النص المفهرس

صفحات 701-720

كتاب الصلاة
٢٣٠
ويحتمل أنه رأى النبى ﴿ يفعل ذلك ورداؤه موضوع ليبين رسول الله ﴿﴿ جوازه،
فاعتقد جابر فعل ذلك على هذا الوجه.
ويحتمل أن يكون جابر فعل ذلك لما صلى وحده فى منزله، وأنه اعتقد فى فعل النبى
وَّ مثل ذلك. وفى المبسوط، قال مالك: ليس من أمر الناس أن يلبس الرجل الثوب
الواحد فى جماعة الناس، فكيف بالمسجد، وهو موضع اجتماع الناس وموضع تجمل،
وقد قال تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ١٣] وقال السدى:
الزينة ما يوارى العورة.
قال الإمام أبو الوليد: والأظهر عندى أن الزينة ما يتجمل به من الثياب، وهو الرداء
وما أشبه، ولذلك خص ذلك بالمساجد، والله أعلم.
٣١٦ - مَالِك، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ
كَانَ يُصَلّى فِى الْقَمِيصِ الْوَاحِدٍ.
الشرح: وهو يقتضى ما ذكرناه قبل هذا فى فعل جابر إلا أنه أتم فى اللباس لأن
القميص أتم ثوب واحد يصلى فيه الرجل وآمن من التكشف.
٣١٧ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ لَمْ
يَجِدْ تَوْبَيْنِ فَلْيُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفًا بِهِ، فَإِنْ كَانَ الثّوْبُ قَصِيرًا فَلْزِرْ بِهِ».
الشرح: قوله : ((من لم يجد ثوبين فليصل فى ثوب واحد)) أمر لمن لم يجد ثوبين
أن یصلی فی ثوب واحد، ولیس فیه حکم من وجد ثوبین، وقد تقدم من حديث جابر
جواز الصلاة بثوب واحد لمن وجد ثوبين، ويحتمل لمن قال بدليل الخطاب أن يمنع من
الصلاة فى ثوب واحد من وجد ثوبين على معنى أن الصلاة بثوب واحد أفضل فيتعلق
المنع المفهوم من دليل الخطاب بالتفضيل دون التحريم.
فصل: وقوله: ((ملتحفًا به)) قال البخارى: قال الزهرى: الملتحف المتوشح، وهو
المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على عاتقيه، فجعل الالتحاف هو
التوشح، والمشهور من لغة العرب أن الالتحاف، هو الالتفاف فى الثوب على أى وجه
٣١٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٩٣.
٣١٧ - أخرجه البخارى ١٦١/١، عن عمر بن أبى سلمة بلفظه. مسلم جـ ٣٦٨/١ كتاب الصلاة
باب ٥٢ رقم ٢٧٨، عن عمر بن أبى سلمة.

٠ ٢٣١
...
كتاب الصلاة
كان فيدخل تحته التوشح والاشتمال، وقد خص منه اشتمال الصماء.
فصل: وقوله: ((فإن كان الثوب قصيرًا فليتزر به)) يعنى إن قصر عن ستر جسده،
فلیستر به عورته، لأن سترها آکد من ستر سائر جسده لأن ستر جسده سنة وفضيلة،
وستر عورته فريضة. وإنما أمره بالالتحاف بالثوب الكامل ليجمع فى اللباس بين الفضل
والفرض، فإذا قصر الثوب عن ذلك أمره بالاتزار به لأنه الفرض.
قَالَ مَالِك: أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ يَجْعَلَ الَّذِى يُصِّلَّى فِى الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ عَلَى عَاتِقَيْهِ ثَوْبًا
أَوْ عِمَامَةٌ.
الشرح: وهذا كما ذكر بمعنى حديث عمر ((فليوسع على نفسه ويحسن زيه فى
الصلاة من وسع الله عليه)) ولأن الرداء من سنن الصلاة لأن سنة الصلاة الوقار والرداء
من زى الوقار، فاستحب ذلك فى الصلاة.
الرخصة فى صلاة المرأة فى الدرع والخمار
٣١٨ - مَالِكِ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ كَانَتْ تُصَلّى فِى الدِّرْعِ
وَالْخِمَارِ.
الشرح: قوله: ((كانت تصلى فى الدرع والخمار)) يقتضى أنها كانت تقتصر
عليهما، والنساء على ضربين: حرة وأمة، فأما الحرة فجسدها كله عورة غير وجهها
وكفيها، وذهب بعض الناس إلى أنه يلزمها أن تستر جميع جسدها. واستدل أصحابتا فى
ذلك بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١] قالوا: إن الذى
يظهر منها الوجه واليدان، وعلى ذلك أكثر أهل التفسير.
ومما يدل على ذلك أن هذا عضو يجب كشفه بالإحرام، فلم يكن عورة، كوجه
الرجل وسائر ما ذكرناه من جسد الحرة يجرى مجرى عورة الرجل فى وجوب ستره فى
الصلاة.
مسألة: وأما ما يجزئ المرأة من اللباس فى الصلاة، فالدرع الذى يستر ظهور قدميها،
والخمار الذى تتقنع به، والأفضل أن يكون تحت الثوب متزر، فإن لم تفعل أجزأها، قاله
٣١٨ - ذكره ابن عبد البر فی الاستذکار ٢٩٥.

كتاب الصلاة
٢٣٢
ابن حبيب، فإن صلت فى ثوب واحد ملتحفة به، وستر منها ما يجب ستره، ولم تشتغل
پإمسا كه، فلا بأس به، وإن اشتغلت بذلك، فلا خير فيه.
مسألة: فأما الأمة، فقد روى ابن حبيب عن أصبغ: تستر الأمة فى الصلاة ما يستر
الرجل، وعورتها من السرة إلى الركبتين. وقال ابن القاسم: تستر المرأة فى الصلاة جميع
جسدها.
وجه قول أصبغ أن ما لا يكون منها عورة خارج الصلاة، فإنه لا يكون منها عورة
فى الصلاة كالوجه والكفين. ووجه الرواية الثانية أنها امرأة، فكانت مأمورة بتغطية
جميع جسدها فى الصلاة كالحرة، والفرق بينها وبين الرجل أنها مأمورة بتغطية جسدها
إذا برزت لأن النظر فيه يفتن بخلاف الرجل.
مسألة: وإذا أعتقت الأمة فى الصلاة، فقد قال ابن القاسم وغيره: تختمر فى بقية
الصلاة، وتجزئها. وقال سحنون: تستأنف الصلاة، وكذلك العريان يجد الثوب فى
الصلاة.
وجه قول ابن القاسم أن ستر العورة شرط فى صحة الصلاة، فإذا عدم حين شرع
فى الصلاة، فإنه لا يبطلها وجوده كالوضوء بالماء. ووجه ما قاله سحنون أن الصلاة غير
مسقطة، فإذا لزم تغطية الرأس فى بعضها لزم فى جميعها، ولما أجمعنا على أنه يلزمها
تغطية الرأس فى بقية الصلاة، وأن ترك ذلك يبطل صلاتها، فكذلك يبطل ما تقدم منها.
فرع: فإذا قلنا بتغطية الرأس وتماديها على صلاتها، فلم تفعل جهلاً أو لم يمكنها من
يناولها خمارها، فقد قال ابن القاسم: تعيد ما دامت فى الوقت. وروى عيسى عن ابن
القاسم: إن لم تجد من يناولها الخمار، ولا وصلت إليه لم تُعد، وإن قدرت على أخذه،
فلم تأخذه أعادت فى الوقت، وكذلك العريان.
وقال أصبغ: لا تعید فى وقت ولا غيره، وإن تركت ذلك عمدا.
وجه رواية ابن القاسم أنه لما اختلف فى صحة صلاتها استحب لها الإتيان بها فى
الوقت على وجه مجمع على صحتها. ووجه ما قاله أصبغ أنها دخلت فى الصلاة بما
يجوز لها، فلا يخرجها عنها وجود ما عدمته قبلها كالمتيمم يدخل فى الصلاة ثم يجد
الماء.
فصل: فأما الدرع، فهو القميص والخمار ما تختمر به المرأة، فيجب أن يكونا

٢٣٣٠
...
كتاب الصلاة
خصيفين يستران ما تحتهما، فإن كانا خفيفين يصفان ما تحتهما لم يجزئ لأن الستر لم
يقع بهما، ويكره الرقيق الصفيق من الثياب لأنه يلصق بالجسد فيبدو حجم ما تحته وفيه
بعض الوصف لما تحته.
فصل: ومن صفة القميص أن يكون سابغًا يستر ظهور قدميها، ويستر الخمار عنقها
وقصتها ودلاليها، ولا يظهر منها غير دور وجهها، وذلك أقل المجزئ من اللباس فى
القياس والأفضل أن يكون مع ذلك متزر لأنه أبلغ فى الستر.
٣١٩ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُنْفُذٍ، عَنْ أُمِّهِ أَنْهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَّمَةَ زَوْجٌ
النّبِىِّ ﴿ مَاذَا تُصَلِّى فِيهِ الْمَرَّأَةُ مِنَ النَّابِ فَقَالَتْ: تُصَلَّى فِى الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ
إِذَا غَيِّبَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا.
الشرح: قولها: ((ماذا تصلى فيه المرأة من الثياب)) سؤال عن مقدار ما يكفيها من
الثياب فى الصلاة لتعرفها بما لا يجزئ، ويحتمل من جهة اللفظ أن يكون سؤالاً عن
جنس ما يجزئ فى الصلاة، لكن الجواب يدل على أن السؤال كان عن المقدار، وإن
ذلك قد فهم بشاهد الحال، ولو فهم أنه كان عن الجنس لوجب أن تصفه بالكثافة
والستر، فلما قالت: إنها تصلى فى الخمار والدرع السابغ المغيب لظهور قدميها، علم
أنها أجابتها عن مقدار ذلك، وأنها راعت فى مقدار مقاس السبوغ أن يغيب الدرع
ظهور قدمیھا.
والدليل على ذلك أن هذا عضو لا يكشف للإحرام، فوجب على المصلية الحرة أن
تستره کالذراع والعضد.
مسألة: فإن صلت بادية الشعر أو الصدر أو ظهور القدمين استحب لها أن تعيد فى
الوقت، وقد أثمت لمخالفتها السنة إن قصدت ذلك، وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن
يكون هذا على قول من رأى إعادة الصلاة من كشف العورة فى الوقت، وقد سلم ابن
القصار أن تعاد الصلاة من ذلك فى الوقت مع كونه عنده فرضًا. والثانى ذلك أخف
من كشف العورة. وقد روى عن مالك الفرق بينهما فى المرأة يكون بجسدها عيب أنه
يبقر عنه، فينظر إليه أهل البصر، وإن كان فى العورة لم ينظر إليه إلا النساء ويصفنه
لأهل البصر من الرجال.
٣١٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٩٦. أخرجه أبو داود فى الصلاة حديث رقم ٦٣٩.

٢٣٤
كتاب الصلاة
٣٢٠ - مَالِكِ، عَنِ الثّقَةِ عِنْدَهُ(١)، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الأشْجِّ، عَنْ بُسْرٍ
ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَسْوَدِ الْخَوْلانِىُّ وَكَانَ فِى حَجْرٍ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النّبِىِّ
﴿ أَنَّ مَيْمُونَةَ كَانَتْ تُصَلَّى فِى الدِّرْعِ وَالْحِمَارِ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ.
الشرح: قوله: «کان فى حجر میمونة) یرید أنه کان ممن یظهر إليه ذلك لأنه كان
ابن أختها، ومع ذلك فقد كان معها ومضطرًا إلى كثرة تكرره عليها، فكان يراها تصلى
فى الدرع والخمار دون إزار والإزار ما تتزر به المرأة، وليس ذلك شرطًا فى صحة
الصلاة إذا کان علی الجسد درع يستره.
٣٢١ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنٍ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةٌ اسْتَفْتَنْهُ، فَقَالَتْ: إِنَّ
الْمِنْطَقَ(١) يَشُقُّ عَلَىَّ أَفَأُصَلَى فِى دِرْعٍ وَحِمَارٍ؟ فَقَّالَ: نَعَمْ إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا.
الشرح: المنطق هو الإزار، قال صاحب العين: المنطق إزار فيه تكة تتنطق به المرأة،
والمنطقة ما يشبه به الوسط.
وقولها: ((يشق على)) تريد أنه يشق عليها لبسه، وذلك أنها تتأذى من لبسه ولم
تعتده، فاستفتت عروة إن كان لها رخصة فى ترك لبس المنطق فى الصلاة، فقال لها: لا
بأس بذلك، إذا كان الدرع يستر ما يستره الإزار لسبوغه وتمامه.
الجمع بين الصلاتين فى الحضر والسفر
٣٢٢ - مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْخُصَيْنِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ
اللّهِ ﴿ كَانَ يَحْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِى سَفَرِهِ إِلَى تَبُوكَ.
الشرح: قوله: ((كان يجمع بين الظهر والعصر فى سفره إلى تبوك)) يعنى أنه عليه
السلام كان يفعل ذلك على وجه الرفق بالمصلى، وذلك على حد أربعة أوجه، أحدها:
٣٢٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٩٧.
(١) قال فى الاستذكار: الثقة الذى رواه عنه مالك هو الليث بن سعد.
٣٢١ - ذكره ابن عبد البر فی الاستذكار ٢٩٨.
(١) المنطق: ما يشد به وسط الإنسان.
٣٢٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٩٩.

٢٣٥
كتاب الصلاة
السفر، والثانى: المرض، والثالث: المطر، والليل، والرابع: الخوف، والجمع إنما يكون بين
صلاتين بينهما اشتراك فى الوقت، وهما الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
وأما كل صلاتين لا اشتراك بينهما، فلا يجمع بينهما لشىء من ذلك، فأما السفر،
فقد روى ابن القاسم عن مالك فى العتبية، أنه قال: إنى لأكره جمع الصلاتين فى السفر.
وروى عنه فى المدونة: لا يجمع بين الصلاتين فى غزو ولا حج ولا غيره إلا أن يجد به
السير، فلا بأس بذلك.
وجه كراهة مالك إنما هو على إتيان الأفضل لئلا يترك ذلك من يقدر عليه دون
مشقة تلحقه. وأما إباحته إذا جد به السیر، فلحديث عبد الله بن عمر أنه کان إذا عجل
به السير يجمع بين المغرب والعشاء، وجميع ما روى عن النبى ﴿﴿ فى الجمع إنما هو
إخبار عن فعله، وليس فيه شىء من قوله، والفعل لا يحتمل العموم، وإنما يقع على وجه
واحد، فيحتمل أن يكون ذلك لشدة السير، ويحتمل غيره.
وأما الجمع لغير عذر عند جماعة أصحابنا وجمهور الفقهاء، فإن فعل فقد روى عن
ابن القاسم فى المجموعة: من جمع بين العشاءين فى الحضر من غير مرض أعاد الثانية
أبدًا، يريد إن صلاها قبل مغيب الشفق. وقال أشهب: أحب إلىّ أن لا يجمع بين الظهر
والعصر فى سفر ولا حضر إلا بعرفة. ومع ذلك فإن للمسافر فى جمعها ما ليس للمقيم،
وإن لم يجد به السير، وله إذا جد به السير من الرخصة ما ليس له إذا لم يجد به،
وللمقيم أيضًا فى ذلك رخصة، وإن كان الفضل فى غير ذلك إلا أن له الرخصة لأنه
صلى فى أحد الوقتين اللذين وقت جبريل عليه السلام، وقد منع من الجمع بين الصلاتين
إلا بعرفة والمزدلفة، أبو حنيفة.
والدليل على ما نقوله حديث معاذ بن جبل ((أن رسول الله 8. كان فى غزوة تبوك
إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس
أخر الظهر حتى ينزل إلى العصر، وفى المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن تزيغ
الشمس أخر الظهر حتى ينزل إلى العصر، وفى المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل
أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى
ینزل للعشاء ثم جمع بينهما)).
ودليلنا من جهة القياس أنه سفر تقصر به الصلاة، فجاز أن يجمع فيه بينهما، فالجمع
بين الظهر والعصر بعرفة، وفى الجملة أن هذا مبنى على اشتراك الصلانين فى الوقت،
فهو وقت اختيار للظهر ووقت ضرورة العصر.

٢٣٦
كتاب الصلاة
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الجمع فى السفر بين الظهر والعصر على وجهين،
أحدهما: أن يرتحل عند الزوال، فيجمع حينئذ بين الصلاتين الظهر والعصر، والثانى أن
يرتحل قبل الزوال، فيؤخر الظهر إلى آخر وقتها فيصليها ثم يصلى بعدها العصر فى أول
وقتها.
والدليل على ذلك حديث معاذ بن جبل المتقدم، ومعنى ذلك أن الجمع بين الصلاتين
إنما شرع للرفق بالمسافر لمشقة النزول والركوب عليه والتأخرعن أصحابه، ولم يجز أداء
الفريضة على الراحلة، فخفف عليه الجمع بينهما فى وقتهما، وللصلاة وقتان: وقت
اختيار، وقد ذكرناه، ووقت ضرورة، وهو ما ذكره القاضى أبو إسحاق فى مبسوطه:
أن ما بعد الزوال بمقدار ما تؤدى فيه الظهر وقت يختص بالظهر وما قبل غروب الشمس
بمقدار ما تؤدى فيه العصر، وقت يختص بالعصر، وما بينهما وقت مشترك بينهما،
وكذلك المغرب والعشاء على هذا الترتيب، ولذلك صلى رسول الله ﴿﴿ الظهر والعصر
بعرفة بعد الزوال والمغرب والعشاء بالمزدلفة بعد مغيب الشفق، فإن ركب راحلته، وسار
قبل الزوال شرع له أن يجمع بينهما فى الوقت المختار لهما، وهو إذا كان ظل كل شىء
مثله لأن مشقة النزول لابد منها، فیجب أن تكون الجمع فى أولى الوقت بالصلاتین،
وهو الوقت المختار لهما أن يبتدئ الظهر، والفىء قامة أو تنقضى، والفىء قامة ثم
يصلى بأثرها العصر، ويجمع بين المغرب والعشاء عند مغيب الشفق لأنه وقت لهما
يشتر كان فيه، قاله أشهب فى المجموعة.
ووجه ذلك فيهما أن تنقضى المغرب، وقد غاب الشفق أنه يبتدئ حينئذ ثم يصلى
بأثرها العشاء، وذلك الظهر والعشاء أجوز لأن للمغرب وقتين.
قال الإمام أبو الوليد، رضى الله عنه: وهو الأظهر عندى.
مسألة: وإذا ركب بعد الزوال وبعد أن حانت صلاة الظهر، جوز له أن يجمع بينهما
فيصلى الظهر فى وقتها المختار والعصر فى وقت ضرورتها، قاله ابن القاسم فى المدونة،
وكان ذلك مبالغة فى الرفق لأنه لا يحتاج إلى النزول، فكان أخف عليه من أن ينزل بعد
ذلك فى وقتها المختار، وإذا رحل قبل الزوال، فلا بد له من النزول، فكان نزوله فى
الوقت الذى يصليهما جميعا فى وقتهما المختار لهما أولى، وهذا فى الظهر والعصر.
وأما المغرب والعشاء، ففى المدونة: ولم يذكر فى المغرب والعشاء مثل ما ذكر عند
الرحيل من المنهل. وحكى الشيخ أبو محمد فى مختصره عن سحنون أنهما فى ذلك
كالظهر والعصر.

٢٣٧٠٠٠٠٠٠
کتاب الصلاة
وجه القول الأول أن ذلك ليس بوقت ارتحال من المنهل فى جرى العادة، فلم تتعلق
به الرخصة كتعلقها بمن ارتحل بعد الزوال؛ أن ذلك الوقت معتاد للرحيل. ووجه قول
سحنون أنه ارتحل من النزول فى سفره، وقد أمكن الجمع بين الصلاتين لاشتراك وقتيهما
کالظهر والعصر.
فرع: فإن جمع بين الصلاتين على غير هذا الوجه بأن يكون قد ارتحل قبل الزوال،
فنزل عند الزوال فجمع بينهما، فقد روى على بن زياد عن مالك: يعيد العصر ما دام
فی الوقت.
ووجه ذلك أنه خالف سنة الجمع، فالمستحب له الإتيان بها على الوجه المستحب،
وكذلك يجب أن يكون حكم من جمع بين الصلاتين إذا لم يجد به السير عند من شرط
ذلك ولم أر فيه نصًا لأصحابنا.
مسألة: وحد الإسراع الذى شرع معه الجمع هو مبادرة ما يخاف فواته، والإسراع
إلى ما يهمه، قاله أشهب فى المجموعة. وقال ابن حبيب: يجوز للمسافر الجمع إذا جد
فى السفر لقطع سفره خاصة لا لغير ذلك، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ.
ووجه ما روى عنه ﴿﴿ أنه كان إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء.
فصل: وأما المريض، فإنه على ضربين، أحدهما: أن يخاف أن يغلب على عقله إن
أخر العصر إلى وقتها المختار أو يخاف مانعًا من فعلها أو حمى فى وقتها. والثانى: أن
يأمن ذلك، ولكنه يشق عليه تجديد الطهارة والقيام مرتين، ويخاف من ذلك زيادة ألم.
فأما الأول، فقد روى ابن القاسم عن مالك فى المدونة فيمن خاف أن يغلب على
عقله: أن له أن يجمع بين الظهر والعصر عند زوال الشمس والمغرب والعشاء إذا غربت،
ونحوه فى العتبية فيمن خاف نافضًا عرف وقته. وقال سحنون: لا يجمع الذى يخاف أن
يغلب على عقله ولا يصلى العصر إلا فى آخر وقت الظهر وأول وقت العصر.
وجه ما قاله مالك أن هذا احتياط للصلاة لأن تأخيرها ربما أدى إلى تضييعها، وإذا
جاز أن يقدم العصر مع الظهر إذا جد به السير، فبأن يجوز ذلك إذا خاف على عقله
أولى.
مسألة: وأما من يشق عليه تجديد الوضوء والتحرك للصلاة وقتًا بعد وقت، فقد
روى ابن القاسم عن مالك أنه يجمع بين الظهر والعصر فى آخر وقت الظهر، وأول
وقت العصر.

٢٣٨
كتاب الصلاة
..
والدليل على ذلك أن المشقة التى تلحقه بما ذكر أشد من المشقة التى تلحق المسافر
عند النزول والركوب، فإذا جاز للمسافر الجمع بينهما لمشقة السفر، فبأن يجوز لمشقة
المرض أولى.
وأما القسم الثالث من الأعذار المبيحة للجمع فهو المطر والليل وسنذكره بعد هذا إن
شاء الله.
٣٢٣ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ الْمَكِىِّ، عَنْ أَبِى الطَّغَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ مُعَاذَ
ابْنَ جَبَلٍ أَخْبُرَهُ أَنْهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ عَامَ تَبُوكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾
يَحْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ: فَأَخْرَ الصَّلاةَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ
فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ
قَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنْكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا خَتَّى يَضْحَى
النَّهَارُ فَمَنْ حَاءِّهَا فَلا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آَتِىَ فَحِْنَاهَا، وَقَدْ سَبَقْنَا إِلَيْهَا
رَجُلانِ وَالْعَيْنُ تَبِضُِ(١) بِشَىْءٍ مِنْ مَاءِ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ هَلْ مَسِسْتُمَا مِنْ
مَائِهَا شَيْئًا، فَقَالاَ: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَقَالَ: لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ
غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ فِى شَىْءٍ ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ (َ﴾
فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النّاسُ ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿: يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَّةٌ أَنْ تَرَى مَّا هَاهُنَا قَدْ مُّلِئَ
حِنَانًا)).
الشرح: قوله: ((أنهم خرجوا مع رسول الله (183 عام تبوك)) أضاف العام إلى تبوك،
وإن كان الموضع موجودًا فى غير ذلك العام، وإنما أراد غزوة عام تبوك إلا أنه كثر
استعمال ذلك وشهر وعرف المقصد فيه، فاستغنى عن ذكر الغزوة، وتعين العام بعام
تبوك لأنه لم یکن لتبوك قصة تشهر ويتحدث بها إلا فيه.
٣٢٣ - أخرجه مسلم فى الفضائل حديث رقم ٧٠٦. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٥٠٨.
والنسائى فى الصغرى فى المواقيت حديث رقم ٥٨٧. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم
١٢٠٦. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٠٧٠. وأحمد فى المسند
حديث رقم ٢١٥٥٧. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥١٥.
(١) تبض: أی تسيل.

٢٣٩٠
كتاب الصلاة .
فصل: وقوله: ((فكان رسول الله ﴿4 يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء))
على نحو ما تقدم والله أعلم، ثم فسر بعض ذلك، فقال: ((فأخر الصلاة يومًا ثم خرج
فصلى الظهر والعصر جميعًا) جمع فى هذا بين فصلين، أحدهما: الجمع بين الظهر
والعصر، والثانى: أنه كان على وجه تأخير الظهر لا على وجه تقديم العصر.
وقوله: ((ثم دخل ثم خرج)) يقتضى أنه مقيم غير مسافر؛ لأنه إنما يستعمل فى
الدخول إلى المنزل أو الخباء أو الخروج منهما، وهذا غالب الاستعمال إلا أن يريد به أنه
خرج من الطريق إلى الصلاة ثم دخله للسير إلا أنه لا يكاد يستعمل فى مثل هذا، فإما
أن يريد بالخروج ما ذكرناه من الخروج من الطريق، وإما أن يريد به أنه كان مقيمًا
بالأرض، ولكنه فعل ذلك لضرورة مطر، وقد تعلق أشهب بظاهر اللفظ، وقال: إن
للمقيم رخصة فى الجمع بين الصلاتين لغير عذر مطر ولا مرض، وهو قول محمد بن
سیرین.
فصل: وقوله : ((إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى
يضحى النهار)) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يقول ذلك بوحى على حسب ما قال ذلك
من خبر العين، وخبر أن يملئ ما أشار إليه جنانًا. وقوله على هذا: ((إن شاء الله)) على
معنى قوله: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله﴾ [الفتح: ٢٧] وعلى التأدب لقوله
تعالى: ﴿ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]
ويحتمل أيضًا أن يقول على معنى التقدير لسيرهم.
فصل: وقوله: ﴿4: ((فمن جاءها فلا يمس منها شيئا حتى يأتى)) هذا مبين أن للإمام
أن يمنع من الأمور العامة كالمياه والكلاً وغير ذلك من المنافع التى يشترك فيها المسلمون
لما يراه من المصلحة، ويحتمل أن يريد بذلك ﴿4 ظهور بركته فى مائها إذا سبق إليها،
ويحتمل أيضًا أن يوحى إليه أنه إن سبق إليها أو إلى الوضوء من مائها فسيكثر ماؤها
ويكفى المؤمنين.
فصل: وقوله: ((والعين تبض بشىء)) فما رواه يحيى بن يحيى وجماعة من أصحاب
الموطأ: تبص بالصاد غير معجمة، ومعناه تبرق بشىء من الماء، يقال. بص الشىء يبص
بصيصًا، ووبص يبص وبيصًا إذا برق، ورواه ابن القاسم والقعنبى تبض بالضاد المعجمة،
ومعناه ينشع منها الماء، يقال بض الماء إذا قطر وسال، وضب أيضًا بمعناه، وهو من
المقلوب، والوجهان جميعا صحيحان.

٢٤٠
كتاب الصلاة
وقوله: ((بشىء من ماء)) يشير إلى تقليله.
فصل: وقوله: ((سألهما رسول الله ﴿ هل مسستما من مائها شيئا)) يحتمل أن يكون
﴿ سألهما لما رأى من قلة الماء، ولعله قد كان أوحى إليه أنه يكثر إذا سبق إليه، فأنكر
قلته، ويحتمل أن يسألهما لما رآهما قد سبقا إليه مخافة أن يفوته فيها من كثرة الماء إذا
مس أحد شيئا من مائها ما قد كان أوحى إليه به من أنه يكثر ماؤها إذا توضأ منه قبل
أن يمسه غيره.
فصل: وقولهما: ((نعم)) يحتمل أن يكونا لم يقدما على ذلك، ولم يعلما نهيه
ويحتمل أن يكونا ممن علم بنهيه ﴿﴿ وأقدما على ذلك لأحد معنيين، أحدهما: أن يكونا
مؤمنين صحيحى الإيمان، فحملا نهيه على الكراهية أو نسيا نهيه عن ذلك، فقالا:
(نعم)) ليصرفاه عن أنفسهما، ويحتمل أن يكونا من المنافقين، فأرادا أن يمنعاه من مراده
بإظهار بركته ومعجزته فيها، فقالا: نعم، ليدخلا عليه المشقة بامتناع مراده، وقد روى
الدولابى أنهما كانا من المنافقين، وذكر أن ذلك كان يرسل بواد من المنتفق.
فصل: وقوله: ((فسبهما رسول الله ﴿﴿ وقال لهما ما شاء الله أن يقول)) فأما وجه
سبه لهما إن كانا منافقين أو عالمين بنهيه، فيحتمل أن يسبهما إذ كانا سببًا لفوات ما
أراده من إظهار المعجزة ولإدخالهما المشقة بذلك عليه كما يسب الساهى والناسى
ويلحقهما اللوم إذا كانا سببًا لفوات أمر مفروض عليه.
فصل: وقوله: ((ثم غرفوا من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع فى شىء)) يريد أنهم
جمعوا من ماء العين بأيديهم ما أمكنهم إلى أن اجتمع منه قدر ما غسل منه وجهه
ويديه، وهذا نهاية فى القلة.
وقوله: ((ثم أعاده فيه فجرت العين)) إخبار عن المعجز العظيم، وعما أظهر الله من
بركة رسول الله ﴿﴿ توبيخًا وتقريعًا للمنافقين وتصديقًا لما عليه المؤمنون.
فصل: وقوله: ((فاستغنى الناس)) أيضًا عن كثرة الماء أن يسقى منه الناس وهم أهل
الجيش على كثرة عدده فى تلك الغزوة، ثم قال رسول الله ﴿: ((يوشك يا معاذ إن
طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جناًا)) إخبار لمعاذ بما أوحى إليه من علم
الغيب الذى لا طريق لأحد إلى معرفته وإخباره بذلك لمعاذ أن معاذًا كان ممن استوطن
الشام من أصحاب النبى ﴿ ومات بها، دليل على أنه إنما خصه بالإخبار عن ذلك لما
علم بالوحى أنه يرى ذلك الموضع، وقد ملئ جنانًا، ولعله 438 قد أشار إلى أنه سيمتلئ

........... ٢٤١
كتاب الصلاة
جنانًا بماء تلك العين ببركة النبى ﴾. وفى هذا الخبر من المعجزات الظاهرة والدلالة
البينة على نبوة نبينا ﴿﴿ ما لو لم تكن له معجزة غيرها لظهرت حجته. وتبين صدقه.
٣٢٤ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا
عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ يَحْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
الشرح: قد تقدم الكلام فی الجمع بين الصلاتین فی السفر، وإنما خص عبد الله بن
عمر فى خبره هذا ذكر الجمع بين المغرب والعشاء، لأنه جرى له ذلك فى سفر
استعجل فيه بسبب زوجه صفية بنت أبى عبيد استصرخ عليها، فقيل له فى ذلك فذكر
فعل النبى
٣٢٥ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ حُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: صَلَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا
فِى غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفٍَ.
قَالَ مَالِك: أُرَى ذَلِكَ كَانَّ فِى مَطَرٍ.
الشرح: قد تقدم الكلام فى الجمع بين الصلاتين لعذر السفر والمرض، ويعنى الكلام
فى الجمع بينهما لعذر المطر، وأما الخوف، فهل يجمع بين الصلاتين لخوف العدو؟ قال
ابن القاسم فى العتبية: لم أسمعه لأحد ولو فعله لم أر به بأسًا.
ووجه ذلك أن هذا عذر تلحق به المشقة، ومشقته أكثر من مشقة السفر والمرض
والمطر، فإذا كان الجمع يجوز فى السفر والمطر والمرض، فبأن يجوز للخوف من العدو
٣٢٤ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١٠٩٢. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها
حديث رقم ٧٠٣. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٥٠٩. والنسائى فى الصغرى فى
المواقيت حديث رقم ٥٩٢، ٥٩٥، ٥٩٦، ٥٩٨، ٥٩٩، ٦٠٠. وأبو داود فى الصلاة
حديث رقم ١٢٠٧، ١٢٠٩، ١٢١٢، ٠١٢١٧ وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٤٥٨،
٢٧٨٣٤، ٥٠٩٩، ٥١٤١، ٥٤٥٤، ٥٤٩٢، ٥٨٠٤، ٦٣١٨، ٠٦٣٣٩ والدارمى فى
الصلاة حديث رقم ١٥١٧.
٣٢٥ - أخرجه البخارى فى مواقيت الصلاة حديث رقم ٥٤٣. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها
حديث رقم ٧٠٥. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ١٧٢. والنسائى فى الصغرى فى
المواقيت حديث رقم ٦٠١، ٦٠٢. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٢١٠، ١٢١١.
وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٥٥٣.

كتاب الصلاة
٢٤٢
أولى، وقد قال قبل ذلك: لا يجمع بينهما لأن الله تعالى قال: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو
ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
فرع: فإذا قلنا لأنه يجمع بين الصلاتين لعذر الخوف، فإنه على ضربين کالمرض، فإن
كان خوفًا يتوقع مع آخر الصلاة جمعها فى أول الوقت، وإن كان خوفًا يمنع من تكرار
الإقبال عليها والانفراد بها جمع بينهما فى وقتهما المختار.
فصل: وقول مالك: ((إن ذلك كان فى مطر)). وقد روى عن ابن عباس فى غير
خوف ولا مطر. وروى أنه قال: فى سفرة سافرها. فأما المطر والطين، فليسا مما يبيح
الجمع فى صلوات النهار، وإنما يبيحها فى صلاة الليل للظلمة. قال ابن حبيب: ويجمع
فى الوحل والمطر، وإن لم يكن ظلمة، يريد فى الليل. وقال أبو حنيفة: لا يجمع بين
الصلاتين فى حضر لمطر ولا لغيره.
وقد روى عن ابن القاسم فى المجموعة ما يقرب من قول أبى حنيفة أنه قال: من
جمع بين المغرب والعشاء فى الحضر لغير مرض أعاد العشاء أبدًا. قال الشيخ أبو محمد:
يريد إن كان صلاها قبل مغيب الشفق. وقد روى زياد بن عبد الرحمن عن مالك: لا
يجمع بين صلاتين ليلة المطر إلا فى مسجد النبى ﴿﴿ لفضله، ولأنه ليس هناك مسجد
غيره، فينتابها على بعد، وقد تقدم قول أشهب فى الجمع بين الصلاتين فى الحضر.
والدليل على صحة قول مالك أن هذا معنى يلحق به المشقة غالبًا، فكان له تأثير فى
أداء الصلاة فى وقت الضرورة كالسفر والمرض.
فصل: إذا ثبت ذلك، فإن ظاهر الحديث وتفسير مالك له يقتضى إباحة الجمع بين
الظهر والعصر بضرورة المطر. وقد روى عن مالك كراهية ذلك، وإنما كرهه لأن الغالب
من أحوال الناس تصرفهم فى معايشهم وأسواقهم وزراعاتهم وغير ذلك من متصرفاتهم
فى وقت المطر والطين لا يمتنعون من شىء من ذلك بسببهما، فكره أن يمتنع مع ذلك
من أداء الفرائض وهى عماد الدين فى أوقاتها المختارة لها، ولا يمتنع لأجله من السعى
فى أمور الدين، وليس كذلك المغرب والعشاء، فإنه ليس بوقت تصرف، وإنما يتصرف
من الجمع بين الصلاتين إلى السكون فى منزله والراحة فيه مع أن مشقته بالنهار أخف
لأن له من ضوء النهار ما يستعين به على المشى وتوقى الطين، وذلك متعذر مع ظلام
الليل، وبه قال أحمد بن حنبل.
فإذا ثبت ذلك، فالحديث محمول عنده على أنه ﴿﴿ فعل ذلك ليرى اشتراك الوقت.

....... ٢٤٣
كتاب الصلاة
وقد روى فى هذا الحديث أنه قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج
أمته. ويحتمل أن يكون فعل ذلك بأن صلى كل واحدة منهما فى وقتها المختار، وليس
هذا الجمع الذى كرهه مالك، وإنما كره الجمع بتقديم العصر على وقتها المختار على
حسب ما أجازه فى العشاء، ويحتمل على رواية زياد بن عبد الرحمن عن مالك أن
يختص ذلك بمسجد النبى ﴿ لما يختص به من الفضيلة، فلا يجوز فى غيره من المساجد
الجمع بين صلاتى نهار ولا ليل، ويجوز ذلك مسجد النبى
﴾ وتستوى صلاة النهار
وصلاة الليل فى منع ذلك فى سائر المساجد، والله أعلم.
فصل: وقول ابن عباس: «فی غیر خوف ولا سفر»، روی ذلك عنه، وروى عنه:
فى غير خوف ولا مطر، وروى أنه قال: كان ذلك فى سفرة سافرها، ويحتمل أن يكون
ذلك فى أوقات متغايرة.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن صفة الجمع بين المغرب والعشاء فى ذلك أن ينادى
بالمغرب فى أول الوقت، قال ذلك ابن حبيب عن مالك.
ووجه ذلك الإعلام بوقتها لما يتعلق به من العبادات لمن لا يجمع معهم من المصلين
والمفطرين، ويتعلق بالأذان بالمغرب فى المنار لما ذكرنا لأنه لا يلحقه شىء من التغيير.
مسألة: فأما العشاء الآخرة، فإنه يؤذن لها بأثر صلاة المغرب فى صحن المسجد أذانًا
ليس بالعالى، قاله ابن حبيب، وقال بعضه على بن زياد عن مالك.
ووجه ذلك أن هذا الأذان إنما يختص بأهل المسجد لما شرع من الأذان للصلوات
المفروضة فى المسجد، ولما فى الإعلان به من التلبيس على من ليس من أهل المسجد
معهم، فإن وقت العشاء الآخرة لمن يصلى فى بيته لم يدخل، فاستحب أن يقصر من
ذلك على ما اختص به أهل المسجد، ولا يحتاج ذلك إلى صعود المنار لأنه إنما شرع
للمبالغة فى الإسماع.
مسألة: فإذا فرغ من الأذان للمغرب، فهل يؤخر قليلا أم لا؟ قال ابن حبيب: يؤخر
قليلا ثم يصلى. وقال ابن عبد الحكم: لا يؤخر قليلاً، ويصلى المغرب بأثر الأذان لها،
وحكى أنه اختلف فيها قول مالك.
وجه القول الأول أنه يؤخر قليلاً ليقرب وقت العشاء المختار ما لم يخف اجتماع
الظلمة وأضرار ذلك بالناس. ووجه الرواية الثانية أن الجمع مرفق بالناس لسرعة العودة
قبل اجتماع الظلمة، فيجب أن يكون ذلك على وجه يدرك به رفق الرجوع فى بقية

٢٤٤
كتاب الصلاة
الضوء ليحصل بذلك المقصود، وهذا لا يحصل إلا بتعجيل صلاة العشاء إثر صلاة
المغرب.
مسألة: فإذا فرغ من صلاة المغرب وشرع المؤذن فى الأذان العشاء الآخرة، فهل
يتنفل أحد ممن فى المسجد؟ قال ابن حبيب: من شاء تنفل. وروى ابن نافع عن مالك:
لا يتنفل بين العشاءین.
وجه قول ابن حبيب أنه مبنى على وجه تأخير العشاء بعد الأذان لهما ليتنفل من
يريده، وقد تقدم ذكره. ووجه رواية ابن نافع أنها مبنية على المنع من التنفل وتقديم
العشاء لما فى ذلك من الرفق.
مسألة: ومن أتى المسجد بعد أن صلى فى أهله المغرب، فهل يصلى معهم العشاء؟
قال ابن القاسم فى المدونة: يصليها معهم. وروى عنه فى المبسوط: لا يصليها معهم.
وجه الرواية الأولى أن المغرب تؤدى فى وقتها بلا تأثير لها فى جواز تقديم العشاء
لأن العشاء إنما تقدم للتخفيف، وهذا يحتاج إلى أداء الصلاة فى جماعة كالذى صلى
المغرب فى المسجد.
ووجه الرواية الثانية أن تقدیم العشاء إما ابیح حکم الجمع، فکان له تأثير فى ذلك،
ولذلك وصف بالجمع ولو لم يكن له تأثير لوصف بتقديم العشاء خاصة، فإذا فات
معنى الجمع امتنع تقديم العشاء، فإن صلاها معهم على هذا القول، فقد قال أصبغ وابن
عبد الحکم: لا يعيدها.
ووجه ذلك أن هذا عندهم على معنى الاستحباب لما قدمنا اشتراك الوقت.
مسألة: فإن وجدهم قد صلوا العشاء الآخرة، فقد قال مالك: لا يصليها وحده فى
المسجد قبل الشفق لأن الجماعة التى أبيح لها تقديم الصلاة قبل الشفق قد فاتته، فيجب
تأخير الصلاة إلى وقتها إلا أن يكون فى مسجد مكة أو المدينة، فقد قال مالك: فيصليها
بعد الجماعة قبل الشفق لأن إدراك الصلاة فى هذه المساجد أعظم من إدراك فضيلة
الجماعة.
٣٢٦ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا جَمَعَ الأَمَرَاءُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ فِى الْمَطَرِ جَمَعَ مَعَهُمْ.
٣٢٦ - انفرد به مالك.

٢٤٥٠
كتاب الصلاة
الشرح: جمع عبد الله بن عمر مع الأمراء ظاهره يقتضى أنه كان يرى الجمع فى
المطر، فلذلك كان يجمع معهم، وقد تقدم الكلام فى جوازه، وظاهر هذا اللفظ يقتضى
تكرار ذلك منه. وأما ما رواه أيوب عن نافع أنه لم يره جمع بين المغرب والعشاء إلا
مرة، يحتمل أن يريد بذلك السفر، وكان يجمع فى المطر لئلا تفوته فضيلة الجماعة.
مسألة: ويجمع بين المغرب والعشاء فى الطين والظلمة، وإن لم يكن مطر، قاله ابن
القاسم. قال ابن حبيب: والجمع جائز إذا كان المطر والوحل، وإن لم تكن ظلمة أو
كان المطر المضر، ولم يكن وحل ولا ظلمة.
ووجه ذلك أن هذه كلها مشاق تمنع التعتيم بالصلاة، فأبيح أداء الصلاة فى وقت
يمكن الانصراف منها، وقد بقى من ضوء الشفق ما يخفف المشقة.
مسألة: ويجمع معهم من كان قريب الدار جدًا. وقال يحيى بن عمرو: يجمع معهم
المنعكف فى المسجد.
ووجه ذلك أن الجمع إنما هو لإدراك فضيلة الجماعة، ويستوى فى فوات ذلك من
بعدت داره ومن قربت ومن هو مقيم فى المسجد.
٣٢٧ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ هَلْ يُحْمَعُ بَيْنَ الظَّهْرِ
وَالْعَصْرِ فِى السَّفَرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لا بَأْسَ بِذَلِكَ أَلَمْ تَرَ إِلَى صَلاةِ النّاسِ بِعَرَفَّةً.
الشرح: قول سالم: ((يجمع بين الظهر والعصر فى السفر)) وتمثيله ذلك بصلاة الناس
بعرفة، جواب هل، إلا أن يكون اختصر بعض السؤال ولعل السائل إنما سأله عن الجمع
بينهما بأثر الزوال لمعنى يقتضى ذلك من الرحيل من المنزل ذلك الوقت، فأعلمه سالم
بأن الجمع بينهما فى ذلك الوقت جائز لأن ذلك الوقت وقت العصر على وجه
الضرورة، ولولا ذلك لما جمع بينهما كما لا يجمع قبل الزوال لأنه لا يجوز تقديم
الصلاة قبل وقتها للضرورة، وإنما يجوز تقديم الصلاة قبل وقتها المختار إلى وقتها على
وجه الضرورة، وعلة الجمع مختلفة فى الموضعين؛ لأنه إنما جمع بينهما بعرفة لحاجة
الناس إلى الاشتغال بالدعاء والتفرغ له إلى غروب الشمس، فشرع تقديمها لذلك، ولما
كانت العلة عامة وأصلها للشريعة لحقت بالواجب.
وأما علة المسافر بمعنى المشقة التى تلحقه بالنزول لصلاة العصر، وهى علة غير عامة،
ولكنها شائعة، وهى الرفق بالإنسان دون التفرغ للشريعة، فأوجبت الإباحة.
٣٢٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٠٢.

٢٤٦
كتاب الصلاة
٣٢٨ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ يَوْمَهُ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ لَيْلَهُ جَمَعَ بَيْنَ
الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
الشرح: قوله: ((إذا أراد أن يسير يومه)) يحتمل أن يريد به أن ذلك نهاية سفره الذى
يبيح له الجمع بين الصلاتين، ويحتمل أن يريد أنه، وإن كان سفره بعيدًا، فإنه كان لا
يجمع بين الصلاتين فى سفر تقصر فى مثله الصلاة إلا إذا جد به السير واستوعب يومه
بالسير، وأقوال أصحابنا تدل على أن ذلك جائز عند شدة السير، وإن لم يكن سفر
قصر لأن الجمع لا يختص بسفر القصر.
قصر الصلاة فى السفر
٣٢٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ أَنْهُ سَأَلَ عَبْدَ
اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نَجِدُ صَلاةَ الْخَوْفِ وَصَلاةَ الْحَضَرِ فِى
الْقُرْآنِ وَلا نَجِدُ صَلاةَ السَّفَرِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِى إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ
إِلَيْنَا مُحَمَّدًا فَ وَلا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ.
الشرح: قوله: ((إنّا نجد صلاة الخوف والحضر فى القرآن، ولا نجد صلاة السفر))
معنى ذلك أنه لم يتناولها نص القرآن، وذلك أن السائل إما أن تعتقد أن أصل الصلاة
القصر، ثم طرأ نسخ ذلك بالتمام، أو يعتقد أن أصلها. التمام، ثم طرأ نسخ ذلك
بالقصر.
فأما اعتقاده أن الأصل التمام، فبين، وذلك أنه إذا اعتقد أن الأصل الإتمام، وأن
النسخ طرأ بقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن
٣٢٨ - أخرجه مسلم بنحوه ٤٨٩/١ كتاب صلاة المسافرين باب ٥ رقم ٤٨ عن أنس بن مالك.
البيهقى ١٦١/٣ بنحوه عن أنس بن مالك. النسائى ٢٨٧/١ بنحوه عن أنس بن مالك. أبو
نعیم فی الحلية ٣٢١/٨ عن أنس بن مالك.
٣٢٩ - أخرجه النسائى فى الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٥٧. وتقصير الصلاة فى السفر
حديث رقم ١٤٣٣. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٠٦٦. وأحمد فى
المسند حديث رقم ٥٣١١.

٢٤٧
كتاب الصلاة
يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١] فعلق حكم القصر بالخوف وبقيت صلاة
الحضر وصلاة سفر الأمن على ما كانت عليه، فسأل عبد الله بن عمر من أين أخذوا
قصرها.
وأما وجه ذلك مع اعتقاده أن أصل الصلاة القصر، فإنه يحتمل أن يكون حمل النسخ
بالزيادة على العموم، ثم خص بالقصر للخوف ذلك العموم، فبقيت صلاة المسافر
الآمن على حكم عموم الإتمام.
فصل: وصلاة الخوف التى عناها السائل لعبد الله بن عمر إنما هى صلاة السفر
للخائف فى قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا
من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١] فوجد قصر الصلاة
للخائف المسافر فى الآية، ولم يجد قصر الصلاة للآمن المسافر.
وفى الواضحة لابن حبيب أن معنى قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا
من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ أن معنى قصرها فى الخوف الترتيب
وتخفيف الركوع والسجود والقراءة. قال الشيخ أبو محمد: وقاله غير واحد من
أصحابنا البغدادیین.
قال الإمام أبو الوليد، رحمه الله: والأظهر عندى فى الآية القصر المعروف لأنه أظهر
فى عرف الشرع. وقد روى عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر: إنما قال الله تعالى:
﴿أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) وقد أمن الله، فقال عمر: عجبت مما عجبت
منه، فذكرت ذلك لرسول الله ﴾ فقال: ((صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا
صدقته)) فتأويل عمر وابنه عبد الله والسائلين لهما أن الآية تدل على القصر الذى هو
رد الصلاة الرباعية إلى ركعتين لأنه هو الذى أقر عليه فى حال الأمن.
فصل: وإنما سماها السائل صلاة الخوف لتعلق حكم القصر عنده بالخوف، ولم يجد
فى كتاب الله تعالى صلاة السفر المطلق، فلذلك طلب حكمه، وهذا على تأويلنا فى
الآية، فأما على قول ابن حبيب، فإن صلاة الخوف هى المعروفة، وسنذكر حكمها بعد
هذا إن شاء الله.
فصل: وقول عبد الله بن عمر: ((إن الله بعث إلينا محمدًا ولا نعلم شيئا)) يريد ولا
نعلم وجوب شىء من الشرائع، ولا ما يجب من صفاتها، وهذا يدل على أن الأشياء
كلها لا تجب إلا بالشرع دون الفعل.

٢٤٨
كتاب الصلاة
وقوله: ((وإنما نفعل كما رأيناه يفعل)) يريد أن قصرهم الصلاة فى السفر آمنين مما
ائتسوا فيه بفعل النبى 198، وإن لم تكن آية القصر تتناوله، فثبت بذلك أنه مرفوع إلى
النبى
٣٣٠ - مَالِك، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجٍ
النّبِّ ﴿ أَنْهَا قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَثَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِى الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ
صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِى صَلاةِ الْحَضَرِ.
الشرح: قولها: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين))، يقتضى أن فرض الصلاة كان
ركعتين ركعتين، وإنما المراد بقوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ بما نزل مكة ثم طرأ بعد ذلك
النسخ بالتمام فى الحضر دون السفر، وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه من
القصر.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فقدا اختلف أصحابنا فى القصر فى السفر، هل هو واجب أو
مندوب إليه أو مباح؟ وقد اختلف قول مالك فى ذلك، فروى عنه أشهب أنه فرض،
وبه قال أبو حنيفة. وروى أبو مصعب عن مالك أنه سنة، وروى نحوه عن الشافعى
والبغداديون من أصحابه يقولون: إنه على التخيير.
وجه القول الأول بأن القصر واجب حديث عائشة رضى الله عنها («فرضت الصلاة
ركعتين ركعتين، فزيد فى صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر)).
ودليلنا من جهة القیاس أن هذه صلاة رباعية ردت بالتغيير إلی ر کعتين، فكان ذلك
فرضها كصلاة الجمعة.
ووجه الرواية الثانية أن المسافر يدخل خلف المقيم فيتم صلاته، فلو كان فرضه القصر
لما جاز له الإتمام، قال أبو بشر الدولابى: قدم رسول الله ﴿﴿ المدينة، وهو يصلى
ركعتين، ثم نزل تمام صلاة المقيم فى الظهر يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من
ربيع الآخر بعد مقدمه بشهر، وأقرت صلاة السفر ركعتين.
٣٣٠ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٣٥٠. والجمعة حديث رقم ١٠٩٠. والمناقب
حديث رقم ٣٩٣٥. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٦٨٥. والنسائى فى
الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٥. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم
١١٩٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٥٤٣٦، ٢٥٨٠٦. والدارمى فى الصلاة حديث رقم
١٥٠٩.

٢٤٩٠٠
.......
كتاب الصلاة
فصل: وقولها: ((فزيد فى صلاة الحضر)) يحتمل أن تريد بذلك النسخ، وذلك أنه إذا
زيد فيها، فبلغت أربع ركعات، فقد منعت زيادة الركعتين أن تكون الركعتان صلاة
بانفرادهما، فکان ذلك نسخًا لها.
فصل: وقولها: ((وأقرت صلاة السفر)) تريد أنها بقيت على ما كانت قبل النسخ من
وجوب كونها ركعتين، وهذا على قول من يقول: إن القصر هو الفرض.
وأما من قال: إن القصر سنة، فإنما معنى ذلك عنده إنما أقرت صلاة القصر بمعنى أنها
أقل ما يجوز للمسافر، فيكون إقرارها بمعنى الاجتزاء والجواز، لا معنى الوجوب،
ويكون الوجوب منسوخًا، ويكون القصر فى الحضر منسوخًا، ويكون القصر فى
الحضر منسوخًا وجوبه وجوازه، وهذا على قول من قال: إنه إذا نسخ الوجوب، جاز
أن يتعلق بذلك فی الجواز.
قال الإمام أبو الوليد: وهو عندى ظاهر.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فالأسفار على ثلاثة أضرب، سفر عبادة كالغزو والحج،
وسفر مباح كسفر التجارات، وسفر مكروه كسفر الصيد للذة، وسفر المعصية.
فأما سفر الغربة، فلا خلاف أن القصر فيه مشروع. وأما السفر المباح، فذهب مالك
وأبو حنيفة والشافعى وجمهور الفقهاء إلى أن القصر مشروع فيه. وروى عن عبد الله
بن مسعود منع ذلك إلا فى سفر العبادة.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن
تقصروا من الصلاة﴾. ودليلنا من جهة القياس أن هذا سفر لم يحظر فى مسيره يوم
وليلة، فشرع فيه القصر كسفر العبادة.
مسألة: وأما السفر المكروه، فقال مالك لما سئل عن القصر فى سفر المتصيد للذة: أنا
لا آمره بالخروج، فكيف آمره بالقصر. ووجه ذلك أنه سفر غير مباح، فلم يشرع فيه
القصر كسفر المعصية.
مسألة: وأما سفر المعصية، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا تقصر فيه الصلاة، وبه
قال الشافعى. وروى زياد بن عبد الرحمن عن مالك أنه تقصر فيه الصلاة، وبه قال أبو
حنيفة.
وجه القول الأول أن سفر المعصية ممنوع منه مأمور بالرجوع عنه، فلا يصح تناول