النص المفهرس

صفحات 641-660

كتاب الصلاة
١٧٠
وذلك لا يكون إلا بسلام، ولو لم يسلم إلا فى آخرهن، لكان يجمعهن فى التسمية،
وذكر من صلاته ﴿﴿ اثنتى عشرة ركعة غير الوتر وركعتى الفجر ويصح أن يكون
موافقًا لحديث عائشة وحديث زيد بن خالد يقتضى أيضًا أن الوتر هو الركعة الواحدة
المنفردة لأن فى حديث أبى سلمة عن كريب أن صلاته 48 تتامت ثلاث عشرة ركعة.
فصل: وقوله: ((ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن))، موافق لرواية مالك فى حديث عائشة
المتقدم، وهذا الاضطجاع لانتظار طلوع الفجر وصلاة الصبح.
وقوله: ((فصلى ركعتين خفيفتين))، يعنى بذلك ركعتى الفجر لأنه صلاة بعد الفجر
وقبل صلاة غیرهما.
٢٦١ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ
مَخْرَمَةٌ أَخْبُرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْحُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ: لِأَرْمُقَنَّ اللّيْلَةَ صِّلاةَ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ قَالَ: فَتَوَسَّدْتُ عَتْبَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ فَصَلَى رَكْعَتَيْنِ طَوِيَتَيْنٍ
طَوِيِلْتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَهُمَا دُونَ اللَّيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صِّلَّى رَكْعَتَيْنٍ،
وَهُمَا دُونَ اللَّيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صِّلَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَهُمَا دُونَ اللَّْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى
رَكْعَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَى رَكْعَتْنٍ، وَهُمَا دُونَ اللَّيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ
أَوْتَرَ فَتِلَّكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ.
الشرح: قوله: ((لأرمقن الليلة صلاة رسول الله (13)) يعنى بذلك نافلته من الليل،
فأما الفریضة، فقد کان یشاهدها فی کل یوم دون تكلف.
وقوله: (فتوسدت عتبته))، العتبة موضع الباب، والفسطاط نوع من القباب،
والفسطاط مجتمع المصر، والخبر بالتفسير الأول أشبه، ويحتمل أن يكون ذلك على وجه
الشك من الراوى، ويحتمل أن يكون زيد ابن خالد، قد استأذن النبى ﴿﴿ فى ذلك إذ
كان فى موضع لا يجوز فيه التسمع.
فصل: وقوله: ((فقام رسول الله ﴿18 فصلى ركعتين طويلتين))، انفرد يحيى بن يحيى
فى هذا الباب بأمرين، أحدهما: فى الركعتين الأوليين طويلتين، وسائر أصحاب الموطأ
٢٦١ - أخرجه مسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٦٥. وأبو داود فى الصلاة حديث
رقم ١٣٦٦. والزكاة حديث رقم ١٦٠٣. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث
رقم ١٣٦٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢١١٧٢).

......... ١٧١
كتاب الصلاة
قالوا عن مالك: فى الأولى خفيفتين، ويحتمل أن يكون النبى ﴿3﴾ كان يفعل ذلك افتتاحًا
لصلاته، ويحتمل أن يكون يفعله تحية للمسجد، إن كانت صلاته فى المسجد.
وقد روى ابن القاسم: قيل لمالك فيمن يريد تطويل التنفل، يبدأ بر کعتین خفيفتین،
فأنكر ذلك، وقال: يركع كيف شاء، وأما أن يكون هذا شأن من يريد التنفل، فلا،
وإنما أنكر مالك من هذا أن يكون سنة التنفل فى كل وقت حتى لا يجزئ غيره أو يكون
تأول الحديث على أنه كان فى المسجد فيمنع منه فى غير المسجد، والله أعلم.
والموضع الثانى، أنه قال: طويلتين، طويلتين، طويلتين، ثلاثا، وسائر اصحاب الموطأ
يقول ذلك مرتين فقط، يعنى بذلك المبالغة فى طولهما.
فصل: وقوله: ((ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما))، يعنى فى الطول لأنه
بذلك وصفهما ثم كرر ذلك بأن وصف كل ركعتين ركعهما بأنهما دون اللتين قبلهما
وذلك خمس مرات، ومعنى ذلك أن آخر الصلاة مبنى على التخفيف عما تقدم فى أولها
من الإتمام والتطويل، ولذلك شرع هذا المعنى فى صلاة الفرض.
فصل: وقوله: ((ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة))، بين فى أن الوتر ركعة
واحدة.
الأمر بالوتر
٢٦٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلا
٢٦٢ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٧٢، ٤٧٣. والجمعة حديث رقم ٩٩١، ٩٩٣،
٩٩٥، ٩٩٨، ٠١١٣٧ ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٤٩، ٧٥٢،
٧٥٣، ٧٤٩، ٧٩٥. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٤٠١، ٤٢٣. والجمعة حديث رقم
٥٤٣. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٦٦٥، ١٦٦٦،
١٦٦٧، ١٦٦٨، ١٦٦٩، ١٦٧٠، ١٦٧١، ١٦٧٢، ١٦٧٣، ١٦٨٨، ١٦٨٩، ١٦٩٠،
١٦٩١، ١٦٩٢، ١٦٩٣، ١٦٩٤. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٢٩٥، ١٤٢١. وابن
ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١١٧٤، ١١٧٥، ١١٧٦، ١٣٢٢. وأحمد فى
المسند حديث رقم ٤٥٤٥، ٤٨٣٢، ٤٨٤٥، ٤٩٥١، ٥٠١٢، ٥١٩٥، ٥٣١٩، ٥٣٧٦،
٥٤٣١، ٥٤٤٧، ٥٤٦٦، ٥٥١٢، ٥٧٢٥، ٥٧٥٩، ٥٩٠١، ٥٩٧٢، ٦١٣٤، ٦٢٢٢،
٦٣١٩، ٦٣٨٥. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤٥٨، ١٤٥٩.

كتاب الصلاة
١٧٢
سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ فَّ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ه: ((صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى
مَثْنَى، فَإِذَا خَشِىَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَى رَكْعَةً وَاحِدَةٌ تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلّى)).
الشرح: قوله: ((مثنى مثنى)، يقتضى ما ذكرناه من الفصل بين كل ركعتين، فتكون
صلاته تامة ولا غاية لأكثرها، وإنما ذلك على قدر طاقة المصلى.
والدليل على ذلك أنه قال: مثنى مثنى، فلم يجد بحد. والثانى: أنه قال: فإذا خشى
أحدكم الصبح صلى ركعة، فجعل غاية ذلك أن يخشى الصبح، ولم يجعل غايته عددًا،
ويحتمل قوله: فإذا خشى أحدكم الصبح صلى ركعة، أن تكون خشيته بسبب صلاة
الليل، ويحتمل أن تكون بسبب صلاة الوتر، ويحتمل أن تكون بسببهما، وهذا يقتضى أن
آخر وقت صلاة الليل ووقت الوتر المختار لهما الفجر، ولهما وقت ضرورة، وهو ما لم
يصل الصبح، فإذا صلى الصبح فقد فات، وأما أول وقت الوتر، فهو إتمام صلاة العشاء
الآخرة.
مسألة: ويكره تأخير صلاة الليل إلى بعد الفجر، فمن نام عنها أو غلبه عليها نوم،
فلا بأس أن يصليها بعد الفجر.
٢٦٣ - مَالِك، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْتَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ عَبْدِ
الله بْنِ مُحَيْرِيزِ الْحُمَحِى أَنَّ رَجُلًا مِنْ يَنِى كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِىَّ، سَمِعَ رَجُلا
بِالشَّامِ يُكُنِّى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاحِبٌ، فَقَالَ الْمُخْدَجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةً
ابْنِ الصَّامِتِ، فَاعْتَرَضْتُ لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَخُْرْتُهُ بِالَّذِى قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ،
فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ يَقُولُ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ
كَتْبَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضِيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا
بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْحَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ
عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذْبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنّة)).
الشرح: قوله: ((إن الوتر واجب))، معنى الواجب هو ما فى تركه عقاب من حيث
هو ترك له على وجه مّا، وقد عبر بعض الناس بالواجب عن مؤكد السنن اتساعًا ومجازًا
٢٦٣ - أخرجه النسائى فى الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٦١. وأبو داود فى الصلاة حديث
رقم ٤٢٥، ١٤٢٠. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٤٠١. وأحمد فى
المسند حديث رقم ٢٢١٨٥، ٢٧٧٤٠، ٢٢٢٤٦. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٧٧.

١٧٣
كتاب الصلاة
على حسب ما تقدم من أن غسل الجمعة واجب، فإن كان من قال: إن الوتر واجب،
يريد ذلك فهو خلاف فى عبارة، ولا معنى لمعارضته، وإن كان يريد بذلك أنه يأثم
بتر که على حسب ما يأثم بتركه الفرائض، فهو خلاف فى معنى، وهذا الحديث حجة
عليه. ومن جهة المعنى أن هذه صلاة تفعل فى السفر على الراحلة، فلم تكن واجبة
كسائر النوافل.
فصل: وقوله: ((فرحت إلى عبادة بن الصامت، فاعترضت له وهو رائج فى المسجد،
فأخبرته بالذى قال أبو محمد»، دليل على استباحة الفتوى بما خف من المسائل فى
الطرق، وأما ما طال منها وأشكل واحتاج إلى التأمل، فواجب على المفتى أن يجلس له
ويتدبره، ولا يفتى فيه مستوفزًا ولا ماشيًا، وكذلك الحكم، وفيه إعلام المفتى بما قال
غيره من أهل العلم ممن عسى أن يخالفه، ليبعثه ذلك على الاجتهاد والبحث، وهذا على
سلامة النفوس وخلو الصدور من الغل والحسد.
فصل: وقول عبادة: ((كذب أبو محمد))، يعنى أنه أخبره بالأمر على ما ليس عليه
والكذب ينقسم على قسمين، أحدهما: لا يأثم صاحبه، وهو على ضربين، أحدهما: أن
يقع فيه على وجه السهو والغلط فيما خفى عنه، والثانى: أن يتعمد ذلك فيما لا يحل فيه
الصرف، مثل أن يؤمن رجلا يستتر، فيسأل عنه من يريد قتله ظلمًا، فإنه يجب عليه أن
یکذب عنه ولا يصرفه عن موضعه.
وأما القسم الثانى: فيأثم صاحبه، وهو ما قصد فيه إلا الكذب مما حصر فيه القصد
إلى الكذب، وإنما أراد عبادة، والله أعلم، أن أبا محمد، وهو مسعود بن أوس قد أتى من
ذلك بما لم يرضه، وكان عنده من تدقيق النبى ﴿ ما يخالفه، فأتى بهذه اللفظة تغليظًا
على من ذهب إلى مخالفته لما عنده من النبى ﴿﴿ خلافه، فإن من جاء بالخمس الصلوات
التى كتبهن الله على العباد، فإن له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة وهذا ينفى وجوب
صلاة غيرها.
فصل: وقوله : ((لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن)) احتراز من النسيان
والسهو التى لا يمكن أحد الاحتراز منه إلا من تفضل الله عليه بالعصمة، فمن نقص
منهن شيئًا عالما بذلك وقادرًا على إتمامه، فذلك المستخف الذى لا عهد له عند الله.
فصل: وقوله: ((ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء
أدخله الجنة))، نص فى أن من ارتكب الكبائر فى المشيئة، ومانع من قول من قال: إنه لا

١٧٤
كتاب الصلاة
يغفر له، ومانع من قول من قال: إنه كافر، ومعنى الحديث إن كان لا يأتى بها مع إيمانه
بها، فحكمه فى الدنيا أن ينتظر خروج وقت الصلاة، فإن صلاها وإلا قتل حدًا، ولو
تركها مكذبًا بها استتيب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل كفرًا.
٢٦٤ - مَالِك، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقٍ مَكَّةَ، قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبِّحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ ثُمَّ
أَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ لِى عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ، فَنَزَّلْتُ
فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِى رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةً؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، فَقَالَ:
إِنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ.
الشرح: قوله: ((فلما خشيت الصبح))، نزلت فأوترت، يدل على أنه كان يخاف
طلوع الفجر بفوات الوتر، ولذلك صلى الوتر حين خشى طلوع الفجر.
وقوله: ((أليس لك فى رسول الله أسوة))، الأسوة ما يتأسى به، وهو بمعنى القدوة.
وقوله: ((بلى والله))، يدل على استباحة اليمين لغير ضرورة فى تصاريف الكلام.
فصل: قوله: ((فإن رسول الله (﴿﴿ كان يوتر على البعير))، يدل على أن الوتر ليس
بواجب لثبوت النافلة فيه، وهو فعله على الراحلة، وإن كان الأفضل فعل الوتر على
الأرض لتأكد أمره، واختلاف الناس فى وجوبه، فمن صلى على راحلة فى الليل
استحب له، إذا أراد الوتر أن ينزل.
٢٦٥ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَّبِ أَنْهُ قَالَ: كَانَ أَبُو
٢٦٤ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٩٩٩، ١٠٠٠، ١٠٩٥. ومسلم فى صلاة
المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٠٠. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٤٣٤. والنسائى فى
الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٩٠. والقبلة حديث رقم ٧٤٤. وقيام الليل وتطوع النهار
حديث رقم ١٦٨٥، ١٦٨٦، ١٦٨٧. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٢٢٤، ١٢٢٦. و
ابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٠٠. وأحمد فى المسند حديث رقم
٤٥٠٤، ٥١٨٤، ٦١٨٦. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٩٠.
٢٦٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٤٢.
وقال ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٤/٥: فيه الإباحة فى تقديم الوتر فى أول الليل وتأخيره
عن ذلك، وهو أمر مجتمع عليه لا مدخل للقول فيه، لأن الوتر من صلاة الليل، وصلاة الليل لا
وقت لها محدود، وإنما الأوقات المكتوبات، فما فعل الإنسان من ذلك فحسن.

١٧٥
........
كتاب الصلاة
بَكْرِ الصِّدِّيقُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِىَ فِرَاشَهُ أَوْتَرَ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُوتِرُ آخِرَ اللّيْلِ،
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسْيَّبِ: فَأَمَّا أَنَا فَإِذَا جِئْتُ فِرَاشِى أَوْتَرْتُ.
الشرح: قوله: معنى تقديم أبى بكر الوتر للإحتياط مخافة أن يذهب به النوم فينام عن
الوتر، فكان يقدم الوتر، فإن قام بعد ذلك تنفل ما أمكنه، وكان عمر قد علم من نفسه
القوة على القيام، وأنه لا يغلبه أمر عليه فى غالب العادة، فكان يؤخر الوتر إلى آخر
صلاته على حسب ما كان يفعله رسول الله
٢٦٦ - مَالِكِ أَنَّهُ بَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْوِتْرِ أَوَاحِبٌ هُوَ؟
فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ، فَحَعَلَ الرَّجُلُ
يُرَدِّدُ عَلَيْهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرٌ يَقُولُ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللّهِ :﴿ وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ.
الشرح: هذا السائل كان سأل عبد الله بن عمر عن وجوب الوتر، فيحتمل أن يكون
عبد الله قد علم أنه غير واجب، ولم ير الرجل أهلاً لهذا المقدار من العلم، وكان يخبره
بما يحتاج هو إليه من أن النبى ﴿2﴾ قد أوتر وأوتر المسلمون بعده، وطوى عنه ما لا يحتاج
إليه هو، ولا هو من أهله، ويحتمل أيضا أن يكون ابن عمر لم يبين له حكم ما سأله
عنه، فلذلك أجابه بما كان وترك ما أشكل عليه فلم يجبه به(١).
٢٦٧ - مَالِك أَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ كَانَتْ تَقُولُ: مَنْ خَشِىَ أَنْ
يََّامَ حَتّى يُصْبِحَ فَلْيُوتِرْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، وَمَنْ رَجَا أَنْ يَسْتَيْقِظَ آخِرَ اللّيْلِ فَلْيُؤَخِّرْ وِتْرَهُ.
الشرح: معنى ذلك أن الوتر آخر الليل أفضل لمن قوى وأمن النوم عنه، ومن خاف
أن يفوته بنومه فليقدمه فى أول ليله، لأن ذلك أفضل من أن يفوته، وقد روى هذا عن
مالك.
٢٦٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٤٤.
(١) قال ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٧/٥: فى الحديث دليل على أن الوتر ليس بواجب
ولو كان واجبًا عنده لأفصح له بوجوبه، ولكنه أخبره بما دله على أنه سنة معمول بها ليدفع
عنه تأويل الخصوص فى ذلك، والنسخ لأن فى رسول الله { * الأسوة الحسنة، فلما تلقى
المسلمون علمه ذلك بالاتباع بان بأنه لم يخص به نفسه كالوصال فى الصيام وما أشبهه. وقد
روى عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبى عمرة أنه سأل عبادة بن الصامت
عن الوتر، فقال: أمر حسن جميل، قد عمل به رسول اللـه ﴿ والمسلمون بعده.
٢٦٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٤٣.

١٧٦
كتاب الصلاة
٢٦٨ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٌ بِمَكْةَ وَالسَّمَاءُ
مُغِيمَةٌ فَخَشِىَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّبْحَ، فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ، فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلا
فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، فَلَمَّا خَشِىَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ
بِوَاحِدَةٍ(١).
الشرح: قوله: ((والسماء مغيمة، فخشى عبد الله الصبح))، مما ذكرناه من
استحبابهم الإتيان بالوتر قبل الصبح.
وقوله: ((فأوتر بواحد))، على ما تقدم من أن الوتر ركعة، فلما انكشف الغيم رأى
عبد الله أن عليه ليلاً، فشفع وتره بواحدة، يجوز أن يكون لم يسلم من الواحدة حين
رأى أن عليه ليلاً فشفع بواحدة، أكمل بها مع وتره ركعتين، وهذا هو الصواب على ما
يذهب إليه من قال من أصحابنا: إنه لا يحتاج فى نية أول الصلاة إلى اعتبار عدد
الر کعات، ولا اعتبار وتر ولا شفع.
ويحتمل أن يكون سلم ثم رأى أن عليه وقًا، فصلى ركعة أخرى مفردة اعتدها
مشفعة للأولى، وقد روى إجازة ذلك عن عبد الله بن عمر وعثمان وعلى رضى الله
٢٦٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٤٥. وأخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٢٨٢/٢.
المغنى ١٦٣/٢. المجموع ٥٢١/٣.
(١) قال ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٨/٥: قد روى عن ابن عمر هذا المذهب فى شفع
الوتر بعد النوم من وجوه، روى الثورى عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أنه كان يشفع
وتره، ثم يصلى مثنى مثنى، ثم يوتر. وروى الشعبى، عن ابن عمر مثلهز وهذه مسألة يعرفها
أهل العلم بمسألة نقض الوتر. وقد روى مثل قول ابن عمر فى ذلك عن على، وعثمان، وابن
مسعود، وأسامة، ولم يختلف عنهم فى ذلك. واختلف فيها عن ابن عباس وسعد بن أبى
وقاص. وقال بمذهب ابن عمر فى ذلك جماعة منهم: عروة بن الزبير، ومكحول، وعمرو بن
ميمونة. وحجتهم قوله { ل: (الوتر ركعة من آخر الليل)). وقوله { /: ((فإذا خشى أحدكم
الصبح أوتر بركعة واحدة».
وخالف هذا المذهب فى نقض الوتر جماعة أيضا من السلف: فروى عن أبى بكر الصديق، من
وجوه: أنه كان يوتر قبل النوم، ثم إن قام صلى ركعتين ركعتين ولم يعد الوتر. وروى ذلك
عن طائفة من الصحابة أيضًا، منهم عمار بن ياسر، وعائذ بن عمرو، وعائشة أم المؤمنين.
وكانت عائشة تقول فى ذلك: أوتران فى ليلة! إنكارًا منها لنقض الوتر. وقال بذلك من
التابعين جماعة، منهم: علقمة، وأبو مجلز وطاووسن والنخعى، وهو قول مالك، والأوزاعى،
والشافعى، وأحمد بن حنبل، وأبى ثور، والحجة لهم قوله {َ﴾: ((لا وتران فى ليلة)).

١٧٧
کتاب الصلاة.
عنهم وأنكر ذلك جماعة من الصحابة عمر بن يسار وعائشة، وبه قال أكثر الفقهاء.
والدليل على ذلك ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((لا وتران فى ليلة)). ومن جهة
المعنى أن السلام ينافى استدامة الصلاة، وذلك يمنع إضافة ما بعده من عدد الركعات إلى
ما قبله، ويجعل لكل واحدة منهما حكما غير حكم الأخرى، كما لو أراد أن يضيف إلى
الظهر بعد السلام منها ركعة، أو أكثر لم يوتر ذلك فى الظهر.
مسألة: فإن فعل فلا يجوز أن يفعل ذلك ناسيًا أو ذاكرًا فقد تقدم الحكم، وإن فعل
ذلك ناسيًا، فقد روى ابن القاسم وعلى بن زياد عن مالك أنه يشفع ما شفع به الوتر.
وروی سحنون عن مالك أنه کره لمن أحرم على وتر أن يشفع.
وجه الرواية الأولى أن الوتر والشفع يجمعهما معنى التنفل ولما لم يحتج المتنفل إلى
زيادة على نية التنفل، وكان الشفع نفلاً جاز أن يحال الوتر إليه ولا يجوز أن يحال الشفع
إلى الوتر لأنه أكد منه فيحتاج إلى زيادة نية يتغير بها كما يجوز أن يحال الفرض إلى
النفل، ولا يجوز النفل إلى الفرض. وقد حكى الداودى عن أصحابنا أنه لا يجوز أن يوتر
بر کعة، يفتتح بغير نية الوتر.
ووجه الرواية الثانية أن الشفع من غير جنس الوتر، فلا يحال أحدهما إلى الآخر،
ولذلك قال مالك، فيمن افتتح صلاة فى المسجد، فصلى منها ركعة فأقيمت عليه تلك
الصلاة: أنه يشفعها نافلة ويسلم من اثنتين ويدخل مع الإمام. وقال فى المغرب: إن
أقيمت عليه بعد أن صلى منها ركعة قطعها ولم يشفعها.
فرع: وهذا إن ذكر قبل السلام، فإن ذكر بعد السلام، فروى على بن زياد عن
مالك أنه يعود فيشفع وتره إن كان قريبًا، وإن طال لم يعد وأجزأه وتره الأول.
٢٦٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ
فِى الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ(١).
٢٦٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٤٦.
(١) قال فى الاستذكار ٢٨١/٥ - ٢٨٣: هذه مسألة اختلف فيها السلف والخلف: فروى
الفصل بين الشفع وركعة الوتر بالسلام، عن عثمان، وسعد، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن
عباس، وأبى موسى الأشعرى ن ومعاوية، وابن الزبير، وعائشة. وكان معاذ القارئ يوم جماعة
من أصحاب النبى 8 / فى رمضان فيفعل ذلك معهم. وبهذا قال مالك، والشافعى،
وأصحابهما، وأحمد، وأبو ثور. وهو قول سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء بن=

١٧٨
كتاب الصلاة
الشرح: قوله: ((كان يسلم بين الركعتين والركعة فى الوتر))، يقتضى أنه قد تسمى
الثلاث ركعات وترًا مجازًا لما كان الوتر لا يستبد منها إلا أن الوتر فى الحقيقة لما كان
واقعًا على الركعة الواحدة، وجب أن يفصل بينه وبين الركعتين اللتين من توابعه.
مسألة: من أدرك مع الإمام ركعة من الشفع، فلا يسلم منه وليصل معه الوتر، فإذا
سلم منه سلم معه ثم أوتر، كان الإمام ممن يسلم من الشفع أو ممن لا يسلم، رواه ابن
حبيب عن ابن الماجشون ومطرف.
وروى عن ابن القاسم أنه إن كان إمامه يسلم من الشفع، سلم معه من الوتر، وإن
كان لا يسلم من الشفع، فليصل ذلك بركعة الوتر كفعل إمامه، ومعنى ذلك عند الشيخ
أبى محمد أن يحاذى بركوعه وسجوده ركوع الإمام وسجوده، فأما أن يأتم به فلا، لأنه
یکون محرمًا قبل إمامه.
٢٧٠ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ كَانَ يُوتِرُ بَعْدَ الْعَثَّمَةِ
بوَاحِدَةٍ.
قَالَ مَالِك: وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا، وَلَكِنْ أَذْنَى الْوِتْرِ ثَلاثٌ.
= أبى رباح، وغيرهم. وحجة من ذهب هذا المذهب: قوله { /: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا
خشيت الصبح فصل ركعة توتر لك ما قد صليت)). وما رواه جماعة من أصحاب ابن شهاب،
عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله و كان يصلى إحدى عشرة ركعة
یسلم بین کل ر کعتين منها ویوتر بواحدة.
وقال آخرون: الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام. روى ذلك عن عمر بن الخطاب،
وعلى بن أبى طالب، وعبد الله بن عباس، على اختلاف عنه، وعبد الله بن مسعود، وأبى بن
كعب، وأنس بن مالك، وأبى أمامة. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة، وأصحابه. وهو
الذى استحبه الثورى. وكان الأوزاعى يقول: إن شاء فصل قبل الركعة بسلام وإن شاء لم
يفصل. وحجة هؤلاء: حديث عائشة إذا سئلت عن صلاة رسول الله وَ ﴿): فقال: كان يصلى
أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم
يصلى ثلاثًا. قالوا: صلى أربعًا بغير سلام وأربعا كذلك وثلاثا أوتر بها. وما رواه ابن
سيرين، عن ابن عمر، عن النبى ولا أنه قال: ((صلاة المغرب وتر صلاة النهار)). ومعلوم أن
المغرب ثلاث ركعات لا يسلم إلا فى آخرهن، فكذلك وتر صلاة الليل. وحديث أبى أيوب
الأنصارى: أن رسول اللـه ◌َ ﴿ قال: «من شاء أوتر بسبع ومن شاء أوتر بخمس ومن شاء أوتر
بثلاث ومن شاء أوتر بواحدة». ا.هـ.
٢٧٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٤٧.

١٧٩٠٠
........
كتاب الصلاة
الشرح: قوله: ((كان يوتر بعد العتمة بواحدة))، يريد أن جميع ما كان يصلى بعد
العتمة واحدة.
وقول مالك: ((ليس عليه العمل عندنا))، يريد أن المختار عندهم أن يكون أقل ما
يصلى بعد العتمة ثلاث ركعات.
ووجه ذلك أن الوتر نفل فلا يوتر إلا نافلة، فيجب أن تتقدمه نافلة يوترها، وأقل
تلك النافلة ركعتان، والأصل فى ذلك الحديث المتقدم: ((صلاة الليل، مثنى مثنى، فإذا
خشی أحد کم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر ما قد صلى)).
مسألة: ومن أوتر بركعة واحدة، قال ابن سحنون عن أشهب: يعيد وتره بأثر شفع
ما لم يصل الصبح. وقال سحنون: إن كان بحضرة ذلك شفعها بركعة ثم أوتر، وإن
تباعد أجزأه. وقد أخبرنى على بن زياد عن مالك: لا بأس أن يوتر المسافر بركعة.
وجه قول أشهب أن الركعة الواحدة موترة، فلابد أن يكون قبلها ما توتره، وتكون
من جنسه لأن الصلوات إنما توتر من جنسها كالمغرب، فإذا عرا الوتر عما بوتره لم يكن
وترًا، فكان على المصلى أن يأتى به على شروطه ما لم يفت وقته، فإذا فات ذلك بفعل
الصبح لم يقض لأن النوافل لا تقضى بعد الفوات، والله أعلم.
ووجه قول سحنون أن فصلها بالسلام مما قبلها، يقتضى استقلالها بنفسها، وإنما
يقدم الشفع على سبيل الفضيلة وقد روى سحنون أنه أوتر فى مرضه بركعة.
مسألة: ومن حكم الشفع أن يتصل بوتره فيما رواه ابن القاسم عن مالك أنه قال
فيمن تنفل بعد العشاء ثم انصرف: فلا ينبغى أن يوتر حتى يأتى بشفع. وقال عنه ابن
نافع: لا بأس أن يوتر بواحدة فى بيته. وكذلك من تنفل ثم جلس ما بدا له، فإن له أن
یوتر بواحدة.
وجه رواية ابن القاسم ما ثبت من فعل النبى ﴿ والصحابة من بعده. ومن جهة
المعنی ان وقتها واحد لاختصاص هذا الشفع بالوتر حتى نسب إليه، وسمی باسمه،
فوجب أن يفارقه. ووجه رواية ابن نافع أنه قد وجد الوتر ووجد ما یکون وترًا له فى
وقته، وذلك يقتضى صحتهما وإن تفرقا كالمغرب الذى يوتر صلاة النهار، وإن تفرقا فى
الوقت والفعل.

١٨٠
...
كتاب الصلاة
٢٧١ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَلاةُ
الْمَغْرِبِ وِتْرُ صَلاةِ النّهَارِ.
الشرح: يعنى بقوله: ((المغرب وتر صلاة النهار))، أنها توترها فيصير عددها وترًا،
ا أنه
ويحتمل أن بريد أنها الوتر خاصة دون غيرها، والأول أظهر لما روى عن النبى :
أمر من خشى الصبح أن يصلى ركعة توتر له ما قد صلى، وكذلك أمر فى الحديث أن
توتر صلاة الليل.
قَالَ مَالِك: مَنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ الَيْلِ ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ فَبَدًا لَهُ أَنْ يُصَلِّىَ، فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى،
فَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ.
الشرح: يريد مالك أنه لا يصلى ركعة تشفع له وتره وليعتد بوتره على ما مضى،
ويصلى ما أمكنه ركعتين، ويحتمل أن يكون الوتر إنما يوتر ما قبله من النوافل، ويحتمل
أن يوتر ما قبله وما بعده إلا أن الفضيلة فى تأخره جميع ما يوتره.
*
الوتر بعد الفجر
٢٧٢ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِى الْمُخَارِقِ الْبَصْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُبَيْرٍ
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ رَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ لِحَادِمِهِ: انْظُرْ مَا صَنَعَ النّاسُ، وَهُوَّ
يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَذَهَبَ الْخَادِمُ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: قَدِ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنَ الصُّبْحِ
فَقَامَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَأَوْثَرَ ثُمَّ صَلّى الصُّبْحَ.
الشرح: قول عبد الله بن عباس لخادمه: ((انظر ما صنع الناس، وهو يومئذ قد ذهب
بصره)»، لما لم يمكنه الاجتهاد فى الوقت اقتدى بجماعة الناس فى ذلك لأنه يبعد
اجتماعهم على الخطأ فى الوقت لاسيما وأكثرهم فى ذلك الوقت علماء أئمة، فلما قال
له الخادم: ((قد انصرف الناس من الصبح))، علم أن ذلك وقت يتسع لوتره وفرضه لأنه
علم من حال الناس فى ذلك الوقت أنهم لا ينصرفون إلا فى الوقت الذى قالت عائشة:
ينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، فلذلك قدم وتره.
٢٧١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٤٨. وقال قد روى مرفوعا عن النبى تكلا.
أخرجه أحمد فى المسند حديث رقم ٤٨٣٢. ابن أبى شيبة فى المصنف ٢٨٢/٢.
٢٧٢ - انفرد به مالك.

١٨١٠
كتاب الصلاة .
مسألة: وقد أوتر بعد الفجر لضرورة، فقد روى ابن المواز وعيسى عن ابن القاسم:
يوتر الآن بركعة لأنه قدم فى ليلته من النافلة ما يوتره لأن هذا ليس بوقت نافلة إلا
لضرورة، فإن كان لم يتنفل فى ليلته، فقد روى ابن المواز عن أصبغ: يتنفل بركعتين ثم
يوتر بركعة.
مسألة: إذا ثبت أن الوتر يصلى للضرورة بعد الفجر، فلا يخلو أن يذكره قبل أن يحرم
للصبح أو بعد ذلك، فإن ذكره قبل أن يحرم للصبح، وقد رأى أنه يترك الوتر وركعتى
الفجر والصبح قبل الشمس بدأ بالوتر ثم بركعتى الفجر لأنه قد اختلف فى وجوب
الوتر، ولم يختلف فى نفى وجوب ركعتى الفجر، فإن ضاق الوقت عنهما ترك الوتر
وصلى الفرض.
مسألة: فإن ذکر الوتر، وقد أقيمت صلاة الصبح، فقد روی علی بن زياد عن مالك
أنه يخرج فيصليها ولا يخرج لركعتى الفجر، وسبب ذلك أنه لم يتلبس بصلاة الفجر
فخرج ليدرك الصلاتين.
مسألة: فإن ذكر الوتر وهو فى صلاة الصبح، فلا يخلو أن يذكره قبل الركوع أو
بعده، فإن ذكره قبل الركوع، فلا يخلو أن يذكره، وهو يصلى وحده أو فى جماعة، فإن
کان وحده قطع الصلاة، وصلى الوتر ثم صلى الصبح.
وفى النوادر عن المغيرة: لا يقطع الصبح للوتر، ولم يفرق بين أن يكون فذًا أو فى
جماعة.
قال الإمام أبو الوليد: وهو عندى أولى لأنه لا يقطع الفرض بعد الشروع فيه للنفل؛
ولأن للمكلف أن يعين وقت وجوب الصلاة، وإنما يتعين ويلزم بدخوله فيها، فليس له
قطعها إلا بما هو بالوقت منها.
فرع: فإذا قلنا برواية المغيرة، فلا يحتاج إلى تفريع، وإن قلنا برواية ابن القاسم وغيره،
وكان الذاكر للوتر مصليًا فى جماعة، فلا يخلو أن يكون إمامًا أو مأمومًا، فإن كان
مأمومًا فعن مالك فى ذلك ثلاث روايات، إحداها: أنه يقطع الصلاة ويصلى الوتر ثم
الصبح. والثانية: يتمادى على الصبح، وقد فاته الوتر، ورواهما ابن القاسم. والثالثة: أنه
بالخيار بين الأمرين، رواها عنه ابن وهب.
وجه الرواية الأولى أنه بذلك يصل إلى الجمع بين الصلاتين، فكان أولى من ترك
الوتر. ووجه الرواية الثانية ما ذكرناه قبل هذا من توجيه قول المغيرة.

كتاب الصلاة
١٨٢
فرع: وإن كان إمامًا، فقد روى ابن حبيب عن مالك: يقطع إلا أن يسفر جدًا، وقد
تقدم من قول المغيرة أنه لا يقطع.
قال الإمام أبو الوليد: وهو الأظهر عندى، والله أعلم.
مسألة: فإن صلى الصبح ثم ذكر الوتر، فإنه لا يصلها قبل طلوع الشمس لأنها من
النوافل فلا تصلى بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس كسائر النوافل، فإذا طلعت
الشمس لم يوتر؛ لأنه قد خرج وقت الوتر وحال بينه وبين ما هو وتر له صلاة فرض لا
ينتسب إليها، فكان ذلك مما يفوت به وقته، والنوافل لا تقضى وإنما تختص بأوقاتها.
٢٧٣ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَالْقَاسِمَ بْنَ
مُحَمَّدٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِعَةَ قَدْ أَوْتَرُوا بَعْدَ الْفَحْرِ.
الشرح: وهذا ما قدمناه أن من أدرك الوتر قبل صلاة الصبح وبعد الفجر، فقد أدرك
وقته، إلا أنه وقت ضرورة لا وقت اختیار، وقد يجوز أن یکون من أخره من هؤلاء إنما
أخره نسيانًا أو لأنه منعه من تبين الوقت مانع.
٢٧٤ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا
أَبَالِى لَوْ أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُبْحِ، وَأَنَا أُوِّرُ.
الشرح: معنى ذلك والله أعلم، أنه لا يمنعه ذلك من الوتر، ولعله أراد بذلك أن تقام
فی المسجد، وهو یوتر فى بيته.
٢٧٥ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ يَؤُمُّ قَوْمًا
فَخَرَجَ يَوْمًا إِلَى الصُّبْحِ، فَأَقَامَ الْمُؤَذِّنُ صَلاةَ الصُّبْحِ، فَأَسْكَّتَهُ عُبَادَةُ حَتَّى أَوْتَرَ ثُمَّ
صَلَّى بِهِمُ الصُبْحَ.
الشرح: قوله: ((فخرج يومًا إلى الصبح))، يحتمل أن يكون غلس إلى المسجد، وهو
يعتقد أن الفجر لم يطلع لغيم حال بينه وبين معرفته ذلك مع توارى الأفقُّ عنه، فرجا أن
يدرك تنفلاً فى المسجد، فجعل وتره بعده، وكان المؤذن قد علم بطلوع الفجر، فأقام
٢٧٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٤٩.
٢٧٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٥٠.
٢٧٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٥١.

كتاب الصلاة
... ١٨٣
...
الصلاة، فلما رأى ذلك عبادة بن الصامت علم أن الفجر قد طلع، فأسكت المؤذن ليوتر
قبل أن يصلى بهم صلاة الصبح، ويحتمل أن يفعل ذلك لرأى رآه (١)، والله أعلم.
وأما إسكاته المؤذن مع ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة
إلا المكتوبة)) يحتمل أن يعتقد أن ذلك فى المأموم، وأما الإمام، فله إسكات المؤذن
والإتيان مؤ كد النفل لأن الصلاة لا تنفذ إقامتها دونه، وهو بخلاف غيره، وقد روى ابن
القاسم عن القاسم عن مالك أنه إذا أخذ المؤذن فى الإقامة للفجر، ولم يكن الإمام ركع
ركعتى الفجر، فلا يخرج إليه ولا يسكته وليصل ركعتى الفجر قبل أن يخرج إليه.
٢٧٦ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ
ابْنِ رَبِعَةَ يَقُولُ: إِنِّى لِأَوِرُ وَأَنَا أَسْمَعُ الإِقَامَةَ أَوْ بَعْدَ الْفَخْرِ يَشُكُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَىَّ
ذَلِكَ قَالَ.
٢٧٧ - مَالِك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ
يَقُولُ: إِنِّى لِأَوِرُ بَعْدَ الْفَحْرِ.
(١) قال فى الاستذكار ٢٨٦/٥ - ٢٨٨: اختلف السلف من العلماء والخلف بعدهم فى
آخر وقت الوتر بعد إجماعهم على أن أول وقته بعد صلاة العشاء، وأن الليل كله حتى ينفجر
الصبح وقت له، إذ هو آخر صلاة الليل. فقال منهم قائلزن: لا يصلى الوتر بعد طلوع الفجر
وإنما وقتها من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا وتر. وممن قال هذا سعيد بن
جبير، ومکحول، وعطاء بن أبى رباح. وهو قول سفيان الثوری وأبی یوسف ومحمد.
وحجتهم حديث خارجة بن حذافة العدوى، قال: خرج علينا رسول الله ﴿ فقال: ((إن الله
تعالى قد أمدكم بصلاة هى خير لكم من حمر النعم، هى الوتر جعلها لكم ما بين صلاة العشاء
وطلوع الفجر)). وذكر أبو بكر بن أبى شيبة، عن هشيم، عن أبى هارون، عن أبى سعيد
الخدرى، قال: نادى منادى رسول اللـه ◌ُ ﴿: ((ألا لا وتر بعد طلوع الفجر)). وأبو هارون
العبدی لیس ممن يحتج به.
وقال آخرون: يصلى الوتر ما لم يصل الصباح، فمن صلى الصبح فلا يصلى الوتر. روى هذا
القول عن ابن مسعود، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأبى الدرداء، وحذيفة، وعائشة. وبه
قال مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وأبى ثور وإسحاق وجماعة. وهو الصواب عندى لأنى
لا أعلم لهؤلاء الصحابة مخالفًا من الصحابة. فدل إجماعهم على أن معنى الحديث مراعاة
طلوع الفجر أريد مالم تصل الفجر.
٢٧٦ - انفرد به مالك.
٢٧٧ - انفرد به مالك.

١٨٤
كتاب الصلاة
...
الشرح: هذان الحديثان على ما تقدم من جواز الإتيان بالوتر بعد الفجر وكثر من
الآثار فى ذلك ليبين أن ذلك كان ظاهرًا موجودًا عن الصحابة، والتابعين حتى يخبروا
بذلك عن أنفسهم إنكارا على من منع ذلك، ومعنى وجود ذلك منهم لمن فاته الإتيان به
قبل الفجر لأن طلوع الفجر لا يمنع الإتيان بالوتر، وإن أثر فى نقص فضيلته، وشك عبد
الرحمن فيما رواه عن عبد الله بن عامر أنه كان يوتر بعد الفجر وهو يسمع الإقامة
لاختلاف جنسهما لأن الإقامة دعاء إلى الصلاة، فتركها والاشتغال بالوتر أبين فى
تأكده من الإتيان به بعد الفجر وقبل إقامة الصلاة.
قَالَ مَالِك: وَإِنَّمَا يُوِرُ بَعْدَ الْفَحْرِ مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ، وَلا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ
ذَلِكَ حَتَّى يَضَعَ وِتْرَهُ بَعْدَ الْفَحْرِ.
الشرح: وهذا كما قال: أنه لا ينبغى لأحد أن يتعمد تأخير الوتر عن طلوع الفجر
لأنه من صلاة الليل، وذلك وقته المختار، وإنما يأتى به بعد الفجر من فاته الإتيان به قبله
النوم أو لسهو أو غير ذلك، وقد تقدم ما روى عن النبى 48 أنه قال: ((إذا خشى
أحدكم الصبح فليوتر)) وفى هذا اللفظ متعلقان لما ذكرنا، أحدهما: أنه قال: ((إذا خشى
أحدكم الصبح)» فنص على أنه مما ينبغى لصاحب الوتر، وذلك يدل على أنه تأخير وقته.
والثانى أنه قال: ((فليوتر إذا خشى الفجر)) وذلك يقتضى فعله قبل الفجر، وقد تقدم من
فعل أبى بكر رضى الله عنه أنه كان يوتر قبل أن ينام، وإنما ذلك مخافة أن يفوته فعله،
وإلا فلا شك أنه يستيقظ بعد الفجر لصلاة الصبح مع ما جرت عادته به من التغليس.
*
ما جاء فى ركعتى الفجر
٢٧٨ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النّبِىِّ.
أَخْبُرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ عَنِ الأَذَانِ لِصَلاةِ الصُّبْحِ صَلِّى
رَكْعَيْنِ خَفِيقَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلاةُ.
٢٧٨ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦١٨. والجمعة حديث رقم ١١٧٣، ١١٨١.
ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٢٣. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل
وتطوع النهار حديث رقم ١٧٥٩، ١٧٦٠، ١٧٦٤، ١٧٦٦، ١٧٦٧، ١٧٦٨، ١٧٦٩،
١٧٧٠، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٧٣، ١٧٧٤، ١٧٧٥، ١٧٧٦، ٠١٧٧٨،١٧٧٧ وأحمد فى
المسند حديث رقم ٢٥٨٨٤، ٢٥٨٩٠. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤٤٣، ١٤٤٤.

.... ١٨٥
.........
كتاب الصلاة .
الشرح: قوله: ((كان إذا سكت المؤذن عن الأذان لصلاة الصبح)، يريد بذلك
الأذان الذى يكون بعد الفجر، فذلك الأذان الذى يكون فى آخر الليل، فإنما هو
للاستعداد للصلاة، وليرجع القائم ويستيقظ النائم، وإنما كان يؤخر إلى فراغ الأذان لأنه
! لعله كان يقول مثل ما يقول المؤذن، ويدعو عند آخره، فإذا أكمل ذلك عند
سكوت المؤذن قام فصلى ركعتين خفيفتين، يعنى أنه كان يقصر فيها القراءة والركوع
والسجود.
فصل: وقوله: ((قبل أن تقام الصلاة))، يعنى قبل أن تقام الصلاة المفروضة صلاة
الصبح، وذلك أن وقت ركعتى الفجر من لدن طلوع الفجر إلى صلاة الصبح، وهى
صلاة يختص بها ذلك الوقت دون سائر النوافل على وجه الاختيار. وقد روى عن
حفصة أنها قالت: كان رسول الله ﴿﴿ إذا طلع الفجر لا يصلى إلا ركعتين.
فرع: وقد اختلف أصحابنا فى ركعتى الفجر، فقال أصبغ وابن عبد الحكم: هما من
الرغائب وليستا من السنن، وروى ذلك عن مالك. وقال أشهب: هما من السنن،
فمعنی السنة، ما رسم لیحتذى، وقد یکون ذلك واجبًا، وقد يكون ندبًا، ومعنى
الرغائب ما رغب فيه. وقد يرغب فى فعل الواجب لكن الفقهاء من أصحابنا قد أوقعوا
هذه الألفاظ على ما تأكد من المندوب إليه، وكانت له مزية على النوافل المطلقة.
. واختلفوا فى المعنى الذى تستحق به النوافل الوصف بالسنن فعند أشهب أن السنن
منها كل ما تقرر، ولم يكن للمكلف الزيادة فيه بحكم التسمية المختصة به كالوتر،
ولذلك قال فى المجموعة: ركعتا الفجر من السنن. وعند مالك أن السنن من النافلة ما
تكرر فعل النبى ﴿﴿ فى الجماعة كصلاة العيدين والاستسقاء، ومن لم يكن له هذا
الحكم، فمقصر عن رتبة السنن، وإنما يوصف بأنه من الرغائب.
قال مالك فى المختصر: ليست ركعتا الفجر بسنة ولا ينبغى تركها. وقال أصبغ وابن
عبد الحكم فى الموازية: ليست بسنة، وهى من الرغائب، وهذه كلها عبارات اصطلاح
بين أهل الصناعة، ولا خلاف فى تأكد ركعتى الفجر، وكذلك روى عن عائشة رضى
على شىء من النوافل أشد تعاهدًا منه على
الله عنها أنها قالت: لم یکن رسول الله
ركعتى الفجر.
مسألة: ومن شروطها التعيين بالنية. ووجه ذلك أن كل ما كان من الصلوات له
وقت معين، فإنه يجب أن يعين بالنية کر کعتی العید.

١٨٦
كتاب الصلاة
٢٧٩ - مَالِكَ عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ :﴿ قَالَتْ: إِنْ كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَيُخَفِّفُ رَكْعَتَىِ الْفَحْرِ حَتَّى إِنِّى لِأَقُولُ أَقَرَّأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لا.
الشرح: ومن سنة ركعتى الفجر التخفيف، واستحب مالك أن يقرأ فيهما بأم القرآن
خاصة لقوله فى هذا الحديث: ((حتى أنى لأقول أقرأ بأم القرآن أم لا)) والظاهر لتغرير
عائشة لقراءته مع علمها بحاله فى ذلك وتوسله أنه كان لا يقرأ بغيرها. ومن جهة المعنى
أنها مع صلاة الفجر من جهة الصورة كالصلاة الرباعية.
ومن سنة الصلاة الرباعية أن تكون ركعتان منها بأم القرآن فقط، وفرض الصبح قد
بين فيه أن تكون سورة مع أم القرآن، فوجب أن تكون سنة ركعتى الفجر الإفراد بأم
القرآن.
وقد روى ابن القاسم عن مالك: يقرأ فيها بأم القرآن، وسورة من قصار المفصل.
وروى ابن وهب أن النبى ﴿﴿ قرأ فيها بـ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ومؤقل هو الله
أحد﴾ وذكر الحديث لمالك فأعجبه.
مسألة: ومن سنة القراءة فيها الإسرار، قاله على بن زياد عن مالك، يبين ذلك
حديث عائشة رضى الله عنها ((حتى أنى لأقول أقرأ فيها بأم القرآن أم لا)) ولو جهر
بالقراءة لم تحتج إلى تغرير قراءته، ولعلمت ماذا قرأ به فيهما، وأيضا فقد تقدم من قولنا
أنه مع ركعتى الفرض فى صورة الصلاة الرباعية، ومن حكم الصلاة الرباعية الإسرار
منها فى ركعتين، وقد أجمعنا على أن الجهر من سنة الفرض، فوجب أن تكون سنة
ركعتى الفجر الإسرار.
٢٨٠ - مَالِك، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِى نَمِرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَ قَوْمٌ الإِقَامَةَ، فَقَامُوا يُصَلُّونَ فَحَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ
٢٧٩ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١٦٥. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها
حديث رقم ٧٢٤، ٧٣٦، ٧٣٧، ٧٨٨. والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح حديث رقم
٩٤٦. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٢٥٥، ١٢٦٢. وأحمد فى المسند حديث رقم
٢٣٥٩٦، ٢٤٣٣٩، ٢٤٧٧٤، ٢٥٤٥٢. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤٤٧.
٢٨٠ - أخرجه عبدالرزاق فى المصنف برقم ٣٩٩٥، ٤٣٧/٣، عن محمد بن جعفر، عن أبيه. وابن
خزيمة برقم ١١٢٦، ١٧٠/٢، عن أنس. والبخارى فى التاريخ ١٨٦/١، عن أنس، والطبرانى
فى الكبير ٢١٢/١١، عن ابن عباس. وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧٦/٢، عن أنس.

........ .١٨
كتاب الصلاة .
فَقَالَ: ((أَصَلاَانِ مَعًا؟ أَصَلاَتَانِ مَعًا؟) وَذَلِكَ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ فِى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّيْنِ
قَبْلَ الصُبْحِ.
الشرح: قوله: ((سمع قوم الإقامة، فقاموا يصلون))، ظاهر هذا اللفظ أنهم كانوا
جلوسًا عالمين بطلوع الفجر، فلما سمعوا الإقامة قاموا فى ذلك الوقت يصلون، ويحتمل
أن يكونوا دخلوا عند الإقامة، فقاموا يصلون، والأول أظهر.
وظاهر اجتماعهم وخروج النبى ما يدل على أن ذلك كان فى المسجد، وذلك
يختلف باختلاف الصلاة التى قاموا إليها، واختلاف موضعها، فمن قام بعد ركعتى
الفجر من النوافل، فلا يختلف فى ذلك مسجد ولا غيره، ومن قام لركعتى الفجر، فلا
يخلو أن يكون فى المسجد أو غيره، فإن كان فى المسجد، وأقيمت الصلاة فليصل مع
الإمام، وليترك ركعتى الفجر، لقوله عليه السلام: ((أصلانان معًا)) إنكارًا على من قام
يصلى عند إقامة الصلاة. وقد روى عن النبى ﴿ أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا
صلاة إلا المكتوبة)).
مسألة: وإن كان خارج المسجد وسمع الإقامة للصبح، ولم يكن صلى ركعتى
الفجر، فإن علم أنه تفوته ركعة من الصبح لاشتغاله بركعتى الفجر، فليترك ركعتى
الفجر، وليدخل مع الإمام فى الفرض، رواه ابن القاسم عن مالك.
وروى عنه أيضًا: ما لم يخف فوات الصلاة، لأنه إذا لم يكن له من فوات إحداهما
بدّ ففوات النفل أيسر، فإن رجا أن يصلى ركعتى الفجر ويدرك ركعتى الفرض،
فليصلهما ثم ليدخل مع الإمام، ففى ذلك إدراك الأمرين، وبه قال أبو حنيفة والشافعى.
والفرق بين هذا وبين من كان داخل المسجد، أن هذا لم يلزمه حكم الإمام، ومن
كان داخل المسجد قد لزمه حكم الإمام. وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه فى سعة
من ترك ركعتى الفجر والدخول مع الإمام فى الفرض، وإن لم يخف فوات الفرض.
فرع: ويجوز إذا جوزنا له صلاة ركعتى الفجر أن يكون الموضع الذى يسمع منه
الإقامة موضعًا يجوز له فيه الإتيان بهما، وهو خارج المسجد وخارج أفنيته المتصلة به،
ومن الجامع خارج رحابه.
مسألة: ومن ركعها فى بيته ثم أتى المسجد، فهل يركع أم لا؛ قال مالك مرة:
یر کعها، رواه عنه ابن القاسم وابن وهب. وروى عنه ابن نافع: لا یعیدھا.

١٨٨
كتاب الصلاة
وجه القول الأول، أن دخول المسجد قد شرع له الركوع، والوقت يمنع من ذلك إلا
من ركعتى الفجر، فلزمه إعادتهما لذلك. ووجه القول الثانى أنه قد أتى بهما فلم
يشرع له إعادتهما كسائر الصلوات.
فصل: وقوله فى الحديث: ((أصلانان معًا)) توبيخ وإنكار للإتيان بصلاة غير الصلاة
التى اجتمع على الائتمام بالإمام فيها فى موضع الائتمام به.
وقوله: ((وذلك فى صلاة الصبح فى الركعتين اللتين قبل الصلاة))، يريد أن الصلاة
المجتمع لها، والتى خرج النبى ﴿ إليها هى صلاة الصبح وأن إنكاره عليه السلام على
كل من قام ليصلى الركعتين قبلها.
٢٨١ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَاتَنْهُ رَكْعَنَا الْفَحْرِ، فَقَضَاهُمَا بَعْدَ
أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
٢٨٢ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنْهُ صَنَعَ
مِثْلَ الَّذِى صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ.
الشرح: قوله: ((فاتته ركعتا الفجر فقضاهما))، يحتمل أن يذكرهما بعد صلاة الصبح
وقبل طلوع الشمس. والدليل على ما نقوله أن رسول الله ﴿ نهى عن الصلاة بعد
العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس.
مسألة: فإن ذكرها بعد طلوع الشمس، فلا يخلو أن يكون نسى الصبح وركعتى
الفجر جمیعًا، أو یکون صلی الفرض ونسی ر کعتی الفجر، فإن کان تر کهما جميعًا،
فقال: قال مالك: يصلى الصبح دون ركعتى الفجر، وما بلغنى أن رسول الله ﴿﴿ قضى
ركعتى الفجر حين نام عن الصلاة. وقال أشهب: بلغنى ذلك، ويصلى ركعتى الفجر ثم
يصلى الصبح.
وجه القول الأول قوله عليه السلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا
ذكرها» بأن ذکر وقتها، وإن كان وقت ذكره للفرض وقت فرضه، وضاق عنه، لم يجز
له الإتيان بركعتى الفجر فيه كما لا يجوز له الإتيان بركعتى الفجر إذا خاف فوات
الصبح فى وقته. ويحمل الحديث على أنه من نام عن ركعتى الفجر خاصة أو نام عن
٢٨١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٥٨.
٢٨٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٥٩.

١٨٩
كتاب الصلاة
صلاة الصبح، فسماها ركعتى الفجر. ووجه قول أشهب الحديث المذكور، وحمله على
ظاهره.
ومن جهة المعنى أنه لم يحل بين ركعتى الفجر وبين فعلهما صلاة فرض لم ينسب
إليه، فجاز الإتيان بهما، وهذا يقتضى أن له أن يصليها ما لم يصل الظهر.
فصل: ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمر نسى ركعتى الفجر خاصة، فذكرهما بعد
أن طلعت الشمس فصلاهما، فذلك جائز. قال مالك: يقضيهما إن شاء بعد طلوع
الشمس.
والدليل على ذلك ما روى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله : ((من لم يصل
ركعتى الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس).
فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ
٢٨٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴾ قَالَ: (صَلاةُ
الْحَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ الْفَذْ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
الشرح: معنى ذلك أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ، ولا معنى لفضيلتها
عليها إلا أن يكون الجزاء عليها يضاعف على أجر صلاة الفذ بالعدد الذى ذكره،
ويحتمل أن يريد بالجماعة جماعات المساجد، وأخرج اللفظ على الغالب من حال
الجماعات، ویرید بالفذ الذی یصلی فی بیته وفی سوقه وحده.
وهذا الذى ذكره يدل على أن الجماعة ليست بشرط فى صحة الصلاة ولا يفرض،
واختلف العلماء فى ذلك فذهب بعض أصحابنا وأصحاب الشافعى إلى أن الجماعة
فرض على الكفاية. وذهب بعضهم إلى أنها سنة مؤكدة. وقال داود: إن صلاة الجماعة
فرض ولا تجوز صلاة الفذ مع القدرة عليها.
والدليل على صحة ذلك الخبر الذى ذكرناه، ووجه الدليل منه معنيان، أحدهما: أنه
٢٨٣ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦٤٥. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث
رقم ٦٥٠. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ١٩٩. والنسائى فى الصغرى فى الإمامة حديث
رقم ٨٣٧. وابن ماجه فى المساجد والجماعات حديث رقم ٧٨٩. وأحمد فى المسند حديث
رقم ٤٦٥٦، ٥٣١٠، ٥٧٤٥، ٥٨٨٥، ٦٤١٩.