النص المفهرس

صفحات 501-520

كتاب الصلاة
٣٠
رفعهما عند الانحناء للركوع، وتابعه على ذلك أبو مصعب والقعنبى وجماعة من
أصحاب الموطأ، وزاد الرفع عند الانحناء، جماعة من الحفاظ منهم يحيى بن سعيد القطان
وعبدالرحمن بن مهدى وعبدالله بن المبارك وعبدالرحمن بن القاسم وغيرهم. وقولهم
أولاً؛ لأنهم زادوا وفيهم جماعة من الحفاظ الأثبات.
١٦٠ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ؛
أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ يُكَبِّرُ فِى الصَّلاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمْ تَزَلْ يِّلْكَ
صَلَانَهُ حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ.
الشرح: قوله: ((كان رسول الله ﴾ يكبر فى الصلاة كلما خفض))، يريد بالخفض
الركوع والسجود، وبالرفع الرفع من السجود. وأما الرفع من الركوع، فقد تقدم أن
حكمه التحميد دون التكبير والتكبير والتحميد للانتقال من حال إلى حال، وحكمه أن
یکون فى نفس الخفضین.
وأما الرفع عند التكبير الذى يكون عند القيام إلى الثالثة، فإن حكمه عند مالك أن
يكون إذا استوى قائمًا. وقال الشافعى: يكبر فى نفس القيام.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذا رفع رأس من سجود فلم يشرع فيه
أكثر من تكبيرة واحدة إلى استيفاء القيام، كالقيام من الركعة الأولى، ولما لم يكن بد من
اختصاص إحدى الحالتين بالتكبير، اختص بها رفع الرأس من السجود؛ لأنه ابتداء العمل
وابتداء التكبير عند ابتداء العمل، فعرا آخر القيام من تكبير.
ومن حكمه أيضًا أن لا ينتقل من عمل إلى عمل إلا بتكبير، فاختص بذلك أول
القيام فى الركعة الثانية لمعنيين، أحدهما: أنه أول الوقوف. والثانى: أنها حال قد شرع
فيها تكبير، وهى تكبيرة الإحرام، وأما القيام من الجلوس فإنه آخر عمل فلم يشرع فيه
ابتداء تکبیر، والله أعلم.
١٦١ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾
كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى الصَّلاةِ.
١٦٠ - قال ابن عبدالبر: لا أعلم بين رواة الموطأ خلافًا فى إرسال هذا الحديث. انظر: (التمهيد،
باب افتتاح الصلاة، حدیث ثان لابن شهاب عن على بن حسین مرسل).
١٦١ - قال ابن عبدالبر: هكذا هذا الحديث مرسلا عند كل من رواه عن مالك، وكذلك رواه
شعبة، عن یحیی بن سعید. انظر: (التمهید، حدیث ثالث عشر لیحیی بن سعيد).

٣١
.....
كتاب الصلاة
الشرح: قوله: ((كان يرفع يديه فى الصلاة))، إخبار عن رفعهما فى الجملة، ولم يعين
موضع رفعهما، فلا حجة فيه إلا على من منع الرفع جملة.
١٦٢ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةً كَانَ يُصَلَّى لَهُمْ، فَيُّكَبِّرُ كُلِّمَا حَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنّى
الأَشْبَهُكُمْ بِصَلاةِ رَسُولِ اللَِّ ﴿﴾(١) .
الشرح: قوله: ((كان يكبر كلما خفض أو رفع)»، ثم يقول: ((والله إنى لأشبهكم
بصلاة رسول الله (4))، يقتضى الشبه من وجهين، أحدهما: أنه قال: إنى لأشبهكم
بصلاة رسول الله ﴾، وهذا عام فى التكبير وغيره، والثانى: أن الراوى إنما ذكر من
صلاة أبى هريرة التكبير، فدل ذلك على أنه هو الذى قصد به الشبه بصلاة رسول الله
®)، وقد قال بعض الناس: إن التكبير ليس مشروع كلما خفض ورفع، ویروى ذلك
عن عكرمة، وقد وقع الإجماع على التكبير.
مسألة: وقال بعض أصحابنا: إن التكبير غير واجب إلا تكبيرة الإحرام خلافًا لأحمد
ابن حنبل فى قوله: إن التکبیر کله واجب.
والدليل على ذلك أن هذا تكبير فى الصلاة لم يشرع للافتتاح، فلم يكن واجبًا
کالتکبیر فی العیدین.
قال القاضى أبو الوليد: إن معنى قول أصحابنا: ليس بواجب، أنه ليس بشرط فى
١٦٢ - أخرجه البخارى كتاب الأذان برقم ٧٨٥. ومسلم كتاب الصلاة برقم ٣٩٢. والترمذى
كتاب الصلاة برقم ٢٣٦. والنسائى كتاب الافتتاح برقم ١٠٢٣. وأبو داود كتاب الصلاة
برقم ٨٣٦. وأحمد بالمسند برقم (٧١٧٩، ٧٦٠١، ٨٠٥٦). والدارمى كتاب الصلاة برقم
٠١٢٤٨
(١) قال ابن عبدالبر: فى هذا الحديث من الفقه أن حكم الصلاة أن يكبر فى كل خفض
ورفع منها، وأن ذلك سنتها وهذا قول مجمل لأن رفع الرأس من الركوع ليس فيه تكبير إنما
هو التحميد بإجماع، فتفسير ذلك أنه كان يكبر كلما خفض ورفع إلا فى رفعه رأسه من
الركوع لأنه لا خلاف فى ذلك. وفيه أن الناس لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك، ولذلك قال:
أنا أشبهكم صلاة برسول الله:﴿، ومما يدلك على ذلك ما ذكره ابن أبى ذئب فى موطئه، عن
سعيد بن سمعان، أنه قال: ثلاث كان رسول الله 8# يفعلهن تركهن الناس: كان إذا قام إلى
الصلاة رفع يديه مدًا، وكان يقف قبل القراءة هنية يسأل الله من فضله، وكان يكبر كلما
خفض ورفع. انظر: (التمهيد، حديث ثان لابن شهاب عن أبى سلمة).

٣٢
كتاب الصلاة
صحة الصلاة وأما مسائل أصحابنا، فإنها تقتضى وجوبه، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((إنى لأشبهكم بصلاة رسول الله ﴿))، دليل على اقتدائهم بصلاته
وحرصهم على الشبه به وفخرهم بالمزية فى ذلك، وترك الجماعة الإنكار عليه والرد
لقوله، دلیل علی صدقه.
١٦٣ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
كَانَ يُكَبِّرُ فِى الصَّلاةِ، كُلِّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ.
الشرح: قوله: ((كان يكبر فى الصلاة كلما خفض ورفع))، يقتضى ذلك فى جميع
الصلاة إلا أنا تخصه بالدليل فى رفع رأسه من الركوع، وقال ابن حبيب: إن التكبير فى
السجود أخفض منه فى الركوع، ولا وجه له نعلمه إلا أن يكون للاتباع إن كان فيه
أثر، فالاتباع احسن.
وقد قال مالك: أحب للمأموم أن لا يجهر بالتكبير، وبقوله: ربنا لك الحمد، فإن
جهر بذلك جهرًا يسمع من يليه، فلا بأس بذلك وأحب إلى أن لا يجهر معه إلا بالسلام
جھرًا یسمع من يليه.
١٦٤ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ
حَذْوَ مَنْكِّهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ.
الشرح: قوله: «إذا رفع رأسه من الر کوع، رفعهما دون ذلك))، مخالف لما رواه
سالم بن عبدالله عنه أنه کان یرفع یدیه عند الافتتاح حذو منکبیه، و کان یرفع یدیه عند
رفعه من الركوع كذلك، ويحتمل أن يكون عبدالله بن عمر كان يفعل الأمرين جميعًا،
ویری ذلك واسعًا فيهما.
١٦٥ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ
١٦٣ - أخرجه ابن ماجه برقم (٨٥٨). وأبو داود عن ابن عمر كتاب الصلاح برقم (٧٤١،
٧٤٢).
١٦٤ - انفرد به مالك. وأخرجه من طرق أخرى البخارى بكتاب الأذان، باب رفع اليدين فى
التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء جـ٢٩٤/١ عن ابن عمر. ومسلم بكتاب الصلاة، باب
استحباب رفع الیدین حذو المنکبین حديث رقم ٢١ جـ٢٩٢/١ عن ابن عمر.
١٦٥ - انفرد به مالك.

٣٣
كتاب الصلاة
يُعَلِّمُهُمُ التّكْبِرَ فِى الصَّلاةِ، قَالَ: فَكَانَ يَأْمُرُّنَا أَنْ نُكَبِّرَ كُلِّمَا خَفَضْنَا وَرَفَعْنَا.
الشرح: قوله: (( کان یعلمهم التكبير فى الصلاة»، دليل على أنه کان عنده مؤكد
أحكام السنن فى الصلاة، ولذلك كان يهتبل به اهتبالاً يخصه بالتعليم.
١٦٦ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الرَّكْعَةَ فَكَبَّرَ
تَكْبِرَةٌ وَاحِدَةٌ أَجْرَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ الْكْبِيرَةُ.
قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ إِذَا نَوَى بِتِلْكَ التَّكْبِرَةِ افْتِتَاحَ الصَّلاةِ.
الشرح: قوله: ((إذا أدرك الرجل الركعة فكبر))، يريد إدراك مع أصلها الإمام ولم
يفته ذلك، وهو بأن يصير الإمام إلى رفع الرأس من الركوع فيها قبل أن يدخل معه فى
الصلاة بالإحرام لها.
فصل: وقوله: ((فكبر تكبيرة واحدة أجزأت عنه تلك التكبيرة))، قال ابن المواز:
وتلك التكبيرة يجب أن تكون قبل خفض المأموم إلى الركوع لأنه لابد للمأموم من جزء
من القيام فى افتتاح الصلاة لأنه لا يجوز أن يفتتحها راكعًا، وإنما يفتتحها قائمًا وأقل ما
يجزئه من القيام قدر تكبيرة الإحرام لأن الإمام يحمل عنه القراءة، فيحمل عنه قيامها، ولما
لم يحمل عنه تكبيرة الإحرام لم يحمل عنه قيامها.
وظاهر ما قاله مالك فى المدونة مخالف لهذا القول لأنه قال: فإن كبر للركوع ينوى
بذلك تكبيرة الافتاح أجزاته صلاته، وإن لم ينو بها تكبيرة الافتتاح تمادى، وأعاد
الصلاة والتكبير للركوع لا يكون فى حال القيام، وإنما يكون فى نفس الانحطاط إلا أنه
لما ابتدأه فى آخر أجزاء القيام أجزأه.
فصل: وقوله: ((إذا نوى بتلك التكبيرة))، تكبيرة الافتتاح التى ليست كذلك، ولا
تتميز من غيرها إلا بمقارنة النية، والله أعلم.
سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ مَعَ الإِمَامِ فَنَسِىَ تَكْبِيرَةً الافْتَاحِ وَتَكْبِيرَةَ الرُُّوعِ
حَتَّى صَّلَّى رَكْعَةٌ ثُمَّ ذَكَّرَ أَنْهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ تَكْبِرَةً الأفْتَاحِ وَلَا عِنْدَ الرُّكُوعِ وَكَبَّرَ
فِى الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ، قَالَ: يَبْتَدِئُ صَلَهُ أَحَبُّ إِلَّىَّ وَلَوْ سَهَا مَعَ الإِمَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ
١٦٦ - انفرد به مالك. وأخرجه من طرق أخرى أحمد ٣١٨/٢ عن أبى هريرة. وذكره الزيعلى فى
نصب الراية ٢٠٠/٢ كتاب الصلاة، وعزاه لمسلم، عن أبى هريرة . .

كتاب الصلاة
٣٤
الأفْتَاحِ وَكَبَّرَ فِى الرُّكُوعِ الأَوَّلِ رَأَيْتُ ذَلِكَ مُحْزِيًّا عَنْهُ إِذَا نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةً
الافتتاحِ.
الشرح: وهذا كما قال أنه إذا ركع دون تكبير أنه يبتدئ الصلاة متى ما ذكر؛ لأنه
لا خلاف أنه لم يدخل فى صلاة لأنه لم توجد منه نية الدخول فيها ولا لفظه، فهو إذا
ذكر كمن أدرك الإمام ذلك الوقت، وعليه أن يبتدئ الصلاة، فإن كبر للركوع ينوى
بذلك تكبيرة الافتاح أجزأ ذلك عنه على ما قدمناه.
مسألة: وإن كان كبر للركوع أول ركعة ولم ينو الافتتاح، فهل يتمادى فى الصلاة
أو يبتدئها؟ عن مالك فى ذلك روايتان، إحداهما: أنه يبتدئها، والثانية: أنه يتمادى
ویعیدها.
وجه الرواية الأولى أنها صلاة لا تجزئه ولا تبرأ بها ذمته من الصلاة، فلا يتمادى
عليها كما لم لو يكبر للركوع.
ووجه آخر، أنه تفوته صلاة الجماعة بالتمادى عليها، ثم يقضى الصلاة بنفس
الانفراد مع التمكن من فضيلة الجماعة.
ووجه الثانية ما احتج به مالك من أنها صلاة مختلف فيها؛ لأن ابن شهاب يرى أنها
مجزئة عنه، وربيعة يقول: لا تجزى عنه، فقد عقد ركعة من صلاة مختلف فيها، فيكره أن
يبطل صلاته وعملاً قد اختلف العلماء فى إجزائه لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾
[محمد: ٣٣] والأفضل أن يتمادى عليها ثم يعيدها، فيجمع بين القولين.
مسألة: وهذا فى الركعة الأولى، فأما إن دخل مع الإمام بعد ركعة، فأكثر، فنسى
الإحرام، فليكبر متى ما ذكر كبر للركوع أو لم يكبر، وليس عليه أن يقطع بسلام ولا
کلام، قاله ابن حبيب.
وروى على بن زياد عن مالك أنه إن کبر للركوع فى الثانية تمادى وأعاد. زاد ابن
المواز: بعد أن يقضى ركعة.
وجه قول ابن حبيب أن الوارد للصلاة والعامد إليها لا يتصور أن لا توجد منه نية
إليها، فإذا نسيها عند تكبيرة الإحرام، فالذى حكاه القاضى أبو محمد عن المذهب أنها
لا تجزئه، وهو قول الشافعى.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وهو عندى معنى قول مالك وربيعة. وعند أبى

٣٥٠٠٠
......
...
كتاب الصلاة .
حنيفة أنها تجزئه إذا نواها قبل التكبير عند القيام للصلاة، وإن نسيها عند التكبير، وهو
معنى قول سعيد بن المسيب وابن شهاب، فإذا وجدت منه النية عند القيام للصلاة، ولم
يكبر للإحرام وكبر للركوع، اقتضت النية المتقدمة بتكبيرة الركوع فأجزأته عند سعيد
بن المسيب وابن شهاب، ولم تجزه عند ربيعة ما لم تقارن النية التكبير، وإن لم يكبر
للركوع للركعة الأولى وكبر الركعة الثانية فصل بين النية المتقدمة وبين تكبيرة الركعة
الثانية عمله للركعة الأولى، فلم يصح انتظامها بها لأنه لا خلاف بين المسلمين فى أنه لا
يجوز أن يفصل بين النية وبين تكبيرة الإحرام عمل كثير ولا مدة طويلة، والله أعلم.
وهذا فيمن دخل مع الإمام فى أول ركعة، فلم يكبر إلا للركوع فى الركعة الثانية،
وأما من دخل مع الإمام فى الركعة الثانية، فإن حكمه حكم من دخل معه فى الركعة
الأولى ولا فرق بينهما، والله أعلم.
ووجه رواية على بن زياد أن تمام الصلاة على تكبيرة الركوع إنما هو لئلا يبطل عملاً
مختلفًا فى إجزائه، وهذا موجود فى مسألتنا فيجب إتمامها.
مسألة: ومن نسى تكبيرة الإحرام فى الجمعة، فقد روى يحيى عن ابن القاسم، يجزيه
فى هذا خاصة أن يكبر فى الثانية، ويجعلها أولاه، رواه ابن حبيب عن مالك. وفى
المجموعة عن ابن القاسم: يتمادى ويعيدها ظهرًا.
وجه رواية يحيى أن سائر الصلوات تصح من غير إمام، فيتمادى مع الإمام لما ذكرناه
ويعيدها لأن تماديه لا يفيتها، والجمعة لا تصح بغير إمام، فتماديه مع الإمام فى صلاة لا
تجزیه یفيت الجمعة التى تجزیه.
ووجه الرواية الثانية أن هذا نسى تكبيرة الإحرام ثم ذكرها بعد أن کبر للركوع،
فيلزمه التمادى كمصلى العصر وغيرها.
قَالَ مَالِك فِى الْذِى يُصَلّى لِنَفْسِهِ فَسِىَ تَكْبِرَةَ الافْتَاحِ: إِنّهُ يَسْتَأْنِفُ صَلاَهُ.
الشرح: وهذا كما قال، وحكمه مخالف لحكم المأموم لأن المأموم تحمل عنه القراءة
والقيام لها، فلذلك كان فى أمره ما تقدم، وأما الفذ فلا يحمل ذلك عنه أحد، وهو
شرط فى صحة الصلاة، فلذلك لم يشكل أمره ولم يختلف أن ما عمل ليس بصلاة ولا
مجزئ عنه، فكان عليه استئناف الصلاة على كل حال وترك الاعتداد ما تقدم منها
والإمام كالفذ.

كتاب الصلاة
٣٦
قَالَ مَالِكْ فِى إِمَامٍ يَنْسَى تَكْبِرَةَ الافْتِتَاحِ حَتّى يَفْرُغَ مِنْ صَلاتِهِ. قَالَ: أَرَى أَنْ
يُعِيدَ وَيُعِيدُ مَنْ خَلْفَهُ الصَّلاةَ وَإِنْ كَانَ مَنْ خَلْفَهُ قَدْ كَبِّرُوا فَإِنْهُمْ يُعِيدُونَ.
الشرح: وهذا كما قال لأن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، فإذا أسقطها
الإمام ساهيًا أو عامدًا لم تصح صلاته، وتعدى فساد ذلك إلى صلاة المأموم كما لو ترك
الركوع والسجود، فإن ذلك يفسد صلاة من خلفه، وإن ركعوا وسجدوا، والله أعلم.
القراءة فى المغرب والعشاء
١٦٧ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ه قَرَّأَ بِالطُّورِ فِى الْمَغْرِبِ.
الشرح: قوله: ((سمعت رسول الله ﴿﴿ قرأ بالطور فى المغرب))، يريد أنه قرأ بها
بعد فاتحة الكتاب بما يأتى بعد هذا من الأدلة على وجوب القراءة بأم القرآن، والقراءة
فى الصلاة على ضربين، فرض ونفل.
فأما الفرض، فهو قراءة أم القرآن، وسيأتى بعد هذا بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما النفل فهو قراءة سورة مع أم القرآن فى الركعتين الأوليين من الصلاة. والأصل فى
ذلك ما أخرجه البخارى من حديث أبى قتادة أن النبى ﴿ كان يقرأ فى الظهر فى
الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفى الركعتين الأخريين بأم الكتاب.
فرع: إذا ثبت ذلك، فإن القراءة فى جميع الصلوات على نحو ما ذكرنا من قراءة
السورة مع أم القرآن فى الركعتين الأوليين، وأى سورة قرأ بها أجزأته، إلا أنه يختار
التطويل فى بعض الصلوات والتخفيف فى بعضها، فأطول الصلوات قراءة الصبح ثم
الظهر ثم العشاء الآخرة ثم المغرب والعصر، وهما متساويتان، وهذا كله قول مالك،
وإن كان الرواة عنه لذلك غير واحد.
فرع: إذا ثبت ذلك، فإنه يستحب أن يقرأ فى الصبح بطوال المفصل، ويقرأ فى
١٦٧ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٦٥. مسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٦٣.
النسائى فى الصغرى فى الافتتاح حديث رقم ٩٨٧. أبو داود فى الصلاة ٨١١. ابن ماجه فى
إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ٨٣٢. أحمد فى المسند حديث رقم ١٦٢٩٣،
١٦٣٢١، ١٦٣٣٢. الدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٢٩٥.

.......... ٣٧
كتاب الصلاة
الظهر بأقصر من ذلك، ويقرأ فى العشاء الآخرة ﴿إذا الشمس كورت﴾ [التكوير: ١]
ونحوها، ويقرأ فى العصر والمغرب بقصار المفصل. قال ابن حبيب: يقرأ فيها بـ(ق))
و((الضحى)) إلى آخر القرآن.
١٦٨ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَبَّاسٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَغْرَأُ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ
عُرْفًا﴾ فَقَالَتْ لَّهُ: يَا بُنَىَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَتِى بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ إِنَّهَا لِآخِرُ مَا سَمِعْتُ
رَسُولَ اللّهِ ﴿ يَقْرَأُ بِهَا فِى الْمَغْرِبِ.
الشرح: قولها: ((لقد ذكرتنى بقراءتك هذه السورة))، يحتمل أن تريد بذلك أنه
ذكرها قراءة رسول الله ﴾ إياها، ويحتمل أن يكون ذكرها بقراءته إياها، ثم فسرت أن
ذلك الذى ذكرها آخر ما سمعت رسول الله لا يقرأ بها فى المغرب، ويحتمل ذلك
معنيين أحدهما: أن تريد بذلك أنها آخر قراءة سمعته ﴿ يقرأ بها فى المغرب، وأن
ذلك صادف قراءته إياها فى المغرب، ويحتمل أن يريد أنها آخر ما سمعته يقرأ بها فى
المغرب، وإن جاز أن تكون سمعته يقرأ بها فى غير المغرب.
١٦٩ - مَالِك، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنٍ
نُسَىِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِىِّ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِى
خِلافَةٍ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ وَرَاءَهُ الْمَغْرِبِ، فَقَرَّأَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيْنِ بِأُمِّ
الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ ثُمَّ قَامَ فِى الْثّلِفَةِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ خَتَّى إِنَّ ◌ِيَابِى
لَتَكَادُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابَهُ فَسَمِعْتُهُ قَرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِهَذِ الآيَةِ ﴿رَبَّنَا لا تُرِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
الشرح: قوله: ((قدمت المدينة فى خلافة أبى بكر))، لا دليل فيه على أنه لم يقدمها
قبل ذلك مرة أخرى؛ لأنه يحتمل أن يريد أنه قدمها فى خلافة أبى بكر، وذلك بعد أن
١٦٨ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٦٣، مسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٦٢،
الترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢٨٣. وأبو داود حديث رقم ٨١٠. وابن ماجه فى إقامة
الصلاة والسنة فيها حديث رقم ٨٣١. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٦٣٣٠. والدارمى فى
الصلاة حديث رقم ١٢٩٤.
١٦٩ - انفرد به مالك.

كتاب الصلاة
٣٨ .
قدمها قبل خلافته، ويحتمل أن يريد به أول قدمة قدم المدينة كانت فى خلافة أبى بكر
ـگ بخمس ليال.
إلا أنه قد روى عن أبى عبدالله الصنابحى أنه قال: فاتنى النبى
فصل: وقوله: ((فصليت وراءه المغرب، فقرأ فى الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة
سورة من قصار المفصل))، على حسب ما قدمناه من أن ذلك المستحب فى الجماعة
والعدد الذى لا يؤمن أن يكون فيهم الضعيف والصائم والمستعجل.
فصل: وقوله: ((ثم قام فى الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابى لتمس ثيابه))، يحتمل أن
يريد بدنوه منه تأخير أبى بكر حتى قرب من الصف الذى كان فيه أبو عبدالله
الصنابحى، ويحتمل أن يريد أن الصف كله تقدم حتى قربوا من مقام أبى بكر، وإن كان
يحتمل من جهة اللفظ أن يكون أبو عبدالله دنا وحده حتى قرب من مقام أبى بكر إلا أنه
يكره لواحد من أهل الصف أن يخرج عنهم ويتقدم عليهم حتى يقرب من الإمام، لما
سنذكره بعد هذا إن شاء الله فيما يلزم من إقامة الصف فى الصلاة إلا أن يكون أبو
عبدالله صلى وحده مع أبى بكر عن يمينه فقرب منه فى الركعة الثالثة ما لم يقرب فى
الركعتين قبلها، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((فقرأ بأم القرآن))، وبهذه الآية: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾
يحتمل أن يكون أبو بكر دعا بهذه فى آخر الركعة على معنى الدعاء لمعنى تذكره أو
خشوع حضره لا على معنى أنه قرن قراءته تلك بقراءة أم القرآن على حسب ما تقرن
بها قراءة السورة فى الركعتين الأوليين، والله أعلم.
١٧٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ يَقْرَأُ فِى
الأَرْبَعِ جَمِيعًا فِى كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنَ الَّقُرْآنِ وَكَانَ يَقْرَأُ أَحْيَانًا
بِالسُّورَتَيْنِ وَالثّلاثِ فِى الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ صَلاةِ الْفَرِيضَةِ وَيَقْرَأُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ
الْمَغْرِبِ كَذَلِكَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ.
الشرح: قوله: ((إذا صلى وحده)، الحديث، يريد أن فعله إنما كان فيما ينفرد به من
الصلوات.
فصل: وأما قراءته فى الأربع ركعات بسورة مع أم القرآن، فإن جعلناه على ظاهره،
فيحتمل أن يفعل ذلك عبدالله بن عمر إذا صلى وحده حرصًا على التطويل فى الصلاة،
١٧٠ - انفرد به مالك.

٣٩
كتاب الصلاة
إن كانت الأربع ركعات فريضة، ويحتمل أن يفعل ذلك فى النافلة، غير أن لفظ ((الأربع
ركعات)) فى الفريضة أظهر؛ لأنه لا عرف فى الشرع لأربع ركعات من النافلة، فحمل
اللفظ عليها أولى، إلا أن يريد بالأربع ركعات من النافلة فى وقت كانت تفردت فيه
نافلته بأربع ركعات قبل الظهر أو بعدها، أو فى أربع ركعات كان يجمع بينهما بتسليم
واحد سهوًا أو تجويزًا، يبين ذلك أنه لما وصف قراءته فى الفريضة بينها فقال: ويقرأ فى
الركعتين من المغرب بأم القرآن وسورة سورة، وأيهم ذكر هذه الأربع ركعات، والله
أعلم.
وقد كره مالك أن يقرأ فى الركعتين الأخيرتين بشىء سوى أم القرآن. وقال
الشافعى: يقرأ فى الأربع ركعات كلها بأم القرآن وسورة سورة.
والدليل عى صحة ما ذهب إليه مالك الحديث المتقدم ((أن رسول الله ﴿ كان يقرأ
فى الظهر فى الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين، وفى الركعتين الأخيرتين بأم
القرآن ويسمعنا الآية، ويطول فى الركعة الأولى ما لا يطول فى الثانية، وهكذا فى
العصر).
ومن جهة المعنى أن الركعتين الأخيرتين مبنيتان على الحذف والاختصار، ولذلك
أسرت قراءتهما ولم يجهر فيهما فى صلاة الجهر.
فصل: وقوله: ((وكان يقرأ أحيانا بالسورتين والثلاث فى الركعة الواحدة من
الفريضة))، يحتمل أن يفعل ذلك رغبة فى تطويل القراءة، واحترازًا ممن يدخل معه فى
الصلاة من الضعفاء، فكان إذا شرع فى الصلاة قرأ من السور بعد أم القرآن ما يستحب
أن يقرأ به فى مثل تلك الصلاة فى الجماعة خوفًا أن يشرع فى قراءة سورة طويلة،
فيدخل معه فى الصلاة من لا يقوى على القيام، فيشرع لذلك فى قراءة سورة قصيرة،
فإذا فرغ منها وأراد من طول الصلاة أكثر من ذلك، زاد سورة أخرى مثلها ثم ثالثة
حتى يبلغ غرضه من طول القراءة.
ولو أراد التطويل من أول قراءته وعزم عليه لشرع فى قراءة سورة طويلة. وقد قال،
مالك رحمه الله: لا بأس أن يقرأ بسورتين وثلاث فى ركعة واحدة، وسورة واحدة
أحب إلينا.
ووجه جوازه ما روى عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لقد عرفت النظائر التى كان
النبى 18 يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين فى كل ركعة، ووجه

٤٠ ..
كتاب الصلاة
.....
اختيار السورة الواحدة أنه فعل النبى 4 المأثور عنه. وخبر ابن مسعود محمول على أن
ذلك فى النوافل دون الفرائض.
ومن جهة المعنى أن السورة تقرأ مع أم القرآن على وجه التبع، فيجب أن تكون على
حكمها سورة وحدة كاملة مثلها.
مسألة: واختلف قول مالك فى القراءة ببعض سورة، فقال فى المختصر: لا يفعل
ذلك، فإن فعل أجزأه. وروى الواقدى عن مالك: لا بأس أن يقرأ بأم القرآن وآية مثل
آية الدين.
◌َّ من قراءته ((بالمرسلات)) فى ركعة
وجه كراهية ذلك الآثار المروية عن النبى
وبـ((ق)) و((الطور)) وغير ذلك من السور.
ومن جهة المعنى أن قراءة السورة على وجه التبع لأم القرآن فكما لا يقتصر على
بعض أم القرآن كذلك لا يقتصر على بعض السورة.
ووجه إباحة ذلك ما روى عبدالله بن السائب قال: صلى لنا رسول الله لا بمكة،
فاستفتح سورة المؤمنين، حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر موسى عليه السلام،
أخذت النبى 18 سعلة فركع، وعبدالله بن السائب حاضر ذلك.
فصل: وقوله: ((يقرأ فى الركعتين من المغرب كذلك بأم القرآن وسورة سورة)»، يريد
فى الركعتين الأوليين، وأما الركعة الثالثة، فإن حكمها حكم الثالثة والرابعة من سائر
الصلوات يقرأ فيهما بأم القرآن خاصة، وهذا القول فى المغرب يدل على أن العدول عن
ظاهر قوله: فى سائر الصلوات، ولعله أراد بقوله: يقرأ فى الأربع جميعًا، الصلاة
الرباعية.
وقوله: ((فى كل ركعة))، أراد به من الركعتين الأوليين، وبين ذلك بقوله: ويقرأ فى
الركعتين من المغرب بأم القرآن وسورة.
١٧١ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتِ الأنْصَارِىِّ، عَنِ الْبَرَاءِ
١٧١ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٦٧، ٧٦٩. وتفسير القرآن حديث رقم ٤٩٥٢.
والتوحيد حديث رقم ٧٥٤٦. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٦٤. والترمذى فى الصلاة
حديث رقم ٢٨٥. والنسائى فى الصغرى فى الافتتاح حديث رقم ١٠٠٠، ١٠٠١. وأبو
داود فى الصلاة حديث رقم ١٢٢١. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم
٨٣٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٨٠٣٣، ١٨٠٥٦، ١٨٢٠٦، ١٨٢١٣، ٠١٨٢٢٣

٤١
کتاب الصلاة
ابْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ الْعِشَاءَ فَقَرَّأَ فِيهَا بِالّينِ وَالزَّيْتُونِ.
الشرح: قوله: ((إنه صلى مع رسول الله 48 العشاء، فقرأ فيها بالتين والزيتون)
إخبار عن مشاهدته للصلاة وبيان لسماعه لما أراد أن يخبر به من الحكم، وقراءة النبى
﴿4 بهذه السورة فى صلاة العشاء، وهى صلاة العتمة، يحتمل أن يكون فعل ذلك لأنه
قصد التخفيف، على أنها من السور التى يقرأ بها الإمام فى هذه الصلاة، مع سلامة
الحال لأن ما يختص بالصلوات من السور ليست على قدر واحد، بل منها ما يكون
تخفيفًا على الجماعة، ومنها ما يكون إتمامًا مع الأخذ بالحظ من التخفيف الذى يلزم
فيها، وللإمام أن يقصد من السور ما يليق بالجماعة فى تلك الصلاة، فإن لم يكن ما يمنع
الإتمام والإكمال وعرف أحوال من معه، فالإتمام أفضل، والتخفيف جائز، والله أعلم.
*
* *
العمل فى القراءة
١٧٢ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَلِىِّ
ابْنِ أَبِى طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّىِّ وَعَنْ تَخْمِ الذّهَبِ وَعَنْ
قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِى الرُّكُوعِ.
الشرح: قوله: «نھی عن لبس القسی»، القسی بفتح القاف وتشدید السین، روى
سحنون فى تفسيره عن ابن وهب أنها ثياب مضلعة، يريد مخططة بالحرير، كانت تعمل
بالقس الماحوز الذى يلى الفرماء، فنهى النبى ﴿﴿ عن لبسها، وهذا فى الحرير المحض أو
ما كان الغالب عليه الحرير المحض، فإنه يحرم لبسه فى غير الغزو.
أما الغزو، فأجاز ابن حبيب لبسه والصلاة فيه، ومنع غيره من أصحابنا، وقال أبو
محمد: إن ما حكاه ابن حبيب خارج عن مذهب مالك.
وجه ما قاله ابن حبيب أن الغزو موضع مباهاة وإرهاب على العدو.
ووجه ما ذهب إليه مالك أن ما لا يجوز فى غير الغزو من اللباس، فإنه لا يجوز فى
الغزو كالذهب والفضة.
١٧٢ - أخرجه مسلم فى اللباس والزينة حديث رقم ٢٠٧٨- والترمذى فى اللباس حديث رقم
١٦٥٩. والأدب حديث رقم ٢٧٣٢ - والنسائى فى الصغرى فى التطبيق حديث رقم
١٠٤٠، ١٠٤١، ١٠٤٢، ١٠٤٣، ١٠٤٤. والزينة ٥١٦٣، ٥١٦٤.

٤٢
كتاب الصلاة
فرع: ويمنع لبس الحرير على كل وجه، فلا يفرش ولا يبسط ولا يتكأ عليه ولا
یلتحف فيه ولا یر کب علیه. قال ابن حبیب: لأن هذا کله لیس معتاد.
فرع: من صلى بثوب حرير، فقد اختلف أصحابنا فيه، فروى عن عبدالملك بن
الحسن عن ابن وهب: من صلى به، وهو واجد لغيره لم يعد فى الوقت، ولا فى غيره.
قال ابن الماجشون فى الثمانية: سواء من صلى به عامدًا أو ساهيًا. وقال أشهب: إن
كان عليه غيره مما يستره، فلا إعادة عليه، وإن لم يكن عليه غيره، أعاد فى الوقت.
وقال سحنون: يعيد فى الوقت، وإن كان عليه غيره يستره، وهو قول ابن القاسم. وقال
ابن حبيب: إن كان عليه غيره يستره أثم، ولا إعادة عليه، وإن لم يكن عليه غيره أعاد
أبدًا.
فصل: وقوله: ((والمعصفر))، زاد أبو مصعب هذا اللفظ، فقال: نهى عن لبس القسى
والمعصفر، وتابعه على ذلك القعنبى ومعمر وبشر بن عمر وأحمد بن إسماعيل السهمى
وجماعة، ورواه الضحاك بن عثمان عن إبراهيم بن عبدالله بن حنين، فقال: عن تختم
الذهب، وعن لبس المقدم والمعصفر. قال أحمد بن حنبل: لم يذكر المقدم غير الضحاك.
وروى سحنون فى التفسير عن ابن وهب أنه قال: إن أهل المدينة لا يرون بأسًا
بالمقدم للرجل فى الدور والأبنية، ولا بأس به مع النساء على كل حال، وأنا استحب
فى لبسه للرجال أن يصبغ بنصف ما يصبغ به للمرأة، وكذلك بلغنى عن عائشة رضى
الله عنها.
فصل: وقوله: ((وعن تختم الذهب))، خاتم الذهب ممنوع للرجال، فمن صلى به، فقد
قال أشهب: لا إعادة عليه، وهذا على قياس قوله فى ثياب الحرير: إذا كان معه ما يستر
عورته. وقال سحنون: يعيد فى الوقت، وهو قياس قوله فى ثوب الحرير، وأما من
صلى، وهو حامل حلى ذهب على غير الوجه الذى يلبس عليه، فلا بأس بذلك.
فصل: وقوله: ((وعن قراءة القرآن فى الركوع))، ممنوع منه لهذا الحديث. وقد كره
مالك الدعاء فى الركوع وإنما روى ابن عباس أن رسول الله ﴿٤﴾ قال: ((نهيت أن أقرأ
راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع، فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا فى الدعاء
فقمن أن یستجاب لكم)).
فوجه الدليل منه أنه أمر بتعظيم الله تعالى فى الركوع، وهذا يقتضى إفراده لذلك.
ووجه ثان، وهو أنه خص كل حالة من الحالتين بنوع من العمل، فالظاهر اختصاصه

٤٣
كتاب الصلاة
به، وإلا بطلت فائدة التخصيص، فلا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل والله أعلم.
١٧٣ - مَالِك، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ
الِّىِّ، عَنْ أَبِى حَازِمِ التَّمَّارِ، عَنِ الْبَيَاضِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴾ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ
يُصَلُّونَ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: إِنَّ الْمُصَلَّىَ يُنَاجِى رَبَّهُ فَلْيُنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ
بِهِ وَلا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ.
الشرح: قوله: ((إن رسول الله 48 خرج على الناس وهم يصلون وقد علت
أصواتهم بالقراءة))، ظاهره أن صلاتهم كانت نافلة، لمعان أحدها: أنها لو كانت فريضة
لأمهم فيها النبى ﴾. والثانى: علوا أصواتهم وقراءة جميعهم، ولو كانت فريضة لرفع
صوته الإمام وحده لأن المعهود أنهم كانوا يصلون الفريضة بصلاة النبى ﴾ أو بصلاة
إمام، وقد بين فى حديث حماد بن زيد أن ذلك كان فى رمضان؛ لأن النبى ﴿﴿ لم يكن
جمعهم على إمام فى نوافل رمضان.
فصل: وقوله :﴿: ((إن المصلى يناجى ربه)) تنبيه على معنى الصلاة، والمقصود بها
ليكثر معنى الاحتراز من الأمور المكروهة المدخلة للنقص فيها، والإقبال على أمور
الطاعة المتممة لها.
فصل: وقوله: ((بما يناجيه به))، وإن كان القرآن قراءة جميعهم وقراءة كله طاعة
وقربة، فإنما أراد به، والله أعلم، أن لا يناجيه به على وجه مكروه من رفع صوت
بعضهم على بعض، وقد بين ذلك بقوله : ((ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن))
لأن فى ذلك إيذاء بعضهم لبعض، ومنعًا من الإقبال على الصلاة وتفريغ السر لها وتأمل
ما يناجى به ربه من القرآن، وإذا كان رفع الصوت بقراءة القرآن ممنوعًا حينئذ إِذاية
المصلين، فبأن يمنع رفع الصوت بالحديث وغيره أولى وأحرى لما ذكرناه، ولأن فى ذلك
استخفافًا بالمساجد وإطراحًا لتوقيرها وتنزيها الواجب وإفرادها لما بنيت من ذكر الله
تعالى قال الله العظيم: ﴿ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا﴾ [الحج: ٤٠].
مسألة: وأما قراءة الإمام فيما يجهر به من الفرائض، فلا بأس برفع الصوت بالقراءة
لمن تنفل فى بيته، ولعله أنشط له وأقوى، وزاد فى المختصر: بالليل والنهار.
١٧٣ - أخرجه أحمد ٦٧/٢ عن ابن عمر. والبيهقى فى السنن الكبرى ١٢٣ كتاب الصلاة، باب
من لم يرفع صوته، عن البياض. وعبد الرزاق فى المصنف ٤٢١٧، ٤٩٨/٢ عن أبى حازم
مولى الأنصار. والبغوى فى شرح السنة ٨٧٣ عن البياض.

٤٤
كتاب الصلاة
١٧٤ - مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطِّيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنْهُ قَالَ: قُمْتُ وَرَاءَ أَبى
بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُهُمْ كَانَ لا يَقْرَأُ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا اقْتَحَ الصَّلاةَ.
الشرح: قوله: ((قمت وراء أبى بكر وعمر وعثمان))، يريد القيام وراءهم فى
الصف، وذلك هيئته وهو أن يقف مستقبل القبلة، الوقوف المعتاد، وليس عليه استعمال
الاعتماد على رجليه جميعًا، فيقرنهما ويحركهما، ولا بأس أن يروح إحدى رجليه
ويعتمد على الأخرى، ويقدم إحداهما ويؤخر الأخرى لأن هذا هو الوقوف المعتاد
العارى عن الاستعمال.
فصل: وقوله: ((فكلهم. كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتحوا الصلاة»،
يقتضی نفی ذلك جملة وذلك یکون من وجهین، أحدهما: أن يخبره کل واحد منهم عن
فعله فى السر ويدل ذلك على اهتمام أنس بن مالك، رحمه الله، بهذا الحكم وتتبع فعل
الخلفاء فيه.
والثانى: فيما جهروا، وذلك أن يسمع قراءتهم لأم القآن بأثر فراغهم من الإحرام
من غير فصل، فيعلم بذلك أنهم لم يقرؤها، وهذا الحديث الذى ذهب إليه مالك من
ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم) فى الفريضة، فلا يقرؤها سرًا ولا جهرًا.
وروى ذلك عن ابن القاسم، وهو المشهور عنه، وروى عنه ابن نافع فى المبسوط: إن
جهر فى المكتوبة ((ببسم الله الرحمن الرحيم)) فلا حرج عليه. وقال الشافعى: نجب
القراءة بها فيما يجهر فيه الإمام. وقال أبو حنيفة: يقرأ بها سرًا ولا يجهر بها.
واختلف قولهم فى ذلك لاختلافهم فى أصل ما بنيت عليه هذه المسألة، وذلك أن
مالكًا، رحمه الله، ذهب إلى أن ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ليست بآية من القرآن. وقال
الشافعى: هى آية من القرآن، وفى هذا الحديث دلالة واضحة على أن ((بسم الله الرحمن
الرحيم)) ليست بآية من القرآن؛ لأن أبا بكر وعمر وعثمان أقاموا للناس الصلاة أربعًا
وعشرين سنة بحضرة المهاجرين والأنصار وجماعة المسلمين لا يقرءون («بسم الله الرحمن
الرحيم)) فلو كانت من أم القرآن لما جاز إقرارهم على ذلك كما لو تركوا قراءة أم
القرآن، لما أقروا على ذلك، فتركهم للقراءة بها وإجماع الصحابة على ذلك مع أنه لا
تصح الصلاة إلا بقراءة جميع القرآن، دليل واضح وإجماع مستقر على أن ((بسم الله
الرحمن الرحيم» ليست منها.
١٧٤ - أخرجه مسلم بكتاب الصلاة، باب ١٣ حجة من قال: لا يهجر بالتسليمة حديث ٥٠
جـ ٢٩٩/١ عن أنس.

........ ٤٥
كتاب الصلاة
والدليل على أن «بسم الله الرحمن الرحيم)) ليست بآية من القرآن أن رسول الله ﴾
ألقى القرآن إلى أمته إلقاءً شائعًا يوجب الحجة، ويقطع العذر ويثبت العلم الضرورى،
ويمنع الاختلاف والتشكك، ویوجب تکفیر من جحد حرفًا منه، ولیس هذا طريق «بسم
الله الرحمن الرحيم)) أنها آية من أم القرآن لأنه أمر قد وقع فيه الاختلاف، ولم يقع لنا به
العلم ولا يوجب جحد ذلك تكفير من جحده، فوجب بأن لا يكون قرآنًا.
ودليل آخر، وهو أن القرآن إنما يثبت بالنقل، ولا يخلو إثباتكم ((بسم الله الرحمن
الرحيم)) آية من أم القرآن أن يكون بنقل تواتر أو بآحاد، ولا يجوز أن يكون بنقل تواتر
لأنه لو كان لبلغنا كما بلغكم، ولا يجوز أن يكون خبر آحاد لأن القرآن لا يثبت بخبر
الآحاد، وإذا بطل الأمران جميعًا، بطل أن يكون آية من القرآن.
فرع: وأما الدليل على أنه لا يقرأ بها فى الصلاة، فخبر حميد المذكور، وهو إجماع
لصلاة الإمام بحضرة جملة الصحابة وعدم المنكر عليه والمخالف له، وحديث أبى هريرة
الذى يأتى بعد هذا: ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدى بنصفين، فنصفها لى ونصفها
لعبدى، ولعبدى ما سأل)) ثم ذكر آى أم القرآن حتى أتى على جميعها، وما يقال للعبد
عند قراءة كل ذلك، ولم يذكر ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وهذا دليل واضح على أنها
ليست منها.
فرع: وأما قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) فى النوافل، فالذى عليه شيوخنا
العراقيون من المالكيين أنه لا بأس أن يقرأ بها فى النافلة فى أول ﴿الحمد لله رب
العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] وفى أول كل سورة يقرأ بها فى الصلاة، وقد قال مثل ذلك ابن
حبيب، وزاد: إلا أن يوالى بين السورتين، فيؤمر أن يفصل بها بين السور.
وروى ابن القاسم عن مالك فى العتبية: يستفتح القراءة ب﴿الحمد لله رب العالمين﴾
ويقرأ بعد ذلك ((بسم الله الرحمن الرحيم)) بين كل سورتين إلا سورة براءة.
١٧٥ - مَالِك، عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ
قِرَاءَةً عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عِنْدَ دَارٍ أَبِى حَهْمٍ بِالْبَلاطِ.
الشرح: يحتمل ذلك أن عمر بن الخطاب كان الإمام فى الصلاة، فلذلك كان له أن
يجهر بالقراءة فيها، والصلاة التى كان يفعل ذلك فيها هى الفريضة التى كان يجتمع أهل
١٧٥ - انفرد به مالك.

كتاب الصلاة
٤٦
المسجد على الاقتداء به فيها، فلا يبقى أحد ينكر أن عمر بن الخطاب قد جهر عليه
بالقراءة، والبلاط موضع بالمدينة، وإنما قصد بذلك مالك بن أبى عامر أحد أمرين: إما
أنه أراد أن يحد نهاية ما كان يسمع منه صوت عمر بن الخطاب، وإما أن ذلك كان
موضع جلوس مالك بن أبى عامر وغيره ممن أخبر عنه، فأخبر عما كان فى علمه.
وقد ذكر بعض أهل التفسير أن صوت عمر إنما سمع فى ذلك المكان لجهارته وقوته،
وقول مالك هذا يقتضى أنه لم يكن مع عمر بن الخطاب فى تلك الصلاة، وذلك لمعان،
إما أن يكون قد فاته بعض الصلاة، فسمع قراءة عمر بن الخطاب من ذلك الموضع أو
يكون ذلك فى حال مرض منعه من إتيان المسجد، ويحتمل أن يخبر بذلك عن طائفته
وأهله وممن ينضاف إليه أنهم كانوا يسمعون صوت عمر بن الخطاب من ذلك الموضع
على ما يقوله وجه القبيلة وكبير المحلة فعلنا ذلك، وإنما فعله أتباعه وإنما قلنا ذلك لأن
الأليق بفضل مالك ودينه أنه لا يترك الصلاة فى الجماعة وهو يسمع قراءة الإمام مع
القدرة على إتيانه، ويحتمل أن يكون عمر بن الخطاب كان يجهر ذلك فى نافلته بالليل
وتهجده، فکان یسمع من ذلك الموضع.
١٧٦ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا فَاتَهُ شَىْءٌ مِنَ الصَّلاةِ مَعَ
الإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَرَأَ
لِنَفْسِهِ فِيمَا يَقْضِى وَجَهَرَ.
الشرح: عبدالله بن عمر علی دینه وفضله قد كان يدركه ما يدرك البشر من فوات
بعض صلاة الإمام، فإن كان ذلك فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة تبع الإمام، فإذا سلم
الإمام، قام عبدالله فقراً لنفسه، ولم يسقط عنه فرض القراءة، فيما أدرك معه من صلاة
الجهر، فكان يأتى فيما يصليه لنفسه بعد سلام الإمام بالقراءة على حسب ما أتى به
الإمام من الجهر.
وقد حمل ذلك بعض من فسر حديثه على مذهب مالك، رحمه الله، من رواية ابن
القاسم عنه أن المأموم إنما يقضى ما فاته من الصلاة على نحو ما فاته من القراءة، والجهر
وهو الأظهر، إلا أنه يحتمل أن يكون عبدالله بن عمر فعل ذلك فيما يجهر فيه من رأى
إتمام الصلاة، وأن الذى يأتى به المأموم بعد ذلك هو آخر صلاته فى مثل أن يفوته ركعة
من الصبح أو يدرك ركعة من المغرب أو العشاء، فإن الخلاف مرتفع هناك ولابد
للمأموم من الجهر فى القضاء على القولين.
١٧٦ - انفرد به مالك.

٤٧٠
كتاب الصلاة
١٧٧ - مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ أَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَوُصَلِّ إِلَى حَانِبِ نَافِعِ بْنِ
حُبَيْرِ بْنٍ مُطْعِمٍ فَيَغْمِزُنِى فَأَفْتَحُ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ نُصَلّى.
الشرح: يحتمل أن يكون ابن رومان كان يصلى بصلاة نافع ويأتم به فى نفل أو
فرض.
وقول يزيد: ((فيغمزنى فأفتح عليه)» يريد أن نافع بن جبير يرتج عليه، فيغمزه فى
الصلاة.
قال عيسى: وإنما كان يغمزه بيده دون الغمز بالعين، وإنما كان يستدعى بذلك أن
يفتح عليه. وقد أجاز مالك، رحمه الله وغيره، الفتح على الإمام فى صلاة الفريضة
والنافلة، وذلك أن المرتج عليه والفاتح عليه لا يخلو أن يكونا فى صلاة واحدة أو فى
صلاتين أو يكون المرتج عليه فى الصلاة، والفاتح فى غير صلاة، فإن كانا فى صلاة
واحدة، فلا خلاف أن الفتح عليه لا يبطل الصلاة، ولم ير مالك به بأسًا، وكرهه
الکوفیون.
والدليل على جواز ذلك أن الفتح على الإمام معونة على إتمام صلاته، وإصابة
القراءة، فكان ذلك بمنزلة الإنصات عند إصابة القراءة.
مسألة: وإن كانا فى صلاتين مختلفتين لا يفتح أحدهما على الآخر لأن فيه اشتغالا
للفاتح عن صلاته بصلاة غيره، وتغريرًا بفرضه، وربما أداه ذلك إلى السهو، وإدخال
نقص فى العبادة.
فرع: فإذا فتح عليه، فقال ابن القاسم فى المجموعة: قد أبطل صلاته وهو بمنزلة
الكلام. وقال ابن حبيب: لا يعيد، وبه قال أشهب، ولا بأس أن يفتح من ليس فى صلاة
على من هو فى صلاة، قاله مالك فى المختصر.
مسألة: والفتح على الإمام إنما يكون إذا ارتج عليه، وإذا غيرَّ قراءته، فأما عن
الارتتاج عليه، فهو إذا وقف ينتظر التلقين، رواه ابن حبيب عن مالك. وأما إذا غير
القراءة، فلا يفتح إذا خرج من سورة إلى سورة، أو من آية إلى أخرى ما لم يخلط آية
رحمة بآية عذاب، أو يغير تغييرًا يقتضى كفرًا، فإنه ينبه على الصواب.
فصل: وإما غمز نافع بن جبير، يزيد بن رومان، ليفتح عليه، فقد كان الوجه أن
١٧٧ - انفرد به مالك.

كتاب الصلاة
٤٨.
يفتح عليه يزيد بن رومان إذا وقف نافع ولا يحوجه إلى غمزه، وذلك الصواب لأن الغمز
زيادة عمل فى الصلاة، فإن لم يفعل ذلك المأموم عند توقف الإمام.
قال القاضى أبو الوليد: فقد رأيت جماعة من أصحابنا ذكروا خبر يزيد بن رومان
وتكلموا عليه، ولم أر أحدا منهم أنكر ذلك عليه، ولعله أن يخفف فيه لما كان فيه من
العون على إتمام القراءة وأنه عمل للصلاة مع قراءته، وإن لم يفتح المأموم على الإمام مع
ذلك، فوجه العمل فيه أن يتردد الإمام أو يخطرف تلك الآية، فإن تعذر ذلك عليه ركع
وسجد وسلم.
قال مالك: ولا ينظر فى مصحف إن کان بین یدیه.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وذلك عندى إذا ارتج عليه فى غير أم القرآن،
وأما أن ارتج فى أم القرآن، فليستدع الفتح عليه من حيث أمكنه وليغمز من يصلى معه
ولينظر فى مصحف إن كان قريبًا منه، فإن ذلك مما تدعو الضرورة إليه لتمام فرضه،
والله أعلم وأحكم.
القراءة فى الصبح
١٧٨ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ صَلَّى الصُّبْحَ
فَقَرَأْ فِيهَا بِسُورَةَ الْبَقَرَةِ فِى الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا.
الشرح: معناه أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان يطيل القراءة فى صلاة الصبح،
والظاهر أن من قرأ بالبقرة فى صلاة الصبح يدرك الإسفار، وإن بدأ فى أول الوقت،
وقد ذكرت عائشة رضى الله عنها عن زمن رسول الله . أن النساء كن ينصرفن من
الصلاة معه فی الغلس، و کل ذلك واسع جائز.
فصل: وقوله: ((قرأ فيها بسورة البقرة فى الركعتين كلتيهما))، سئل عيسى بن دينار:
أجزأ السورة بينهما أم قرأها فى كل ركعة من الصلاة المكتوبة؟ ولكن يقرأ بسورة، وإنما
قال بذلك لأن اللفظ محتمل للأمرين.
وأما جهة الظاهر، فإنه لو أكملها فى كل واحدة من الركعتين لخرج عن الوقت،
والله أعلم، فلما كان الأظهر عنده من جهة السورة أنه قرأ بعضها فى كل ركعة،
أجاب بأن الأفضل عنده أن يقرأ سورة كاملة فى كل ركعة.
١٧٨ - انفرد به مالك.

٤٩
كتاب الصلاة
١٧٩ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ بْنِ
رَبِيعَةً يَقُولُ: صَلْنَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الصُّبْحَ فَقَرَأْ فِيهَا بِسُورَةٍ يُوسُفَ وَسُورَةٍ
الْحَجِّ قِرَاءَةٌ يَطِيئَةٌ، فَقُلْتُ: وَاللّهِ إِذَا لَقَدْ كَانَ يَقُومُ حِينَ يَطْلُعُ الْفَحْرُ قَالَ: أَحَلْ.
الشرح: معنى ذلك أن عمر بن الخطاب قرأ فى إحدى الركعتين مع أم القرآن بسورة
يوسف، وفى الركعة الثانية بسورة الحج، واستغنى عن ذكر أم القرآن لعلم السامع
بذلك.
وقوله: ((قراءة بطيئة))، يريد يتمهل فى النطق بالحروف، ويبالغ فى الترتيل.
وقول عروة له: ((لقد كان يقوم حين يطلع الفجر))، إنما علم ذلك لأنه قد تقرر عنده
أنه لا يثبت فى مصلاه إلى خروج الوقت وطلوع الشمس؛ لأن ذلك تعمد لأداء بعض
الصلاة فى غير وقتها، ولا يظن هذا يمثل عمر رضى الله عنه، وعلى من أدرك من
الصلاة آخر وقتها وعلم أنه إن خفف صلاته مع الإتمام لفرضها أدرك جميعها فى
الوقت، وإن أطال قراءتها أدرك منها ركعة وأتى بسائرها فى غير الوقت أن يخفف
صلانه لأن فضيلة الوقت أعظم من فضيلة الإطالة لأنه لا يقدر أن يؤدى الفرض كله فى
الوقت، ويتنفل بعده بما شاء، والإطالة والزيادة على الذى يجزئ منها فى معنى النافلة،
والله أعلم.
١٨٠ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ
ابْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْفُرَافِصَةَ بْنَ عُمَيْرِ الْحَنَفِىَّ قَالَ: مَا أَخَذْتُ سُورَةً يُوسُفَ إِلا مِنْ قِرَاءَةٍ
عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ إِيَّاهَا فِى الصُّبْحِ مِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدُهَا لَنَا.
الشرح: قوله: ((ما أخذت سورة يوسف))، يريد ما حفظتها إلا من قراءة عثمان إياها
فى الصبح، وهذا يدل على كثرة إنصاته إلى قراءة الإمام، وتفريغه سرّة لما يقرأ به وكثرة
ترداد الإمام بهذه السورة، وذلك جائز، فقد يحضر الإنسان من الخشوع عند قراءة بعض
السور أكثر مما يحضره عند قراءة بعض، فيجوز له أن يقصد بالقراءة فى كثير من أوقاته
ما يحضره الخشوع عند قراءته، والله أعلم.
١٧٩ - انفرد به مالك.
١٨٠ - انفرد به مالك.