النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٠ .. كتاب الصلاة ١٨١ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْرَأُ فِى الصُّبْحِ فِى السَّفَرِ بِالْعَشْرِ السُّوَرِ الأوّلِ مِنَ الْمُفَّصَّلِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ. الشرح: معنى ذلك أن عبدالله بن عمر كان يقرأ فى صلاة الصبح فى سفره بالسور التى ذكرها لا يكاد يخرج منها، وذلك لتمهله وتأنيه وقلة عجلته، وإلا فالغالب من حال الإسفار العجلة. وقد قال مالك: يقرأ فيها ب﴿السماء ذات البروج﴾ [البروج: ١] و﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] والأكرياء يعجلون الناس ولأن السفر تقصر فيه الصلاة، ويحذف فيه بعض أركانها لما فيه من المشقة والحاجة إلى استصحاب الرفقة، فبأن يخفف القراءة فيها أولى وأحرى إلا أن يكون الرجل فى خاصة نفسه، فلا بأس أن يطيل ما أراد، والله أعلم. * ما جاء فى أم القرآن ١٨٢ - مَالِك، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرٍ ابْنِ كُرَيْزٍ أَخْبُرَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ْ نَادَى أَبَىَّ بْنَ كَعْبٍ، وَهُوَ يُصَلِّى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاِهِ لَحِقَهُ فَوَضَعَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ يَدَّهُ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: إِنِّى لأَرْجُو أَنْ لا تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتّى تَعْلَمَ سُورَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِى التّوْرَاةِ وَلا فِى الإِنْجِيلِ وَلا فِى الْقُرْآنِ مِثْلَهَا، قَالَ أَبَيِّ: فَحَعَلْتُ أُبْطِئُ فِى الْمَشْىِ رَحَاءَ ذَلِكَ ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ السُّورَةَ الَّتِى وَعَدْتَنِى؟ قَالَ: كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا انْتَحْتَ الصَّلاةَ قَالَ: فَقَرَأْتُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حَتّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((هِىَ هَذِهِ السُّرَةُ وَهِىَ السَّبْعُ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِى أُعْطِيتُ)). الشرح: إن حمل الخبر على ظاهره من أن النبى ﴿﴿ علم بصلاة أبى أفاد جواز مناداة المصلى، وذلك بالأمر اليسير مما لا يشغله عن صلاته، ويمكنه أن يعيه مع الاشتغال بصلاته والإقبال عليها. ١٨١ - انفرد به مالك. ١٨٢ - أخرجه البخارى كتاب التفسير باب ما جاء بفاتحة الكتاب ٤١/٦ عن أبى سعيد بن المعلى. ٥١٠ ..... كتاب الصلاة قال ابن حبيب: سواء كان فى مكتوبة أو نافلة، فأما إن كان كثيرًا لا يعيه إلا مع الإقبال عليه والاشتغال عن صلاته، فإن ذلك لا يجوز، ولذلك لم يخبر النبى ﴿3﴾ أيًّا فى الصلاة بما أخبره بعد الفراغ منها. وقال الداودى: معنى ذلك أنه أمن على أبى أن يجيبه فى الصلاة لعلمه، وفى قوله هذا نظر لأن النبى ﴿ احتج على أبى بعد إخباره له بأنه كان فى الصلاة بقوله تعالى: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ [الأنفال: ٢٤] وهذا يقتضى أن الأمر يقتضى إجابة النبى . حال الصلاة، ويحتمل أن يكون جواب أبى للنبى ﴿ لو أجابه بالتلبية والصلاة لا يقطع صلاته، ويكون هذا حكمًا يختص بالنبى ﴿﴿ لأنه مأمور بإجابته، ولأن إجابته بالتلبية، والتعظيم له، والصلاة عليه من الأذكار التى لا تنافى الصلاة بل هى مشروعة فيها. وقد قال ابن حبيب: إذا سمع المأموم ذكر النبى ﴿1﴾ فى الصلاة والخطبة فصلى عليه، أنه لا بأس بذلك، ولا يجهر به ولا یکثر منه. ومعنى قوله: ((ولا يجهر به))، لئلا يخلط على الناس. ومعنى قوله: ((ولا يكثر)»، لئلا يشتغل بذلك عن صلاته، ويحتمل أن يكون النبى إنما استدعى منه أن يجيبه بلفظ القرآن. وقد قال ابن حبيب فى واضحته: ما جاز للرجل أن يتكلم به فى صلاته من معنى الذكر والقراءة، فرفع بذلك صوته لينبه به رجلاً وليستوقفه، فذلك جائز، وقد استأذن رجل على ابن مسعود، فقال: ﴿ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾ [يوسف: ٩٩]. فصل: وقوله: ((فلما فرغ من صلاته لحقه))، يريد أنه أجابه حين أمكنته الإجابة على أسرع ما أمكنه، ولعله قد تجوز فى صلاته. وقد قال ابن حبيب: من أتاه أبوه أو أمه ليكلمه وهو فى نافلة، يبادر الأمر بالتسبيح ويوجز لهما فى صلاته ويكلمهما، وكذلك قال ابن حبيب، فيمن جلس إلى مصلى نافلة، وهو يريد أن يكلمه فليجوز فى صلاته ثم يقبل عليه. ووجه ذلك ما ندب إليه المسلمون من حسن العشرة مع إتمام النافلة والتمكن من العودة إليها إن أراد الزيادة فيها. فصل: وقول أبى: ((فوضع رسول الله ﴿﴿ يده على يدى))، إنما ذلك لمعنى التأنيس والتقريب والتنبيه على الإقبال عليه والتأمل لما يرد عليه جهته من قول أو فعل. ٥٢ .. كتاب الصلاة فصل: وقوله : ((إنى لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة)) على معنى التسليم لأمر الله تعالى والإقرار بقدرته وأنه وإن كان تعليم ذلك يسيرًا إلا أنه لا يقطع بتمامه إلا أن يعلمه الله عز وجل بذلك، ومعنى تعلم سورة أن يعلم من حالها ما لم يكن يعلمه قبل ذلك، وألا فقد كان عالماً بالسورة وحافظًا لها. فصل: وقوله : «ما أنزل فى التوراة ولا فى الأنجيل ولا فى الفرقان مثلها))، ذكر شيوخنا أن معنى ذلك أنها تجزئ عن غيرها فى الصلاة، ولا يجزى غيرها عنها، وسائر السور يجزئ بعضها عن بعض، وهى سورة قسمها الله بينه وبين عبده، ويحتمل أن تكون هذه من الصفات التى تختص بها من أنها السبع المثانى والقرآن العظيم، أو غير ذلك من کثرة ثواب أو حسنة، والله أعلم. فصل: وقول أبى بن كعب: ((فجعلت أبطئ فى المشى رجاء ذلك))، دليل على حرصه على العلم. وقال الداودى: إن ابطاءه خوفًا على النبى 18 من النسيان، فيخرج من المسجد قبل أن يعلمه. قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: والأظهر عندى أنه إنما حمله على ذلك شدة الحرص، وإن بعد خوف النسيان بقرب المدة على أن النسيان يزيله بقوله: ((يا رسول الله السورة التى وعدتنى بها)»، وهذه مبالغة فى الحرص واستنجاز للوعد. فصل: وقوله : ((كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة))، دليل على أن من حكم الصلاة أن يقرأ فيها بأم القرآن عند افتتاحها، ولو كانت القراءة بغيرها فى الصلاة تجزى ولم تتعين بها لما صح هذا السؤال من النبى 98 لأبى؛ لجواز أن يجيبه بغير أم القرآن، فلا يتم الغرض من تعليمه أحكام أم القرآن وصفاتها، وإنما سأله عن ذلك لما علم أنه لا يفتتح الصلاة إلا بها، فقال له: ((كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة)). فصل: وقول أبى: ((فقرأت ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ حتى أتيت على آخرها)، استدل بذلك جماعة من أصحابنا على أن ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ليست بآية فى أولها لأن أبًّا لم يذكر ذلك فيما ذكر أنه قرأه، ولو كانت من أم القرآن لبدأ بها. فصل: وقوله: 48: ((هى السبع المثانى والقرآن العظيم)) يعنى أن من فضائلها أيضًا السبع المثانى، وهذا أصح ما قيل فى السبع المثانى، وقيل إنما سميت بذلك لأنها تثنى فى كل ركعة، وإنما قيل لها القرآن العظيم على معنى التخصيص لها بهذا الاسم، وإن كان شىء من القرآن قرآنًا عظيمًا كما يقال فى مكة بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله، ٠ ٥٣ كتاب الصلاة ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم لمكة، ويقال: محمد عبد الله ورسوله، وإن كان كل بشر عبدًا لله، وكل رسول رسول الله على سبيل التخصيص والتعظيم له ﴾. فصل: وقوله ﴿): ((الذى أعطيت)) يحتمل أن يريد بذلك، والله أعلم، قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثانى والقرآن العظيم﴾ [الحجر: ٨٧]. ١٨٣ - مَالِك، عَنْ أَبِى نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَنْهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأُ فِيْهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إِلا وَرَاءَ الإِمَامِ. الشرح: قوله: ((من صلى ركعة))، يعنى من أتى من أفعال الصلاة بركعة، ولم يقرأ مع تلك الأفعال بأم القرآن، وإنما سميت أم القرآن لأنها أصل له فيما من شرطه أن يقرأ فيه بأم القرآن، وهذه المسألة قد اختلف فيها أهل العلم، فذهب مالك وجمهور الفقهاء إلى أن القراءة شرط فى صحة الصلاة. والدليل على ذلك ما رواه أبو هريرة أن رجلاً دخل المسجد وصلى ثم جاء فسلم على النبى ﴿لَ﴾، فقال له: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) ثلاثًا، فقال: والذى بعثك ما أحسن غيره، فعلمنى، فقال: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم ار کع حتى تطمئن راكعًا)). مسألة: إذا ثبت أن القراءة شرط فى صحة الصلاة، فالذى يجب قراءته أم القرآن، وبه قال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة والثورى والأوزاعى: يقرأ ما شاء من القرآن فى الصلاة ويجزيه. والدليل على ما نقوله خبر أبى قتادة المتقدم أنه ﴿﴿ كان يقرأ فى الركعتين المتقدمتين فى كل ركعة سورة مع أم القرآن وفى الركعتين الأخيرتين بأم القرآن، وأفعاله على الوجوب لاسيما وقد قال ﴿﴿: ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)). فصل: وقوله: ((من صلى ركعة، ولم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يصل إلا وراء إمام))، يقتضى قراءة أم القرآن فى كل ركعة لأنه نص على أن كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فليست بصلاة للفذ، ولا للإمام، فمن قرأ فى كل ركعة بأم القرآن، فقد أتى من صلاته بما لا خلاف فى صحته، وإن ترك قراءتها فى جميع الصلاة، فلا خلاف فى المذهب أن الصلاة غير جائزة إلا رواية شاذة، رواها الواقدى والجمهور على خلافها، ١٨٣ - أخرجه الترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢٨٨. كتاب الصلاة ٥٤ وإن قرأ بها فى بعض الصلاة دون بعض، فالذى عليه شيوخنا العراقيون أنه لا يجزئ إلا بقراءة أم القرآن فى كل ركعة، وبه قال الشافعى وابن عون وأيوب وأبو ثور. وقال المغيرة المخزومى: إذا قرأ بأم القرآن فى ركعة واحدة من الصلاة أجزأه، وبه قال الحسن البصرى. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور حديث أبى قتادة المتقدم، وفيه أنه كان يقرأ بها فى كل ركعة من الأربع ركعات، وقد قال ﴿: ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)). ودليلنا من جهة القياس أن هذا معنى يتكرر فى كل ركعة، فإذا كان شرطًا فى صحة بعضها وجب أن يكون شرطًا فى صحة سائرها كالركوع والسجود والقيام. مسألة: فإن ترك القراءة فى ركعة، فعن مالك فى ذلك ثلاث روايات، رواها كلها عنه ابن القاسم، إحداها: أنه يجزئه سجدتا السهو قبل السلام. والثانية: أنه يلغى الركعة ولا يعتد بها ويتم صلاته ويسجد لسهوه بعد السلام. والثالثة: أنه يتم صلاته ويعيدها. فرع: وهذا إذا كانت الصلاة رباعية، فإن كانت ثلاثية، فقد سئل ابن القاسم عن ذلك، فقال: الصلوات كلها عند مالك محمل واحد، ومن ترك القراءة فى ركعة من الصبح أعاد، تأول ذلك بعض أصحابنا على أنها بمنزلة الصلاة الرباعية، وأن يدخلها من الاختلاف ما يدخل الرباعية. وحكى هذا القول ابن المواز عن مالك. وقال محمد بن مسلمة فى المبسوط بجوازها لأنه يستخف فى عامة الأشياء الثلث، والله أعلم وأحكم. القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة ١٨٤ - مَالِك، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنْهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامٍ بْنِ زُهْرَةً يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِىَ خِدَاجٌ، هِىَ خِدَاجٌ، هِىَ خِدَاجٌ ١٨٤ - أخرجه مسلم فى كتاب الصلاة حديث رقم ٣٩٥. والترمذى فى كتاب تفسير القرآن حديث رقم ٢٨٧٧. والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح حديث رقم ٩٠٩. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٨٢١. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ٨٣٨. وأحمد فى المسند حديث رقم (٧٢٤٩، ٧٣٥٨، ٧٧٧٧، ٧٨٤١). ٥٥ كتاب الصلاة غَيْرُ تَمامٍ). قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّى أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ قَالَ: فَغَمَّزَ ذِرَاعِى ثُمَّ قَالَ: اقْرَأُ بِهَا فِى نَفْسِكَ يَا فَارِسِىٌّ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ يَقُولُ: ((قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَّ بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْغَيْنٍ فَنِصْفُهَا لِى وَنِصْفُهَا لِعَبْدِى، وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ)). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (اقْرَعُوا يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: حَمِدَنِى عَبْدِى، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَىَّ عَبْدِى، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَقُولُ اللَّهُ: مَخَّدَنِى عَبْدِى، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِنَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة: ٥] فَهَذِهِ الآيَةُ بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] فَهَؤُلاءِ لِعَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ)). الشرح: قوله : ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج)) يعنى ناقصة عما يجب فيها، وكذلك قال فى المدنية عيسى بن دينار وابن نافع: إن الخداج الناقص الذى لا يتم، وذلك يقتضى أن لا تكون مجزئة. وقد تعلق بعض من تكلم فى ذلك بهذا اللفظ وجعله دليلا على الإجزاء لأنه سماها صلاة، ووصفها بالنقصان، وذلك يقتضى أن يثبت لها حكم الصلاة، وإن نقصت فضيلتها أو صفة من صفاتها لا تخرج بعدمها عن كونها صلاة، وليس هذا بصحيح لأن اسم الصلاة ينطلق على المجزئ منها وغير المجزئ، يقال صلاة فاسدة، وصلاة غير مجزئة، كما يقال صلاة صحيحة، وصلاة مجزئة، وإطلاق اسم النقصان عليها يقتضى نقصان أجزائها، والصلاة لا تتبعض، فإذا بطل بعضها، بطل جميعها، ولا يجوز أن يطلق اسم النقصان على عدم الفضيلة لمن كملت أجزاؤه ووصف الصلاة بأنها خداج إذا لم يقرأ بأم القرآن، یعنی فسادها. وقد أكد ذلك بقوله ﴿﴿: ((غیر تام» فإن قرأ فی بعض بعض ر کعاتها دون بعض، فهذه قضية لم يذكر حكمهما فى هذا الحديث ولا يتناولها لفظه. ومن جهة المعنى يخرج فساد كل ركعة لا يقرأ فيها بأم القرآن على ما قدمنا ذكره. ٥٦ كتاب الصلاة .. فصل: وقول أبى السائب: ((يا أبا هريرة إنى أحيانًا أكون وراء الإمام))، اعتراض منه على العموم بجواز التخصيص عليه بالعمل الشائع عنده، وما شاهده من الأئمة فى ترك القراءة وراء الإمام. فصل: وقوله: ((فغمز ذراعى))، على معنى التأنيس له وتنبيهه على فهم مراده والحث له على جمع ذهنه وفهمه لجوابه، وقال له: ((أقرأ بها فى نفسك يا فارسى»، ترجم مالك، رحمه الله، على هذا الحديث بالقراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه. وذهب جماعة ممن تكلم فى ذلك أن الترجمة مبنية على قوله: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج)) لا يجوز أن يكون ذلك على ما ذهبوا إليه لأنه من تأول خداجًا على ما ذكرناه غير تامة ولا مجزئة، فلا يجوز أن يكون ذلك مراده فى المأموم فيما يسر فيه الإمام لأن الأفضل عنده أن يقرأ، فإن ترك القراءة، فلا شىء عليه لأن الإمام يحملها، وإنما يستحب له القراءة لشغل نفسه فى الصلاة بالقراءة، وذكر الله ولا يتفرغ للوسواس. وأما من حمل قوله: ((خداج)» على نقصان الفضيلة، فهذا القول أجرى على رأيه وقد بينا المنع من ذلك. قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: والأولى عندى أن ترسم الترجمة على قول أبى هريرة: ((اقرأ بها فى نفسك يا فارسى))، والقراءة فى النفس هى بتحريك اللسان بالتكلم، وإن لم يسمع نفسه سرًا. رواه سحنون عن ابن القاسم فى العتبية، قال: ولو أسمع نفسه يسيرًا لكان أحب إلىّ. وقد قال فى المدنية عيسى بن دينار وابن نافع: ليس العمل على قوله: ((اقرأ بها فى نفسك يا فارسى)»، ولعلهما أرادا إجراءها على قلبه دون أن يقرأها بلسانه، وإن كان المستحب قراءتها باللسان والشفتين دون الاقتصار على النفس، والله أعلم. فصل: وقوله: ((فإنى سمعت رسول الله (58 يقول))، احتجاج على ما ذهب إليه من القراءة فى النفس، وأن لا يترك ذلك من كان وراء الإمام فيما يسر فيه بالقراءة لما أعلم به النبى 4 من فضيلة القراءة بأم القرآن، قال الله تعالى: ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدى بنصفين)) ثم عد آى أم القرآن فسماها صلاة لمعنيين، أحدهما: أن الصلاة فى كلام العرب، هو الدعاء، وهذه هى الصلاة التى أمرنا بأداء الفرائض بها دون سائر ما يقع هذا الاسم عليه، وذلك أيضًا يصح من وجهين، أحدهما: أن تكون الألف واللام ........ ٥٧ كتاب الصلاة للعهد، فلا يقع تحت هذه اللفظة فى الحديث ما يقع عليه اسم الصلاة غير أم القرآن، والثانى: أن تكون للجنس، ثم وقع التخصيص والبيان أن المراد بذلك أم القرآن دون غيرها، والمعنى الثانى على قول من قال: إن الصلاة هى الأفعال، لكنه سمى أم القرآن صلاة لما كانت لا تتم إلا بها، وكلا المعنيين يدل على أن الصلاة لا تصلح إلا بأم القرآن كما روى أن رسول الله ﴿لَ﴾ قال: ((الحج عرفة)) لما كان الحج لا يتم إلا بعرفة. فصل: وقوله تعالى: ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدى بنصفين)) معنى هذه القسمة أنه جعل لنفسه نصفًا ثناء علیه ونصفًا دعاء إلى ربه فى الاستعانة به فی توفیقه وهدايته، وأرجو أن يكون البارى تعالى بفضله إذا أتى العبد بالنصف الذى لربه من الحمد لله والثناء عليه والتمجيد له أن يؤتيه هو ما يدعوه فيه من الهداية والتوفيق، وقد وعد بذلك تعالی ووعده الحق بقوله: «ولعبدی ما سأل». فصل: وقوله: ((بنصفين) يقتضى المساواة فى القسمة، ولا يخلو أن يريد التساوى فى المعنى أو فى عدد الألفاظ أو فى عدد الآى، ولا يجوز أن يريد بذلك المعنى لأن قسم البارى تعالى ثناء عليه وقسم العبد دعاء ورغبة، فلا يجوز أن يقال إن ذلك بينهما بنصفين، والبارى تعالى منفرد بالثناء، والعبد منفرد بالدعاء والرغبة التى ينزه البارى عنها كما لا يقال هذا الثوب والعبد بين زيد وعمرو بنصفين، إذا كان الثوب لأحدهما والعبد للآخر. ولا يجوز أن يريد بذلك عدد الألفاظ ولا عدد الحروف لأن القسمة لا تصح مع ذلك بوجه، فلم يبق إلا أن يريد بذلك تعالى عدد الآى، ويبين هذا قوله فى الحديث ويقول: العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، فهذه الآية بينى وبين عبدى، ولعبدى ما سأل)) يبين أن القسمة بالآى، وذلك يدل على أن ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ليست من أم القرآن لأن ثلاث آيات من أول السورة يختص بالحمد لله والثناء عليه والتمجيد له. وعلى ذلك ذكرت فى الحديث والآية الرابعة فيها إقرار لله بالعبادة واستعانة به، فهى بين العبد وبين ربه، وبذلك وصفت فى الحديث والثلاث الآيات من السورة تختص بالعبد رغبة فى التوفيق، وبذلك وصفت فى الحديث، ولو كانت ((بسم الله الرحمن الرحيم)) من أم القرآن لكان البارى يختص من السورة بأربع آيات ثم تكون آية خامسة بينه وبين العبد ثم يختص العبد باثنتين لأنه لا اختلاف أنها سبع آيات، وهذا يمنع قسمتها بنصفین، والله أعلم. ٥٨ كتاب الصلاة فصل: وقوله : ((اقرءوا يقول العبد: الحمد لله رب العالمين)) على معنى البيان للصلاة التى قسم البارى بينه وبين عبده، وبيان معنى القسمة لها، فذكر النبى ﴿ أما يقوله البارى تعالى عند قراءة العبد كل آية منها، وأعلم العبد أن ربه يسمع قراءته وحمده وثناءه عليه وتمجيده إياه ودعاءه ورغبته إليه حضًا للعبد على الخشوع عند قراءة هذه السورة التى تختص بها هذه المعانى التى لا نعلم اجتماعها فى سورة من السور. فصل: وقوله :﴿13: ((يقول العبد: الحمد لله رب العالمين)) بيان أن هذه أول السورة من وجهين، أحدهما: أنه بدأ بقوله: الحمد لله رب العالمين، ولو كانت بسم الله الرحمن الرحيم أول السورة لبدأ بها. والثانى: أنه قرأ جميع ما سمى صلاة، وذكر فضل كل شىء منها، فلو كانت ((بسم الله الرحمن الرحيم» منها لقرأها وذكر فضلها. وقوله تعالى: ((يقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى علىَّ عبدى))، معنى ذلك، والله أعلم، أنه أثنى عليه بأنه الرحمن الرحيم بخلقه وعباده وكذلك قوله عز وجل عند قول العبد: ((مالك يوم الدين، مجدنى عبدى)) والدين فى كلام العرب الحساب، وقيل الجزاء، وهذا إقرار من العباد للبارى عز وجل بأنه مالك يوم الدين، وإن كان هو المنفرد بملك غيره من الأيام لمعان، أحدها: أنه خص يوم الدين بالذكر لعظمته الثناء عليه، وذل الملاك فيه، وعجزهم عن ملك شىء منه. والثانى: أنه اليوم الذى يكون فيه الجزاء، ويرجى الثواب، ويخشى العقاب، فجب أن ينفرد بالعبادة من يملكه ويملك فيه النفع والضرر، وهو الله الذى لا إله إلا هو. والثالث: أن مآل الأيام إليه وانقطاع كل مملكة قبله، فيجب أن يفرد بالعبادة من يبقى ملكه دون من ينقطع ملكه وتضمحل رئاسته، وإنما قال: ((محدنى)) فى هذا اللفظ وإن كان التمجيد ثناء إلا أن المحد الشرف والعلو فى كلام العرب، وفى قول العبد: ((مالك يوم الدين))، اختصاص بهذا المعنى. فصل: ومعنى قوله تبارك وتعالى عند قول العبد: ((إياك نعبد وإياك نستعين، هذا بينى وبين عبدى)) إن بعض الآية تعظيم للبارى تعالى وبعضها استعانة من العبد له على أمر دينه ودنياه، ويقول مع ذلك عز وجل: ((ولعبدي ما سأل)) وظاهر اللفظ يقتضى أن له ما سأل من العون. وكذلك قوله تعالى عند قول العبد: «اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر الآية، فهؤلاء لعبدى ولعبدي ما سأل)) معناه، والله أعلم، أن هذه الآيات مختصة بالعبد لأنها دعاؤه بالتوفيق إلى صراط من أنعم عليهم، والعصمة من صراط المغضوب عليهم والضالين، وقد وعد ربنا لمن قرأ بذلك وسأل أن له ما سأل، والله لا يخلف الميعاد. ........... ۵٩ كتاب الصلاة. ١٨٥ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا لا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ. ١٨٦ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْقَاسِمَ ابْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا لا يَحْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ. ١٨٧ - مَالِك، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ حُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا لا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ. قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ. الشرح: معانى هذه المتون واحدة، وإنما أورد مالك فى ذلك عمل الأئمة والفقهاء ليقوى بذلك تأويله فى الحديث المتقدم وأن المراد به قراءة المأموم، وذكر أنه أحب الأقوال إليه فى ذلك على اختلافها، وهو المشهور من قول مالك أن المأموم يقرأ خلف الإمام فيما أسر فيه ولا يقرأ فيما جهر فيه. وقال ابن وهب: لا يقرأ المأموم أصلاً، أسرَّ الإمام أو جهر، ورواه ابن المواز عن أشهب. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أنا إنما منعنا المأموم من القراءة حال جهر الإمام للإنصات إليه، وذلك معدوم عند الإسرار، فاستحب له أن يقرأ لأنه إذا لم يشغل نفسه بالتفكير فى قراءة الإمام إذا جهر، ولم يشغل نفسه بالتدبر ولا يقرأ هو إذا أسر الإِمام تفرغ للوسواس، وحديث النفس وما يشغله عن الصلاة، فاستحب له أن يقرأ. وتعلق ابن وهب بحديث عمران بن حصين أن رسول الله ( صلى الظهر والعصر ورجل يقرأ خلفه، فلما انصرف قال: ((أيكم قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾؟ فقال رجل من القوم: أنا، ولم أرد بها إلا الخير، فقال رسول الله ﴾: قد عرفت أن بعضكم خاجنيها)). ١٨٥ - انفرد به مالك. انظر كنز العمال ٢٠٣٥١ وعزاه لعبد الرزاق، عن ابن عمرو جـ٦١٦/٧. ١٨٦ - أخرجه أبو داود ٧٧٧، ٢٠٤/١ عن سمرة بن جندب. والحاكم فى المستدرك ٢١٥/١ عن سمرة. ١٨٧ - انفرد به مالك. كتاب الصلاة ٦٠ والجواب أن الظاهر من حال هذا القارئ أنه جهر بالقراءة، فسمع النبى و49 قراءته بـ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] وهذا ممنوع باتفاق والله أعلم. * ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه ١٨٨ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ هَلْ يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الإِمَامِ؟ قَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الإِمَامِ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الإِصَامِ وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأُ. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لا يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ. الشرح: قوله: ((فحسبه قراءة الإمام))، يريد أن قراءة الإمام تكفيه أن يقرأ هو، وإذا صلى وحده، فليقرأ لأنه ليس وراء من يكفيه القراءة ثم أكد ذلك بفعله، فقال: ((وكان عبدالله لا يقرأ وراء الإمام))، فأخبر بذلك أنه كان يفتى بالمنع من القراءة وراء الإمام، وأنه كان يأخذ بذلك فى خاصة نفسه، وهذا يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون لا يقرأ وراء الإمام فيما جهر فيه، وإن كان يقرأ وراءه فيما يسر فيه، وأتى باللفظ عامًا، والوجه الثانى: وهو الظاهر من اللفظ أنه كان لا يقرأ وراء الإمام جملة، ولكن أورده مالك، رحمه الله، وإن كان لا يأخذ بقوله فى أحد الموضعين ليبين قراءة الاختلاف فى ترك القراءة خلف الإمام ثم يسوغ له بعد ذلك إيراد دليل على ما يقول به منه. قَالَ يَحْتِى: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ وَرَّاءَ الإِمَامِ فِيمَا لا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ وَيَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ. الشرح: ذكر مالك، رحمه الله، بأثر قول ابن عمر رضى الله عنه ما يختاره ويراه بعد أن ذكر اختلاف الناس ثم احتج بعد ذلك على ترك القراءة وراء الإمام إذا جهر فى القراءة بالحديث الذى بعد هذا. ١٨٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنٍ أُكَيْمَةَ اللَّيْتِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ ١٨٨ - انفرد به مالك. وأخرجه من طرق أخرى الخطيب فى تاريخه ٤٢٦/١١ عن ابن مسعود. ١٨٩ - أخرجه الترمذى فى الصلاة حديث رقم (٢٨٧). والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح حديث رقم (٩١٩). وأبو داود فى الصلاة حديث رقم (٨٢٦). وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم (٨٤٩). وأحمد فى المسند حديث رقم (٧٢٢٨، ٧٧٦٠، ٧٧٧٤، ٧٩٤٧، ٩٩٤٥). ........... ٦١ كتاب الصلاة رَسُولَ اللَّهِ ﴿ اَنْصَرَفَ مِنْ صَلاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: ((هَلْ قَرَأَ مَعِى مِنْكُمْ أَحَدٌ آنِفًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((إِنِّى أَقُولُ مَا لِى أُنَازَعُ الْقُرْآنَ، فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَ﴾. من صلاة))، يحتمل أن يريد بها الدعاء، الشرح: قوله: ((انصرف رسول الله ويكون معنى جهر فيها بالقراءة بها، ويحتمل أن يريد بالصلاة الأفعال على ما تقدم. فصل: وقوله :﴿﴿ قال: ((هل قرأ معى أحد منكم آنفًا))، يدل على أنهم لم يجهروا بالقراءة، ولو جهروا بالقراءة، لقال: ما لى أنازع القرآن، كما قال حين أخبروه بالقراءة معه، ولو قرأ بعضهم لقال: من قرأ معى آنفًا، ويحتمل أن يكون ابتدائهم بالسؤال ليبين لهم العلم. فصل: وقوله :﴿19: (ما لى أنازع القرآن)) يريد، والله أعلم، أقول لكم ما لى أنازع القرآن، وقد يقال مثل هذا اللفظ لمعان، أحدها: أن يعاتب الإنسان نفسه، فيقول: ما لى فعلت كذا وكذا، وقد يقال ذلك لمعنى التثريب واللوم لمن فعل ما لا يجب، فيقول: ما لى أوذى وما لى أمنع حقى، وقد يقول ذلك إذا أنكر أمرًا غاب عنه سببه، فيقول الإنسان: ما لى لم أدرك أمر كذا، وما لى أوقف على أمر كذا، ومعنى ذلك فى الحديث ما الذى يظهر من إباحتى لكم القراءة معى فى الصلاة، فتنازعوا فى القراءة فيها، ومعنى منازعتهم له، لا يفردوه بالقراءة ويقرءون معه، فيكون ذلك منازعتهم له فى القراءة. وروی نحوه عن عیسی بن دینار، والتنازع یکون معنیین، أحدهما: معنی التجاذب، والثانى: بمعنى المعاطاة، قال الله تعالى: ﴿يتنازعون فيها كأسًا لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ [الطور: ٢٣]، أى يتعاطون. فصل: وقوله: ((فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله (488 فيما جهر فيه رسول الله ﴿ بالقراءة حين سمعوا ذلك))، يريد أنهم تلقوا إنكاره عليهم القراءة فيما جهر فيه بالانتهاء عما نهاهم عنه، وترك ما أنكر عليهم. وهذا الحديث أصل مالك، رحمه الله، فى ترك المأموم القراءة خلف الإمام فى حال الجهر لأنه لما علق حكم الامتناع من القراءة على الجهر كان الظاهر أن الجهر علة ذلك الحكم. وذهب الشافعى إلى أن القراءة واجبة على المأموم على كل حال. ٦٢ كتاب الصلاة والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وهذا يقتضى منع القراءة جملة وجميع الكلام ووجوب الإنصات عند قراءة كل قارئ إلا ما خصه الدليل. ودليلنا من جهة السنة ما رواه أبو صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا))، وهذا أمر، والأمر يقتضى الوجوب. ودليلنا من جهة القياس أن هذا حال ائتمام، فوجب أن تسقط معها القراءة عن المأموم، أصله ما لو أدر كه راكعًا. فصل: فإن كان الإمام ممن يسكت بعد التكبير، سكت، ففى المجموعة من رواية ابن نافع عن مالك: يقرأ من خلفه فى سكتته أم القرآن، وإن كان قبل قراءته. ووجه ذلك أن اشتغاله بالقراءة أولى من تفريغه للوسواس وحديث النفس إذا لم يقرأ الإمام قراءة ينصت لها، ويشتغل بتأملها وتدبرها. فصل: فإن قرأ المأموم خلف الإمام خال جهره بالقراءة، فبئس ما صنع ولا تبطل صلاته. وروى عن قوم: أن صلاته باطلة، وقد روى ذلك عن الشافعى. والدليل على صحة قولنا: أنها قراءة قرآن، فلم تبطل الصلاة. أصل ذلك حال الإسرار. مسألة: وصفة الجهر أن يسمع القارئ نفسه، فإن كان معه غيره أسمع من يليه من المأمومين، فأما المرأة فتسمع نفسها ولا تسمع غيرها، فى قراءة ولا تلبية لأن صوتها عورة، ولیست یإمام فتسمع غيرها روی ذلك على بن زياد عن مالك. مسألة: وقد اختلف أصحابنا فى الجهر والإسرار هل هما من واجبات الصلاة أو من هيئاتها، فمذهب مالك، رحمه الله، وأكثر أصحابه يقتضى أنها من الهيئات، ومذهب ابن القاسم يقتضى أنها من الواجبات، فمن جهر فيما يسر فيه وأسر فیما يجهر فیه، قال مالك: يسجد لسهوه، إلا أن يكون الشىء اليسير كقوله: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢]. وقد روى أشهب عن مالك: لا سجود عليه، ومن فعل ذلك عامدًا؟ قال ابن القاسم: يعيد الصلاة. وقال ابن نافع: لا يعيد. وهو مبنى على ما تقدم. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن من الصلوات ما يجهر فيها ومنها ما يسر فيها، فالتى يجهر ٦٣ ... كتاب الصلاة فيها بالقراءة الصبح والجمعة والركعتان الأولتان من المغرب والعشاء، ومن غير الفرائض صلاة العيدين والاستسقاء والوتر إذا أمَّ فيها، فأما الناس إذا أوتروا فى المسجد، فإنهم يسرون لأن كل واحد منهم يصلى لنفسه، فلا يجوز أن يجهر بعضهم على بعض فى القراءة. وأما ما يسر فيه من الفرائض فصلاة الظهر والعصر وما بعد الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء ومن غير الفرائض ركعتا الفجر وصلاة الكسوف. وأما النوافل التى لا تتقدر كصلاة الليل وغيرها فمن شاء أن يجهر فيها جهر، ومن شاء أن يسر فيها أسرَّ. قال ابن حبيب: الجهر فى الليل أفضل. وقال مالك: يستحب رفع الصوت فى صلاة الليل، وكان الناس يتواعدون بالمدينة لقيام القراء بالليل. قال الشیخ أبو محمد: ويستحب فى نوافل النهار. * * ما جاء فى التأمين خلف الإمام ١٩٠ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْهُمَا أَخْبُرَاهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِنُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْهِ)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ يَقُولُ: ((آمِينَ)). الشرح: قوله: ((إذا أمَّن الإمام فأمنوا))، ذهب بعض المفسرين إلى أن معناه بلغ موضع التأمين من القراءة. وقال بعضهم: معناه إذا دعا، قالوا، وقد يسمى الداعى مؤمَّنًا، كما يسمى المؤمَّن داعيًا، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] وإنما كان أحدهما داعيًا، والآخر مؤمنًا، والأظهر عندنا أن معنى تأمين الإمام قول: آمين، كما أن معنى أمنوا، قولوا: آمين، إلا أن يعدل عن هذا الظاهر، بدليل إن وجد إليه وجه سائغ فى اللغة. ١٩٠ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٨٠. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤١٠. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢٣٢. والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح حديث رقم ٩٢٥، ٩٢٦، ٠٩٢٧ وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٩٣٥، ٩٣٦. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ٨٥١، ٨٥٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١٤٧، ٧٢٠٣، ٧٦٠٤. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٢٤٦. ٦٤ . كتاب الصلاة وأما ما احتج به القائل أنه لما قيل للمؤمِّن داعٍ، وجب أن يقال للداعى مؤمن، فغير صحيح؛ لأن اللغة لا تؤخذ بالقياس، وإنما ثبتت بالسماع مع أن تأويله فى قوله تعالى: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ أن أحدهما كان داعيًا، والثانى كان مؤمنًا، يحتاج إلى دليل، وإلا فالظاهر أنهما كانا داعيين، ولا يمتنع ذلك فيهما، والأظهر فى الجواب فى هذا الحديث أن إخباره ﴿ عن تأمين الإمام لا يدل على وجوبه، ولا على الندب إليه لأنه قد يخبر عن فعل المباح ولا ينكر على فاعله. فصل: وقوله :﴿19: ((فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة)) من الإخلاص والخشوع وحضور النية والسلامة من الغفلة، وقيل معنى ذلك أن يكون دعاؤه للمؤمنين كدعاء الملائكة لهم، فمن كان دعاؤه على ذلك، فقد وافق دعاءهم، وقيل إن الملائكة الحفظة المتعاقبين يشهدون الصلاة مع المؤمنين، فيؤمنون إذا أمن الإمام، فمن فعل مثل فعلهم فى حضورهم الصلاة، وقولهم: آمين، عند تأمين الإمام، غفر له. وقال بعض الناس: معنى الموافقة، الإجابة، فمن استجيب كما يستجاب للملائكة غفر له ذنبه، وهذه تأويلات فيها تعسف لا يحتاج إليه ولا يدل على شىء منها دليل، والأولى حمل الحديث على ظاهره ما لم يمنع من ذلك مانع، ومعناه أن من قال: آمين، عند قول الملائكة: آمين، غفر له، وإلى هذا ذهب الداودى، ولا يمتنع أن يكون البارى تعالى يفعل ذلك من وافق قوله: آمين، قول الملائكة: آمين. وقوله: ((غفر له ما تقدم من ذنبه)) يقتضى غفران جميع الذنوب المتقدمة. فصل: وقول ابن شهاب: ((وكان رسول الله ﴿﴿ يقول: آمين))، مرسل، ولم يسنده أحد غير حفص بن عمر بن عبدالملك، وقد غلط فيه، والصواب أنه مرسل، ولو أسند لم يكن فيه ذلك التعلق؛ لأنه لم يقل: إن رسول الله ﴿﴿ كان يقول: آمين، فيما يؤم فيه جهرًا، وإنما قال ذلك قولاً مطلقًا، ولعله كان يقوله فيما يصلى فيه فذًا أو يؤم فيه سرًا. مسألة: وفى آمين لغتان، المد والقصر. وحكى الداودى فى آمين لغة ثالثة: آمين، بالمد والتشديد، وذكر أنها شاذة، وذكر ثعلب أنها خطأ. وذكر أبو محمد بن درستويه أن القصر ليس بمعروف فى الاستعمال، وإنما قصر الشاعر فى قوله: تباعد منى فطحل إن سألته أمين فزاد الله ما بيننا بعدا للضرورة إن کان قصره، وقد روی: ٦٥ كتاب الصلاة فآمين زاد الله ما بيننا بعدًا بالمد، ولم يرو أحد عن النبى 48: ((إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين))، إلا بالمد. قال: ومعنى آمين، اللهم استجب لى، وهى كلمة عبرانية أتت معربة مبنية على الفتح للياء التى قبل نونها. مسألة: ولا يخلو المصلى، إما أن يكون إمامًا أو مأمومًا أو فذًا، فأما الإمام، فلا يخلو أن يسر القراءة أو يجهر بها، فإن جهر بالقراءة، فاختلف قول مالك فى قوله: آمين، فروى عنه المصريون المنع من ذلك، وبه قال أبو حنيفة. وروى عنه مطرف وابن الماجشون أنه يقولها، وبه قال الشافعی. وجه رواية المصريين أن الإمام داع، ومن سنة المؤمن أن يكون غير الداعى. ووجه رواية المدنيين وهى عندى الخبر المتقدم، وهو محمول على الندب؛ لأن الأمة بين قائلين، قائل يقول: هو مندوب إليه، وقائل: يقول هو مكروه، فإذا بطلت الكراهية بإقرار النبى ﴿﴿ ثبت الندب؛ لأنه لا يجوز إحداث قول ثالث. ولا يعترض على هذا الحديث بقوله : «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين)) لأن الفاء فى الشرط لا تقتضى التعقيب، ولو اقتضت التعقيب، فإن خبر من روى: إذا أمن الإمام فأمنوا، يمنع منه، وأيضًا فإن الإمام إذا أسر آمين، فإن قول المأموم: آمين، يكون عقيب قوله: ولا الضالين، ويكون معنى قوله: إذا أمن الإمام فأمنوا، أى إذا قدرتم أنه أمن بقوله: ولا الضالين، فقولوا: آمين، عقب قوله: ولا الضالین، ویکون جمعا بين الحدیثین. ودليلنا من جهة القياس أن هذا إمام، فكان التأمين مشروعًا له، أصل ذلك إذا أسرَّ القراءة، وهذا إذا كان المأموم يسمع قراءة الإمام، وإن لم يسمعها، فلا يقل آمين، قاله عیسی بن دينار فى المدنية. ووجه ذلك أنه إذا تحرى قد يصادف تأمينه آية وعيد وليست، مما شرع التأمين عندها. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن قلنا برواية المصريين، فلا يحتاج إلى تفريع، وإن قلنا برواية المدنيين، إن الإمام يقول: آمين، فإنه يسرها ولا يجهر بها. وقال الشافعى: يجهر بها. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله : ((إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا ٦٦ كتاب الصلاة ........ .. الضالين، فقولوا: آمين)) والظاهر أنه لو كان تأمينه ظاهرًا العلق تأميننا به لا بقوله: ولا الضالین، إلا أنه به یعرف قوله: آمین. ودليلنا من جهة القياس أنه لو كان دعاء من غير الذكر حال القيام، فلم يكن من سنته الجھر کسائر ما يدعی به. مسألة: وإذا أسر الإمام القراءة، فلم يختلف أصحابنا فى أنه يقول: آمين، لأنه قد عرا دعاؤه من مؤمن عليه غيره، فلذلك أمن هو، وأما المأموم، فإنه يؤمن، فإن جهر الإمام بالقراءة، فإنه يؤمن عند قول الإمام: ولا الضالين، وإن أسر القراءة، فإنه يؤمن عند قوله هو: ولا الضالين، لأننا قد قدمنا أنه يقرأ فيما يسر الإِمام فيه بالقراءة، وأما الفذ، فإنه يؤمن عند تمامه بقراءة أم القرآن فيما جهر فيه بالقراءة أو أسر، ولا يجهر بقول: آمين کالإمام. ١٩١ - مَالِكِ، عَنْ سُمَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَّيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: (إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مّا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». الشرح: قوله: ((إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) يقتضى ظاهره أن من حكم الصلاة القراءة بأم القرآن وأن الصلاة معروفة غير خالية منها حتى صار لقراءتها ولانتها أحكام فى الصلاة للأئمة والمأمومين، ولو كان الإمام ربما تركها وقرأ بغيرها لقيل: إن قال الإمام: غير المغصوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين؛ لأن ((إذا)) تستعمل فيما لابد من وقوعه، يقال إذا طلع الفجر فصل، ولا يقال إن طلع الفجر فصل لأن ((إن)) إنما تستعمل فيما يشك فى وقوعه، فتقول: إن جاء زيد فأعطه درهمًا، ولا تقل: إذا جاء زيد فأعطه درهمًا، وأنت شاك فى مجيئه، هذا ظاهر الاستعمال فى كلام العرب. ١٩٢ - مَالِك، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ١٩١ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٨٢. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٢٤٥. وانظر: باقى التخريج فى الحديث السابق. ١٩٢ - انظر: تخريج الحديث السابق والذى قبله. ............. ٦٧ كتاب الصلاة قَالَ: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ وَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ فِى السَّمَاءِ: آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». الشرح: الحديثان المتقدمان يختصان بالمأموم، وهذا الحديث عام فى كل قائل: آمين، ودعا إليه وحض علیه بقوله: إن من هذه حاله إذا وافق قول الملائكة آمین غفر له ما تقدم من ذنبه، وهذه حال يرجوها كل مؤمن، إلا أن يقوم الدليل على المنع. وبهذا الحديث يتبين ما ذهبنا إليه من أن موافقة تأمين المصلى تأمين الملائكة معناه أن يقول العبد مع قول الملائكة، وخص فى هذا الحديث ملائكة السماء، يريد من كان من الملائكة لأنهم أهل السماء، ويحتمل أن يريد به من كان منهم عند ذلك فى السماء، ولا يمتنع أن يكون البارى تعالى قد جعل الملائكة تقول: آمين، عند دعاء المصلى بأم القرآن، فإذا وافق تأمينه تأمينهم كان دليلا على إرادة الله تعالى مغفرة ما تقدم من ذنبه، وأن ذلك لا يتفق ممن لم يرد الله تعالى أن يغفر له نسئل الله تعالى أن يتفضل علينا بمغفرته ولا يحرمنا إياها برحمته. فإن قيل قد تقدم من حديث أبى هريرة أنه بالوضوء يخرج نقيًا من الذنوب، ومن حديث الصنابحى مثل ذلك، وأن مشيه إلى المسجد يكون نافلة له، فما الذى يغفر له بقول: آمين؟ قال الداودى: يحتمل أن يكون قال هذا قبل قوله فى الوضوء ويحتمل أن يكون قاله بعد حديث الوضوء، فيكون معناه أن يغفر له ما يحدث فى ممشاه من الذنوب، وهذا على ما قال ويحتمل مع ذلك أن يكون هذا بقرائن لم يطلعنا الله عليها من استصحاب نية وتمام خشوع، وأنه من عدم ذلك عند الوضوء غفرت ذنوبه عند قوله مع الملائكة: آمين، ويحتمل أيضًا أن يختص كل شىء من ذلك بغفران نوع من الذنوب، والله أعلم، ونبينا الصادق المعروف ١٩٣ - مَالِك، عَنْ سُمَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللِّ ﴿ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ خَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنْهُ مَنْ وَافَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غْفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْهِ). ١٩٣ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٩٦. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٠٩. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢٤٧. والنسائى فى التطبيق حديث رقم ١٠٦٣. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٨٤٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ٩١٢١، ٢٧٢٠٩، ٩٦٠٧. .. ٦٨ كتاب الصلاة الشرح: قوله : ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد) يدل على أن سنة الإمام أن يقول: سمع الله لمن حمده، فى موضع مخصوص، وقد ورد بیانه من غیر وجه. قال الشیخ أبو إسحاق: إن قول الإمام سمع الله لمن حمده، على معنى الدعاء، فمعناه اللهم اسمع لمن حمدك، فيقول المأموم: اللهم ربنا ولك الحمد، کالداعى والمؤمن. قال القاضى أبو الوليد: والأظهر عندى أن يكون معنى الترغيب فى التحميد، وقد أكد ذلك ﴿ بقوله: ((فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) ومعنى الموافقة فى ذلك يحتمل ما قدمنا ذكره فى التأمين إلا أن فى هذا الخبر لم يبين أن قول الملائكة كقول المأموم: اللهم ربنا ولك الحمد. وقد اختلف أهل العلم فى مسائل من الفقه تتعلق بهذا الحديث، إحداها: قول الإمام سمع الله لمن حمده، هل يقول معها: اللهم ربنا ولك الحمد أم لا؟ فذهب مالك إلى أن الإمام لا يقول ذلك. وقال عيسى بن دينار وابن نافع: يقول الإمام اللفظتين، وكذلك المأموم، وبه قال الشافعی. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك الحديث المذكور، وهو قوله 49: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد))، فقد خص الإمام بلفظ، وخص المأموم بلفظ آخر، فیجب أن یکون ما أضافہ إلی کل واحد منھما يختص به دون ما أضافه إلى غيره، وإلا بطل معنى التخصيص. ودليلنا من جهة القياس أنه انتقال من ركن إلى ركن، فوجب أن يكون ذكره واحدًا فى حق الإمام كالذكر فى القيام من السجود والكلام فى المأموم كالكلام فى الإمام لأن الخلاف فيهما واحد، وأما المنفرد، فإنه يقولهما لأن كل ما يقوله المأموم على سبيل الإجابة للإمام بغير لفظه، فإن المنفرد يأتى بهما جميعًا. أصل ذلك آخر أم القرآن وقول آمین. مسألة: ولا خلاف فى صفة ما يقوله الإمام من ذلك، وقد اختلف العلماء فيما يقوله المأموم واختلفت الآثار فى ذلك، فروى فى هذا الحديث: اللهم ربنا لك الحمد، بزيادة اللهم، ونقصان الواو من قوله: ولك الحمد. وفى حديث عائشة وأنس: ربنا ولك، وفى حديث سعيد عن أبى هريرة: اللهم ربنا ولك الحمد. وروى عن مالك أنه كان يقول: اللهم ربنا ولك الحمد، واختاره ابن القاسم. وروى عنه أنه كان يقول: اللهم ربنا لك الحمد، واختاره أشهب. ٦٩ كتاب الصلاة وجه ما اختاره ابن القاسم أن سعيد بن أبى سعيد قد رواه، وهو ثقة والأخذ بالزائد أولى، إذا كان ثقة. ومن جهة المعنى أنه زيادة فى لفظ الذكر. ووجه ما اختاره أشهب أن الواو الزائدة فى الكلام لا تفيد معنى، فكان حذفها أولى. وقد قال الداودى: إنها واو الابتداء كقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [آل عمران: ١٣٣] فى قراءة من قرأها والله أعلم. قال القاضى أبو الوليد: ويحتمل عندى أن يكون معنى الكلام ((اللهم افعل ولك الحمد)). إذا ثبت ذلك، فإن قول المصلى سمع الله لمن حمده يحتمل الإخبار عن ذلك على وجه الإذكار لمن معه من المأمومين إذ الصلاة مبنية على الجماعة، ويحتمل أن تكون بمعنى الدعاء أن يسمع الله لمن حمده، ويكون معنى يسمعه أى يثيبه ويتقبل منه، وقول المأموم: اللهم ربنا لك الحمد، معناه المبادرة إلى فعل ما دعا إليه، والعمل بما دعا له، أى يثاب عليه ويتقبل منه. العمل فى الجلوس فى الصلاة ١٩٤ - مَالِك، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِىِّ أَنَّهُ قَالَ: رَآنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصْبَاءِ، فِى الصَّلاةِ فَلَمَّا أَنْصَرَفْتُ نَهَانِى وَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ يَصْنَعُ فَقُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َهُ يَصْنَعُ، قَالَ: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِى الصَّلاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِإِصْبُعِهِ الَّتِى تَلِى الإِنْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ. الشرح: قوله: ((رآنى عبدالله بن عمر، وأنا أعبث بالحصباء فى الصلاة))، يحتمل أن يكون عبدالله بن عمر فى الصلاة أيضًا، وينظر إليه على غير قصد، فأخر تعليمه بسبب الصلاة وأخبر أنه لا يجوز العبث فى الصلاة بشىء من الأشياء، ولم يقتصر عبدالله بن عمر على ذلك لأنه ليس فى منعه من العبث بالحصباء منعه من غير ذلك حتى قال: ١٩٤ - أخرجه مسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٥٨٠. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢٧١. والنسائى فى الصغرى فى التطبيق حديث رقم ١١٦٠. والسهو ١٢٦٦، ١٢٦٧. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٩٨٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ٥٠٢٣.