النص المفهرس
صفحات 681-700
كتاب الصلاة ٢١٠ وأما فضائل الأقوال، فإنه يكره أن يتقدم المأموم فيها الإمام، ولا يفسد ذلك صلاته. فصل: وقوله: ((إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)) يدل على أن جميع ما يقوله المأموم: ربنا ولك الحمد، ولو كان الإمام والمأموم يأتى على كل واحد منهما باللفظين على وجه واحد لبطلت فائدة التخصيص والتقسيم، وقد تقدم الكلام فیه. فصل: وقوله: ((فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون)) يقتضى من جهة سياق الحديث أنه إذا صلى جالسًا فى موضع الجلوس أن يقتدى به فى الجلوس، لأنه وصف أفعال الصلاة من أولها فصلاً فصلاً وأمر المأموم أن يقتدى بالإمام فيها فنص على أن المعنى الذى نصب له الإمام هو أن يقتدى به، وأن ذلك يمنع مخالفته، ثم قال: وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، ثم قال: وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون، فانتقل إلى وصف الائتمام به فى حال الجلوس، وهو موضع التشهد. ويحتمل من جهة السبب أنه قال لهم: إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، أى إذا استطاع القيام فصلوا بصلاته قيامًا، ثم ذكر صفة الائتمام به فى الانتقال من ركن إلى ركن، ثم ختم ذلك، بأن قال: وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون، يريد إن لم يستطع القيام وصلى جالسًا، فحكمكم أن تجلسوا بجلوسه، وهذا القول أظهر من جهة السبب. والقول الأول أظهر من جهة سياق الحديث. وقال أحمد وإسحاق: يصلى المأموم جالسًا، وإن قدر على القيام إذا صلى الإمام جالسًا. والدليل لنا أن هذا ركن من أركان أفعال الصلاة فلا يسقط عن المأموم مع القدرة عليه كالركوع والسجود، وقد قال بعض أصحابنا فى حديث أنس أنه منسوخ بصلاة أبى بكر خلف النبى ® فى مرضه الذى توفى منه، وهذا يصح على رواية الوليد بن مسلم، وقد تأول ابن القاسم أنه فى النافلة، وذلك كله محتمل، والله أعلم. ٣٠٠ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ◌َّ أَنْهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَّلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ فِيَامًا، ٣٠٠ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦٨٨. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤١٢. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٦٠٥. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٣٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٧٢٩، ٢٣٧٨٢، ٢٣٨٧٥، ٢٤٦٢٥، ٢٥٠٩٠. ........... ٢١١ كتاب الصلاة فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى حَالِسًا فَصَلُّوا خُلُوسًا. الشرح: وقولها: ((وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن أجلسوا)) بين معنى جابر فى حديثه أن ذلك على سبيل التواضع والمخالفة لأهل فارس فى قيامهم على رءوس ملوكهم، فمنع ذلك من أن يصلى وراءه أحد قائما إذا صلى هو جالسًا، ويحتمل مع ذلك ما قدمناه من التأويل فى حديث أنس، ولعلهم قاموا وراءه فى موضع الجلوس تعظيمًا له، فأمرهم باتباعه والجلوس معه إذا جلس فى التشهد. ٣٠١ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ حَرَجَ فِى مَرَضِهِ، فَأَتَى فَوَحَدَ أَبَا بَكْرٍ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى بِالنَّاسِ، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَحَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِلَى خَنْبِ أَبِى بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلَّى بِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ حَالِسٌ، وَكَانَ النّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أَبِى بَكْرِ. فى موضعه وصلاة أبى بكر اختلافًا بينًا. الشرح: اختلفت الآثار فى صلاة النبى واختلف العلماء فى الأحكام المتعلقة بها لاختلافها، وأخذ كل طائفة ببعض تلك الأحاديث، فروى عنه ما تقدم من أن النبى ﴿﴿ أَمَّ أبا بكر. وروى الأسود بن يزيد عن عائشة أن النبى ﴿﴿ صلى خلف أبى بكر، ورواه مسروق عن عائشة، فمن جوز أن يؤم القاعد القيام تعلق بحديث عروة عن عائشة فى ذلك، ومن منع ذلك قال: إن رواية عائشة اختلفت فى ذلك، ولم تختلف رواية أنس أن أبا بكر أمَّه فى تلك الصلاة، فكانت أولى، والله أعلم. فصل: وقوله: ((فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله ®، وكان الناس يصلون بصلاة أبى بكر)) يحتمل أن يريد أن أبا بكر كان يصلى بصلاة رسول الله ﴾ مؤتما به وسامعًا بتكبيره، وكان الناس يصلون بصلاة أبى بكر على معنى أنهم كانوا يتعرفون به ضعف صوته عن أن ، وذلك أن النبى ؟ ما کان النبی ﴿﴾ يفعله، فيأتمون بالنبى يسمع الناس تكبير الانتقال من حال إلى حال، فكان أبو بكر يسمعهم ذلك وهذا معنى صلاة الناس بصلاة أبی بکر. ٣٠١ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦٨٣. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤١٨. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٣٣. ٢١٢ كتاب الصلاة وقد اختلف أصحاب مالك فيمن ائتم مأموم، فروى ابن سحنون عن أبيه: إنما استخلف الإمام من فاتته ركعة، فأتم بهم صلاة الإمام، ثم قام يقضى، فائتم به من فاتته تلك الركعة أنه تجزئهم. قال: ثم رجع، فقال: أحب إلى، أن يعيدوا. وفى الموازية: من اتبعه فيها منهم أو من غيرهم فصلاته باطلة. فإذا قلنا تبطل صلاة من صلى معه، فإن ذلك لمعنيين، أحدهما: أن من ائتم به فيها فقد لزمه حكم الإمام الأول، فلا يجوز له أن يتم صلاته مع ذلك المستخلف ولا غيره من الأئمة، وإنما حكمه أن يقضى ما فاته من صلاة الإمام وحده. وقد روى موسى بن معاوية عن ابن القاسم من فاتته ركعة، فقضاها مع إمام فاتته من الجماعة ركعة، فأحب إلى أن يعيد أبدًا. وروى عنه ابن المواز: بطلت عليه. وقال سحنون فى المجموعة: وقال ابن عبد الحكم: من لزمه أن يقضى فذا، فقضى بإمام بطلت صلاته. والوجه الثانى أن من ائتم بمأموم فعليه القضاء، ويشهد لهذا الوجه، قول ابن المواز من اتبع المأموم فى القضاء ممن كان معه فى الصلاة أو من غيرهم بطلت صلاته، وهذا يقتضى أنه من دخل معه حينئذ مؤتماً به فى تلك الركعة، فصلاته باطلة. وقال ابن حبيب فى إمام كان يصلى بقوم فى السفر، فرأى أمامه جماعة تصلى بإمام، فجهل فصلى بصلاتهم: أجزأته صلاته؛ لأنه كان مأمومًا، وأعاد من وراءه أبدًا لأنهم لا إمام لهم، وقاله ابن القاسم ومن لقيت من أصحاب مالك. وأما من قال: تجزئهم، فقد جوز الصلاة مع الأمرين جميعًا، فبأن يجزئ مع أحدهما أولى، فإذا قلنا بجواز ذلك، فيحتمل أن يكون أبو بكر يأتم بالنبى ﴿﴿، والناس يأتمون بصلاة أبى بكر، وإن قلنا بالمنع من ذلك، فتأويله على ما تقدم، ويحتمل أن يكون ذلك خاصًا بالنبى ﴿ كما اختص بأن أتم صلاة افتتحها أبو بكر، والله أعلم. فصل: فإذا قلنا إن النبى ﴿® كان الإمام فى تلك الصلاة، فإنه يعترض فيه فصل آخر، وهو أن يأتم أبو بكر قائمًا بالنبى ﴿﴾ جالسًا. وقد روى الوليد بن مسلم وغيره ﴾، فقد عن مالك جوازه، فإذا قلنا بالمنع منه، فيحتمل أن يكون ذلك خاصًا بالنبى روى ابن حبيب عن مالك أنه منسوخ لترك أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم الإمامة حال الجلوس، وهذا فيه نظر لأن النسخ لا يكون بعد النبى ﴿ إلا أن يريد أن النسخ كان بعد هذه الصلاة فى حياة النبى 1، ويدل على ذلك النسخ إجماع ٢١٣٠٠٠ كتاب الصلاة الأئمة على الامتناع منه، والمنع من إمامة الجالس. وهذا أيضًا يحتاج أن يثبت عنهم ثبوتًا شائعًا مع عدم المخالف لهم فى ذلك، وإلا لم يكن إجماعًا. فرع: فإذا ائتم الواقف بالجالس، فقد قال الشيخ أبو القاسم فى تفريعه: يكره أن يؤم قاعدًا قيامًا، فإن أمهم أعادوا فى الوقت. قال الإمام أبو الوليد: وهذا عندى على رواية الوليد بن مسلم عن مالك، وأما على المشهور من قول مالك وابن القاسم، فإنه يعيد أبدًا، والله أعلم. * فصل صلاة القائم على صلاة القاعد ٣٠٢ - مَالِك، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ مَوْلِّى لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَوْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((صَلَاةُ أَحَدِكُمْ وَهُوَ قَاعِدٌ مِثْلُ نِصْفِ صَلَاِهِ وَهُوَ قَائِمٌ)). الشرح: معنى قوله :18: ((صلاة أحدكم وهو قاعد مثل نصف صلاته وهو قائم) يريد أجر صلاة القاعد مثل نصف أجر صلاة القائم، لأن الصلاة لا تتبعض، فلا يصح نصفها دون سائرها، فلا يصح نصفها دون سائرها، وهذا اللفظ وإن كان عامًا يقتضى أن كل صلاة يصليها القاعد على كل حال، فهى مثل نصف صلاة القائم إلا أن الدليل قد دل على أن المراد بذلك بعض الصلوات وبعض الحالات. وأصل ذلك أن القيام ركن من أركان الصلاة، وشرط فى صحة الفرض منها مع القدرة عليها. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ البقرة: ٢٣٨] ولا خلاف فى ذلك فثبت بذلك وجوب القيام. وروى عن عمران بن حصين أنه قال: كانت بى بواسير، فسألت النبى ﴿٤﴾، فقال: ((صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جنب)). فخص بهذا الخبر من الآية من لم يستطع القيام، وبقيت الآية على عمومها فى المستطيعين. ٣٠٢ - أخرجه مسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٣٥. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٦٥٨. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٢٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٦٤٧٦، ٦٧٦٤، ٦٨٤٤. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٣٨٤. ٢١٤ كتاب الصلاة وقد ثبت بحديث عائشة المروى بعد هذا جواز الجلوس فى التنفل مع القدرة على القيام، فخصت بذلك الآية أيضا على قول من زعم أنها تتناول الفرض والنفل، وبقيت عامة فى المستطيعين القيام فى الفريضة. وثبت بذلك أن صلاة القاعد إنما تكون على النصف من صلاة القائم فى موضعين، أحدهما: من صلى الفريضة غير مستطيع القيام، والثانية: من صلى النافلة مستطيعًا أو غير مستطيع. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون فى تأويل قول النبى : ((صلاة القاعدة مثل نصف صلاة القائم)»: إنهم كانوا يستطيعون أن يصلوا قيامًا إلا أن القعود كان أرفق بهم، فأما من أقعده المرض والضعف فى مكتوبة أو نافلة، فإن صلاته قاعدًا فی الثواب مثل صلاته قائما. قال الإمام أبو الوليد: وما ذكرته عندى أظهر، وحكى القاضى أبو إسحاق أن الحديث ورد فى النوافل لأنها ليست بواجبة، فالإتيان بها على حال الجلوس على النصف من الإتيان بها على حال القيام، وهذا التخصيص يحتاج إلى دليل، وبالله التوفيق. مسألة: إذا ثبت ذلك، ففى هذا مسألتان إحداهما: فى وصف من تجوز له صلاة الفريضة جالسًا، والثانية: فى وصف صلاته. فأما من تجوز له صلاة الفريضة، قاعدًا فهو المقعد الذى لا يقدر على القيام أو المريض الذى لا يستطيع بحال. وقال محمد بن مسلمة: من لا يقدر على القيام إلا بمشقة صلى جالسًا. قال الإمام أبو الوليد: وعندى أن ذلك كالمريض والمسافر فى السفينة. ووجه ذلك الحديث المتقدم: ((صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا)). فرع: وأما من أراد أن يقدح عينيه ويصلى جالسًا أربعين يومًا، ففى الواضحة عن مالك: لا بأس بذلك. ووجه ذلك أنه عذر مانع من القيام يجوز له الصلاة جالسًا، فلا يمنع من الأفعال المؤدية إلى ذلك إذا كان فيها منفعة ما لم يمنع المسافر من السفر الذى سبب الفطر والقصر والتيمم عند عدم الماء. فرع: ومن صلى جالسًا مع القدرة على القيام، أعاد أبدًا، ومن صلى جالسًا، مع العجز عن القيام ثم قدر على القيام فى الوقت لم يعد، رواه موسى عن ابن القاسم فى العتبية. ٠ ٢١٥ ......... کتاب الصلاة ووجه ذلك أيضًا إذا أتى بالصلاة على ما يلزمه من فرضها، فلم يجب عليه إعادتها فى وقتها کما لو صلى بتيمم ثم وجد الماء. مسألة: ومن لم يقدر على القيام إلا مستندًا أو متكًا، فإن ذلك أولى من صلاته جالسًا، قاله فى المختصر. ووجه ذلك أن هذا الحال أقرب إلى فرضه، فلا يجوز له الانتقال عنها مع القدرة عنها. فرع: ويصلى المريض جالسًا مستندًا أحب إلىّ من أن يصلى مضطجعًا، قاله ابن القاسم فى المدونة. ووجه ذلك أن الجلوس هيئة من هيئات الصلاة، فلم يجز له تركها مع القدرة عليها کالقیام. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنه إن لم يستطع القيام ولا القعود، أدى فرضه مضطجعًا. والدليل على ذلك قوله : ((صل قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا، فإن لم تستطع فععلى جنب). فرع: والسنة أن يصلى على جنبه الأيمن، ووجهه إلى القبلة، ورأسه إلى المغرب، ورجلاه إلى المشرق؛ لأن التيامن مشروع، ولا يمكن استقبال القبلة معه إلا على هذه الحال. فرع: فإن عجز أن يصلى على جنبه الأيمن، فهل يصلى على جنبه الأيسر أو على ظهره، قال ابن القاسم: يصلى على ظهره. وقال ابن المواز: يصلى جنبه الأيسر. وجه القول الأول أنه لما عجز عن التيامن الذى هو مشروع فى الصلاة كان الاضطجاع على الظهر أمكن فى استقبال القبلة، وأشبه فى ذلك بحال القيام التى هى الأصل. ووجه ما قاله ابن المواز قوله ﴿لَ﴾: ((فإن لم تستطع فعلى جنب)) ولم يفرق فإن صلى على جنبه الأيسر، فإنه يصلى ورأسه إلى المشرق ورجلاه إلى المغرب؛ لأنه لا يتأتى له استقبال القبلة إلا كذلك. فرع: فإن عجز عن ذلك صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة، وهو مستقبل القبلة بوجهه؛ لأن استقبال القبلة مشروع، ولا يتأتى لمن كان على ظهره إلا على هذا الوجه. ٣٠٣ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا ٣٠٣ - أخرجه مسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٣٥. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٦٥٨. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٩٥٠. وابن= كتاب الصلاة ٢١٦ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَالَنَا وَبَاءٌ مِنْ وَعْكِهَا شَدِيدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَلَى النّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فِى سُبْحَتِهِمْ تُعُودًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((صَلاةُ الْقَاعِدِ مِثْلُ نِصْفٍ صَلاةٍ الْقَائِمِ». الشرح: قوله: (نالنا وباء من وعکها شدید» الوباء سرعة الموت، و کثرته فى الناس، الوعك شدة الحر من المرض. وقوله: ((فخرج رسول الله ﴿3﴾ على الناس، وهم يصلون فى سبحتهم قعودًا)) قيل إن السبحة صلاة النافلة، وقد قيل فى قوله تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبحین﴾ [الصافات: ١٤٣] يريد المصلين. وروى عن ابن عباس فى قوله: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد فى السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون﴾ [الروم: ١٧، ١٨] أنه قال: هذه الآية فى الصلوات الأربع الظهر والعصر والصبح والمغرب، وقد قيل إن معنى السبحة الصلاة، فإذا كان لفظ السبحة واقعًا على الفريضة والنافلة، جاز أن بالحديث الأمران أو أحدهما. فصل: وقوله : ((صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم)) تنشيطًا لهم على القيام، وندب لهم إلى فضله، وتذكير لهم لئلا يجتزاوا بالقعود مع القدرة على القيام لما فيهم من ألم الوعك وشدة المرض. ما جاء فى صلاة القاعد فى النافلة ٣٠٤ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْمُطْلِبِ بْنِ أَبِى وَدَاعَةَ السَّهْمِىِّ، عَنْ حَقْصَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ :﴿ أَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ صَّلَى فِى سُبْحَتِهِ قَاعِدًا قَطُ خَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّى فِى سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيْرَتْلُهَا خَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَّلَ مِنْهَا. دماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٢٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٦٤٧٦، ٦٧٦٤، ٦٨٤٤. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٣٨٤. ٣٠٤ - أخرجه مسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٣٣. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٤٠. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٦٥٧. وأحمد فى المسند حدیث رقم ٢٥٩٠٢. والدارمى فى حديث رقم ١٣٨٥. ٢١٧ كتاب الصلاة الشرح: قوله: ((ما رأيت رسول الله ﴿ فى سبحته قاعدًا قط)) إخبار عنه ﴿﴿ أنه كان يصلى الصلاة فى تنفله على أتم هيئاتها من القيام إذ هو أفضل هيئات الصلاة، فلما كان قبل وفاته بعام وثقل عن القيام صلى قاعدا رفقًا به واستدامة للصلاته وتوفير قوته لما يلزم من أمور المسلمين، وإطلاق هذا اللفظ يقتضى الجلوس فى موضع القيام من الصلاة هذا عند استعماله، وإن كانت الصلاة لا تخلو من الجلوس إلا إذا قيل صلى فلان قاعدًا أو جالسًا، فهم منه أنه جلس فى موضع القيام. ٣٠٥ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﴿﴿ أَنْهَا أَخْبُرَتْهُ أَنْهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللّهِ ﴿يَا يُصَلِّى صَلاةَ الَّيْلِ قَاعِدًا قَطُ خَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًّا مِنْ ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ. يصلى صلاة فى الليل قاعدًا قط)» تريد الشرح: قولها: «أنها لم تر رسول الله بذلك نافلة الليل، ويحتمل تخصيصها للذكر بصلاة الليل معنيين، أحدهما: ((أنها نصت على صلاة النافلة، ونبهت بذلك على فعله فى الفريضة التى هى أكد منها. والثانى: أنها قصدت إلى الإخبار عن فعله فى النافلة باللفظ الخاص؛ لأنها لو ذكرت أنه كان يصلى قائمًا يجوز أن يكون ذلك فى الفريضة دون النافلة، فلا يحصل فى ذلك الحث والتأكد فى قيام النافلة. ثم قالت: ((حتى أسن فكان يصلى قاعدًا)»، فأخبرت عن عذره فى تركه القيام بالسن إبقاء على نفسہ لیستدیم الصلاة، ثم قالت: ((حتى إذا أراد أن يركع، قام فقرأ))، فأخبرت بذلك عن مواظبته على القيام، وتأكده عنده بأنه لا يجلس عما يطيقه منه. وفى ذلك أن من لم يطق أن يقوم فى جميع صلاته جاز له أن يقوم فيما أمكنه منها، ولا خلاف نعلمه فى جواز ذلك فى النافلة. مسألة: وهذا لمن افتتح النافلة قاعدًا، ثم أراد القيام، فإن له ذلك ولو افتتح الصلاة قائمًا ثم أراد القعود، فإن ذلك يجوز له عند ابن القاسم. وقال أشهب: لا يجوز له ذلك. ٣٠٥ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١١٨. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٣١. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٤١. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٦٤٧، ١٦٤٨، ١٦٤٩. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٢٦، ١٢٢٧. وأحمد فى المسند حديث رقم : ٢٤٤٤، ٢٤٩١٩، ٠٢٥٤٠٥،٢٥١٤٩ ٢١٨ كتاب الصلاة وجه قول ابن القاسم أنها حالة تبيح له افتتاح الصلاة جالسًا، فجاز أن ينتقل لها إلى الجلوس من افتتحها كحالة العذر. ووجه قول أشهب أن من شرع فى عبادة لزمه إتمامها، وهذا لما افتتح نافلته قائما لزمه إتمامها قائما، والله أعلم. فصل: وقولها: ((فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام)) دليل على تكرر ذلك منه، وإنما كان يفعله لحال كان عليها من الضعف عن القيام فى جميعها والقوة على القيام فى بعضها، ولم يكن ذلك عن أمر طرأ له فى بعض الصلاة، ولو كان أمرًا طرأ له فى بعض الصلاة لم يكن يجده حين الشروع فيها لم يخرج عن حد الجواز فى النافلة لما ذ کرناه. مسألة: وأما فى الفريضة، فإن افتتح الصلاة قاعدًا لعجزه عن القيام، ثم أطاق القيام لزمه أن يقوم فيتمها قائمًا، ولو افتتح الصلاة قائمًا ثم عجز عن القيام، جاز أن يتم صلاته قاعدًا. وقال محمد بن الحسن: يستأنف الصلاة. والدليل على ما نقوله أنه افتتح الصلاة بما كان فرضه فى افتتاحها، فلا تبطل بقدرته على القيام فى الركعة الثانية أو الثالثة كما لو افتتحها بالقيام. مسألة: لو افتح صلاة بالاضطجاع لضعفه عن القيام والجلوس ثم استطاع القيام أو الجلوس أتم صلاته على ما أدت حاله. وقال أبو حنيفة: يستأنف الصلاة. والدليل على ما نقوله أنه افتتح الصلاة بما كان حكمه أن يفتتحها به، فلم تبطل بقدرته على القيام كما لو افتتحها بالجلوس. فصل: وقولها: ((ويقرأ بالسورة حتى تكون أطول من أطول منها)) يقتضى أنه كان يستعمل الترتيل فى قراءتها للتدبر ولامتثال قوله: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ [المزمل: ٤] ولعله یشیر إلی أن هذا كان أخف علیه وسیأتی ذکره بعد هذا إن شاء الله. ٣٠٦ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمَدَنِىِّ وَعَنْ أَبِى النّضْرِ، عَنْ أَّبِى سَلَمَةً ٣٠٦ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١١٨. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٣١، ٧٣٢. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٤١، ٣٧٤، ٣٧٥. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٦٤٧، ١٦٤٨، ١٦٤٩، ١٦٦٤، ١٦٦٥، ١٦٦٦، ١٦٦٧، ١٦٦٨، ١٦٧٠، ١٦٧٤، ١٦٧٥. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١١٢٨، ١١٢٩، ١١٣٠، ٠١١٣١ وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٢٦، ١٢٢٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٤٤٤٠، ٢٤٩١٩، ٢٥١٤٩، ٢٥٤٠٥. ٢١٩ کتاب الصلاة ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ كَانَ يُصِلِى حَالِسًا فَيَقَرَّأُ وَهُوَ حَالِسٌ، فَإِذَا بَقِىَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةٌ قَامَ فَقَرَاً وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ وَسَحَدَ ثُمَّ صَنَعَ فِى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. الشرح: قولها: ((كان يصلى فيقرأ، وهو جالس)) بيان أن آخر جلوسه كان حين القراءة. وقولها: ((فإذا بقى من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية)» يقتضى أن ما يقرأه قبل القيام أكثر لأن البقية لا تنطلق فى الأغلب إلا على الأقل. وقولها: ((قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين)) يحتمل أن يكون جميع قراءته فى الركعة مقدرًا عند عائشة لتكرر صلاته بحضرتها ومعرفتها بمقدارها، ومقدار ترتيله لها، وهذا هو الأغلب من حاله، ويحتمل أيضًا أن تكون حاله تختلف فى طول القيام وقصره، ولكنه كان لا يختلف عليها مقدار قراءته قائمًا، وإن كانت القراءة قاعدًا تختلف عليها لطولها وقصرها، فتقدر لعائشة مقدار قراءته حال القيام خاصة. فصل: وقولها: ((ثم صنع فى الركعة الثانية مثل ذلك)) يدل على جواز الجلوس فى النافلة بعد القيام مع القدرة عليه لأن عائشة إنما وصفت المتكرر من فعله، وأخبرت أنه كان يستفتح القراءة جالسًا ثم يقوم لبقية القراءة فى كل ركعة، وأن ذلك كان المتكرر من فعله، ولا يصح بجرى العادة أن يطرأ عليها المانع فى أول كل ركعة، ويزول فى أثنائها، وإنما كان ذلك من فعله لما قدمناه من الاستدامة للصلاة، وإبقاء القدرة عليها والله أعلم وأحكم. ويحتمل أن يكون النبى ﴿3﴾ كان ينوى ذلك عند افتتاح نافلته، ولعل أشهب لا يمنع من ذلك إلا ما افتتحه بنية القيام أو بإطلاق النية، ولا يمنع ذلك فيما نوى فيه الجلوس بعد القيام. ٣٠٧ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَا يُصَلَِّانِ النّافِلَةَ وَهُمَا مُحْتِيَانِ. الشرح: قوله: ((كانا يصليان النافلة وهما محتبيان)) يريد أنهما كانا يجلسان موضع القيام على صفة الاحتباء. والأصل أن الجلوس فى الصلاة موضع القيام ليست له صفة ٣٠٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٨٤. ٢٢٠ كتاب الصلاة مخصوصة لا يجزئ إلا عليه، بل يجزئ على كل صفات الجلوس من الاحتباء والتربع والتورك وغيرها من صفات الجلوس. غير أن القاضى أبا محمد رأى أن أفضلها التربع؛ لأنه أوفر هيئات الجلوس فى الصلاة، إلا أن الاحتباء مع ذلك جائز، وليس فى احتباء سعيد وعروة دليل على أنه أفضل هيئات الجلوس فى الصلاة، ولا فى ذلك دليل على اختيارهما له على غيره، وإنما فيه دليل على أنه كان يتكرر منهما، ولعله كان يتكرر عنه عند السآمة للتربع أو غير ذلك، والله أعلم. الصلاة الوسطى ٣٠٨ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِى يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْهُ قَالَ: أَمَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا ثُمَّ قَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَاذِى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتُهَا أَذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَىَّ: حَافِظُوا عَلَى الصََّوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾﴾. الشرح: قوله: ((أمرتنى عائشة أن أكتب لها مصحفًا)) يقتضى أن يكون قبل جمع القرآن مصحفًا، وقبل أن يجمع الناس على المصاحف التى كتب بها عثمان إلى الأمصار؛ لأنه لم يكتب بعد ذلك من المصاحف إلا ما وقع الإجماع عليه، وثبت بالخبر المتواتر أنه قرآن، فأما غير ذلك مما كان يكتب من معنى التفسير فأجمعوا على المنع منه. فصل: وقوله: ((فلما بلغتها آذنتها)) إنما أمرت أن يستأذنها لما أرادت أن تملى عليه زیادة لم تکن ثبتت فى المصحف الذی کان ینتسخ منه، ولا فى غيره مما یمکنه ان ینسخ منه، وإنما روت أنها سمعت تلك الزيادة من النبى ﴿﴿ فأرادت أن تثبتها فى المصحف لذلك، ولو لم یکن یقوم به نفع. ٣٠٨ - أخرجه مسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٦٢٩. والترمذى فى تفسير القرآن حديث رقم ٢٩٠٨. والنسائى فى الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٧٢. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٤١٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٩٢٧، ٢٤٩٢٢. ٢٢١٠ كتاب الصلاة . فصل: وقوله: ((فأملت على ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا الله قانتين﴾)) [البقرة: ٢٣٨] فأملت عليه زيادة فى المحفوظ من التلاوة ((وصلاة العصر)) فكان الأظهر بهذه الزيادة أن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر. وقد اختلف أهل العلم فى الصلاة الوسطى، فالذى يقتضى ما أملته عائشة أنها غير صلاة العصر لأنها عطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى، ولا يعطف الشىء على نفسه، وليس فى هذه الزيادة تعيين للصلاة الوسطى، وذهب مالك والشافعى وأكثر أهل المدينة إلى أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وقال زيد بن ثابت: الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وبه قال عروة بن الزبير. وقال جماعة من الصحابة: هى صلاة العصر، وبه قال ابن حبيب وأبو حنيفة. وقال قوم: إنها المغرب. ويجب أن نبين معنى وصفنا لها بأنها الوسطى قبل أن نبدأ بالدلالة على ما نختاره من ذلك، وذلك أن الوسطى يحتمل ثلاثة معان، أحدها: أن تسمى وسطى، بمعنى فاضلة الصلوات، يقال هذا أوسط القوم بمعنى فاضلهم، قال الله تعالى: ﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسجون﴾ [القلم: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ [البقرة: ١٣٤] يريد أمة فاضلة. وأما المعنى الثانى، فإنه يحتمل أن يراد بها المتوسطة بمعنى أن وقتها يتوسط أوقات سائر الصلوات، فيكون بعضها قبلها وبعضها بعدها. والمعنى الثالث أن توصف بذلك التخصيص وإن كانت كل صلاة وسطى على المعنيين المتقدمين، وعلى الوجوه الثلاثة، فإن جميع الصلوات يصح أن توصف بأنها وسطى، بمعنى أنها فاضلة، وبمعنى أن وقتها يتوسط الأوقات وبمعنى التخصيص لأن ما من صلاة من الصلوات الخمس إلا ويصح أن تجعلها وسطى، وتجعل ما قبلها صلاتين من الفروض وبعدها صلاتين. وإذا وصفت صلاة من الصلوات المفروضة بأنها وسطى، ولم ينص لنا عليها نصًا تتميز به من غيرها علمنا أنها لا توصف بأنها وسطى بمعنى التخصيص خاصة، ولكن لمعنى فيها يتوصل إلى معرفة ذلك من حالها بالنظر والاستدلال، فنظر إلى أول الصلوات بأن توصف بأن لها مزية فى الفضيلة وأن وقتها أولى بأن يوصف بالتوسط من غيرها، فيصرف هذا الاسم إليها. ٢٢٢ كتاب الصلاة والدليل على أن الصلاة الوسطى ليست بصلاة العصر، ما روته عائشة رضى الله عنها: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، فعطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى، فدل ذلك على أنها غيرها، وقد روت ذلك عن النبى وما يدل على أن صلاة الصبح أحق بهذا الاسم من سائر الصلوات من جهة تأكد فضيلتها أنه ليس فى الصلوات كلها أشق منها ولا أبين عذرًا فى التخلف عنها لأنها تطرأ على الناس فى ألذ أوقات النوم، ويتكلف لها من ترك وثارة المضجع ودفئه وترك لذيذ النوم مع شدة الحاجة إليه، والقيام إلى شدة البرد، وتناول الماء البارد ما لا يتكلف لسائر الصلوات أنها فى الغالب تجىء أوقاتها والناس أو أكثرهم متصرفون، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ [الإسراء ٧٨]. وروى عن أبى هريرة أنه قال: قال رسول الله : «ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء لا يستطيعونهما)). وقال : ((لو يعلمون ما فى العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا)) فخص صلاة الصبح بهذا الوصف مع مشاركة غيرها من الصلوات فى هذا المعنى لتأكد فضيلتها، فثبت أنها أعظم الصلوات أجرًا وأتمها فضلاً. ومما يدل على أنها أحق بهذا الاسم من جهة توسط الوقت أن صلاة الصبح لا تشارك واحدة من الصلوات فى وقتها ولا تشاركها صلاة من الصلوات فى وقتها وسائر الصلوات أوقاتها مشتركة فالظهر والعصر مشتركان والمغرب والعشاء مشتركان فى وقتهما، فلو جعلنا العصر هى الوسطى لكنا قد فصلناها مما شركها وهى الظهر، وأضفنا إلى الظهر ما لا يشركها فى وقت وهى الصبح، وأيضًا فإن الموصوفة بأنها وسطى لا تكون أولى بذلك مما يشاركها فى الوقت، فإذا وصفنا الصبح بأنها الوسطى سلمت من ذلك، وقرنت کل صلاة بما یشار کها فى وقتها، وانفصلت مما لا يشاركها، فكانت المغرب والعشاء مشتركتين ثم الصبح ثم الظهر والعصر مشتركتين، فكانت الصبح أولى بالوصف بالتوسط. وأما ما تعلقوا به مما روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﴿، يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا)) فإنه يحتمل أن يريد به الوسطى من الصلوات التى شغل عنها وهى الظهر والعصر والمغرب، ووصفها بأنها وسطى من هذه الثلاث لتأكد فضيلتها على الصلاتين اللتين معها، ولا يدل ذلك على أنها أفضل من الصبح، ويحتمل أيضا أن توصف بأنها وسطى إذا قرنت ذكرها واسمها، وكذلك سائر الصلوات وإنما الخلاف عند الإطلاق. ٠٠ ٢٢٣ ...... كتاب الصلاة . فصل: وقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ القنوت فى كلام العرب السكوت والقنوت الطاعة والقنوت الدعاء. وقد استدل القاضى أبو محمد على أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح بقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ والقنوت لا یکون إلا فى صلاة الصبح، فأشار إلى أن المراد بذلك القنوت الذى يكون فى الصبح، وقد قيل أيضًا إن القنوت طول القيام. فصل: وقوله: ((ثم قالت: سمعتها من رسول الله ﴿﴿ )) وذلك يحتمل وجهین، أحدهما: أن تكون هذه اللفظة الزائدة من القرآن ثم نسخت، روى ذلك عن البراء بن عازب، فإن صح خبر البراء بنسخها، فلعل عائشة لم تعلم بنسخها إذا أرادت إثباتها فى المصحف، ولعلها اعتقدت أنها مما نسخ حكمها، وثبت رسمها، فأرادت إثباته. والوجه الثانى أن تكون عائشة سمعت اللفظة من النبى ﴿ ذكرها على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلة العصر مع الصلاة الوسطى كما روى عنه جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: إن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ [طه: ١٣٠] فأكد فضيلتها. فأرادت عائشة أن تثبتها فى المصحف لما ظنت أنها من القرآن، ولأنها اعتقدت جواز إثبات غير القرآن مع القرآن على ما روى عن أبى بن كعب وغيره من الصحابة أنهم جوزوا إثبات القنوت وبعض التفسير فى المصحف، وإن لم يعتقدوه قرآنًا. ٣٠٩ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ أَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: إِذَا بَلَّغْتَ هَذِهِ الآيَةُ فَآنِنِّى. ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَىَّ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. الشرح: أمرت حفصة بإثبات هذه الزيادة فى المصحف، وإن لم تذكر أنها سمعتها من النبى .، ويحتمل أن تكون سمعتها منه، وإن لم تذكر ذلك، ويحتمل أن تكون سمعتها من عائشة أو غيرها فأرادت إثباتها على أحد الوجوه المذكورة قبل. ٣٠٩ - أخرجه مسلم حديث رقم ١٤٠١. أبو داود حديث رقم ٤١٠. الترمذى حديث رقم ٠٢٩٨٢ ٢٢٤ كتاب الصلاة ٣١٠ - مَالِك، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنِ ابْنِ بُرْبُوعٍ الْمَخْزُومِىِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: الصَّلاَةُ الْوُسْطَى صَلاةُ الظُّهْرِ. الشرح: يذكر عن زيد بن ثابت أنه أخذ هذا القول عن عائشة ولم يثبت، ولعله أراد وسطى بمعنى أنها فاضلة لا على معنى أنها المخصوصة بهذا القول، وأن لها بذلك مزية على غيرها من الصلوات. ٣١١ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولانِ: الصَّلاةُ الْوُسْطَى صَلاَةُ الصُّبْحِ. قَالَ مَالِك: وَقَوْلُ عَلِىٌّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ. الشرح: روى أن على بن أبى طالب رضى الله عنه اختلف قوله فى ذلك، فقال: كنا نرى الصلاة الوسطى الصبح، حتى سمعت رسول الله ﴿ يوم الأحزاب يقول: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس))(١) ولم يكن صلى يومئذ الظهر والعصر حتى غابت الشمس. حديث يوم وإنما يصح ذلك بأن يكون على رضى الله عنه لم يسمع من النبى الأحزاب، وإنما بلغه عنه بعد أن حدث بأن الصلاة صلاة الصبح، فرجع عن روايته فى ذلك لما سمع حديث يوم الأحزاب أو يكون أخبر أنه كان يعتقد ذلك حتى سمع من النبى 1 ما سمعه يوم الأحزاب أو يكون سمع منه ما سمع يوم الأحزاب فلم يتأوله ولا حقق النظر فيه إلا بعد مدة فرجع إليه. فصل: قال مالك: ((وقول على وابن عباس أحب ما سمعت إلىّ فى ذلك)) معناه ما ذكرناه فيما تقدم أن اختيار مالك فى الصلاة أنها صلاة الصبح، وذلك على سبيل الترجيح لما ذهب إليه على سائر الأقوال على احتمالها، والله أعلم بالصواب. ٣١٠ - انفرد به مالك. ٣١١ - انفرد به مالك. (١) أخرجه مسلم ٤٣٦/١ كتاب المساجد باب ٣٦ رقم ٢٠٢، عن على. النسائى ٢٣٦/١، عن على. أحمد ١١٣/١، عن على. البيهقى فى السنن الكبرى ٤٦٠/١، عن ابن مسعود. الطبرانى فى الكبير ٣٨٤/١١، عن ابن عباس. ابن خزيمة برقم ١٣٣٧، ٢٩٠/٢، عن على. ٢٢٥ كتاب الصلاة الرخصة فى الصلاة فى الثوب الواحد ٣١٢ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يُصَلِى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلا بِهِ فِى بَيْتٍ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ (١). الشرح: قوله: ((رأى رسول الله (8) يصلى فى ثوب واحد)) يعنى أنه كان لباسه فى صلاته تلك ثوب واحد، وإنما عنى بنقل ذلك لأن اللباس من أحكام الصلاة، والكلام فيه فيما بين أحدهما فى مقدار الملبوس، والآخر فى صفة الملبوس واللباس. باب فأما الملبوس، فإن له مقدارين، مقدار الفرض، ومقدار الفضل، فأما الفرض للرجال، فهو ما يستر العورة، ولا خلاف فى أنه فرض. واختلف أصحابنا فى تفسير ذلك فقال القاضى أبو الفرج: هو فرض من فروض الصلاة، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. وقال القاضى أبو إسحاق: إنه من سنن الصلاة، وبه قال ابن بكير والشيخ أبو بكر. وفائدة الخلاف فى ذلك أننا إذا قلنا إنها من فروض الصلاة بطلت بعدم ذلك، وإذا قلنا ليست من فروض الصلاة أثم التارك ولم تبطل. وجه القول بأنها من فروض الصلاة الحديث المروى عن النبى 48 أنه قال: ((لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار)). ومن جهة القياس أن هذه عبادة من شرطها الطهارة لها تعلق بالنية، فوجب أن يكون من شرطها ستر العورة كالطواف، فإن سلموا، وإلا دللنا عليهم بما روى عن أبى هريرة أن أبا بكر بعثه فى مؤذنین ینادی منی أن لا يطوف بالبيت عربان. واستدل القاضى أبو إسحاق فى ذلك لأنه لو كان من فروض الصلاة لاختص بها، ولما كان مشروعًا فى غير الصلاة ثبت أنه ليس من فروضها، فالجواب أن هذا يبطل بالإِيمان فإنه فرض فى الجملة، ثم هو من فروض الصلاة وشروطها. ٣١٢ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٣٥٦. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٥١٧. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣١١. والنسائى فى الصغرى فى القبلة حديث رقم ٧٦٤. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٦٢٨. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٠٤٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٥٨٩٤. (١) العاتق: ما بين المنكب والعنق. ٢٢٦ كتاب الصلاة ... فرع: إذا ثبت ذلك، فإن العورة التى يجب سترها هى ما بين السرة إلى الركبة، هذا الذى ذهب إليه جمهور العلماء من أصحابنا وبه قال أبو حنيفة والشافعى. وقال الشيخ أبو القاسم: العورة القبل والدبر والفخذ. ويروى عن بعض أهل الظاهر العورة: القبل والدبر خاصة. والدليل على ما ذهب إليه الجمهور الحديث الذى يأتى بعد هذا أن النبى ﴿ قال لجرهد: ((غط فخذك فإن الفخذ عورة)). ومن جهة المعنى أن هذا موضع يستره المنزر غالبًا؛ فوجب أن تكون من العورة کالقبل والدبر. فرع: إذا ثبت ذلك، فقد روى عن أبى حنيفة أنه قال: العورة على ضربين، مغلظة ومخففة، فالمغلظة هى القبل والدبر، والمخففة سائر ما ذكرنا قبل هذا أنه من العورة. قال الإمام أبو الوليد: ليس ببعيد عندى هذا القول، وقد روى عن مالك فى الواضحة ما يؤيده أنه قال: من صلى وفخذه مكشوفة، فلا إعادة عليه. مسألة: وقد يسقط فرض ستر العورة مع عدم ما تستر به، فمن لم يكن عنده ما يستر عورته صلى قائمًا وأجزأته صلاته. وقال الشافعى: يصلى جالسًا. والدليل على ما نقوله أن ستر العورة من أحكام الصلاة، فلا يسقط شىء من أركانها بالعجز عنه کالوضوء. مسألة: وأما مقدار الفضيلة للرجال بأن يكون على كتفيه ثوب يسترهما ويكره أن لا يلقى على كتفيه من ثوبه شيئا إذا أمكنه ذلك لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((لا يصلى أحدكم فى الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شىء)). ومن جهة المعنى أن فى ذلك خروجًا عن الوقار المشروع فى الصلاة. باب وأما صفة الملبوس واللباس، فإن الملبوس لا يخلو أن يكون ثوبًا واحدًا أو أكثر من ذلك، فإن كان ثوبًا واحدًا، فإن من صفته الجامعة لأنواعه أن يستر جميع العورة، وأن يكون من الصفاقة والمتانة بحيث لا يصف ولا يشف، فإن كان خفيفًا يشف أو رقيقًا يصف، فقد حكى ابن حبيب فى واضحته عن مالك أنه لا يصلى فيه، ومن صلى فيه أعاد، رجلاً كان أو امرأة. ووجه ذلك أنه ليس بساتر العورة، وسترها هو المشروع. ٢٢٧ كتاب الصلاة مسألة: ومن صلى وعليه قميص ورداء أو رداء أو إزار، فقد كره له أن يطرح الرداء عن منكبيه للحر فى الفريضة وخفف فى النافلة. ووجه ذلك أنه يراعى فى المكتوبة ما لا يراعى فى النافلة لأنها أهم والحرص على إتمامها أكد. مسألة: ويستحب أن يلبس المصلى ثيابه على أفضل هيئاتها من السكينة والوقار؛ لأن السكينة والوقار مشروع فى الصلاة، فإن خالف هذه الصفة بأن يشمر كمه أو يشد ثيابه بحزام أو فعل ذلك لشغل هو فيه، فالأفضل أن يزيل ذلك عنه ويصلى الصلاة على الهيئة المستحبة، فإن صلى على حال التشمير أجزأه ولم يخرج، وإن فعل ذلك لصلاته فقد أساء وخالف السنة لأنه قصد الصلاة بما يخالفها وتهيئ لها بما يضاد هيئاتها إلا أنه مع ذلك تجزئه صلاته. فصل: وقوله: ((مشتملا به)). قال الأخفش: الاشتمال أن يلتحف من رأسه إلى قدميه، والتوشح أن يأخذ الثوب من تحت يمينه، فيرده على منكبه من يمينه. وهذا الذى قال الأخفش ليس هذا هو الاشتمال المذكور فى الحديث، وإنما هو نوع من الاشتمال، والاشتمال على أضرب، أحدها: التوشح وهو المذكور فى الحديث المباح فى الصلاة. والثانی: اشتمال الصماء، وهو الذی أنکره ﴿﴿ علی جابر بن عبد الله حین قال له: ((ما هذا الاشتمال)). وقد ورد المنع منه فى الصلاة، وهو أن يشتمل فى الثوب على منكبيه وتكون يداه تحت الثوب، فهذا منع فى الصلاة لمن يكن عليه إزار، فلابد أن يباشر الأرض بيده للسجود، وهو مأمور به أو يخرج يديه لذلك فتبدو عورته. مسألة: وإن كان إزار غير الثوب الذى يشتمل به، فلا بأس بذلك؛ لأنه يأمن حينئذ من كشف عورته، قاله ابن القاسم عن مالك، وروى عنه أيضًا الكراهية، وبها قال ابن القاسم. ووجه ذلك التعلق بعموم الحديث: نهى رسول الله ﴾ عن اشتمال الصماء. مسألة: والضرب الثالث من الاشتمال هو الاضطباع. قال مالك: وهو أن يرتدى ويخرج ثوبه من تحت يده اليمنى، فيرده على كتفه اليسرى ويأتى بالثوب من الجانب الآخر فوق يده اليسرى، فهو الذى قاله ابن القاسم هو الاضطباع من ناحية اشتمال الصماء، وذلك أنه لا يمكنه إخراج يده اليسرى لسجود ولا لغيره إلا لحقه فيه ما يلحقه فى اشتمال الصماء. فصل: وقوله: ((واضعًا طرفيه على عاتقيه)) يريد أنه أخذ طرف ثوبه تحت يده كتاب الصلاة ٢٢٨ اليمنى، فوضعه على كتفه اليسرى، وأخذ الطرف الآخر تحت يده اليسرى، فوضعه على كتفه اليمنى وهذا نوع من الاشتمال يسمى التوشح، ويسمى الاضطباع وهو مباح فى الصلاة وغيرها لأنه یمکنه إخراج یدیه للسجود وغيره دون کشف عورته. ٣١٣ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴿ عَنِ الصَّلاةِ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: ((أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانٍ)). الشرح: قوله : ((أو لكلكم ثوبان)) مع سؤال السائل إباحة الصلاة فى ثوب واحد، الإشارة إلى نفى الحرج اللاحق فى المنع من ذلك إذ ليس كل الناس يجد ثوبين، وليس فى عدم الرجل الثوبين يلبسهما فى صلاته، دليل على أنها تجزئه الصلاة فى ثوب واحد إذا وجدهما كما أن عدمه للثوب الواحد لا يدل على إجزاء صلاته عريانًا مع وجوده. وإنما يدل قوله: ((أو لكلكم ثوبان)) على استباحة الصلاة بالثوب الواحد مع القدرة على الثوبين من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قال: ((أولكلكم ثوبان)) فأشار إلى أن عدم أكثر من الثوب الواحد أمر شائع كثير، والضرورة إذا كانت شائعة كثيرة كانت الرخصة المتعلقة بها عامة، يدل على ذلك أنه لما كان الغالب من حال السفر التعب والمشقة كانت رخصة الفطر فيه عامة، وإن كان من الناس من لا تلحقه المشقة فى سفره. ولما كانت فى الحضر نادرة لم تدرك الرخصة فيها من يدركه التعب ولا أحد يسلم منه، فلما كان الغالب من حال الناس فى وقت مخاطبة النبى و18. عدم ما زاد على الثوب، كانت الرخصة عامة فى جواز الصلاة به للواحد والعادم، ولما كان عدم الثوب الواحد نادرًا لم تجز الصلاة دونه مع التمكن منه. والوجه الثانى: أن قوله ﴿﴿: ((أولكلكم ثوبان)) دليل على أنه قد علم من حالهم أن فيهم من لم يجد إلا ثوبًا واحدًا، فأقرهم على ذلك مع الأمر بالصلاة، فدل ذلك على ٣١٣ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٣٥٨. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٥١٥. والنسائى فى الصغرى فى القبلة حديث رقم ٧٦٣. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٦٢٥. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٠٤٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١٠٩، ٧٢١٠، ٧٥٥١، ٨٣٤٤، ١٠٠٤٦، ١٠٠٨٦، ٠١٠١٢٥ والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥١٤. كتاب الصلاة ٢٢٩ ...... إجزاء الصلاة بالثوب الواحد، وهذا الذى أباحه ﴿﴿ هو أقل ما يجزئ، والثوبان أفضل لمن وسع الله علیه، و کذلك روی عن عمر رضى الله عنه أنه قال: إذا وسع الله عليكم، فأوسعوا على أنفسكم جمع رجل علیه ثيابه، صلى فى إزار، ورداء فى إزار، وقميص فى إزار، وقباء فى سراويل، ورداء فى سراويل، وقباء فى تبان، وقباء فى تبان وقميص. والوجه الثالث: أن السائل لما سأل عن الصلاة فى الثوب الواحد، وكان معناه السؤال عن إجزاء ذلك، فأجابه ﴿3﴾ بأن غالب حال الناس عدم ما زاد عليه، وأن ذلك مستقر فى علمه، كان المفهوم من ذلك إباحة الصلاة فى الثواب الواحد، والله أعلم. ٣١٤ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنْهُ قَالَ: سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَلْ يُصَلِّ الرَّجُلُ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ تَفْعَلُ أَنْتَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إِنِّى لِأَصَلّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّ ◌ِيَابِى لَعَلَى الْمِشْحَبِ. الشرح: قول أبى هريرة: ((إنى لأصلى فى ثوب واحد وإن ثيابى لعلى المشجب)) مع روايته عن عمر: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا، اقتصار منه على الجائز دون الأفضل، وقد يجوز أن يكون أبو هريرة يفعل ذلك يبين جوازه، فيقتدى به فى ذلك، ويحتمل أن يكون السائل لأبى هريرة ممن لا يجد ثوبين، فأراد أن يطيب نفسه، ويعلمه بصحة إباحته، وأنه يفعل ذلك مع قدرته على الثوبين، فكيف من لا يجد إلا ثوبًا واحدًا، وأخبره عن فعله فى النادر دون الأغلب، وأخبره عما يفعله فى منزله دون المساجد. فصل: وقوله: ((وإن ثيابى لعلى المشجب)) إخبار عن قرب تناولها، وتمكنه من لبسها، والمشجب عود تنشر علیه الثياب، قاله صاحب العين. ٣١٥ - مَالِك أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُصَلّى فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ. الشرح: هذا الذى بلغ مالكًا من فعل جابر، يحتمل من الوجوه ما ذكرته فى فعل أبى هريرة، ويحتمل مع ذلك عدم الثوب الثانى غير أنه روى عن محمد بن المنكدر أنه قال: دخلت على جابر بن عبد الله، وهو يصلى فى ثوب ملتحف به ورداؤه موضوع، فلما انصرف قلت: يا أبا عبد الله تصلى ورداؤك موضوع؟ قال: نعم، أحببت أن أرى الجهال أمثالكم، رأيت النبى ﴿﴾ يصلى كذا، فقد نص جابر على أنه قصد بذلك إعلام جوازه لمن لم يعلمه، وأخبره أنه رأى النبى ﴿! يصلى كذا. ٣١٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٩١. ٣١٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٩٢.