النص المفهرس
صفحات 561-580
٩٠ ....... كتاب الصلاة إتمام المصلى ما ذكر إذا شك فى صلاته ٢٠٨ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلَاِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَّلَّى أَثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيُصَّلَّى رَكْعَةٌ وَلَيَسْجُدْ سَحْدَتَيْنٍ، وَهُوَ حَالِسٌ قَبْلَ الْتَسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِى صَلَّى خَامِسَةً، شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّحْدَثَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةٌ، فَالسَّحْدَتَانِ تَرْغِيمُ(١) " لِلشَّيْطَانِ). الشرح: قوله: ((إذا شك أحدكم فى الصلاة فلم يدر كم صلى)) يدل على أن السهو والشك يقع منا فى الصلاة مع أدائها، وأن ذلك لا يمنع صحتها لتعذر الاحتراز منه. وقوله: ((فليركع ركعة وليسجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم)) ظاهره خلاف ما رويناه من حديث أبى هريرة وعمران بن حصين أن السجود فى السهو بالزيادة بعد السلام، وكذلك فى حديث عبدالله بن مسعود. ولنا فى ذلك طريقان، أحدهما: الترجيح، والثانى: الجمع بين الحديثين، فأما الترجيح، فلنا أخبار كلها صحاح ولا اضطراب فى أسانيدها، وخبرهم مضطرب الإسناد، لأن مالكًا وأكثر الحفاظ على إرساله. وقد اضطرب فى إسناده، فرواه ابن بلال وغيره عن عطاء عن أبى سعيد، ورواه الدراوردى وغيره عن عطاء عن ابن عباس، فكان ما تعلقنا به أولى لسلامة روايته من الاضطراب. والوجه الثانى: أن خبر عطاء رواه واحد، والأخبار التى تعلقنا بها رواها جماعة من أئمة الصحابة، والتعلق بخبرهم أولى؛ لأن السهو عن الجماعة أبعد. والوجه الثالث: أن رواة ما تعلقنا به أثبت لأن علقمة ومحمد بن سيرين أثبت من عطاء، فكان التعلق بروایتھما أولی. وأما الجمع بين الحديثين، فإنا نجمع بينهما على أن المراد بالسلام فى حديث أبى ٢٠٨ - أخرجه مسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٥٧١. والنسائى فى السهو حديث رقم ١٢٣٨، ١٢٣٩. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٠٢٤، ١٠٢٦. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢١٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ١١٢٩٢، ١١٣٧٣، ٢٧٧٣٥. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤٩٥. (١) الترغيم: الإذلال والإغاظة. ........... ٩١ كتاب الصلاة .. هريرة وابن مسعود وعمران بن حصين: السلام من الصلاة، والسلام المذكور فى حدیث عطاء سلام التشهد. وقد أطلق النبى ﴿﴿ اسم السلام، وهو فى قوله عليه السلام: ((والسلام كما قد علمتم)) يحتمل أن يريد به مجرد الصلاة لأنه نص ما يفعله من الركوع والسجود والجلوس والسلام، فكان حمل الحديثين على ذلك أولى من إطراح أحدهما. فصل: وقوله: ((فإن كانت الركعة التى صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين))، على ما قدمنا من التأويل يحتمل أن يكون، الراوى، قد ترك ذكر سجدتي السهو ثم أشار إليهما بقوله: ((شفعهما بهاتين السجدتين))، ويقوم ذلك مقام ذكرهما، والله أعلم، فعلى هذا يحتمل أن يريد أن الصلاة مبنية على الشفع، فإن دخل عليها ما يوترها من زيادة، وجب إصلاح ذلك بما يشفعها. ويجب أن يكون ذلك على وجه يأمن أن يكون ما زاد به الشفع يوتر الصلاة، ولا يكون ذلك الإ بأن تكون السجدتان خارج الصلاة لأن ما يقع به الشفع يقع به الوتر، فلو كانت السجدتان داخل الصلاة لم يأمن أن يكون على شفع، فينقلها ذلك إلى الوتر، فوجب لذلك أن تكون السجدتان خارج الصلاة. فإن قيل فإن كانت خارج الصلاة لم يقع بها شفع كما أنه لا يقع بها وتر، وإن كانت الصلاة شفعًا. فالجواب أن هذا غير صحيح لأن ما يفعل خارج الصلاة يجبر الصلاة، ولا يؤثر فى نقصها وإفسادها، ألا ترى أن من سلم متيقنًا لتمام صلاته، ثم تيقن أنه سلم من اثنتين، فرجع إلى صلانه فصلاها على ما بدا له، فإنه يجبر بذلك نقص صلاته ويتمها، فإن ذكر بعد إتمامها أو قبل ذلك أنه قد کان أتم صلاته أولا، لم يؤثر هذا فى نص صلاته، ولا فى إفسادها، ولا وجب عليه سجود سهو لشىء من زيادته تلك. فصل: وقوله: ((إن كانت رابعة، فالسجدتان ترغيم الشيطان)) دليل أيضًا على أن السهو بعد السلام، وأن السلام المذكور فى الحديث، هو سلام التشهد؛ لأن ترغيم الشيطان، إنما يصح بعد تمام العبادة، وبعد أن يؤمن إفساده إياها بالسهو وغيره، وقد تعلق محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة بظاهر هذا الحديث، فقال: إن السجود للسهو المتيقن أنه نقص، وللسهو المشكوك فيه قبل السلام، وإنما يسجد بعد السلام من تيقن الزيادة. ٩٢ ... كتاب الصلاة ٢٠٩ - مَالِك، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِى صَلاتِهِ فَلْيَتَوَخِ الَّذِى يَظُنُّ أَنْهُ نَسِىَ مِنْ صَلَاِ فَلْيُصَلِّهِ ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَحْدَتَىِ السَّهْوِ، وَهُوَ حَالِسٌ. الشرح: قوله رضى الله عنه: ((فليتوخ الذى يظن أنه نسى من صلاته فليصله))، علق الإعادة بالظن، ولم يذكر التجويز، وإن كان حكمه فى ذلك حكم غلبة الظن، وإنما يعتد من صلاته بما تيقن أداءه له، هذا مذهب مالك وأصحابه. وقال أبو حنيفة: يرجع إلى غالب ظنه، فإن غلب على ظنه، أنه صلى أربعًا لم يصل خامسة، وإن غلب على ظنه أنها ثالثة صلى رابعة. والدليل على ما نقوله حديث عطاء المتقدم ذكره، وهو نص فيما ذهب إليه مالك، رحمه الله، وقد أسنده سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم. ودليلنا من جهة المعنى أن الصلاة متيقن تعلقها بالذمة، فلا تبرأ الذمة منها إلا بيقين. مسألة: ويلزم الشاك فى الصلاة أن يتذكر ما لم يطل ذلك، فإن تذكر وإلا بنى على اليقين، وألغى الشك، وهل يلزمه سجود سهو لتذكره أم لا؟. أفعال الصلاة على ضربين، ضرب فى تطويله قربة كالقيام والركوع والسجود والجلوس، فهذا ليس فى تطويله لذلك سجود سهو، قاله ابن القاسم وأشهب. قال سحنون فی الجلوس: إلا أن يخرج عن حده، فیسجد لسهوه. وأما ما لا قربة فى تطويله كالجلوس بين السجدتين أو المستوفز للقيام على يديه وركبتيه، فقد قال مالك: من أطال التذكر على ذلك، فليس عليه سجود سهو لأن الشك بانفراده لا يوجب سجود سهو، وتطويل ذلك الفعل على وجه العمد، فلا تعلق له بسجود السهو. وقال أشهب: يسجد لسهوه لأنه إنما طولها بالشك ولا قربة فى تطویلها، فلزم بذلك سجود السهو. ٢٠٩ - أخرجه مسلم بكتاب الصلاة برقم ٨٩، ٤٠٠/١ عن ابن مسعود. والنسائى ٢٨/٣ عن ابن مسعود كتاب الصلاة، باب التحرى. وابن ماجه برقم ١٠٢٤، ١١٠/٢ عن أبى سعيد. وأحمد ٧٢/٣ عن عطاء، عن أبى سعيد. وابن حبان فى صحيحه عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد ١٥٣/٤. وابن ماجه برقم ١٢١٠ عن عطاء عن عطاء عن أبى سعيد ٣٨١/١ كتاب الصلاة باب من شك فى صلاته فرجع إلى اليقين. والدار قطنى ٣٧١/١ عن أبى سعيد. ......... كتاب الصلاة فصل: وقوله: ((فسجد سجدتی السهو، وهو جالس))، يعنى قبل قيامه وزواله عن مصلاه، ويحتمل أن يريد بذلك أن الدخول فيها لا يكون إلا من جلوس، وكذلك الانفصال عنها، ولا ينحط لها من قيام كما يفعل فى سجود التلاوة لمن قرأها، وهو قائم فى الصلاة أو غيرها. ٢١٠ - مَالِك، عَنْ عَفِيفِ بْنِ عَمْرِ السَّهْمِىِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَكُّعْبَ الأحْبَارِ عَنِ الَّذِى يَشُكُّ فِى صَلَاِهِ فَلا يَدْرِى كَمْ صَلَّى أَثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَكِلاهُمَا قَالَ: لِيُصَلَّ رَكْعَةٌ أُخْرَى ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَحْدَيْنِ وَهُوَ حَالِسٌ. الشرح: جواب عبدالله بن عمرو وكعب الأحبار فى هذا الحديث على ما قدمناه من مذهب مالك، وهو إن شاء الله تقرير قول عبدالله بن عمرو، وهذا يدل على اتصال عمل الصحابة به. ٢١١ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنِ النِّسْيَانِ فِى الصَّلاةِ قَالَ: لِيَتَوَخْ أَحَدُكُمِ الَّذِى يَظُنُّ أَنْهُ نَسِىَ مِنْ صَلَاِهِ فَلْيُصَلِهِ. الشرح: وهذه الرواية مثل رواية سالم، إلا أنه لم يذكر سجود السهو، وهو أعلم، معنی ما تقدم من حديث عبدالله بن عمرو وكعب. * * * من قام بعد الإتمام وفى الركعتين الشرح: معنى قوله: ((بعد الإتمام)) يريد إتمام ركوع صلاته وسجودها، وهو أن يقوم من الرابعة إلى الخامسة ساهيًا. وقوله: ((أوفى الركعتين)) يعنى أن يقوم منهما، ولا يجلس الجلسة الأولى. ٢١٢ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ أَنْهُ قَالَ: ٢١٠ - أخرجه أبو داود عن عطاء بن يستر مرسلاً برقم ١٠٢٦، ٢٦٧/١ كتاب الصلاة. ٢١١ - انفرد به مالك. ٢١٢ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٨٢٩، ٨٣٠. والجمعة حديث رقم ١٢٢٤، ١٢٢٥، ٠١٢٣٠ والأيمان والنذور حديث رقم ٦٦٧٠. ومسلم فى المساجد ومواضع= كتاب الصلاة ٩٤ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللّهِ ﴿ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَنَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَّرَ ثُمَّ سَحَدَ سَحْدَتَيْنٍ، وَهُوَ حَالِسٌ قَبْلَ الْتّسْلِيمِ ثُمَّ سَلَّمَ. الشرح: وقوله: ((ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه)) يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكونوا قد علموا حكم هذه الحادثة، وأنه إذا استوى قائمًا لا يرجع إلى الجلسة الأولى، لأنها ليست من الفرائض ولا محلا للفرض، أو يكونوا لم يعلموا فسبحوا، فأشار إليهم أن قوموا. وقد روى فى حديث المغيرة بن شعبة أنه قام من ركعتين فسبحوا به، فأشار إليهم أن قوموا، ثم قال: هكذا صنع رسول الله مسألة: وفى ذلك ثلاث مسائل، إحداها: أن يسبحوا به، وقد شرع فى القيام، ولم ينفصل عن الأرض. والثانية أن ينفصل عن الأرض، ولم يستوعب قيامه. والثالثة بعد أن يستوعب القيام. فأما إذا سبحوا به قبل أن يفارق الأرض، فإنه يرجع ولا سجود عليه، وأما إذا سبحوا به بعد أن فارق الأرض، ولم يستوعب القيام، فإنه يرجع وعليه سجود السهو للزيادة بعد السلام. رواه ابن حبيب عن مالك. وقال ابن القاسم عن مالك: لا يرجع بعد أن يفارق الأرض. وجه الرواية الأولى أنه يرجع ما لم يتشبث بركن من أركان الصلاة، وهو الوقوف وما قبل ذلك فليس بركن فلا يمنع من الرجوع إلى فعل من الجلوس. ووجه رواية ابن القاسم أن المحل قد فات بالانتقال عن هيئته. مسألة: فأما إذا سبحوا به بعد أن يستوى قائمًا، فلا يرجع إلى الجلوس، لأنه قد فات محل الجلسة، وتليس بركن من أركان الصلاة، وهو الوقوف. فإن رجع، فهل تفسد صلاته أم لا؟ قال ابن القاسم وأشهب وعلى بن زياد: لا =الصلاة حديث رقم ٥٧٠. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٥٦، ٣٩١. والنسائى فى الصغرى فى التطبيق حديث رقم ١١٧٧، ١١٧٨. والسهو حديث رقم ١١٩٠، ١٢٢٢، ١٢٢٣، ١٢٣٩، ١٢٤٠، ١٢٦١، ٠١٢١٧ وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٠٦، ١٢٠٧، ٠١٢١٧،١٢١٦ وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٤١١، ٢٢٤٢١. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٤٩٩، ١٥٠٠، ١٥٤٣، ١٥٤٤. ......... ٩٥. كتاب الصلاة تفسد علیه صلاته. وقال ابن سحنون: تفسد صلاته. وجه قول ابن القاسم أنه لم يحل بينه وبين محل الجلوس ركن من أركان الصلاة، فلم تفسد بالجلوس كما لو رجع إلى الجلوس قبل استوائه. ووجه قول محمد أنه ممنوع من الجلوس، فوجب أن تبطل صلاته كما لو رجع بعد الركوع. فرع: فإذا قلنا إن صلاته لا تفسد بالرجوع، فهل يسجد قبل السلام أو بعده؟ قال ابن القاسم: يسجد بعد السلام. وقال على بن زياده وأشهب: يسجد قبل السلام. فصل: وقوله: ((فلما قضى صلاته ولم يبق إلا أن يسلم))، يحتمل أن يريد به قضى الصلاة التى هى الدعاء، وصار من وراءه ينتظرون تسليمه ((كبر ثم سجد))، ويحتمل أن يريد بالصلاة الأفعال والأقوال التى ينطلق عليها هذا الاسم فى عرف الشرع، ويكون معنى قضى صلاته، قارب قضاءها، وأتى بجميعها غير التسليم. فصل: وقوله: ((كبر)) يقتضى أن سجود السهو قبل السلام يكبر له. ووجه ذلك أنه انتقال من حال إلى حال فى نفس الصلاة وذلك مما شرع فيه التكبير. فصل: وقوله: ((ثم سجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم ثم سلم)) نص فى أنه سجد لسهوه قبل التسليم لما كان مقتضى سهوه النقص مما سن فى الصلاة، وهو الجلسة الأولى، وبهذا قال مالك. وقال أبو حنيفة: يسجد لمثل هذا بعد السلام. والدليل على ما نقوله هذا الحديث، وهو نص فى موضع الخلاف. ودليلنا من جهة المعنى أن هذا جبران للنقص الواقع فى العبادة، فوجب أن يكون فيها كهدى المتعة والقران فى الحج. مسألة: وإن كانت سجدة السهو قبل السلام، فهل يعاد له التشهد أم لا؟ فى ذلك عن مالك روايتان. وجه قوله: ((يعاد)) أن هاتين سجدتان فى الصلاة، فكان من سنتها أن لا يسلم منهما إلا بعد تشهد سجدتى الصلاة. ووجه الرواية الثانية أن سنة الصلاة لا يتكرر التشهد فى ركعة واحدة، وإذا أعدنا التشهد بعد سجدتي السهو، فقد كررناه فى ركعة واحدة، وذلك مخالف لسنة الصلاة. مسألة: ولا إحرام لسجدتي السهو قبل السلام، حكى ذلك ابن المواز. ووجهه أن كل سجود فى نفس الصلاة، فإنه لا يختص بإحرام كسجود التلاوة. ٩٦ كتاب الصلاة مسألة: ومن انصرف من صلاته، فذكر سجدتى السهو قبل السلام بالقرب، قال ابن المواز: يسجدهما فى موضع ذكر ذلك إلا فى الجمعة، فلا يسجدهما إلا فى المسجد، وكذلك فى السلام وغيره، وإن أتم ذلك فى غير المسجد لم تجزه الجمعة. قال الشيخ أبو محمد: يريد سجود السهو قبل السلام. ووجه ذلك أنه سجود من نفس صلاة الجمعة قبل التحلل منها، فلا يكون إلا فى موضع الجمعة كسجود الصلاة. وقد قال الشيخ أبو إسحاق فى الراعف يوم الجمعة، يتم فى غير الجامع: لا إعادة عليه. ٢١٣ - مَالِك، عَنْ يَخْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنْهُ قَالَ: صَلّى لَنَا رَسُولُ اللّهِ ﴿ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِى أَثْنَيْنٍ، وَلَمْ يَجْلِسْ فِيهِمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ سَحَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ. الشرح: بين يحيى بن سعيد فى حديثه أن الصلاة الظهر. وقوله: ((فلما قضى صلاته سجد سجدتين))، يريد انقضت أفعال صلاته، ولم يبق له إلا التحلل منها، وقد بين ذلك ابن شهاب بقوله: وانتظرنا تسليمه. وقوله: ((سجد سجدتين))، يريد لسهوه، ((ثم سلم بعد ذلك)) ذكر السلام من الصلاة ولم يذكر التشهد من سجدتی السهو قبل السلام، وقد تقدم الكلام فى ذلك. قَالَ مَالِكَ فِيمَنْ سَّهَا فِى صَلاتِهِ فَقَامَ بَعْدَ إِمَامِهِ الأَرْبَعَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأُسَهُ مِنْ رُكُوعِهِ ذَكَرَ أَنْهُ قَدْ كَانَ أَتَمَّ: إِنَّهُ يَرْجِعُ فَيَجْلِسُ وَلا يَسْجُدُ، وَلَوْ سَجَدَ إِحْدَى السَّحْدَيْنِ لَمْ أَرَ أَنْ يَسْجُدَ الأَنْخْرَىِ، ثُمَّ إِذَا قَضَى صَلاَتَهُ فَلْيَسْجُدْ سَحْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التّسْلِيمِ. الشرح: هذا الذى ذكره مالك مما لا اختلاف فيه نعلمه، لأن فرض الصلاة أربع ركعات، فلما زاد ساهيًا، وهو فى نفس الزيادة وجب عليه الرجوع عنها متى ما ذكر قبل الركوع وبعده وبين السجدتين، وعلى أى حال ذكر ذلك كان عليه الترك لما هو فيه من العمل، والأخذ فيما بقى عليه من تشهده، ولذلك قال: ((قضى صلاته))، يريد أتم ما بقى عليه منها من جلوس وتشهد وسلام ((وسجد سجدتين)) يريد لسهوه بعد السلام. ٢١٣ - انظر: تخريج الحديث السابق. ٠٠ ........ كتاب الصلاة النظر فى الصلاة إلى ما يشغلك عنها ٢١٤ - مَالِكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِى عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ. قَالَتْ: أَهْدَى أَبُو جَهْمٍ بْنُ حُذَيْفَةَ لِرَسُولِ اللّهِ فَلَه خَمِيصَةٌ شَامِيَّةٌ لَّهَا عَلَمٌ، فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلاَةَ فَلَمَّا أَنْصَرَفَ قَالَ: ((رُدِّى هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِى حَهْمٍ، فَإِنِّى نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِى الصَّلاةِ فَكَادَ يَغْنُنِي)». الشرح: الخميصة كساء صوف رقيق يكون له فى الأغلب علم، وكانت من لباس أشراف العرب وشهوده ﴿ فيها الصلاة يدل على جواز الصلاة بها، وذلك المعنيين، أحدهما أن الصوف والشعر لا ينجس بالموت. والوجه الثانى أن ذبائح أهل الكتاب حلال لنا، وهم كانوا سكان الشام فى ذلك الوقت، فيحمل ما ورد من جهتهم على الذكاة لما علم أن ذلك كان عملهم. فصل: وقوله: ((فلما الصرف، قال: ردى هذه الخميصة إلى أبى جهم)) دليل على جواز رد الهدية إلى مهديها باختيار المهدى إليه. وقوله: ((فإنى نظرت إلى علمها فى الصلاة» يحتمل معنيين، أحدهما: أنه بين علة ردها ليقتدى به فى ترك لباسها من غير تحريم. والثانى: على وجه التأنيس لأبى جهم فى رد هديته إليه، وقد بين أن الفتنة لم تقع، وأن صلاته 18 كملت قوله: ((فكاد یفتننی». ٢١٥ - مَالِك عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ لَبِسَ خَمِيصَةٌ لَهَا عَلَمْ ثُمَّ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ وَأَخَذَ مِنْ أَبِى حَهْمٍ أَنْبِحَانِيَّةً، لَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ٢١٤ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٣٧٣. والأذان حديث رقم ٧٥٢. واللباس حديث رقم ٥٨١٧. مسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٥٥٦. والسلام حديث رقم ٢١٨٣، ٢١٨٤. والنسائى فى القبلة حديث رقم ٧٧١. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٩١٤. وابن ماجه فى اللباس حديث رقم ٣٥٥٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٥٦٧، ٢٣٦٧، ٢٣٦٧٠، ٢٤٩١٧، ٢٥١٠٧، ٢٥٢٠٦). ٢١٥ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٣٧٣. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٥٥٦. والنسائى فى القبلة حديث رقم ٧٧١. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٩١٤. وابن ماجه فى اللباس حديث رقم ٣٥٥٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٥٦٧، ٢٣٦٧، ٢٥١٠٧، ٢٥٢٠٦). كتاب الصلاة ٩٨ وَلِمَ؟ فَقَالَ: (إِنِّى نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِى الصَّلاةِ). الشرح: لباسه ﴾ الخميصة، دليل على إباحة لباسها، وإن كان لها علم والأنبحانية، والأنبجانى كساء صوف غليظ إن أردت الثوب والكساء ذكرت، وإن أردت الرقعة والخميصة أنئت، قال ثعلب: يقال أبنجانية بفتح الياء وكسرها فى كل ما كثف والتف، ويقال شاة أنبجانية، إذا كان صوفها كثيرًا ملتفًا. وقال ابن قتيبة: إنما هى منبجانى، ولا يقال البجانى إنما هو منسوب إلى منبج، وفتحت باؤه فى النسب لأنه خرج مخرج منظرانى ومخبرانى، والذى قاله ثعلب أظهر والنسب إلى منبج، منبجی. فصل: وقوله: ((أعطاها أبا جهم))، وأخذ من أبى جهم أنبجانية، يقتضى المعاوضة، وإن كان أصلها التبسط على من علم أنه يسعف رغبته، ولا يرد إرادته، فإن كان هذا الحديث الأول الذى يرويه علقمة فى أن أصل الخميصة من عند أبى جهم أهداها إلى النبى ﴿، فإنه يدل على أن للإنسان أن يشترى ما أهداه من المهدى له، وغيره بخلاف الصدقة التى يكره للمتصدق بها أن يشتريها لمنع النبى 48 عمر أن يشترى الفرس الذى کان حمل علیه فی سبیل الله. فصل: وقول أبى جهم: ((يا رسول الله ولم؟))، سؤال عن معنى كراهيته للخميصة مخافة أن يكون حدث فيها تحريم لبسها، فقال النبى : ((إنى نظرت إلى علمها فى الصلاة))، وهذا يدل على كراهية الاشتغال عن الصلاة بالنظر إلى غيرها، يقلبه فيها دون تكلف ولا قصد، ولا امتناع من كل ما يشغل فيها، والقصد إلى التفرغ لها، والإقبال عليها، وإن لم يحرم علينا أن نلبس من الثياب خيرها، ولا ما يمكن أن ينظر إليه فى الصلاة، فلذلك لم يمنع أبا جهم من لبسها، ويحتمل أن يفعل ذلك النبى ﴿ لأحد معنيين، أحدهما: أن يكون قد فرض عليه من ذلك ما لم يفرض على غيره، والثانى: أن يكون ﴿﴿ أراد أن يأتى بالصلاة على أكمل وجوهها ويزيل عن نفسه كل ما يكون سيبا لإدخال النقص فيها بالشغل عنها، وإن لم يكن ذلك واجبًا فهو مندوب إليه. ٢١٦ - مَالِك عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى يَكْرٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِىَّ كَانَ يُصِّلِّى فِى حَائِطِ فَطَارَ دُبْسِى فَطَفِقَ يَتْرَدَّدُ يَلْتَمِسُ مَخْرَجًا، فَأَعْحَّبُهُ ذَلِكَ، فَحَعَلَ يُّشْبِعُهُ ٢١٦ - أخرجه أحمد ٢٨٣/٣ عن أنس. والبخارى كتاب الصلاة باب إذا صلى فى ثوب مصلب عن أنس. وفى كنز العمال برقم ٤١٥٧١ وعزاه لأحمد والبخارى عن أنس جـ٤٠٤/١٥. ٩٩ كتاب الصلاة بَصَرَهُ سَاعَةٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى صَلاِهِ، فَإِذَا هُوَ لا يَدْرِى كَمْ صَلَّى، فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابْنِى فِى مَالِى هَذَا فِتْنَةٌ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَذَكَرَ لَهُ الَّذِى أَصَابَهُ فِى حَائِطِهِ مِنَ الْفِتَْةِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ صَدَقَةٌ لِلّهِ فَضَعْهُ حَيْثُ شِئْتَ. الشرح: قوله: ((فطفق يتردد يلتمس مخرجًا))، يعنى أن اتساق النخل، واتصال جرائدها لتنسقها، كانت تمنع الدبسى من الخروج، فجعل يتردد يطلب المخرج، فرأى ذلك أبو طلحة، فاتبعه بصره اتباع المسرور بصلاح ماله وحسن اقباله وتنعمه، فشغله ذلك عما هو فیه من صلاته. فصل: وقوله: ((ثم رجع إلى صلاته))، معناه رجع إلى الإقبال عليها، وتفريغ نفسه لإتمامها، فإذا هو لا يدرى كم صلى لأنه نسى ذلك بنظره إلى الدبسى، فقال: ((لقد أصابتنى فى مالى هذا فتنة)) أصل الفتنة فى كلام العرب الاختيار، قال الله تعالى: ﴿وفتناك فتونا﴾ معناه، والله أعلم، اختبرناك اختبارًا إلا أن لفظ الفتنة إذا أطلق فإنما يستعمل غالبًا فيمن أخرجه الاختبار عن الحق، يقال فلان مفتون، بمعنى أنه اختبر، فوجد على غير الحق، فمعنى قوله: ((أصابتنى فتنة))، أى اختبرت بهذا المال، فشغلنى عن الصلاة وتكون الفتنة بمعنى الميل عن الحق، قال الله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك﴾ [الإسراء: ٧٣] معناه يميلون، فيكون معنى أصابتنى فتنة، أى أصابتنى من بهجة هذا المال ما أمالنى عن الإقبال إلى صلاتى، وتكون الفتنة أيضًا الإحراق، يقال فتنت الرغيف إذا أحرقته، قال الله تعالى: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ [الذاريات: ١٣] أى يحرقون. واللغة المشهورة فتنت الرجل، وأهل نجد يقولون: أفتنت الرجل، لما أصابت أبا طلحة الفتنة فى ماله جاء النبى 8 فذكر له الذى أصابه فى حائطه من الفتنة، وقال: ((يا رسول الله))، يريد بذلك إخراج ما فتن به من ماله، وتكفير اشتغاله عن صلاته، وهذا يدل على أن مثل هذا كان يقل منهم ويعظم فى نفوسهم، فكيف بمن يكثر ذلك منه تغمد الله زللنا بفضله، وفى الجملة أن الإقبال على الصلاة، وترك الالتفات فيها مأموريه من أحكامها. قال مالك فى العتبية فى قوله الله تعالى: ﴿والذين هم فى صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ٢] قال: الإقبال عليها والخشوع فيها، وقد كره كل ما يكون سببًا إلى الالتفات فيها. قال مالك: ولذلك كره الناس تزويق المسجد بالذهب والفضة والفسيفسا، وتأولوا أنه يشغل الناس فى صلاتهم. ...... ١٠٠ كتاب الصلاة فصل: وقوله: ((هو صدقة لله، ضعه حيث شئت)، يقتضى الصدقة، برقبة المال، وإنما صرف ذلك إلى اختيار رسول الله ﴿﴿ لعلمه بأفضل ما تصرف إليه الصدقات وحاجته إلی صرفها فى وجوهها. ٢١٧ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يُصَلِّى فِى حَائِطٍ لَهُ بِالْقُفِّ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ فِى زَمَانِ الثّمَرِ، وَالنّخْلُ قَدْ ذُلْلَتْ، فَهِىَ مُطَوِّقَةٌ بِثَمَرِهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ ثَمَرِهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى صَلاِهِ، فَإِذَا هُوَ لا يَدْرِىَ كُمْ صَلَّى، فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابْنِى فِى مَالِى هَذَا فِتْنَةٌ، فَحَاءَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَانَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: هُوَ صَلَقَةٌ فَاجْعَلْهُ فِى سُبُلِ الْخَيْرِ، فَبَاعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَانَ بِحَمْسِينَ أَلْفًا، فَسُمِّىَ ذَلِكَ الْمَالُ الْخَمْسِينَ. الشرح: قوله: ((بالقف))، القف ما صلب من الأرض، واجتمع وأصل القفوف الاجتماع، ومنه قفا شعرك، أى اجتمع وتقبض. وقوله: ((قد ذللت))، قال محمد بن عيسى: معنى ذللت مالت الثمرة بعراجينها فبرزت، وصارت كالطوق للنخلة. وقال ابن مزين معنى ذلك أن النخل تجمع عراجينها بحبل أو شىء، فتبرز الثمرة، فتبين للخرص وغير ذلك. وقيل معناه أن الثمرة تفتل عراجينها لتثمر. وروى عيسى أنهم كانوا يفعلون ذلك ليتمكن الخرص. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى فى ذلك أن الثمرة إذا عظمت وبلغت حد النضج ثقلت فمالت بعراجينها، فهو معنى تذليلها، وهو فيما يقع فى نفسى معنى قوله تعالى: ﴿وذللت قطوفها تذليلا﴾ [الإنسان: ١٤]. فصل: وقوله: ((هو صدقة))، هذه اللفظة بانفرادها تقتضى البر، وإن لم يقل صدقة لله، ولذلك من تصدق على ابنه لم يكن له اعتصار صدقته بخلاف الهبة، فإن له اعتصارها حتى يقول: هبة لله، وتفارق الصدقة الهبة فى موضع آخر، وهو أنه إذا قال: صدقة، ولم يبين المتصدق عليه كملت الصدقة، ولم تفتقر إلى ذكر المتصدق عليه، والهبة تفتقر إلى ذكر الموهوب له. وقال عبدالملك: إن فى هذا الحديث دليلاً على أن من تصدق بشىء معين من ماله، وإن كان أكثر من الثلث، فإنه يلزمه، وليس ذلك ببين لأنه ليس فى الحديث ما يدل أن ما أخرجه كان أكثر من ثلث ماله، ولو عرفوا ذلك فليس ٢١٧ - انفرد به مالك. ١٠١ كتاب الصلاة . فى الحديث ما يدل على أنه ألزم ذلك، وحكم عليه به مع امتناعه منه. * * العمل فى السهو ٢١٨ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّى حَاءَةُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لا يَدْرِىَ كَمْ صِّلْى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَحْدَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسْ)). الشرح: لم يذكر فى الحديث ما يعمل عند شكه فى صلاته من البناء على يقينه أو غير ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك موافقًا لحديث أبى سعيد، فيكون الأخذ بالزائد المفسر أولى، وقد ذهب بعض المفسرين لهذا الحديث إلى أن هذا فى المستنكح وقال: إنه لو كان حكمه حكم حديث أبى سعيد، فمن يصح منه اليقين لوجب أن يذكره لأن هذا موضع تعليم، فلا يجوز أن يخل فيه ببعض المقصود، وهذا ليس ببين لأن هذا يلزمه فيما يرعاه من الاستنكاح لأن لمن خالفه أن يقول هذا موضع تعليم، فلو أراد به المستنكح لوجب أن يبينه، وأيضًا فإن النبى ﴿3﴾ قد بينه، ولكنه حفظه بعض الرواة ونسيه بعضهم، فيؤخذ برواية من حفظ، والصواب أنه محمول على كل ساهٍ، وإن حكمه السجود، ويرجع فی بیان حکم المصلی فیما شك فيه، وفى موضع سجوده من صلاته إلى سائر الأحاديث المفسرة. ٢١٩ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: ((إِنِّى لِأَنْسَى أَوْ أَنَسَّى لأَسُنَّ). الشرح: قوله ﴿15: ((إنى لأنسى أو أنسى لأسن)) ذهب بعض المفسرين إلى أن ((أو) للشك. وقال عیسی بن دینار وابن نافع: لیست للشك، ومعنى ذلك أنسی أنا أُو ینسینی ٢١٨ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦٠٨. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٣٨٩. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٦٣. والنسائى فى الأذان حديث رقم ٧٦٠. والسهو ١٢٥٣. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٥١٦. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢١٦، ١٢١٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٦٣٧، ٧٧٤٤، ٧٧٦٣، ٩٨٩٣. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٢٠٤، ١٤٩٤. ٢١٩ - أخرجه عياض فى الشفا ٣٢٠/٢. ابن عبدالبر فى الاستذكار ١٠٠/١: كتاب الصلاة ١٠٢ الله تعالى، ويحتاج هذا إلى بيان لأنه أضاف أحد النسيانين إليه، والثانى أن الله تعالى وإن كنا نعلم أنه إذا نسى، فإن الله تعالى هو أنساه أيضًا. وذلك يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريد به لأنسى فى اليقظة أو أنسى فى النوم لأن النبى ﴿﴿ لا ينام قلبه، وإن نام عن صلاة أو غيرها فإنما هو بمعنى النسيان، فأضاف النسيان فى اليقظة إليه لأنه حال التحرز فى غالب أحوال الناس. وأضاف النسيان فى النوم إلى غيره، إما لأنها كانت حالا يمكن فيها التحرز، ولا يمكن فيها ما يمكن فى حال اليقظة، والوجه الثانى أنه يريد إنى لأنسى على حسب ما جرت به العادة من النسيان مع السهو والذهول عن الأمر، أو أنسى مع تذكر الأمر والإقبال عليه، والتفرغ له، فأضاف أحد النسيانين إلى نفسه لما كان له بعض السبب فيه، وأضاف النسيان الآخر إلى غيره لما كان كالمضطر إليه. وقد روی عن النبی ۶﴾ أنه قال: «ليس لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت بل هو نسى»، فنفى أن يضيف الإنسان النسيان هاهنا إلى نفسه، وقد قال ﴿﴿ فى حديث ابن مسعود: ((وإنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكرونى))، فيحتمل أن يكون معنى الحديث الأول ما كان ينسخ من القرآن بالنسيان ينساه جميع الناس، فلا يبقى فى حفظ أحد، فيكون ذلك نسخه له، ويكون معنى الحديث الآخر النسيان المعتاد من السهو المعتاد فى الصلاة وما جرى مجراه. فصل: وقوله: ((لأسن)) يريد لأرسم لكم النسيان والسهو ما يتلقى به من إفساد العبادة أو إدخال النقص فيها، وما يجب لذلك من سجود أو غيره. ٢٢٠ - مَالِكِ أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: إِنِّى أَهِمُ فِى صَلَاِ فَيَكْثُرُ ذَلِكَ عَلَىَّ، فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: امْضٍ فِى صَلَائِكَ، فَإِنّهُ لَنْ يَذْهَبَ عَنْكَ حَتّى تَنْصَرِفَ، وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَنْمَمْتُ صَلاِى. الشرح: هذا القول من القاسم بن محمد الذى يستنكحه السهو والوهم، فلا يكاد يثبت له يقين، وذلك أن الساهى على ضربين، ضرب يمكنه التيقن لأن السهو يقع منه نادرًا، وضرب يكثر منه السهو حتى لا يكاد يحصل له يقين، فهذا من باب الوسواس. فأما الأول: فقد ذكرنا حكمه قبل هذا. وأما الثانى: فإنه يقال له امض على ٢٢٠ - انفرد به مالك. ١٠٣ كتاب الصلاة صلاتك، ولا تلتفت إلى السهو لأنه لو أراد البناء على اليقين لن تتم له صلاة. وهل يسجد أم لا؟ روى ابن نافع وأبو مصعب عن مالك: لا يسجد. وقال مالك فى المختصر الكبير: وإن سجد بعد السلام، فحسن. وقال ابن حبيب فى واضحته: یسجد. ورواه ابن القاسم عن مالك. وجه رواية المدنيين أنه لما استنكحه السهو استنكاحًا، وجب إطراحه، ووجب أيضًا أن يطرح ما يوجبه من سجود السهو. ووجه رواية ابن القاسم أن هذا سهو فى الصلاة، وجب أن يجبر نقصه بالسجود كالنادر. فرع: فإذا قلنا برواية السجود، فمتى يسجد؟ روى ابن القاسم عن مالك: يسجد بعد السلام. وقال ابن حبيب: يسجد قبل السلام. وجه رواية ابن القاسم أن سهوه زيادة فى صلاته، وسجوده ترغيم للشيطان، ولا تأثير لتجويز النقص، ولو كان له تأثير لما أجزأ عنه السجود، لأنه يجوز نقص ما لا يجزئ عنه السجود. ووجه قول ابن حبيب أن المصلى يجوز النقصان، ويجوز الزيادة، فوجب أن یغلب حکم النقصان كما لو تيقنها. مسألة: وهاهنا قسم ثان من كثرة السهو، حكاه ابن المواز عن مالك أنه قال فيمن يلزمه السهو، ویکثر علیه ینسی، ولا یسجد لسهوه، قال محمد: یرید لأنه قد استنكحه السهو، وأما الذى يكثر عليه الشك، فلا يدرك أسها أم لم يسه؟ إلا أنه يخاف أن يكون قد سها ونقص، فهذا لا ينسى ويجزئ سجود السهو بعد السلام، ففرق بين ما تيقن السهو، وبين من يجوزه، فجعل من تيقنه يلزمه إتيانه، ومن يجوزه يسجد له ولا يكمله والله أعلم. العمل فى غسل يوم الجمعة ٢٢١ - مَالِك، عَنْ سُمَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ ٢٢١ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٨٨١، ٩٢٩. وبدء الخلق حديث رقم ٣٢١١. ومسلم فى الجمعة حديث رقم ٨٥٠. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٤٥٩. والنسائى فى الصغرى فى الجمعة حديث رقم ١٣٨٤، ١٣٨٥، ١٣٨٦، ٠١٣٨٧ وأبو داود فى الطهارة حديث رقم ٣٥١. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٠٩٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٢١٧، ٧٤٦٧، ٧٧٠٨، ٩٦١٠، ١٠٠٩٦، ١٠١٩٠، ٠١٠٢٦٨ والدارمى فى الصلاة ١٥٤٣، ١٥٤٤. كتاب الصلاة ١٠٤ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللّهِ :﴿ قَالَ: (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْحَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الأولَى، فَكَأَنْمَا قَرَّبَ بَدَنَةٌ، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنْمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثّالِثَةِ فَكَأَنْمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنْمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنْمَا قَرَّبَ بَيْضَةٌ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)). الشرح: قوله: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة))، يحتمل أن يريد به الجنب المغتسل لجنابته، فقد روى عن الشيخ أبى محمد بن أبى زيد معنى ما روى عن النبى :﴿3﴾ قال: ((من غسل واغتسل)) أوجب على غيره الغسل بالجماع واغتسل هو منه. فصل: وقوله: ((ثم راح فى الساعة الأولى والثانية))، إلى قوله: ((الخامسة)) ذهب مالك، رحمه الله، إلى أن هذا كله فى ساعة واحدة، وأن هذه أجزاء من الساعة السادسة، ولم ير التكبير لها من أول النهار، رواه ابن القاسم وأشهب عن مالك فى العتبية. وذهب عبدالملك بن حبيب والشافعى إلى أن ذلك فى الساعات المعلومات، وأن أفضل الأوقات فى ذلك أول ساعات النهار. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن الساعة السادسة من النهار لم يذكر فضيلة من راح فيها، وليست بوقت قعود الإمام على المنبر، ولا بوقت استماع الذكر منه، والحديث يقتضى أنه فى ذلك الوقت ترتفع فضيلة الرواح وتحضر الملائكة للذكر، وأن ذلك متصل بالساعة الخامسة، وهذا باطل باتفاق، فثبت أنه لم يرد به الساعة الخامسة من ساعات النهار لأن الساعة السادسة تفصل بينها وبين الخامسة وإذا بطل ذلك ثبت أنه إنما أريد به أجزاء من الساعة السادسة، وتلك الساعة يصح تجزئتها على خمسة أجزاء وأقل وأكثر. ودليل ثان من الحديث، وهو أنه ﴾ قال: ((ثم راح فى الساعة الأولى))، والرواح إنما یکون بعد نصف النهار أو ما قرب من ذلك. مسألة: وإذا ثبت ذلك، فإن مالكا رحمه الله كره الرواح إلى الجمعة عند صلاة الصبح، رواه عنه ابن القاسم. وقال ابن حبيب: هو المختار، والكلام عليه على نحو ما تقدم والمشى إلى الجمعة أفضل إلا أن يتعبه ذلك لماء وطين أو بعد مكان. والأصل فى ذلك ما رواه عباية بن رفاعة قال: أدركنى أبو عيسى، وأنا أذهب إلى كتاب الصلاة .... ١٠٥ ....... الجمعة، فقال سمعت رسول الله 49 يقول: ((من اغبرت قدماه فى سبيل الله حرمه الله على النار)). فصل: وقوله: ((فإذا خرج الإمام))، يريد به خرج عليهم فى الجامع، لأنه خرج مما کان مستورًا فيه من منزل أو غيره. وقوله: ((حضرت الملائكة يستمعون الذكر)»، كلام يدل على انقطاع فضيلة التهجير إلى الجمعة فى ذلك الوقت لأنه روى فى حديث أبى عبدالله الأغر عن أبى هريرة ((إن الملائكة يكتبون الأول فالأول)) وعلى مقدار ذلك جعل فى الحديث فضائلهم، ((وإن الملائكة يطوون صحفهم إذا جلس الإمام واستمعوا الذكر)) بمعنى أنه لا تكتب فضيلة من يأتى ذلك الوقت، ويحتمل أن يكون هؤلاء الملائكة غير الحفظة لأن الحفظة لا يفارقون بنى آدم، ولعل هؤلاء مخصوصون بكتب هذا العمل. ٢٢٢ - مَالِك، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَّيْرَةَ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: غُسْلُ يَوْمِ الْحُمُعَةِ وَاحِبٌ عَلَّى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَغُسْلِ الْحَنََّةِ. الشرح: قوله: ((غسل يوم الجمعة)) إضافة الغسل إلى يوم الجمعة بمعنى أنه لا يخلو اليوم من إتيان الجمعة. وقوله: ((واجب)) على ما ورد فى الحديث المذكور بعد هذا. وقد روى عن أبى هريرة موقوفًا بغير هذا اللفظ، رواه طاوس عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﴿﴾: ((على كل مسلم حق أن يغتسل فى كل سبعة أيام يومًا)) وطاوس أثبت من سعيد المقبرى، ولفظ الحق يكون بمعنى الوجوب، ويكون بمعنى الندب، فإن حقوق الله تتنوع على الوجهین. فصل: وإضافة وجوبه إلى كل محتلم لجريان الأحكام عليهم، وتوجه الأوامر إليهم. وقوله: (( کغسل الجنابة))، يعنى صفة الغسل واستيعابه الجسد، وبالله التوفيق. ٢٢٣ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ٢٢٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٩٩. ٢٢٣ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٨٧٨. ومسلم فى الجمعة حديث رقم ٨٤٥. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٤٥٥. وأبو داود فى الطهارة حديث رقم ٣٤٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٩٢، ٣١٤، ٢٧٢٠١ الدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٣٩. كتاب الصلاة ١٠٦ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ ﴿ الْمَسْحِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يَخْطُبُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَلَبْتُ مِنَ السُّوقِ، فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ! كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ. الشرح: قول عمر بن الخطاب: ((أية ساعة هذه)) إشارة إلى أن هذه الساعة ليست من ساعات الرواح إلى الجمعة لأنه وقت طويت فيه الصحف، وفى هذا بيان أن للإمام أن يأمر فى خطبته بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يكون لاغيًا وأن لمن خاطبه الإمام أن يجاوبه عما سأله عنه، ولا يكون أيضًا فى ذلك لاغيًا لأن ذلك كان بحضرة الصحابة، ولم ينكر أحد منهم على واحد منهما. وقد قال ابن القاسم فى المدونة: من كلمه الإمام فرد عليه، لم أره لاغيًا. ووجه ذلك أن الإنصات إنما هو للإمام، والإصغاء إليه وإلى كلامه، فإذا سأله عن أمر، فقد أذن له فى الجواب عنه، فليس بمفتات عليه، ولا معرض عنه، وليس لغيرهما أن یتکلم حينئذ لأن ما يأمر الإمام به، وینھی عنه ويسأل بسببه، ويجاب عنه حكمه حكم الخطبة، فإن المقصود منه تبليغه إلى الجماعة، وإعلامهم به، فلا يجوز الإعراض عنه بالتكلم كما لا يجوز ذلك فى نفس الخطبة. فصل: وقول عثمان بن عفان، وهو المخاطب لعمر بن الخطاب: ((يا أمير المؤمنين))، وهو أول من دعى بذلك، ((انقلبت من السوق، فسمعت النداء))، إظهار منه لعذره المباح له الاشتغال به لأنه قد يقيم لعقد بيع أو شغل إلى وقت النداء. وفيه أن البيع ليس ممنوع ذلك اليوم إلى حين وقت النداء، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم﴾ [الجمعة: ٩] وهو يدل على الاشتغال به إلى ذلك الوقت، وإلا لم يصح تركه، وهذا كله يقتضى جواز العمل والبيع والشراء يوم الجمعة إلى وقت الأذان. وروى أشهب عن مالك فى العتبية، أن أصحاب رسول الله 98 كانوا يكرهون ترك العمل يوم الجمعة على نحو تعظيم اليهود للسبت والنصارى للأحد. فصل: وقوله: ((فما زدت على أن توضأت))، اعتذار منه على أنه لم يشتغل بغير الفرض مبادرة إلى سماع الخطبة والذكر. وقول عمر: ((الوضوء أيضًا، وقد علمت أن ...... ١٠٧ كتاب الصلاة & كان يأمر بالغسل))، معناه أنك مع ما فاتك من التهجير، فاتتك فضيلة رسول الله الغسل الذى علمت أن رسول الله ﴿﴿ كان يأمر به تذكيرًا لأمر النبي ﴿﴾ وحضًّا له على أن لا يفوته فى المستقبل من فضيلة ما فاته ذلك اليوم. إلا أن عمر رأى اشتغاله بعد باستماع الخطبة والصلاة أولى من خروجه إلى فضيلة الغسل، ولذلك لم يأمره ولا أنكر عليه قعوده، وإنما أنكر عليه ما مضى من تركه الغسل ليكون ذلك تنبيها له على ما ينبغى أن يفعل فى مثل ذلك اليوم عند سعة الوقت، ويقتضى ذلك إجماع الصحابة، على أن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب وجوبًا يعصى تاركه، وإنما يوصف بالوجوب على معنى التأكيد لحكمه، ولو كان فيهم من يعتقد وجوبه لسارع إلى الإنكار على عثمان، والأمر بالقيام إلى الاغتسال، وهذا مذهب مالك وجماعة أهل العلم غير داود، فإنه يقول: إن الغسل واجب يوم الجمعة وجوب الفرائض. والدليل على صحة ذلك، خبر عمر بن الخطاب المذكور، فهو إجماع يجب التزامه والعمل به. ٢٢٤ - مَالِكِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((غُسْلُ يَوْمِ الْحُمُعَةِ وَاحِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ». الشرح: معنى الوجوب تأكد لزومه، وقد يستعمل هذا اللفظ على معنى تأكيد ما ليس بواجب، فيقال يجب على الإنسان أن يجتهد فى عبادة ربه، ويكثر النوافل الموصلة إلى رضاه. وقد روى عمر بن سليم: أشهد على سعيد، وقال: أشهد على رسول ﴿﴿ قال: («الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن وأن يمس طيبًا إن وجد)). قال عمر: فأما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا، ولكن هذا الحديث، فقد ذكر فى حديث أبى سعيد وجوب الاستنان والطيب، ولا خلاف بيننا أن المراد به تأکد حکمه دون إيجابه. ٢٢٤ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٨٥٨. ومسلم فى الجمعة حديث رقم ٨٤٦. والنسائى فى الجمعة حديث رقم ١٣٧٤، ١٣٧٦، ١٣٨٢. وأبو داود فى الطهارة حديث رقم ٣٤١. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٠٨٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٠٦٤٤، ١٠٨٥٧، ١١١٨٤، ١١٢٣١، ٠١١٢٦١ والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٣٧. ١٠٨ كتاب الصلاة وقد يستعمل هذا اللفظ بمعنى من يلزمه لحقه، فيقال فيجب للإنسان أن ينظر لنفسه، وأن يترفق طريقه ولا يصحب إلا من يأمنه، وهذا اللفظ فى الحديث يصح أن يستعمل مع الوجهين أحدهما على معنى تأكید الندب إليه، والثانی وجوبه لما يخص الإنسان، ويلزمه لحق نفسه من التجمل بين أترابه وجبرانه وجماعة المسلمين يوم تجملهم، وأخذه بالحط من الزينة المباحة ولا يضع حظه منها، وإن كان ظاهر الوجوب يقتضى اللزوم إلا أنه قد يستعمل على هذين الوجهين، ومع ذلك فإن اللفظ عام، فلو كان الوجوب بمعنى الفرض لا يحتمل غير ذلك لخص بما قدمناه من الأدلة، وعمل الحديث على الجنب الرائح إلى الجمعة، وأجمع فقهاء الأمصار على أن الغسل للجمعة ليس بواجب. وذهب أهل الظاهر إلى وجوبه، وأنه أى وقت اغتسل من اليوم أجزأه سواء اغتسل قبل الصلاة أو بعدها. والدليل على ما نقوله حديث عثمان المتقدم، وما اقترن: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)). قال ثعلب: يقال إن فعلت كذا فبها ونعمت، بالتاء، والعامة فيها ونعمه، وتقف بالهاء. وقال ابن درستويه: ينبغى أن يكون ذلك عند ثعلب هو الصواب، وأن تكون التاء خطأ، لأن الكوفيين يزعمون أن نعم وبئس اسمان، والأسماء يدخل فيها الهاء، بدل تاء التأنيث، والبصريون يقولون: هما فعلان ماضيان، والأفعال تليها تاء التأنيث ولا يلحقها الهاء، فإذا ثبت ذلك، فإن هذا نص فى موضع الخلاف. ومن جهة المعنى أن هذه طهارة لا ينقصها الحدث، فلم تكن واجبة كالطهارة على وجه التبرد. فصل: وقوله: ((على كل محتلم)) يقتضى تعلق هذا الحكم من العبادات بالاحتلام دون الإنبات، وهى الخمس عشرة سنة، ويقتضى اختصاصه بالرجال لأن لفظه تذكير مع أن الاحتلام معتبر فيهم وعام لهم، وأما الاحتلام فى النساء فنادر، وإنما الاعتبار فيهن بالحیض. ٢٢٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ). ٢٢٥ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٨٧٧. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٤٥٤. والنسائى فى الصغرى فى الجمعة حديث رقم ١٣٧٥، ١٤٠٤، ١٤٠٦. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٠٨٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ٣٠٥٠، ٤٤٥٢، ٤٥٣٩، ٤٩٠١، ٤٩٢٣. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٣٦. .......... ١٠٩ كتاب الصلاة الشرح: قوله: ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)» جعل الجمعة فى هذا الحديث اسما للصلاة، وأمر بالاغتسال من جاءها، وذلك يقتضى تعلق الاغتسال بالصلاة دون اليوم. وقوله: ((فليغتسل)) أمر، والأمر ظاهره الوجوب ويصح أن يحمل على الندب بدليل، وقد تقدم الكلام فیه بما یغنی عن إعادته. مسألة: وإنما يلزم الغسل للجمعة من يأتيها ممن تجب عليه، وهو الرجل المقيم البالغ المستطيع، وكذلك من لا تجب عليه الجمعة من مسافر أو عبد أو امرأة، إذا أتوا الجمعة، هذا هو المشهور من مذهب مالك، رحمه الله، وهو الذى روى عنه ابن القاسم فى المدونة. وفى المختصر عن مالك تقسيم، وذلك أنه قال: إنما يلزم الغسل من يأتيها لفضل الجمعة كالمرأة والعبد والمقيم وكذلك المسافر يأتيها للفضل، فإن لم يشهدها المسافر للفضل، وإنما شهدها للصلاة أو لغير ذلك، فلا غسل عليه، والأول أبين والله أعلم. مسألة: ويلزم الآتى للجمعة مع الغسل الطيب والزينة وحسن الهيئة، قاله ابن حبيب، ويستحب له أن يتفقد فطرة جسده من قص شاربه وأظفاره ونتف إبطه وسواكه واستحداده، إن احتاج إليه. ووجه ذلك أن التجمل فيه مشروع، وهذه كلها من باب التحمل والتنظف. قَالَ مَالِك: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلَ نَهَارِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ غُسْلَ الْحُمُعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْغُسْلَ لَا يَحْزِى عَنْهُ خَتَّى يَغْتَسِلَ لِرَوَاحِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ فِى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ). الشرح: ذهب مالك، رحمه الله، إلى أن الغسل للجمعة يكون متصلاً بالرواح لها. وقال ابن وهب فى العتبية: يصح أن يغتسل لها بعد طلوع الفجر، قال: وأفضل له أن يتصل غسله برواحه، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. واحتج مالك فى ذلك بحديث ابن عمر عن النبى ﴿1: ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)). ووجه الدليل منه أنه لما أمر من جاء الجمعة بالاغتسال كان الظاهر أن اغتساله للمجىء لها، ويجب على ذلك أن يبقى أثره إلى وقت الإتيان لها، وذلك لا يصح إلا أن يكون اغتساله متصلاً برواحه، وأما من اغتسل أول نهاره ثم نام وتصرف، فإن أثر غسله لا يبقى، ولذلك قال: من أتى العيد، فليتجمل وليلبس أفضل ثيابه، ففهم منه