النص المفهرس
صفحات 741-760
كتاب الصلاة ٢٧٠ ابْنِ أَبِى طَالِبٍ أَخْرَهُ أَنّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهْبْتُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ ﴿ عَامَ الْفَتْحِ فَوَحَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْتُهُ تَسْتُرُهُ بِشَوْبٍ، قَالَتْ: فَسَلِّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أُمُّ هَانِيٍ بِنْتُ أَبِى طَالِبٍ، فَقَّالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِيٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَّعَاتٍ مُّلْتَحِفًا فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ انْصَرَفَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّى عَلِى أَنْهُ قَاتِلٌ رَجُلا أَجَرْتُهُ فُلانُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (وَقَدْ أَحَرْنَا(١) مَنْ أَحَرْتٍ يَا أُمَّ هانِيٍ، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلِكَ ضُحى)). الشرح: قولها: ((ذهبت إلى رسول الله ﴿﴿ عام الفتح)) ذهابها هذا كان بمكة. وقولها: «فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره)» فيه ستر ذوى المحارم من النساء من لم يحرم عليهن من الرجال. وقولها: ((فسلمت عليه، فقال: من هذه)) يحتمل أنه لم يعرفها بنطقها بالسلام. وقد استدل بهذا بعض من زعم أن شهادة الأعمى لا تجوز على أن الأصوات لا يقع التمييز بها، وليس فيه تعلق؛ لأن من يجيز ذلك لا يقول إن كان من سمع متكلمًا يميز صوته، ولکنه یقول: إن منها ما يقع به التمييز. فصل: وقوله : ((مرحبا بأم هالى)) من كرم الأخلاق الترحب بالأهل والتأنيس لهم، وتأخيرها سؤال حاجتها حتى قضى صلاته من حسن التساؤل وجميل الأدب أنها تركته حتى تفرغ لحاجتها، وخلا لسماع شفاعتها، والنظر فى أمرها. فصل: وقولها: ((زعم ابن أمى على)) إخبار عن قرب محله منها مع ما يريده من مخالفتها أنه قاتل رجلاً أجارته، فكان ابن هبيرة، وهذا جده، وكانت أم هانئ أجارته لموضعه منها. وقد اختلف الفقهاء فى جواز تأمين المرأة والعبد والصبى، يجوز ذلك مالك، وسیأتی بيانه فى كتاب الجهاد إن شاء الله، وليس فى هذا الحديث بيان لجواز جوار المرأة إلا من =الطهارة وسننها حديث رقم ٤٧٢، ٦٢٢. وإقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٣٦، ١٣٧٩، ١٣٨٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٦٣٤٧، ٢٦٣٥٦، ٢٦٨٣٣. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤٥٢، ١٤٥٣، ١٤٩٠. (١) الإجارة: عهد بالمنع والحماية. كتاب الصلاة ٢٧١٠٠ ...... ... حيث أقرها على قولها: قد أجرته، ولم ينكر عليها ذلك. فصل: وقولها: ((وذلك ضحى)) تبين أن دخولها عليه وصلاته كانت ضحى، وليس ذلك بوقت صلاة فرض، وهذا أصل فى صلاة الضحى. على أن صلاته تلك تحتمل أن يكون ﴿﴿ فعل ذلك لما اغتسل، وجدد طهارته، لا لقصده للوقت إلا أنه قد روى أنها سألته، فقالت له: ((ما هذه الصلاة؟ فقال: صلاة الضحى)) فأجابها إلى الوقت. وقد روى عن أنس أن النبى ﴿﴿ صلى الضحى يومًا برجل ضخم من الأنصار، وكان لا يستطيع الصلاة معه، فدعاه إلى بيته، وصنع له طعامًا، فصلى عنده النبى ركعتين، فقال لأنس: أكان النبى ﴿ يصلى الضحى. قال: لم أره صلاها إلا يومئذ. وقد روى عن أبى هريرة أنه قال: أوصانى خلیلی بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر. ٣٥٤ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةً بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النِّىِّ ﴿ أَنْهَا قَالَتْ: مَا رَّأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ يُصِّلِّى سُبْحَةَ الضَّحَى قَطُ، وَإِّى لاَسْتَجِيُّهَا وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةً أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيَفْرَضَ عَلَيْهِمْ. * يصلى سبحة الضحى قط)) هذا صحيح الشرح: قولها: ((ما رأيت رسول الله عنها. وقد روى عنها من حديث معاذة أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﴿﴾ يصلى الضحى؟ قالت: أربع ركعات. وروى فى هذا الحديث أبو عبدالرحمن القسام، وقال: خالفها عروة وعبدالله بن سفيان، وليس الأمر على ما ذهبا إليه؛ لأن عروة إنما روى عنها نفى صلاة الضحى لغير سبب، والذى روته معاذة عنها أنه صلاها لسبب، وذلك إذا قدم من سفر أو غيره. وقد رواه شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة قالت: سألت عائشة أكان رسول الله * يصلى الضحى؟ فقالت: نعم، إذا جاء من سفر، فيحمل على هذا رواية عروة على نفى صلاتها لغير سبب، وقد بين ذلك عبدالله بن سفيان فى رواية قال: قلت لعائشة: ٣٥٤ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١٢٨. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧١٨. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٢٩٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٥٣٦، ٢٤٠٣٠، ٢٤٨٣٥، ٢٤٨٣٥، ٢٤١٩٦، ٢٥٢٧٨، ٢٥٣٤٢، ٢٥٤٨٠. ٢٧٢ كتاب الصلاة هل كان النبى ﴿﴾ يصلى الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجىء من مغيبه. فصل: وقولها: (وإنى لأستحب)) هكذا رواه يحيى بن يحيى الليثى، ورواه غيره ((وإنى لأستحبها تعنى أنها تتنفل بها، وإنما كانت تفعل ذلك وتؤثرها على النوافل فى سائر الأوقات لها لحديث أم معاذ. وأما حديث أبى هريرة، ولعلها قد سمعت منه الحض عليها، وأنه ﴿ إنما ترك المداومة عليها لما ذكرته، وهو قولها: ((وإن كان رسول الله ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم . تعنى أن النبى ﴿﴾ قد كان علم من متابعة أصحابه له واقتدائهم بصلاته ما إن داوم على عمل من الأعمال داوموا عليه، ولم يتركوه، وكان يخشى إذا داوموا على عبادة أن تفرض عليهم، وكان يحب التخفيف عنهم من الفروض، لأن بتركها يقع العصيان وعلى هذا ترك مداومة القيام لرمضان فى جماعة خشية أن يفرض على الناس، وكان بالمؤمنين رحيمًا. وإنما أمر أبا هريرة بصلاة الضحى على أحد وجهين، أحدهما: أنه أفرده به، وعلم أنه لا يثابر عليه الصحابة لمداومة أبى هريرة عليه، فأما أن يفرض عليهم بذلك، والثانى أن يكون أوصاه أن يداوم عليه بعد موت النبى ﴿3﴾ وذلك وقت لا يفترض على الناس شیء مداومتهم عليه. ٣٥٥ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنْهَا كَانَتْ تُصَلّى الضُّحَى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ لَوْ نُشِرَ لِى أَبَوَاىَ مَا تَرَكْتُهُنَّ. الشرح: قوله: ((أنها كانت تصلى الضحى ثمان ركعات)) يحتمل أنها كانت تفعل ذلك بخبر منقول عن النبى ﴿ كخبر أم هانئ، ولذلك اقتصرت على هذا الأمر، ويحتمل أن يكون هذا المقدار هو الذى كان يمكنها المداومة عليه. وقولها: «لو نشر لی أبوای ما تر کتهن) أی لو بعثا وأحييا ما تركتهن، وذلك دليل على قوة فضليتها عندها وتأكد أمرها. جامع سبحة الضحى ٣٥٦ - مَالِك، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ ٣٥٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٣٢. ٣٥٦ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٣٨٠. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة- ٢٧٣ كتاب الصلاة جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ لِطَعَامِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ :﴿: قُومُوا فَلْأَصَلَّىَ لَكُمْ، قَالَ أَنَسَ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولٍ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءِ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ ﴿ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْنِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنًا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتْنِ ثُمَّ أَنْصَرَفَ. الشرح: إجابة النبى ﴿﴿ مليكة لطعامها؛ لما كان عليه من التواضع، وقربه من المساكين، ومخالطته لهم ورفقه بهم. وقوله : ((قوموا فلأصل لكم)) بريد أن يخصهم ببركة صلاته ودعائه أو يريد أن يعلمهم بالمشاهدة والقرب. فصل: وقول أنس: ((فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس)) يقتضى قلة ما عندهم من الحصر، وإلا فلم يكونوا يخصون النبى 48 إلا بأفضل ما عندهم مما يصلح للصلاة، وإنما نضحه بالماء على سبيل تجديد نظافته وطهارته لأنه ربما وقع فى النفس من طول لبسه أنه لا يسلم من أن يناله شىء من النجاسة، فنضحه؛ ليذهب ما فى النفس من ذلك، لما كان النضح طهور لما لم يتيقن طهره. والظاهر أنه إنما نضج لما خيف أن یناله من النجاسة؛ لأنهم کانوا يلبسونه، ومعھم صبی فطيم اسمه أبو عمير. وقد أخرج البخارى فى الأدب حديثًا عن أبى التياح عن أنس، قال: كان النبى أحسن الناس خلقاً، وكان لى أخ يقال له أبو عمير، قال: أحسبه فطيمًا، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير ما فعل النغير، نغير كان يلعب به، فربما حضر الصلاة، وهو فى بيتنا، فیأمر بالبساط الذی تحتہ فیکنس ويتضح، ثم يقوم ونقوم خلفه، فیصلی بنا. فوجه الدليل أنه أمر بالنضح، وظاهر الأمر الوجوب، وهو والله أعلم، بما أخبر به من طول لبسهم للبساط مع تصرف الطفل الذى لا يتوقى النجاسة فيه. وقال القاضى أبو إسحاق: إنما غسله ليلين، وهذا ليس ببين، لأنه قد تقدم من كلامه ما يدل على أن نضحه لم يكن لجساوته، وإنما كان لأجل لونه، وطول لبسه، وقد يحتمل أن يكون النضح بمعنى الغسل، وأن يكون غسله لنجاسة فيه أو للونه، والأول هو أظهر. =حديث رقم ٦٥٨. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢١٧. والنسائى فى الصغرى فى الإمامة حديث رقم ٨٠١. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٦١٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ١١٩٣١، ١٢٠٩٨، ٠١٢٢٦٩ والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٢٨٧. ٢٧٤ كتاب الصلاة فصل: وقوله: ((فقام عليه رسول الله (18)) دليل على جواز القيام فى الصلاة على ما كان من نبات الأرض لم يتغير عن حكم الأصل، وقد ألحق بذلك فى جواز القيام أنواع من الثياب وغيره كالقطن والصوف والكتان، وسنذكره بعد هذا إن شاء الله. فصل: وقوله: ((فصففت أنا واليتيم وراءه)) اليتيم هو ضميرة، وهو جد حسين بن عبدالله بن ضميرة، وهذا يقتضى أن يكون اليتيم ممن يعقل الصلاة وإلا لم يعتد به فى جماعة المؤتمين، وهذا مما يدل على أن المصليين وراء الإمام يقفان وراءه. وقوله: ((والعجوز من ورائنا)) دليل على تأخر النساء عن صفوف الرجال، وقد تقدم ذكره. ويقتضى ذلك أن المرأة المفردة إذا صلت خلف الصف صحت صلاتها، ولا خلاف فى ذلك نعلمه. وأما الرجل يصلى خلف الصف، فقد قال مالك: صلاته صحيحة، وبه قال حنيفة والشافعى. وقال ابن حنبل وأبو ثور: تبطل صلاته. والدليل على ما نقوله أن هذا مقام لو صلت فيه المرأة صحت صلاتها، فإذا صلى فيه الرجل صحت صلاته كالصف. فصل: وقوله: ((فصلى لنا ركعتين ثم انصرف)) يقتضى فى الأغلب أنها نافلة؛ لأن الفرائض إنما كان يصليها فى مسجده، وليس فى الحديث ما يدل على أنها كانت صلاة الضحى. وقد أدخل مالك هذا الحديث فى باب سبحة الضحى، وقد تقدم من حديث أنس أنه لم ير رسول الله ! يصلى الضحى إلا مرة فى دار رجل من الأنصار سأله أن يصلى فى بيته ليتخذ مكانه مصلى، ولكنه يتحرج ذلك على وجهين، أحدهما: أن يكون مالك قد بلغه أن صلاته فى دار مليكة كانت ضحى، وأنه لما اعتقد فيها أن المقصود منها التعليم دون الوقت لم يعتقدها صلاة الضحى. والوجه الثانى أن يكون مالك لم يبلغه ذلك، ولكنه لما كانت صلاة الضحى عنده نافلة محضة، ناب ذكر هذه النافلة عن ذکرها وقام مقامها. ٣٥٧ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْهَاجِرَةِ، فَوَحَدْتُهُ يُسَبِّحُ، فَقُمْتُ وَرَاءَهُ، فَقَرِّيَنِى حَتَّى جَعَلَنِى حِذَاءَهُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَّمَّا جَاءَ يَرْفَا تَأَخَّرْتُ فَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ. ٣٥٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٣٤. ٢٧٥ كتاب الصلاة الشرح: قوله: ((دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح)) إدخال مالك، رحمه الله، هذا الحديث فى باب سبحة الضحى يدل على أحد أمرين، إما أنه أدخل ذلك لما كان حكم هذه الصلاة عنده حكم صلاة الضحى فى أنها نافلة محضة. والثانى: أن يكون هذا وقت صلاة الضحى عنده، والهاجرة هو وقت قوة الحر. وقد روى عن زيد بن أرقم أنه رأى قومًا يصلون من الضحى، فقال: أما لقد علموا أن الصلاة فى غير هذا الوقت أفضل أن رسول الله ﴾ قال: ((صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)». فصل: وقوله: ((فقمت وراءه فقربنى حتى جعلنى حذاءه)) دليل على جواز الإمامة فى النافلة. وقد قال ابن حبيب فى تفسير هذا الحديث: وهذا لا بأس أن يفعله الناس اليوم فى الخاصة، وليس من الأمر الذى تواطأت عليه العامة أن يصلى الرجل بالنفر فى سبحه الضحى وغيرها من النافلة بالليل والنهار فى غير نافلة رمضان، إلا إذا كان النفر قليلاً، الرجلين والثلاثة ونحوهم، من غير أن يكون ذلك كثيرا مشهورًا، وكذلك قال مالك. فصل: وقوله: ((فقربنى حتى جعلنى حذاءه)) موافق لما تقدم ذكره أن موقف المصلى بصلاة الإمام عن يمينه، فإذا خالف ذلك، فمن سنة الإمام أن يعلمه بالإشارة، وأن يقيمه عن يمينه، وكذلك فعل رسول الله ﴿﴿ بابن عباس حين قام عن يساره، فأداره عن يمينه. فصل: وقوله: ((فلما جاء يرفأ تأخرت فصففنا وراءه)) موافق لما تقدم من أن المؤتمين بالإمام يقفان خلفه، وفيه انتقال المأموم عن محله إذا دخل معه فى الصلاة من ينتقل من أجله عن ذلك المقام إلى غيره، ولا يقيم على الوقوف فى المكان الذى لزمه الوقوف فيه أول صلاته. التشديد فى أن يمر أحد بين يدى المصلى ٣٥٨ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، ٣٥٨ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٥٠٩. وبدء الخلق حديث رقم ٣٢٧٥. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٥٠٥. والنسائى فى الصغرى فى القبلة حديث رقم ٧٥٧. والقسامة حديث رقم ٤٨٦٠. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٦٩٧، ٦٩٩، ٧٠٠. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ٩٥٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٠٩٠٦، ١١٠٠١، ١١٠٦٧، ١١١٤٦، ٠١١٢١٣ والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤١١. كتاب الصلاة ٢٧٦ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ه قَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَّلِّى، فَلا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأُهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبِى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)). الشرح: قوله: ((إذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدًا يمر بين يديه)) هذا يكون على نوعين، أحدهما: يكون المصلى به عاصيًا. والثانى: لا يكون المصلى عاصيًا. فأما الذى يكون المصلى به عاصيًا، بأن يصلى إلى غير سترة فى موضع يغلب عليه المرور بين يديه، فهذا قد عرض نفسه لما لا يجوز من المرور بين يديه، فمتى مر أحد بين يدى المصلى فقد أثم المار والمصلى، أما إثم المار، فلأنه ارتكب المحظور، وأما أثم المصلى، فلأنه عرض نفسه لذلك. وأما ما لا يكون المصلى به عاصيًا، فعلى ضربين، أحدهما: أن يصلى إلى سترة. والثانى: أن يصلى إلى غير سترة فى الموضع الذى لا يظن أن يمر أحد فيه بين يديه كالبرارى والقفار. وفى هذا اختلاف، قال ابن القاسم: ليس عليه أن يصلى إلى سترة حيث يغلب على ظنه أنه لا يمر بين يديه أجد. وقال ابن حبيب: من شأن المصلى أن لا یصلی إلا إلی سترة أمن أن يمر بین یدیه أحد أو لم يأمن. وجه ما قاله ابن القاسم الحكم بغلبة الظن. ووجه ما قاله ابن حبيب الاحتياط والتحرز. مسألة: فمن صلى إلى سترة أو إلى غير سترة حيث يجوز له أن يصلى دونها، فمر أحد بينه وبين السترة أو بين يديه، فقد أثم المار ولا يأثم المصلى لأنه فعل ما يجوز له فعله، ولا يخلو المار بين يدى المصلى أن يمر بالقرب منه حيث يمكنه رده دون أن يتكلف خطوًا ولا كبير عمل أو يمر بالبعد حيث لا يمكنه ذلك إلا بالمشى إليه، والعمل الكثير. فإن أمكنه ذلك دون مشى ولا تكلف عمل، فهو مأمور برده ودرئه ما استطاع بما خلف، فإن رجع وإلا فلا ينازعه، فإن ذلك أشد من مروره، وما ورد فى الحديث، ((فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان))، يحتمل أن يريد به فليلعنه، فإن المقاتلة تكون فى اللغة والشرع بمعنى اللعن، قال الله تعالى: ﴿قتل الخرصوان﴾ [الذاريات: ١٠] وقال: ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ [التوبة: ٣٠] قيل معناه لعنهم الله. ويحتمل أن يريد به، فليؤاخذه على ذلك بعد تمام صلاته، ويدفعه على فعله. وقيل معناه فليدفعه دفعًا أشد من الدرء، منكرًا عليه ومغلظًا له، وقد يسمى ذلك مقاتلة على سبيل المبالغة، ويعدل عن ظاهر المقاتلة بالإجماع على أنه لا يجوز أن يقاتله المقاتلة التى كتاب الصلاة ... ٢٧٧ ... تفسد صلاته. وروى ابن نافع عن مالك: يمنعه بالمعروف، وقد درأ رجل رجلا فكسر أنفه، فقال له عثمان: لو تركته فيمر لكان أهون من هذا. مسألة: وأما إن كان لا يصل إلى درئه إلا بالمشى إليه، فقد قال أشهب: يرد بالإشارة، فإن فعل وإلا تركه، فهذا وجه صحيح؛ لأن الإشارة عمل يسير فى الصلاة، والمشى عمل كثير. مسألة: وهذا الرد كله إنما هو ما لم يتقدم مروره بين يديه، فأما إذا مر، فلا يرده، رواه ابن القاسم عن مالك، لأن رده بعد آن جاوزه مرور ثان بین یدیه. ٣٥٩ - مَالِك، عَنْ أَبِى النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِىَّ أَرْسَلَّهُ إِلَى أَبِى حُهَيْمٍ يَسْألُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فِى الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلَّى، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَّلِّى مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قَالَ أَبُو الْنّضْرِ: لا أَدْرِى أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً. الشرح: قوله: ((أرسله إلى أبى جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله 18 فى المار بين يدى المصلى)» من باب طلب العلم والسؤال عنه، وفيه استنابة غيره فى السؤال، إما لشغل أو غيره، وفيه قبوله لخبر الواحد عن الواحد، وتسامحه يالنزول فى الرواية، وسماع الحديث من التابع مع قدرته على سماعه من الصحابى، على أنه يحتمل أن يكون أرسله ليعلم هل عنده من ذلك علم فيلقاه فيأخذه عنه، والأول أظهر من جهة ◌َّ فيه، فلو أراد أن يعلم أو كان عنده من اللفظ؛ لأنه سأله ماذا سمع من رسول الله ذلك علم لأرسله إليه يسأله هل يسمع من رسول الله 18 فى المار بين يدى المصلى شيئًا أم لا؛ لأن هذا اللفظ يستعمله من شك فى السماع، واللفظ الأول يستعمله من تيقن السماع. فصل: وقوله: ﴿): ((لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه)) يعنى من الوزر والإثم ((لكان أن يقف أربعين خيرًا له)) ومعنى ذلك أنه لو علم ماذا عليه من الإثم لاختار ٣٥٩ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٥١٠. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٥٠٧. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٠٨. والنسائى فى الصغرى فى القبلة حديث رقم ٧٥٦. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٧٠١. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ٩٤٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٧٠٨٩. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤١٦، ١٤١٧. ٢٧٨ كتاب الصلاة وقوف أربعين على مروره بين يديه، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضى أنه لو علم بذلك لكان وقوفه خيرًا له، وأنه إذا لم يعلم بذلك لم يكن خيرًا له، وعظم الإثم فى مروره بين يدى المصلى أن لا يقف على معرفة المار بقدره، وإنما معنى ذلك من جهة اللفظ أنه لو علم بذلك لکان وقوفه أربعین خیرا له عنده معنی أنه کان یؤثره على المرور بین یدی المصلى. فصل: وقول أبى النضر: ((لا أدرى أقال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة)) يقتضى أنه قد نص له على أحدهما، وشك أبو النضر فيما ذكر بسر من ذلك، والغرض به معلوم وهو التغليظ فى المرور بين يدى المصلى، وإشارة إلى عظيم ما يرتكبه المار بين يديه. ٣٦٠ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ كَعْبَ الأحْبَارِ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلَّى مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يُحْسَفَ بِهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَیْنَ يَدَیْهِ. الشرح: قوله: ((لو يعلم المار بين يديى المصلى ماذا عليه)) على ما تقدم. وقوله: «لکان أن يخسف به خيرًا له، ومعنى الخسف به أن يخسف بالأرض التى هو عليها وهو تهورها، فيصير هو معها فى أطباق الأرض، فلو علم المار بين يدى المصلى بما عليه لاختار ذلك مع ما فيه على إثم المرور بين يدى المصلى. ٣٦١ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ أَيْدِى الْنّسَاءِ وَهُنَّيُ الشرح: كراهيته للمرور بين يدى النساء وهن يصلين، يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون يكره ذلك كما يكره المرور بين يدى المصلين من الرجال. والوجه الثانى أنه خص النساء بذلك لدخوله إلى المسجد وخروجه منه، وهو فى آخر الصفوف فكره المرور بين أیدیهن إذا صلین، وإن کن فی طريقه. ٣٦٢ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَىْ أَحَدٍ وَلا يَدَعُ أَحَدًّا، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو يصلى. ٣٦٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٣٧. ٣٦١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٣٨. كشف الغمة ٩٤/١. ٣٦٢ - انفرد به مالك. ٢٧٩ .... كتاب الصلاة الشرح: قوله: ((كان لا يمر بين يدى أحد)) لما جاء فى ذلك من التغليظ على من مر بین یدی المصلی. وقوله: ((ولا يدع أحدًا يمر بين يديه)) لما ذكرناه من أمره ﴾ للمصلى أن يدراً من يمر بين يديه فى الصلاة، فيتعلق المنع من المرور بين يدى المصلى بالمار لحديث أبى جهيم وبالممرور بین یدیه حدیث أبی سعید فى الأمر له منعه. فرع: ومن باب المرور بين يدى المصلى مناولة الشىء بين يديه؛ لأن ذلك مما يشغل المصلى ويقطع عليه الإقبال على صلاته، وإنما يمنع المرور بين يديه بهذا المعنى. وقد روى ابن القاسم عن مالك فى المجموعة أنه كره أن يتكلم من عن يمنة المصلى ومن على يساره. قال: وحسن أن يتأخر عنهما. ووجه ذلك ما ذكرناه أنه مما يشغل المصلى بما يجرى بين يديه، فإذا تأخر عنهما فقد صار مصليًا خلفهما. * الرخصة فى المرور بين يديه المصلى ٣٦٣ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانِ(١) وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاخْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﴿ يُصَلِّى لِلنَّاسِ بِمِنْى، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَتَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِى الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَدٌ. الشرح: قول مالك، رحمه الله، فى الترجمة ((الرخصة فى المرور بين يدى المصلى)) الرخصة فى الشرع بمعنى الإباحة للضرورة أو للحاجة، وقد تستعمل فى إباحة نوع من جنس ممنوع، وهذه الترجمة تحتمل معنيين، أحدهما: أن تكون الألف واللام لاستغراق ٣٦٣ - أخرجه البخارى فى العلم حديث رقم ٧٦. والصلاة حديث رقم ٤٩٣. والحج حديث رقم ١٨٥٧. والأذان حديث رقم ٨٦١. والمغازى حديث رقم ٤٤١٢. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٦٨، ٥٠٤. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٠٩، ٣٣٧. والنسائى فى الصغرى فى الطهارة حديث رقم ٢٤٠. والقبلة حديث رقم ٧٥٢، ٧٥٤، ٧٦٠، ٧٦٢. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٧١٥، ٧١٦، ٨٤١، ٨٤٢. وابن ماجه فى إقامة والسنة فيها حديث رقم ٩٧٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٨٩٤، ٢٣٧٢، ٢٨٠١، ٣٠١٠، ٣١٥٧، ٣٢٩٦، ٣٤٤٤. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤١٥، ١٤٥١. (١) الأتان: أنثى الحمار. كتاب الصلاة ٢٨٠ جنس المصلى، وتكون الرخصة تناولت بعض أحواله، وهو أن يكون مأمومًا، والثانى أن تكون الألف واللام للعهد، فتكون الإباحة تناولت مصليًا معهودًا تقدم ذكره، وهو المأموم. فصل: وقوله فى الحديث: ((أقبلت راكبًا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام)) أى قاربته ووصفه لنفسه بذلك، يفيد أن إقرار النبى ﴿﴿ له على المرور بين يديى بعض الصف دليل على إباحته لأنه قد كان يعقل الأمر والنهى ويصح منه. امتثالهما. وقد ورد الشرع بتقرير من هو دون هذا السن على الشرائع، ومنعه من المحظورات، وقد نزع تمرة من الصدقة من فى الحسين بن على، وقال: أما علمت إنا لا نأكل الصدقة. فصل: وقوله: ((ورسوله ﴿ يصلى للناس بمنى)) يريد أنه يؤمهم، ولذلك وصفه بأنه يصلى لهم، ولو كان يصلى فذًا لما كانت صلاته لهم. فصل: وقوله: ((فمررت بين يديه فى بعض الصف)) يريد الصف الذى يأتمون بالنبى ** ، وكان مروره على الصفة التى ذكرها من كونه على الأتان، فنزل من عليها وأرسلها، ولا يخلو أن يكون أرسلها بين يدى بعض الصف أو أرسلها بحيث لا يأمن أن تمر بين يديه، وكان دخوله بعد ذلك فى الصف مع المصلين. فصل: وقوله: ((فلم يبكر ذلك علىَّ أحد)) دليل على جواز فعله؛ لأن النبى يقر على المنكر. لا ووجه ذلك أنه لا يصح فى الأغلب أن يخفى عليه مرور عبدالله بن عباس على الأتان بین یدی بعض الصف. ووجه آخر وهو أن عبدالله بن عباس لم يكن ليخبر ويحتج بأنه لم ينكر عليه فعله إلا لفائدة، وهى أن يكون علم بفعله، فأقره عليه من يلزم إقراره وإنکاره. ومعنى ذلك أن الإمام سترة لمن وراءه، ولذلك لم يكره المرور بين يديى المصلى المأموم، وكره المرور بين يدى الإمام، فأبعد، ولذلك كان النبى ﴿4 إذا صلى بالناس يوضع بين يديه ما يستره عنزة أو غيرها، ولا يحتاج من صلى معه إلى ذلك. ٣٦٤ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ كَانَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضٍ الصُّفُوفِ، وَالصَّلاةُ قَائِمَةٌ. ٣٦٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤١. ٢٨١ كتاب الصلاة قَالَ مَالِك: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَيَعْدَ أَنْ يُخْرِمَ الإِمَامُ وَلَمْ يَجِدِ الْمَرْءُ مَدْخَلا إِلَى الْمَسْجِدِ إِلا بَيْنَ الصُّغُوفِ. الشرح: وهذا على نحو ما تقدم من أنه لا بأس بالمرور بين يدى بعض من يأتم بالإمام؛ لأن الإمام سترة له، يدل على ذلك أنه قال: بين يدى بعض الصفوف، والصفوف لا تكون إلا مع الإمام. وقوله: ((والصلاة قائمة)» يحتمل أن يريد بذلك أنهم فى نفس الصلاة، ويحتمل أن يريد به حين إقامتها، وعليه يدل قول مالك: ((إنى لأرى ذلك واسعًا إذا أقيمت الصلاة))، وبعد أن يحرم الإمام، فحمل إقامة الصلاة على إقامتها قبل الإحرام، وجوز ذلك بعد الإحرام غير أنه قيد ذلك بعدم المدخل إلى المسجد إلا بين الصفوف. وحديث عبدالله بن عباس يدل على جواز ذلك مع عدم الحاجة إليه؛ لأن الظاهر أن من أتى فى البراح والمتسع من الأرض، فمشى بين يدى بعض الصف أنه لم يأته لضيق وأنه أتی ذلك مختارًا، ويحتمل ما ذهب إليه مالك من ذلك وجهين، أحدهما: أنه قصد الاحتياط بأن أجاب عمن لم يجد طريقًا إلا بين يدى الناس، ولم يجب عمن وجده. والوجه الثانى أن يكون سبب الإباحة هو ما ذكره إلا أن الحكم قد يكون أوسع من الحاجة إليه إذا ثبتت الحاجة كالفطر فى السفر، وقد يباح ممن لا تّلحقه المشقة فيه. ٣٦٥ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ قَالَ: لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَىْءٌ مِمَّا يَعُوُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصِّلَّى. ٣٦٦ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمرَ كَانَ يَقُولُ: لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَىْءٌ مِمَّا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى. الشرح: هذا الذى ذكره عن على بن أبى طالب رضى الله عنه هو الذى عليه جمهور الفقهاء، وقد ذهب قوم إلى أن الصلاة يقطعها المرأة والحمار والكلب الأسود. ومما يدل على صحة ما ذهب إليه الجمهور ما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها ٣٦٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤٢. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٧٨/٢. عبد الرزاق فى المصنف ٢٩/٢. ٣٦٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤٣. ابن أبى شيبة فى المصنف ٢٨٠/١. عبد الرزاق ٣٠/٢. كتاب الصلاة ٢٨٢ قالت: عدلتمونا بالكلاب والحمر، ولقد رأيتنى مضطجعة على السرير فيجىء رسول الله ﴿﴾ فيتوسط السرير، فيصلى، فأكره أن أزاحمه، فأنسل من قبل رجلى السرير حتى أنسل عن حافی. ودليلنا من جهة المعنى أن كل ما لا يقطع صلاة المأموم، فإنه لا يقطع صلاة الإمام كالطائر يطير. وما روى عن النبى ﴿ أنه قال: ((يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب» وبقى ذلك مثل مؤخرة الرحل، فإن معنى القطع للصلاة فى هذا الحديث شغل المصلى عما هو عليه من الإقبال عليها، والبعد عن الاشتغال عنها بدليل حديث عائشة المتقدم، فنفى فى حديث عائشة القطع الذى هو بمعنى إفساد الصلاة، والمنع من التمادى فيها، ويثبت بالحديث الثانى القطع عن الإقبال عليها والاشتغال بها. سترة المصلى فى السفر ٣٦٧ - مَالِكِ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْتَتِرُ بِرَاحِلَتِهِ إِذَا صَلَّى. الشرح: قوله: ((كان يستتر براحلته إذا صلى)) فيه مسائل، إحداهما: أنه مستعمل للاستتار فى الصلاة ممن يمر بين يديه. والثانية: صفة ما يقع به الاستتار. والثالثة: مقامه مما يستتر به. ﴾ ومواظبته علیه. فأما استعماله للاستتار، فإن ذلك مندوب إليه؛ لفعل النبى ؟ والأصل فى ذلك ما رواه طلحة بن عبدالله، قال: قال رسول الله 488: ((إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من يمر وراء ذلك)). مسألة: وأما صفة ما يستتر به، فقد قال مالك: إن قدر ذلك مثل عظم الذراع فى جلة الرمح، وإنما قال: إنه يكفى من ارتفاعه مثل عظم الذراع للخبر الذى تقدم ذكره أن مؤخرة الرحل يصلى إليها، ولا يبالى بمن يمر وراءها، وارتفاعها نحو مما قاله مالك. وأما ما ذكره من جلة الرمح، فلما روى ابن عمر أن رسول الله 88. كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه فيصلى إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك فى السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء. ٣٦٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٦٩/٢. عبد الرزاق فى المصنف ٩/٢. المغنى ٢٤٠/٢. ٢٨٣ كتاب الصلاة فرع: فإذا صلى الإمام إلى الرمح، فسقط، فقد روى علىّ بن زياد عن مالك: يقيمه، إن کان ذلك خفيفًا، فإن شغله فلیتر که. ووجه ذلك أن يسير العمل فى الصلاة معفو عنه، ولذلك قال مالك فيمن قام للقضاء بعد سلام الإمام: إذا كان عن يمينه أو عن يساره فيما يقرب منه سترة مشى إليها، وإن كانت وراءه رجع إليها القهقرى فإن بعدت عنه صلی فی موضعه. فرع: ولا تقع السترة بالخط فى مذهب مالك وجمهور الفقهاء، وأجاز ذلك بعضهم، واختلفوا فى صفته، فقال ابن حنبل: يخط عرضًا. وقال مسدد: يخط طولاً. ووجه ذلك ما روى طلحة بن عبدالله أن رسول الله ﴿ قال: ((إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من يمر وراء ذلك)) فوجه الدليل منه أنه ! قصد إلى الإخبار عن يسير ما يستتر به المصلى، وهذا يقتضى أن ينص على أقله إلا ما دل الدليل عليه. فصل: فأما استتار عبدالله بن عمر براحلته، فإنه يجب أن تكون مناخة لأنها على الصفة التى يؤمن معها مشيها، وأما أن يستتر بالخيل والبغال والحمار، فقد نهى عنه مالك من رواية ابن القاسم عنه، واحتج لذلك بنجاسة أروائها. ووجه آخر، وهو أنها فى الأغلب قائمة لا يؤمن مشيها وانتقالها. مسألة: وأما مكانه مما يستتر به، فإنه يستحب أن يقرب منه. وقد روى ابن القاسم عن مالك: ليس من الصواب أن يصلى وبينه وبين سترته قدر صقين، والدنو من السترة حسن لما رواه سهل أنه كان بين مصلى رسول الله ﴿4 وبين الجدار ممر الشاة. ومن جهة المعنى أن دنوه من السترة أقرب له من امتناع المار بين يديه، وإذا بعد عنها أمکن المار من المرور بین یدیه. ٣٦٨ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً أَنَّ أَبَهُ كَانَ يُصَلِّى فِى الصَّحْرَاءِ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ. الشرح: ما فعله عروة رضى الله عنه من ذلك هو الصواب؛ لأن السترة إنما وضعت بين يدى المصلى لتستره مما يمر بين يديه، فإذا كان فى موضع يأمن فيه أن يمر أحد بين يديه، فلا معنى لها، وإنما يحتاج إليها حيث يخاف أن يمر أحد بين يديه، وهذا هو ٣٦٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤٥. كتاب الصلاة ٢٨٤ المشهور من مذهب مالك، رحمه الله. وقد قال ابن حبيب: من شأن المصلى أن لا يصلى إلا إلى سترة فى سفر كان أو حضر، أمن أن يمر أحد بين يديه أو لم يأمن، وقد تقدم ذكره. مسح الحصباء فى الصلاة ٣٦٩ - مَالِك، عَنْ أَبِى جَعْفَرِ الْقَارِئِ أَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِذَا أَهْوَى لِيَسْجُدَ مَسَحَ الْحَصْبَاءَ لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ مَسْحًا خَفِيفًا. الشرح: مسح الحصباء فى الصلاة لإزالة ما عليه من التراب، وهو فى الجملة ممنوع المعنيين، أحدهما: الاشتغال عن الصلاة. والثانى: ترك التواضع لله عز وجل، فإذا دعت إلى ذلك ضرورة من تراب يؤذى أو غير ذلك، فليمسح مرة واحدة لما رواه معيقيب أن النبى ﴿﴾ قال: ((لا تمسح، يعنى الأرض، وأنت تصلى، فإن كنت ولابد فواحدة تسوى بها الحصباء)). ٣٧٠ - مَالِك، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا ذَرِّ كَانَ يَقُولُ: مَسْحُ الْحَصْبَاءِ مَسْحَةٌ وَاحِدَةً وَتَرْكُهَا خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ. الشرح: قوله: ((مسح الحصباء مسحة واحدة)) يقول: المباح من ذلك مرة واحدة؛ لأن فى الزائد على ذلك شغلاً عن الصلاة لما لا يحتاج إليه فى الصلاة. وأما المسحة الواحدة، فإنه يحتاج إليها المصلى ليزيل شغله عن الصلاة بما يحصل على جبهته من التراب أو يتأذى به، فيضطر إلى مسحه من جبهته، فيحصل الاشتقال بمسح الجبهة، والاشتغال قبل ذلك بما حصل عليها من التراب والمتأذى به إلى أن يمسحه فلذلك أبيح له مسحه الحصباء مرة واحدة، لأنها أخف مما يؤول إليه تركها من الشغل كما ذكرناه. فصل: وقوله: ((وتركها خير من حمر النعم)) يريد لمن أمكنه ذلك ولم يتأذ بما يحصل على جبهته من التراب ولا احتاج إلى مسحه، وفى المبسوط عن مالك: من صلى على تراب یؤذیه ینثر على وجهه إذا رفع رأسه من السجدة: لا بأس أن يمسحه. ٣٦٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤٦. البيهقى فى السنن ٢٨٥/٢. ٣٧٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤٧. ٢٨٥ كتاب الصلاة ما جاء فى تسوية الصفوف ٣٧١ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، فَإِذَا جَاءُوهُ فَأَخْبُرُوهُ أَنْ قَدِ اسْتَوَتْ كَبَّرَ. الشرح: أمره بتسوية الصفوف، يقتضى من جهة اللفظ أمرين، أحدهما: أن يأمر أهل الصفوف بذلك. والثانى: أن يوكل بذلك من يسوى الناس فى الصفوف وهذا يشهد له قوله: ((فإذا جاءوه، فأخبروه أن قد استوت الصفوف)) فظاهره أن المأمورين بذلك كانوا يعودون إليه فيعلمونه باستوائها وتسوية الصفوف مما کان یأمر به رسول الله ﴾﴾ ویندب إليه. وقد روى أنس عن النبى ﴿ أنه قال: ((سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة)) حتى توعد عليها، فقال : ((لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بوجوهكم)). ومعنى ذلك أن تسوية الصفوف من هيئات الصلاة، وهو يتصل بمقام المأمومين من الإمام، وقد تقدم ذكره، فإذا كانوا عددًا لزم فيهم إقامة الصفوف، وهو تقويمها وتمامها، والتراص فيها، وقد تقدم ذكره، فأما تسويتها، فهو إتمامها، فيجب أن يكمل الأول فالأول، فإن كان نقص ففى المؤخر. والأصل فی ذلك ما روی أنس أن النبى ◌َ﴾ قال: ((أتموا الصف الأول ثم الذى يليه، فإن كان نقص فليكن فى الصف المؤخر)». مسألة: وأما التراص فيها فلما روى أنس أن النبى ﴿3﴾ قال: ((أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإنى أراكم من وراء ظهرى)). قال ابن حبيب: وانضمام الصفوف من التراص. والأصل فى ذلك ما روى أنس أن النبى ﴿﴿ل قال: ((رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالمناكب وبالأعناق، فوالذى نفسى بيده إنى لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنه الخذف)). ٣٧٢ - مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلٍ بْنٍ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ، فَقَامَتِ الصَّلاَةُ، وَأَنَا أُكَلِّمُهُ فِى أَنْ يَفْرِضَ ◌ِى، فَلَمْ أَزَلْ أُكَلِّمُهُ، ٣٧١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤٨. المحلى ٥٨/٤. عبد الرزاق فى المصنف ٤٧/٢. ٣٧٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٤٩. ٢٨٦ كتاب الصلاة وَهُوَ يُسَوِّى الْحَصْبَاءَ بِنَعْلَيْهِ حَتَّى جَاءَّهُ رِجَالٌ قَدْ كَانَ وَكَلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، فَأَخْبُرُوهُ أَنَّ الصُّفُوفَ قَدِ اسْتَوَتْ، فَقَالَ لِي: اسْتَرِ فِى الصَّفِّ ثُمَّ كَبِّرَ. الشرح: وقوله؟: ((فأقيمت الصلاة فلم أزل أكلمه حتى جاءه رجال فأخبروه أن الصفوف قد استوت، فقال: لى استو فى الصف)» دليل على جواز الكلام بعد إقامة الصلاة قبل الإحرام بها، وبهذا قال فقهاء الأمصار غير أهل الكوفة، فإنهم قالوا: إن الكلام ممنوع بعد إقامة الصلاة، وقبل الإحرام لها. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك والجمهور من جواز ذلك ما رواه أنس قال: أقيمت الصلاة والنبى عليه السلام ينادى رجلاً فى جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى قام القوم، وإنما كان يكلمه فى أن يفرض له اغتنامًا لخلوته به. فصل: وقوله: ((وهو يسوى الحصباء بنعليه)) يحتمل أن يسوى مكانه لسجود أو غيره. فصل: وقوله: ((حتى جاءه رجال قد كان وكلهم بتسوية الصفوف)) دليل على اهتبال الأئمة بتسويتها؛ لأنه يلزم الأئمة مراعاته، على حسب ما قدمناه من فعل عثمان وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما. قال ابن حبيب: وقد رأيت أمير المدينة، وكل رجالاً بتسوية الصفوف فى مسجد النبى ﴿﴿، فمن وجدوه دون الصف، وهو يمكنه أن يدخله فيه ساروا به بعد الصلاة إلى السجن. فصل: وقوله: ((فأخبروه أن قد استوت الصفوف)) كان انتظاره لمجىء الرجال ليعلموه بتسوية الصفوف، وهذا مما يلزم الإمام أن يتربص بعد الإقامة يسيرًا حتى يعتدل الناس فى صفوفهم، رواه ابن حبيب عن مالك. فصل: وقوله: ((فقال لى: استو فى الصف ثم كبر)) أباح له مكالمته لما كان ينتظر الاستواء فى الصفوف، فلما وجب الإحرام باستواء الصفوف، أمره أن يدخل فى الصف ليأخذ بحظه من استواء الصفوف وتسويتها، وكان ذلك لأنه قد رأى مكانه فى الصف خاليًا، وأن فى مواضع الناس فى الصف من السعة، ما يحتمل أن يكون فيه معهم، ثم كبر عثمان للصلاة بأثر ذلك؛ لأنه قد كمل ما كان يؤخر التكبير بسببه من استواء الصفوف. ٢٨٧٠٠٠ كتاب الصلاة وضع اليدين إحداهما على الأخرى فى الصلاة ٣٧٣ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِى الْمُخَارِقِ الْبَصْرِىِّ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ كَلامٍ النّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْىِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ، وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأَخْرَى فِى الصَّلاةِ، يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ، وَالاسْتِنَاءُ بِالسَّحُورِ. الشرح: قوله: ((ما أدرك الناس من كلام النبوة)) يريد أن مما بقى من حكمتهم على ألسنة الناس ((إذا لم تستحى، فافعل ما شئت))، وقد تأول الناس فى ذلك تأويلين، أحدهما: إذا كنت ممن لا يستحيى من القبيح الذى يستحيى الناس، وأهل الصلاح منه، فاصنع ما شئت، أى ولا مانع لك، وهذا وإن كان لفظه لفظ الأمر، فإن معناه التوبيخ. والثانى: إذا كان ما تفعله مما لا يستحيا منه، فافعل ما شئت، فإنه لا يرتدع أهل الدين إلا مما يستحيا منه، ويكون قوله: فافعل ما شئت، على الإباحة. فصل: وأما وضع اليمنى على اليسرى فى الصلاة، فقد أسند عن النبى ؤل من طريق صحاح رواه وائل بن حجر أنه رأى النبى ﴿®، رفع يديه حين دخل فى الصلاة كبر ثم التحف فى ثوبه، ثم وضع يده الیمنی علی الیسری. وقد اختلف الرواة عن مالك فى وضع اليمنى على اليسرى، فروى أشهب عن مالك أنه قال: لا بأس بذلك فى النافلة والفريضة. وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك أنه استحسنه. وروى العراقيون عن أصحابنا عن مالك فى ذلك روايتين، إحداهما: الاستحسان. والثانية: المنع. وروى ابن القاسم عن مالك: لا بأس فى النافلة، وكرهه فى الفريضة. وقال القاضى أبو محمد: ليس من باب وضع اليمنى على اليسرى، وإنما هو من باب الاعتماد، والذى قاله هو الصواب، فإن وضع اليمنى على اليسرى إنما اختلف فيه، هل هو من هيئة الصلاة أم لا؟ وليس فيه اعتماد، فيفرق فيه بين النافلة والفريضة. ووجه استحسان وضع اليمنى على اليسرى فى الصلاة الحديث المتقدم. ومن جهة المعنى أن فيه ضربًا من الخشوع، وهو مشروع فى الصلاة. ووجه الرواية الثانية أن هذا الوضع لم يضعه مالك، وإنما منع الوضع على سبيل الاعتماد، ومن حمل منع مالك على ٣٧٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٥٠. كتاب الصلاة ٢٨٨ هذا الوضع اعتل بذلك لئلا يلحقه أهل الجهل بأفعال الصلاة المعتبرة فى صحتها. مسألة: وفى أى موضع توضع اليدان؟ قال ابن حبيب: ليس لذلك موضع معروف. وقال القاضى أبو محمد: المذهب وضعهما تحت الصدر وفوق السرة، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: السنة وضعهما تحت السرة. والدليل على ما ذهب إليه مالك أن تحت السرة محكوم بأنه من العورة، فلم يكن محلاً لوضع الیمنی علی اليسرى كالعجز. وقوله: ((وتعجيل الفطر والاستيناء بالسحور)) سنذكره فى باب الصوم إن شاء الله. ٣٧٤ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَّى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِى الصَّلاةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لا أَعْلَمُ إِلا أَنْهُ يَنْمِى ذَلِكَ. الشرح: قوله: ((أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى)) يريد أن يضعها على رسغه؛ لأن يده اليمنى لا يضعها على كف يده اليسرى، وإنما يقتصر بها على المعصم والكوع من يده اليسرى، ولا يعتمد عليها. فصل: وقوله: ((لا أعلم إلا أنه ينمى ذلك)) هكذا تقيد فى كتابه بالإصلاح فى رواية يحيى بن يحيى، وأخرجه البخارى من رواية عبدالله بن يوسف عن مالك لا أعلمه إلا أنه ينمى ذلك إلى النبى ﴿﴿: قال إسماعيل: ينمى ذلك، ولم يقل ينمى. قال ابن وضاح: یرید ینمی ذلك، یرفع ذلك، ويسنده إلى النبى * القنوت فى الصبح ٣٧٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَقْنُتُ فِى شَىْءٍ مِنَ الصَّلاةِ. الشرح: قال مالك، رحمه الله، فى الترجمة: (القنوت فى الصبح)) ولم يدخل فى الباب ما فيه القنوت فى الصبح على ما كان يعتقده هو من القنوت فى صلاة الصبح، ٣٧٤ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٤٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٣٤٢. ٣٧٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٥٢. الأم للشافعى ٢٤٨/٧. كتاب الصلاة ٢٨٩ ثم أدخل فعل عبدالله بن عمر مخالفًا لما يعتقده هو فى ذلك، والمراد هاهنا بالقنوت الدعاء فى آخر الصلاة، فإنما أراد دعاء معروفًا فى مكان من الصلاة معروف، ويسمى ذلك الدعاء قنوتا. قال ابن الأنبارى: قنت الرجل، أخذ فى الدعاء، والقنوت فى الكلام على أربعة أقسام، القنوت الطاعة، قال الله تعالى: ﴿كل له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦] يعنى مطيعين، والقنوت القيام روى ((أن النبى ﴾ سئل أى الصلوات أفضل؟ فقال: طول القنوت)). معناه طول القيام، قال: والقنوت السكوت، قال الله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] والقنوت الأخذ فى الدعاء. وقال أبو عبيد: ونرى قنوت الوتر سمى قنوتًا، لأن الإنسان قائم فى الدعاء من غير أن يقرأ. قال القاضى أبو الوليد: ويحتمل عندى أن يسمى قنوتًا على أربعة أوجه، يسمى قنوتًا بمعنى الطاعة لله تعالى باتباع النبى ﴿﴿، ويسمى قنوتًا بمعنى الدعاء، ويسمى قنوتًا باسم القيام الذى يختص به، ويسمى قنوتًا بالسكوت؛ لأن القانت يسكت عن القراءة فى محلها. وقد اختلف الفقهاء فى القنوت، فذهب مالك والشافعى إلى أن القنوت مشروع فى صلاة الصبح وأنه من فضائل الصبح. وقال أبو حنيفة: لا يقنت فى شىء من الصلاة. وإليه ذهب یحیی بن یحیی الليثی من أصحابنا. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ما روى عن عاصم أنه قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: إنه كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قال: فإن فلانًا أخبرنى عنك أنك قلت: بعد الركوع: فقال: كذب، إنما قنت رسول الله ﴿ بعد الركوع شهرًا، أراه كان بعث قومًا يقال لهم القراء، زهاء سبعين رجلاً إلى قوم من المشركين، فأصيبوا دون أولئك، وكان بينهم وبين النبى ﴿﴿ عهد، فقنت رسول الله ﴿َ﴾ شهرًا يدعو عليهم. مسألة: إذا ثبت ذلك، فالقنوت عند مالك قبل الركوع أفضل. واختار ابن حبيب القنوت بعد الركوع، وبه قال الشافعى. والدليل على ما نقوله خبر أنس المذكور، وهو نص فى موضع الخلاف. ودليلنا من جهة المعنى أن القنوت قبل الركوع أولى لأنه سبب لإدراك صلاة بعض من يأتى ممن سبقه الإمام، وإذا جعل بعد الركوع لم يكن فيه فائدة.