوه فيما ينفرد به من القضاء، فإذا أتم ما فاته مع الإمام سلم بهم. فرع: ولو صلى رجل وحده ركعة من الصبح، ثم دخل معه فى الركعة الثانية من ائتم به الركوع معه، ثم أحدث الإمام، فاستخلفه، فقد قال ابن المواز: يتم ركعته ويجلس ثم يقوم فيقضى الأول. ووجه ذلك أنه قد لزمه حكم صلاة الإمام، فعليه أن يتم ما بقى من صلاة الإمام حتى يبلغ محل السلام ثم يقوم فيقضى ما فاته قبل أن يسلم ثم يسلم فتتم صلاته، وهذا يقتضى أن الجماعة إذا أحدث إمامهم، فخرج ولم يستخلف وصلوا أفذاذًا، فإن كل واحد منهم إنما يبنى على صلاة الإمام من فاته منهم بعض صلاة الإمام، ومن لم يفت. * الباب الثالث فى عمل من استخلف للصلاة وحكم ذلك أن المأموم يتبع المستخلف فيما يبنى عليه من صلاة الإمام، وذلك أنه لا يخلو أن يكون المستخلف أدرك مع الإمام ابتداء ركعة أو لم يدركها معه، فإن أدرك معه الركعة، وكانت أول صلاة الإمام، فإن صلاتهم باقية على سنتها لا يلحقها تغيير ولو فاته ركعة من صلاة الإمام ثم استخلف الإمام بعد أن أدرك معه الثانية، فإنه يتم بهم صلاة الإمام حتى يبلغ محل السلام، فإذا بلغه أشار إليهم فقام، فقضى ما فاته من أول صلاة الإمام ثم سلم بهم، ولو كانت تلك الركعة قد فاتت جماعة منهم، فقد قال سحنون فى المجموعة: من أصحابنا من يقول: يقوم المستخلف وحده للقضاء، ثم يسلم ويسلم معه من كملت صلاته، ويقوم من فاته شىء منها فيقضيه بعد سلامه. ومنهم من يقول: إذا قام يقضى قام كل واحد منهم يصلى لنفسه ثم يسلمون بسلامه. ٣٠٩٠ كتاب الصلاة وجه القول الأول أن ما فاتهم من صلاة الإمام عليھم قضاؤه، والقضاء لا يكون إلا بعد سلام الإمام. أصل ذلك إذا أتم الإمام صلاته، فإن من فاته بعض صلاته لا يقضى إلا بعد سلامه. ووجه القول الثانى أن تأخير السلام لقضاء المستخلف مدة، لا عمل على المأموم فيها غير انتظار تمامه، فجاز أن يتموا فيها صلاتهم كالطائفة الأولى فى صلاة الخوف تتم صلاتها فى مدة ينتظر فيها الإمام الطائفة الثانية. وقد قال سحنون فى المجموعة، فى المستخلف يتم صلاة الإمام، ثم قام يقضى لنفسه فضحك: أحب إلىّ أن يعيد القوم احتياطًا، وكأنه لم يوجبه، وهذا عندى يقتضى أن من أتم معه صلاة الإمام، قد خرجوا عن حكم إمامته، فينبغى أن يقوموا، وإذا قلنا إنهم فى حكم إمامته لزمتهم إعادة الصلاة، إذا أفسدها بضحك أو غيره. فرع: فإذا قلنا إن المأموم يقضى ما فاته قبل سلام المستخلف، فقد حكى سحنون فى المجموعة عن بعض أصحابنا إن ائتم بالمستخلف بطلت صلاته. وروى ابن سحنون عن أبيه أنه قال: تجزئه، قال: ثم رجع، فقال: يعيد أحب إلىّ. وجه القول الأول أنه ائتم به فيما من حكمه أن يصليه فذًا كما لو سلم الإمام، وقام للقضاء من فاته بعض صلاته، فائتم بعضهم ببعض، فإنه تبطل صلاة المأموم؛ لأن القضاء ينافى حكم الجمع والائتمام، ولذلك لا يأتم القاضى فى صلاة الجمعة، وإن كان أصلها لا تتم إلا فى جماعة. ووجه آخر، وهو أن لا يتم صلاة مع إمام إلا من ابتدأها معه، ولذلك من ابتدأ صلاته فذًا لم يكن له أن يتمها مع الإمام. ووجه آخر، وهو أن ما نقص من الصلاة له حكم الائتمام بالإمام الأول، فجاز أن يقتدى فيه بالمستخلف، أصل ذلك البناء. الباب الرابع فى عملهم بعد إتمام صلاة الإمام وإذا استخلف الإمام، ولم يدرك معه الر کعة، وقد بقيت عليه متها سجدة، وتمادى المستخلف على الصلاة، فلا یتبعوه فی سجدتها لأنها له نافلة، ولا يعتدون بتلك الركعة، فإن اتبعوه فسدت صلاتهم، رواه فى العتبية عيسى عن ابن القاسم. قال ابن المواز: وقد قيل تجزيهم إن سجدوها معه.